← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

القولين فيه مجازفةٌ. وقد جرَّبتُ أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبةً، واستشفيت به من عدَّة أمراضٍ، فبرأت بإذن اللَّه (١). وشاهدت من يتغذَّى به الأيَّامَ ذواتِ العدد قريبًا من نصف الشَّهر أو أكثره، ولا يجد جوعًا، ويطوف مع النَّاس كأحدهم. وأخبرني أنَّه ربَّما بقي عليه أربعين يومًا، وكان له قوَّةٌ يجامع بها أهله، ويصوم، ويطوف مرارًا. ماء النِّيل: أحد أنهار الجنَّة. أصله من وراء الجبال القُمْر (٢) في أقصى بلاد الحبشة من أمطارٍ تجتمع هناك، وسيولٍ يمدُّ بعضها بعضًا، فيسوقه الله سبحانه إلى الأرض الجُرُز الَّتي لا نبات بها (٣)، فيُخرج به زرعًا تأكل منه الأنعام والأنام. ولمَّا كانت الأرض الَّتي يسوقه إليها إبليزًا (٤) صُلبةً، إن أُمْطِرت مطرَ العادة لم ترو ولم تتهيَّأ للنَّبات، وإن أمطرت فوق العادة ضرَّت المساكن والسَّاكن، وعطَّلت المعايش والمصالح، فأمطر البلاد البعيدة، ثمَّ

стр. 2837

ساق تلك الأمطار إلى هذه الأرض في نهرٍ عظيمٍ. وجعل سبحانه زيادته في أوقاتٍ معلومةٍ على قدر ريِّ البلاد وكفايتها، فإذا روَّى البلاد وعمَّها أذِنَ سبحانه بتناقصه وهبوطه، لتتمَّ المصلحة بالتَّمكُّن من الزَّرع. واجتمع في هذا الماء الأمور العشرة الَّتي تقدَّم ذكرها، وكان من ألطف المياه وأخفِّها وأعذبها وأحلاها. ماء البحر: ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحِلُّ ميتته» (١). وقد جعله الله سبحانه ملحًا أُجاجًا مرًّا زُعَاقًا، لتمام مصالح مَن (٢) على وجه الأرض من الآدميِّين والبهائم، فإنَّه دائمٌ (٣) كثير الحيوان، وهو يموت فيه كثيرًا ولا يُقبَر. فلو كان حلوًا لأنتَنَ من إقامته وموت حيواناته فيه وأجَافَ (٤)، وكان الهواء المحيط بالعالم يكتسب منه ذلك ويُنتن ويُجيف،

стр. 2838

فيفسد العالم. فاقتضت حكمة الرَّبِّ سبحانه أن جعله كالملَّاحة لو ألقي فيه (١) جيف العالم كلُّها وأنتانه وأمواته لم تغيِّره شيئًا، ولا يتغيَّر على مكثه من حين خُلِق، وإلى أن يطوي الله العالم. فهذا هو السَّبب الغاييُّ لملوحته. وأمَّا الفاعليُّ فكون أرضه سبَخةً مالحةً. وبعد، فالاغتسال به نافعٌ من آفاتٍ عديدةٍ في ظاهر الجلد. وشربه مضرٌّ بداخله وخارجه، فإنَّه يُطلق البطن، ويُهْزِل، ويُحْدِث حكَّةً وجرَبًا ونفخًا وعطشًا. ومن اضطرَّ إلى شربه فله طرقٌ من العلاج يدفع به مضرَّته: منها: أن يجعل في قدرٍ، ويجعل فوق القدر قصَباتٌ، وعليها صوفٌ جديدٌ منفوشٌ، ويوقد تحت القدر حتَّى يرتفع بخارها إلى الصُّوف، فإذا كثر عصرُه، ولا يزال يفعل ذلك حتَّى يجتمع له ما يريد، فيحصل من البخار في الصُّوف ماءٌ عذبٌ، ويبقى في القدر الذُّعاف (٢). ومنها: أن يحفر على شاطئه حفرةٌ واسعةٌ يرشَح ماؤه إليها، ثمَّ إلى جانبها قريبًا منها أخرى ترشِّح هي إليها، ثمَّ ثالثةٌ إلى أن يعذب الماء. وإذا ألجأته الضَّرورة إلى شرب الماء الكدر، فعلاجه أن يلقي فيه نوى المشمش، أو قطعةً من خشب السَّاج، أو جمرًا ملتهبًا يطفأ فيه، أو طينًا أرمنيًّا أو سويقَ حنطةٍ، فإنَّ كدورته ترسُب إلى أسفل (٣).

стр. 2839

مِسْك: ثبت في «صحيح مسلم» (١) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أطيب الطِّيب المسك». وفي «الصَّحيحين» (٢) عن عائشة: كنت أطيِّب النَّبيَّ ﷺ قبل أن يُحرم، ويوم النَّحر قبل أن يطوف بالبيت، بطيبٍ فيه مسكٌ. المسكُ ملِكُ أنواع الطِّيب، وأشرفها، وأطيبها. وهو الذي تضرب به الأمثال، ويشبَّه به غيره، ولا يشبَّه بغيره. وهو كثبان الجنَّة (٣). وهو حارٌّ يابسٌ في الثَّانية، يسرُّ النَّفس ويقوِّيها، ويقوِّي الأعضاء الباطنة جميعها شربًا وشمًّا، والظَّاهرةَ إذا وُضِع عليها. نافعٌ للمشايخ، والمبرودين، لا سيَّما زمنَ الشِّتاء، جيِّدٌ للغشي والخفقان وضعف القوَّة بإنعاشه للحرارة الغريزيَّة. ويجلو بياض العين، وينشِّف رطوبتها، ويفشُّ الرِّياح منها ومن جميع الأعضاء. ويبطل عمل السَّموم، وينفع من نهش الأفاعي (٤). ومنافعه كثيرةٌ جدًّا، وهو من أقوى المفرِّحات. مَرْزَنْجُوش (٥): ورد فيه حديثٌ لا نعلم (٦) صحَّته: «عليكم بالمرزنجوش، فإنَّه جيِّدٌ للخُشَام» (٧). والخشام: الزُّكام.

стр. 2840

وهو حارٌّ (١) يابسٌ في الثَّانية. ينفع شمُّه من الصُّداع البارد، والكائن عن البلغم، والسَّوداء، والزُّكام، والرِّياح الغليظة، ويفتح السُّدد الحادثة في الرَّأس والمنخرين، ويحلِّل أكثر الأورام الباردة، وينفع من أكثر الأورام (٢) والأوجاع الباردة الرَّطبة. وإذا احتُمِل أدرَّ الطَّمث، وأعان على الحبل. وإذا دُقَّ ورقه اليابس وكُمِد به أذهَبَ آثار الدَّم العارض تحت العين، وإذا ضمِّد به مع الخلِّ نفَع لسعة العقرب. ودهنُه نافعٌ لوجع الظَّهر والرُّكبتين، ويذهب بالإعياء. ومن أدمن شمَّه لم ينزل في عينيه الماء، وإذا استُعِط بمائه مع دهن اللَّوز المرِّ فتَح سُدَدَ المنخرين، ونفَع من الرِّيح العارضة فيها وفي الرَّأس. مِلْح (٣): روى ابن ماجه في «سننه» (٤) من حديث أنسٍ يرفعه: «سيِّد

стр. 2841

إدامكم الملح». وسيِّدُ الشَّيء هو الذي يُصلحه ويقوم عليه، وغالب الإدام إنَّما يصلح بالملح. وفي «مسند البزار» (١) مرفوعًا: «ستُوشكوا (٢) أن تكونوا في النَّاس كالملح في الطَّعام، ولا يصلح الطَّعام إلا بالملح». وذكر البغوي في «تفسيره» (٣): عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: «إنَّ الله أنزل أربع بركاتٍ من السَّماء إلى الأرض: الحديد، والنَّار، والماء، والملح». والموقوف أشبه. الملح يُصْلح أجسام النَّاس وأطعمتهم، ويُصْلح كلَّ شيءٍ يخالطه حتَّى الذَّهب والفضَّة. وذلك أنَّ فيه قوَّةً تزيد الذَّهب صفرةً، والفضَّة بياضًا. وفيه جلاءٌ وتحليلٌ وإذهابٌ للرُّطوبات الغليظة، وتنشيفٌ لها، وتقويةٌ للأبدان

стр. 2842

ومنعٌ من عفونتها وفسادها، ونفعٌ من الجرب المتقرِّح. وإذا اكتُحِل به قلع اللَّحم الزَّائد من العين، ومحَقَ الظَّفرَة (١). والأندَرانيُّ (٢) أبلغ في ذلك. ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار، ويُحْدِر البراز. وإذا دُلِك به بطون أصحاب الاستسقاء نَفعهم. وينقِّي الأسنان، ويدفع عنها العفونة، ويشدُّ اللِّثة ويقوِّيها. ومنافعه كثيرةٌ (٣). حرف النُّون نخل: مذكورٌ في القرآن في غير موضعٍ. وفي «الصَّحيحين» (٤): عن ابن عمر قال: بينما نحن عند النبي ﷺ ، إذ أتي بجُمَّار نخلةٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ من الشَّجر شجرةً مثلُها مثلُ الرَّجل المسلم، لا يسقط ورقها. أخبروني ما هي؟». فوقع النَّاس في شجر البوادي، فوقع في نفسي أنَّها النَّخلة، فأردت أن أقول: هي النَّخلة. ثمَّ نظرت، فإذا أنا أصغر القوم سنًّا، فسكتُّ. فقال رسول الله ﷺ : «هي النَّخلة». فذكرتُ ذلك لعمر، فقال: لأن تكون قلتَها أحبُّ إليَّ من كذا وكذا. ففي هذا الحديث: إلقاء العالم المسائل على أصحابه، وتمرينهم،

стр. 2843

واختبار ما عندهم. وفيه: ضربُ الأمثال والتَّشبيه. وفيه: ما كان عليه الصَّحابة من الحياء من أكابرهم، وإجلالهم، وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم. وفيه: فرحُ الرَّجل بإصابة ولده، وتوفيقه للصَّواب. وفيه: أنَّه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه، وإن لم يعرفه الأب، وليس في ذلك إساءة أدبٍ عليه. وفيه: ما تضمَّنه تشبيهُ المسلم بالنَّخلة، وكثرةُ (١) خيرها، ودوامُ ظلِّها وطيبُ ثمرها ووجودُه على الدَّوام. وثمرها يؤكل رطبًا ويابسًا، وبلحًا ويانعًا. وهو غذاءٌ ودواءٌ، وقوتٌ وحلوى، وشرابٌ وفاكهةٌ. وجذوعها للبناء والآلات والأواني. ويتَّخذ من ورقها (٢) الحُصُر والمكاتل والأواني والمراوح وغير ذلك، ومن ليفها الحبال والحشايا وغيرها. ثمَّ آخر شيءٍ نواها علَفٌ للإبل، ويدخل في الأدوية والأكحال. ثمَّ جمال ثيابها (٣)، وحسن هيئتها، وبهجة منظرها، وحسن نضد ثمرتها (٤) وصنعته وبهجته ومسرَّة النُّفوس عند رؤيته. فرؤيتها مذكِّرةٌ بفاطرها وخالقها، وبديع صُنعه، وكمال قدرته، وتمام حكمته. ولا شيء أشبه بها من الرَّجل المؤمن، إذ هو خيرٌ كلُّه ونفعٌ ظاهرٌ وباطنٌ.

стр. 2844

وهي الشَّجرة الَّتي حنَّ جذعها إلى رسول الله ﷺ لمَّا فارقه شوقًا إلى قربه واستماع كلامه. وهي الَّتي نزلت تحتها مريم لمَّا ولدت عيسى. وقد ورد في حديثٍ في إسناده نظرٌ: «أكرموا عمَّتكم النَّخلة، فإنَّها خُلِقت من الطِّين الذي خُلِقَ منه آدم» (١). وقد اختلف النَّاس في تفضيلها على الحَبْلة أو بالعكس على قولين. وقد قرن الله بينهما في كتابه في غير موضعٍ، وما أقرب أحدهما من صاحبه! وإن كان كلُّ واحدٍ منهما في محلِّ سلطانه ومنبته والأرض الَّتي توافقه أفضل وأنفع (٢). نرجس (٣): فيه حديثٌ لا يصحُّ: «عليكم بشمِّ النَّرجِس، فإنَّ في القلب حبَّةَ الجنون والجذام والبرص، لا يقطعها إلا شمُّ النَّرجس» (٤).

стр. 2845

وهو حارٌّ يابسٌ في الثَّانية. وأصله يدمُل القروح الغائرة إلى العصَب. وله قوَّةٌ غسَّالةٌ جاليةٌ جابذةٌ (١)، وإذا طُبِخ وشرب ماؤه أو أُكِل مسلوقًا هيَّج القيء، وجذب الرُّطوبة من قعر البدن. وإذا طُبِخ بالكِرْسِنَّة (٢) والعسل نقَّى أوساخ القروح، وفجَّر الدُّبيلات (٣) العَسِرة النُّضج. وزهره: معتدل الحرارة، لطيفٌ، ينفع الزُّكام البارد. وفيه تحليلٌ قويٌّ، ويفتح سُدَدَ الدِّماغ والمنخرين، وينفع من الصُّداع الرَّطب والسَّوداويِّ، ويصدِّع الرُّؤوس الحارَّة. والمحدّق (٤) منه إذا شُقَّ قضيبُه (٥) صليبًا وغُرِس صار مضاعفًا (٦). ومن أدمن شمَّه في الشِّتاء أمِن البرسام في الصَّيف. وينفع

стр. 2846

من أوجاع الرَّأس الكائنة من البلغم والمِرَّة السَّوداء. وفيه من العطريَّة ما يقوِّي القلب والدِّماغ، وينفع من كثيرٍ من أمراضها. وقال صاحب «التَّيسير» (١): شمُّه يذهب بصرع الصِّبيان. نُورة (٢): روى ابن ماجه في «سننه» (٣) من حديث أم سلمة أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا اطَّلى (٤) بدأ بعورته فطلاها بالنُّورة، وسائرَ جسده أهلُه. وقد ورد فيها عدَّة أحاديث هذا أمثلها. وقد قيل: إنَّ أوَّل من دخل الحمَّام، وصُنعت له النُّورة سليمان بن داود (٥).

стр. 2847

وأصلها: كِلْسٌ جزءان، وزرنيخٌ جزءٌ. يخلطان بالماء، ويتركان في الشَّمس أو الحمَّام بقدر ما ينطبخ (١)، وتشتدُّ زرقته. ثمَّ يطلى به، ويجلس ساعةً ريثما يعمل، ولا يمسُّ بماءٍ. ثمَّ يغسل، ويطلى مكانها بالحنَّاء لإذهاب ناريَّتها. نَبِق (٢): ذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبِّ النَّبويِّ» مرفوعًا (٣): «إنَّ آدم لمَّا أهبط إلى الأرض كان أوَّلَ شيءٍ أكل من ثمارها النَّبِقُ». وقد ذكر النَّبيُّ ﷺ النَّبق في الحديث المتَّفق على صحَّته (٤) أنَّه رأى سدرةَ المنتهى ليلةَ أُسْرِي به، وإذا نَبِقُها مثل قِلال هَجَر. والنَّبق: ثمر شجر السِّدر، يعقل الطَّبيعة، وينفع من الإسهال، ويدبغ

стр. 2848

المعدة، ويسكِّن الصَّفراء، ويغذو البدن، ويشهِّي الطَّعام، ويولِّد بلغمًا (١). وينفع الذَّرَب (٢) الصَّفراويَّ. وهو بطيء الهضم. وسويقه يقوِّي الحشا. وهو يُصلح الأمزجة الصَّفراويَّة، ودفعُ مضرَّته بالشَّهد. واختلف فيه هل هو رطبٌ أو يابسٌ؟ على قولين. والصَّحيح: أنَّ رطبه بارد رطب، ويابسه بارد يابس. حرف الهاء هِنْدَبا (٣): ورد فيها ثلاثة أحاديث لا تصحُّ عن رسول الله ﷺ ، ولا يثبت مثلها، بل هي موضوعة: أحدها: «كلوا الهندبا ولا تنفُضوه، فإنَّه ليس يومٌ من الأيَّام إلا وقطراتٌ من الجنَّة تقطرُ عليه» (٤). الثَّاني: «من أكل الهندبا ونام عليها لم يحلَّ فيه سمٌّ ولا سحرٌ» (٥).

стр. 2849

الثَّالث: «ما من ورقةٍ من ورق الهندبا إلا وعليها قطرةٌ من الجنَّة» (١). وبعد، فهي مستحيلة المزاج، منقلبةٌ بانقلاب فصول السَّنة. فهي في الشِّتاء باردةٌ رطبةٌ، وفي الصَّيف حارَّةٌ يابسةٌ، وفي الرَّبيع والخريف معتدلةٌ. وفي غالب أحوالها تميل إلى البرودة واليبس. وهي قابضةٌ مبرِّدةٌ جيِّدةٌ للمعدة. وإذا طُبِخت وأُكِلت بخلٍّ عقَلت البطنَ، وخاصَّةً البرِّيُّ منها، فهي أجود للمعدة، وأشدُّ قبضًا، وتنفع من ضعفها. وإذا تُضُمِّد بها سكَّنت (٢) الالتهاب العارض في المعدة. وتنفع (٣) من النِّقرس، ومن أورام العين الحارَّة. وإذا تضُمِّد بورقها وأصولها نفَعت من لسع العقرب. وهي تقوِّي المعدة، وتفتح السُّدد العارضة في الكبد، وتنفع من أوجاعها حارِّها وباردها، وتفتح سدد الطِّحال والعروق والأحشاء، وتنقِّي مجاري الكلى. وأنفعها للكبد: أمرُّها. وماؤها المعتصر ينفع من اليرقان السُّدديِّ، ولا سيَّما إذا خُلِط به ماء الرَّازِيانَج الرَّطب. وإذا دُقَّ ورقها ووُضِع على الأورام

стр. 2850

الحارَّة برَّدها وحلَّلها. ويجلو ما في المعدة، ويطفئ حرارة الدَّم والصَّفراء. وأصلَحُ ما أُكِلت غير مغسولةٍ ولا منفوضةٍ، لأنَّها متى غُسِلت أو نُفِضت فارقتها قوَّتها. وفيها مع ذلك قوَّة ترياقيَّة تنفع من جميع السُّموم. وإذا اكتُحِل بمائها نفَع من الغشاء (١). ويدخل ورقها في التِّرياقات (٢)، وينفع من لدغ العقرب، ويقاوي (٣) أكثر السُّموم. وإذا اعتُصِر ماؤها، وصُبَّ عليه الزَّيت، خلَّص من الأدوية القتَّالة كلِّها (٤). وإذا اعتُصِر أصلُها وشُرب ماؤه نفَع من لسع الأفاعي ولسع العقرب والزُّنبور. ولبنُ أصلها يجلو بياض العين. حرف الواو وَرْس (٥): ذكر الترمذي في «جامعه» (٦) من حديث زيد بن أرقم عن النَّبيِّ

стр. 2851

- ﷺ أنَّه كان ينعت الزَّيت والوَرْسَ من ذات الجنب. قال قتادة: يُلَدُّه ويُلَدُّ من الجانب الذي يشتكيه. وروى ابن ماجه في «سننه» (١) من حديث زيد بن أرقم أيضًا، قال: نعت رسول الله ﷺ من ذات الجنب وَرْسًا وقُسْطًا وزيتًا يُلَدُّ به. وصحَّ عن أم سلمة قالت: كانت النُّفساء تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا، وكانت إحدانا تطلي الوَرْسَ على وجهها من الكلَف (٢). قال أبو حنيفة اللغوي (٣): الورس يزرع زرعًا، وليس ببرِّيٍّ ولست أعرفه بغير أرض العرب ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن. وقوَّته في الحرارة واليبوسة في أوَّل الدَّرجة الثَّانية. وأجوده: الأحمر اللَّيِّن في اليد، القليلُ النُّخالة. ينفع من الكلَف والحكَّة والبثور الكائنة في سطح البدن إذا طلي به. وله قوَّةٌ قابضةٌ صابغةٌ. وإذا شُرِب نفعَ من الوضَح.

стр. 2852

ومقدار الشَّربة منه وزن درهمٍ. وهو في مزاجه ومنافعه قريبٌ من منافع القُسْط البحريِّ (١). وإذا لُطِخ به على البهَق والحكَّة والبثور والسَّفْعة نفَع منها. والثَّوب المصبوغ بالورس يقوِّي على الباه. وَسْمة: هي ورق النِّيل، وهي تسوِّد الشَّعر. وقد تقدَّم قريبًا ذكر الخلاف في جواز الصَّبغ بالسَّواد، ومَن فَعَله. حرف الياء يقطين: وهو الدُّبَّاء والقَرَع. وإن كان اليقطين أعمَّ، فإنَّه في اللُّغة كلُّ شجرةٍ لا تقوم على ساق، كالبطِّيخ والقثَّاء والخيار. قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]. فإن قيل: ما لا يقوم على ساقٍ يسمَّى نَجْمًا، لا شجرًا. والشَّجر: ما له ساقٌ. قاله أهل اللُّغة، فكيف قال: ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾؟ فالجواب: أنَّ الشَّجر إذا أُطلِق كان ما له ساقٌ يقوم عليه، وإذا قيِّد بشيءٍ تقيَّد به. فالفرق بين المطلق والمقيَّد في الأسماء بابٌ مهمٌّ عظيم النَّفع في الفهم ومراتب اللُّغة. واليقطين المذكور في القرآن هو: نبات الدُّبَّاء. وثمره يسمَّى الدُّبَّاء والقرع، وشجره اليقطين. وقد ثبت في «الصَّحيحين» (٢) من حديث أنس بن مالكٍ أنَّ خيَّاطًا دعا رسول الله ﷺ لطعامٍ صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ ، فقرَّب إليه

стр. 2853

خبزًا من شعيرٍ، ومرَقًا فيه دبَّاءٌ وقديدٌ. قال أنس: فرأيت رسول الله ﷺ يتتبَّع الدُّبَّاء من حوالي الصَّحْفة. فلم أزل أحبُّ الدُّبَّاء من ذلك اليوم. وقال أبو طالوت: دخلت على أنس بن مالكٍ، وهو يأكل القرع ويقول: يا لكِ من شجرةٍ! ما أحبَّك إليَّ بحبِّ (١) رسول الله ﷺ إيَّاك (٢). وفي «الغيلانيَّات» (٣) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عائشة إذا طبختم قدرًا فأكثِرُوا فيها من الدُّبَّاء، فإنَّها تشدُّ قلب الحزين». اليقطينُ: باردٌ رطبٌ. يغذو غذاءً يسيرًا، وهو سريع الانحدار. وإن لم يفسد قبل الهضم تولَّد منه خِلْطٌ محمودٌ، ومن خاصِّيَّته أنَّه يتولَّد منه خلطٌ (٤) مجانسٌ لما يصحبه. فإن أُكِل بالخردل تولَّد منه خلطٌ حِرِّيفٌ، وبالملح خلطٌ مالحٌ، ومع القابض قابضٌ. وإن طُبِخ بالسَّفرجل غذا البدنَ غذاءً جيِّدًا. وهو لطيفٌ مائيٌّ، يغذو غذاءً رطبًا بلغميًّا، وينفع المحرورين. ولا يلائم المبرودين ومَن الغالبُ عليهم البلغم. وماؤه يقطع العطش، ويُذهب الصُّداع

стр. 2854

الحارَّ إذا شُرِب أو غُسِل به الرَّأس. وهو مليِّنٌ للبطن كيف استعمل. ولا يتداوى المحرورون بمثله، ولا أعجل منه نفعًا. ومن منافعه: أنَّه إذا لُطِخ بعجينٍ، وشُوي في الفُرن أو التَّنُّور، واستُخْرِج ماؤه، وشُرِب ببعض الأشربة اللَّطيفة= سكَّن حرارة الحمَّى الملتهبة، وقطَع العطش، وغذَّا غذاءً حسنًا. وإذا شُرِب بتَرَنْجَبين وسفرجلٍ مربًّى أسهَلَ صفراء محضةً. وإذا طُبِخ القرع، وشُرب ماؤه بشيءٍ من عسلٍ، وشيءٍ من نَطْرونٍ (١)، أحدَرَ بلغمًا ومِرَّةً معًا. وإذا دُقَّ وعُمِل منه ضمادٌ على اليافوخ نفَع من الأورام الحارَّة في الدِّماغ (٢). وإذا عصرت جُرادته (٣)، وخُلِط ماؤها بدهن الورد، وقُطِر منها في الأذن (٤) = نفَعت من الأورام الحارَّة. وجُرادته نافعة من أورام العين الحارَّة، ومن النِّقْرِس الحارِّ. وهو شديد النَّفع لأصحاب الأمزجة الحارَّة والمحمومين. ومتى صادف في المعدة خِلْطًا رديًّا استحال إلى طبيعته، وفسد، وولَّد في البدن خلطًا رديًّا. ودفعُ مضرَّته بالخلِّ والمُرِّيِّ. وبالجملة، فهو من ألطف الأغذية، وأسرعها انفعالًا. ويذكر عن أنس أنَّ

стр. 2855

رسول الله ﷺ كان يُكْثِر من أكله (١). فصل (٢) وقد رأيت أنَّ أختم الكلام في هذا الباب بفصلٍ مختصرٍ عظيم النَّفع في المحاذر والوصايا الكلُّيَّة النَّافعة لتتمَّ منفعة الكتاب. ورأيت لابن ماسويه فصلًا في «كتاب المحاذير» نقلته بلفظه (٣). قال: من أكل البصل أربعين يومًا، وكَلِفَ (٤)، فلا يلومنَّ إلا نفسه. من (٥) افتصد، فأكل مالحًا، فأصابه بَهَق أو جَرَب، فلا يلومنَّ إلا نفسه. من جمع في معدته البيض والسَّمك، فأصابه فالج أو لَقْوة، فلا يلومنَّ إلا نفسه. من دخل الحمَّام وهو ممتلئٌ، فأصابه الفالج، فلا يلومنَّ إلا نفسه. ومن جمع في معدته اللَّبن والسَّمك، فأصابه جُذامٌ أو برَص أو نِقْرِس،

стр. 2856

فلا يلومنَّ إلا نفسه. من جمع في معدته اللَّبن والنَّبيذ، فأصابه برَص أو نِقْرِس، فلا يلومنَّ إلا نفسه. من احتلم فلم يغتسل حتَّى وطئ أهله، فولدت مجنونًا أو مختلًّا (١)، فلا يلومنَّ إلا نفسه. ومن (٢) أكل بيضًا مصلوقًا (٣) باردًا وتملَّأ (٤) منه، فأصابه ربوٌ، فلا يلومنَّ إلا نفسه. من جامع فلم يصبر حتَّى يفرغ، فأصابه حصاةٌ، فلا يلومنَّ إلا نفسه. من نظر في المرآة ليلًا، فأصابه لقوةٌ أو أصابه داءٌ، فلا يلومنَّ إلا نفسه. فصل وقال ابنُ بَخْتَيْشُوع: احذر أن تجمع بين البيض والسَّمك، فإنَّهما يورثان القولنج، والبواسير، ووجع الأضراس.

стр. 2857

إدامةُ أكل البيض تولِّد (١) الكلَف في الوجه. أكلُ الملوحة والسَّمك المالح والافتصاد بعد الحمَّام يولِّد البَهق والجرَب. إدامةُ أكلِ كُلى الغنم يعقِر المثانة. الاغتسال بالماء البارد بعد أكل السَّمك الطَّريِّ يولِّد الفالج. وطء المرأة الحائض يولِّد الجذام. الجماع من غير أن يهريق الماء عقيبه يولِّد الحصاة. طول المكث في المخرج (٢) يولِّد الدَّاء الدَّويَّ (٣). وقال بُقراط (٤): الإقلالُ من الضَّارِّ خيرٌ من الإكثار من النَّافع. وقال: استديموا (٥) الصِّحَّة بترك التَّكاسل عن التَّعب، وبترك الامتلاء من الطَّعام والشَّراب (٦).

стр. 2858

وقال بعض الحكماء: من أراد الصِّحَّة فليجوِّد (١) الغذاء، وليأكل على نقاءٍ. وليشرب على ظماءٍ، وليقلِّل من شرب الماء. ويتمدَّد بعد الغداء، ويتمشَّى بعد العشاء، ولا ينام (٢) حتَّى يعرض نفسه على الخلاء. وليحذر دخول الحمَّام عقيب الامتلاء، ومرَّة في الصَّيف خير من عشرةٍ (٣) في الشِّتاء. وأكلُ القديد اليابس باللَّيل معينٌ على الفناء. ومجامعة العجائز تُهْرم (٤) أعمار الأحياء، وتُسْقِم أبدان الأصحَّاء (٥). ويروى هذا عن علي، ولا يصحُّ عنه وإنَّما بعضه من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب وكلام غيره. وقال الحارث: من سرَّه البقاء ــ ولا بقاء ــ فليباكر الغداء، وليعجِّل العشاء، وليخفِّف الرِّداء (٦)، وليقلِّل غشيان النِّساء (٧). وقال الحارث: أربعة أشياء تهدم البدن: الجماع على البِطْنة، ودخول الحمَّام على الامتلاء، وأكل القديد، وجماع العجوز.

стр. 2859

ولمَّا احتُضِر الحارث اجتمع إليه النَّاس، فقالوا: مُرْنا بأمرٍ ننتهي إليه من بعدك (١)، فقال: لا تتزوَّجوا من النِّساء إلا شابَّةً. ولا تأكلوا الفاكهة إلا في أوان نضجها. ولا يتعالجنَّ أحدكم ما احتمل بدنُه الدَّاء. وعليكم بتنظيف المعدة (٢) في كلِّ شهرٍ، فإنَّها مذيبةٌ للبلغم، مهلكةٌ للمِرَّة، منبتةٌ للَّحم. وإذا تغدَّى أحدكم، فلينم على إثر طعامه (٣) ساعةً، وإذا تعشَّى فليمش أربعين خطوةً. وقال بعض الملوك لطبيبه (٤): لعلَّك لا تبقى لي، فصِفْ لي صفةً آخذها عنك. فقال: لا تنكح إلا شابَّةً، ولا تأكل من اللَّحم إلا فتيًّا، ولا تشرب الدَّواء إلا من علَّةٍ، ولا تأكل الفاكهة إلا في نضجها، وأَجِدْ مضغ الطَّعام. وإذا أكلت نهارًا فلا بأس أن تنام، وإذا أكلت ليلًا فلا تنم حتَّى تمشي ولو خمسين خطوةً. ولا تأكلنَّ حتَّى تجوع، ولا تتكارهنَّ على الجماع، ولا تحبس البول،

стр. 2860

وخذ من الحمَّام قبل أن يأخذ منك. ولا تأكلنَّ طعامًا وفي معدتك طعامٌ، وإيَّاك أن تأكل ما تعجز أسنانك عن مضغه، فتعجز معدتك عن هضمه. وعليك في كلِّ أسبوعٍ بقيئك (١) ينقِّي جسمك. ونعم الكنز الدَّم في جسدك فلا تخرجه إلا عند الحاجة إليه. وعليك بدخول الحمَّام، فإنَّه يخرج من الأطباق ما لا تصل الأدوية إلى إخراجه. وقال الشَّافعيُّ (٢): أربعةٌ تقوِّي البدن: أكل اللَّحم، وشمُّ الطِّيب، وكثرة الغسل من غير جماعٍ، ولبس الكتَّان. وأربعةٌ توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهمِّ، وكثرة شرب الماء على الرِّيق، وكثرة أكل الحامض. وأربعةٌ تقوِّي البصر: الجلوس حيال الكعبة، والكحل عند النَّوم، والنَّظر إلى الخضرة، وتنظيف المجلس. وأربعةٌ توهن البصر: النَّظر إلى القذر، وإلى المصلوب، وإلى فرج المرأة، والقعود مستدبر القبلة. وأربعةٌ تزيد في الجماع: أكل العصافير، والإطْرِيفَل (٣)، والفستق،

стр. 2861

والخَرُّوب (١). وأربعةٌ تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسِّواك، ومجالسة الصَّالحين، ومجالسة العلماء. وقال أفلاطون: خمسٌ يُذِبْن البدن، وربَّما قتلن: قِصَرُ ذات اليد، وفراق الأحبَّة، وتجرُّع المغايظ، وردُّ النُّصح، وضحك ذوي الجهل بالعقلاء. وقال طبيب المأمون (٢): عليك بخصالٍ، مَن حَفِظها فهو جديرٌ أن لا يعتلَّ إلا علَّةَ الموت: لا تأكل طعامًا وفي معدتك طعامٌ. وإيَّاك أن تأكل طعامًا تتعب (٣) أضراسُك في مضغه، فتعجز معدتُك عن هضمه. وإيَّاك وكثرة الجماع فإنَّه يقتبس (٤) نور الحياة. وإيَّاك ومجامعة العجوز فإنَّه يورث موت الفجأة. وإيَّاك والفصد إلا عند الحاجة إليه. وعليك بالقيء في الصَّيف.

стр. 2862

ومن جوامع كلمات بُقراط (١) قوله: كلُّ كثيرٍ فهو معادٍ للطَّبيعة. وقيل لجالينوس: ما لك لا تمرض؟ فقال: لأنِّي لم أجمع بين طعامين رديَّين، ولم أدخل طعامًا على طعامٍ، ولم أحبس في المعدة طعامًا تأذَّيت به (٢). فصل وأربعة أشياء تمرض الجسم: الكلام الكثير، والنَّوم الكثير، والأكل الكثير، والجماع الكثير. فالكلام الكثير: يقلِّل مخَّ الدِّماغ ويضعفه، ويعجِّل الشَّيب. والنَّوم الكثير: يصفِّر الوجه، ويعمي القلب، ويهيِّج العين، ويكسل عن العمل، ويولِّد الرُّطوبات في البدن. والأكل الكثير يفسد فم المعدة، ويُضعف الجسم، ويولِّد الرِّياح الغليظة والأدواء العسرة. والجماع الكثير يهُدُّ البدن، ويُضعف القوى، ويجفِّف رطوبات البدن، ويرخي العصَب، ويورث السُّدَد. ويعمُّ ضرره جميعَ البدن، ويخصُّ الدِّماغَ لكثرة ما يتحلَّل منه به من الرُّوح النَّفسانيِّ، وإضعافه أكثر من إضعاف جميع المستفرغات، ويستفرغ من جوهر الرُّوح شيئًا كثيرًا.

стр. 2863

وأنفع ما يكون إذا صادف شهوةً صادقةً من صورةٍ جميلةٍ حديثة السِّنِّ حلالًا مع سنِّ الشُّبوبيَّة، وحرارة المزاج ورطوبته، وبعد العهد به، وخلاء القلب من الشَّواغل النَّفسانيَّة. ولم يُفْرِط فيه، ولم يقارنه ما ينبغي تركه معه من امتلاءٍ مفرطٍ، أو خَواءٍ، أو استفراغٍ، أو رياضةٍ تامَّةٍ، أو حرٍّ مفرطٍ، أو بردٍ مفرطٍ (١). فإذا راعى فيه هذه الأمور العشرة انتفع به جدًّا، وأيُّها فُقِدَ (٢) حصَل له من الضَّرر بحسبه. وإن فقدت كلُّها أو أكثرها فهو الهلاك المعجَّل (٣). فصل والحِمْية المفرطة في الصِّحَّة كالتَّخليط في المرض. والحِمْية المعتدلة نافعة. وقال جالينوس لأصحابه: اجتنبوا ثلاثًا، وعليكم بأربعٍ، ولا حاجة بكم إلى الطبيب. اجتنبوا الغبار والدُّخان والنَّتن. وعليك بالدَّسم والطِّيب والحلوى والحمَّام. ولا تأكلوا فوق شبعكم. ولا تتخلَّلوا بالباذَرُوج (٤) والرَّيحان (٥). ولا تأكلوا الجوز عند المساء. ولا ينم من به زكمةٌ على قفاه. ولا يأكل من به غمٌّ حامضًا. ولا يسرع المشي من افتصد، فإنَّه مخاطرة الموت. ولا يتقيَّأ من تؤلمه عينه. ولا تأكلوا في الصَّيف لحمًا كثيرًا. ولا ينم صاحب الحمَّى الباردة في الشَّمس. ولا تقربوا الباذنجان العتيق المبزِّر. ومن

стр. 2864

شرب كلَّ يومٍ في الشِّتاء قدحًا من ماءٍ حارٍّ أمن من الأعلال. ومن دلَك جسمَه في الحمَّام بقشور الرُّمَّان أمن من الجرب والحكَّة. ومن أكل خمس سَوْسَناتٍ مع قليل مُصْطكى روميٍّ، ومسكٍ، وعودٍ خامٍ= بقي طول عمره لا تضعف معدته ولا تفسد. ومن أكل بزر البطِّيخ مع السُّكَّر نظَّف الحصى من معدته، وزالت عنه حرقة البول (١). فصل أربعةٌ تهدم البدن: الهمُّ، والحزن، والجوع، والسَّهر (٢). وأربعةٌ تفرح: النَّظر إلى الخضرة، والماء الجاري، والمحبوب، والثِّمار (٣). وأربعةٌ تظلم البصر: المشي حافيًا، والتَّصبُّح والتَّمسِّي (٤) بوجه البغيض والثَّقيل والعدوِّ، وكثرة البكاء، وكثرة النَّظر في الخطِّ الدَّقيق. وأربعةٌ تقوِّي الجسم: لبس الثَّوب النَّاعم، ودخول الحمَّام المعتدل، وأكل الطَّعام الحلو (٥) والدَّسم، وشمُّ الرَّوائح الطَّيِّبة.

стр. 2865

وأربعةٌ تيبِّس الوجه، وتُذهب ماءه وبهجته وطلاوته: الكذب، والوقاحة، وكثرة السُّؤال عن غير علمٍ، وكثرة الفجور (١). وأربعةٌ تزيد ماء الوجه وبهجته: المروءة، والوفاء، والكرم، والتَّقوى. وأربعةٌ تجلب البغضاء والمقت: الكبر، والحسد، والكذب، والنَّميمة. وأربعةٌ تجلب الرِّزق: قيام اللَّيل، وكثرة الاستغفار بالأسحار، وتعاهد الصَّدقة، والذِّكر أوَّل النَّهار وآخره (٢). وأربعةٌ تمنع الرِّزق: نوم الصُّبحة، وقلَّة الصَّلاة، والكسل، والخيانة (٣). وأربعةٌ تضرُّ بالفهم والذِّهن: إدمان أكل الحامض والفواكه، والنَّوم على القفا، والهمُّ، والغمُّ (٤). وأربعة أشياء تزيد في الفهم (٥): فراغ القلب، وقلَّة التَّملِّي (٦) من الطَّعام والشَّراب، وحسن تدبير الغذاء بالأشياء الحلوة والدَّسمة، وإخراج الفضلات المثقِلة للبدن (٧).

стр. 2866

وممَّا يضرُّ بالعقل: إدمان أكل البصل، والباقلَّا، والزَّيتون، والباذنجان، وكثرة الجماع، والوحدة، والأفكار، والسُّكر، وكثرة الضَّحك، والغمُّ. قال بعض أهل النَّظر (١): قُطِعتُ في ثلاثة (٢) مجالس، فلم أجد لذلك علَّةً إلا أنِّي أكثرت من أكل الباذنجان في أحد تلك الأيَّام، ومن الزَّيتون في الآخر، ومن الباقلَّا في الثَّالث. فصل قد أتينا على جُمَل نافعةٍ من أجزاء الطِّبِّ العلميِّ والعمليِّ، لعلَّ النَّاظر فيها لا يظفر بكثيرٍ منها إلا في هذا الكتاب. وأريناك قرب ما بينها وبين الشَّريعة، وأنَّ الطِّبَّ النَّبويَّ نسبةُ طبِّ الطَّبائعيِّين إليه أقلُّ من نسبة طبِّ العجائز إلى طبِّهم. والأمر فوق ما ذكرناه، وأعظمُ ممَّا وصفناه بكثيرٍ؛ ولكن فيما ذكرناه تنبيهٌ باليسير على ما وراءه. ومن لم يرزقه الله بصيرةً على التَّفصيل فليعلم ما بين القوَّة المؤيَّدة بالوحي من عند الله، والعلومِ الَّتي رزقها الله الأنبياء، والعقولِ والبصائر الَّتي منحهم إيَّاها؛ وبين ما عند غيرهم. ولعلَّ قائلًا أن يقول (٣): ما لهدي الرَّسول ﷺ ، وما لهذا الباب وذكرِ قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصِّحَّة؟ وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرَّسول ﷺ ، فإنَّ هذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به، وإرشاده إليه، ودلالته

стр. 2867

عليه. وحسنُ الفهم عن الله ورسوله منٌّ يمنُّ الله به على من يشاء من عباده. فقد أوجدناك أصول الطِّبِّ الثَّلاثة في القرآن، وكيف تنكر أن تكون شريعة المبعوث بصلاح الدُّنيا والآخرة مشتملةً على صلاح الأبدان كاشتمالها على صلاح القلوب، وأنَّها مرشدةٌ إلى حفظ صحَّتها ودفع آفاتها بطرقٍ كلِّيَّةٍ، قد وُكِل تفصيلُها إلى العقل الصَّحيح والفطرة السَّليمة، بطريق القياس والتَّنبيه والإيماء، كما هو في كثيرٍ من مسائل فروع الفقه. ولا تكن ممَّن إذا جهل شيئًا عاداه! ولو رُزِق العبدُ تضلُّعًا (١) من كتاب الله وسنَّة رسوله وفهمًا تامًّا في النُّصوص ولوازمها لاستغنى بذلك عن كلِّ كلامٍ سواه، ولاستنبط جميعَ العلوم الصَّحيحة منه. فمدارُ العلوم كلِّها على معرفة الله وأمره وخلقه، وذلك مسلَّمٌ إلى الرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم؛ فهم أعلمُ الخلق بالله وأمره وخلقه، وحكمتِه في خلقه وأمره. وطبُّ أتباعهم أصحُّ وأنفع من طبِّ غيرهم. وطبُّ أتباع (٢) خاتمهم وسيِّدهم وإمامهم محمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه أكملُ الطِّبِّ وأصحُّه وأنفعه. ولا يعرف هذا إلا من عرف طبَّ النَّاس سواهم وطبَّهم ثمَّ وازن بينهما، فحينئذٍ يظهر له التَّفاوت. وهم أصحُّ الأمم عقولًا وفطرًا، وأعظمهم علمًا، وأقربهم في كلِّ شيءٍ إلى الحقِّ؛ لأنَّهم خيرة الله من الأمم، كما (٣) رسولُهم خيرته من الرُّسل. والعلم الذي وهبهم إيَّاه والحكمة والحلم أمرٌ لا يدانيهم فيه غيرهم.

стр. 2868

وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (١): من حديث بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم توفون سبعين أمَّةً، أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه». فظهر أثر كرامتها على الله في علومهم وعقولهم وأحلامهم (٢) وفِطَرهم. وهم الذين عرضت عليهم علومُ الأمم قبلهم وعقولهم وأعمالهم ودرجاتهم، فازدادوا بذلك علمًا وحلمًا وعقولًا، إلى ما أفاض الله سبحانه عليهم من علمه وحلمه. ولذلك كانت الطَّبيعة الدَّمويَّة لهم، والصَّفراويَّة لليهود، والبلغميَّة للنَّصارى. ولذلك غلب على النَّصارى البلادة وقلَّة الفهم والفطنة، وغلب على اليهود الحزن والهمُّ والغمُّ والصُّفار (٣)، وغلب على المسلمين العقل والفهم والشَّجاعة والنَّجدة والفرح والسُّرور. وهذه أسرارٌ وحقائق إنَّما يعرف مقدارها مَن حسُن فهمه، ولطُف ذهنه، وغزُر علمه، وعرف ما عند النَّاس. وباللَّه التَّوفيق. * * *

стр. 2869

النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء ١ - ف= نسخة جامعة القرويين بمدينة فاس (مكتوبة في حياة المؤلف) ٢ - م= نسخة دار الكتب المصرية الثانية (٧٥٨ هـ) ٣ - ز= نسخة مكتبة بايزيد في تركيا (٧٦٧ هـ) ٤ - س= نسخة مكتبة مانيسا في تركيا (٧٧٢ هـ) ٥ - ح= نسخة مكتبة الحرم المكي (٧٧٤ هـ) ٦ - ث= نسخة أحمد الثالث في تركيا (٧٧٦ هـ) ٧ - ص= نسخة المكتبة الظاهرية برقم ١٨٩٩ (تكملة نسخة ابن خاص ترك) ٨ - د= نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق (٨٥٤ هـ) ٩ - ب= نسخة الرباط بخط الشيخ محمود بن علي الهندي (ت ٨٦٥) ١٠ - ي= نسخة تشستربيتي (٩٤٩ هـ) ١١ - ن= النسخة اليمنية بمتحف طوب قابي سراي (١١٥٣ هـ)

стр. 2870

صفحة بيضاء فصولٌ (١) في هَدْيه ﷺ في أقضيته وأحكامه وليس الغرض من ذلك ذِكْر التَّشريع العامِّ، وإن كانت أقضيته الخاصَّة تشريعًا عامًّا، وإنَّما الغرض ذِكر هَدْيه في الحكومات الجزئيَّة التي فَصَل بها بين الخصوم، وكيف كان هديُه في الحكم بين النَّاس، ونذكر مع ذلك قضايا من أحكامه الكلِّيَّة. فصل ثبت عنه من حديث بَهْز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنه حَبَس في تهمةٍ (٢). قال أحمد وعليُّ بن المدينيِّ: هذا إسنادٌ صحيحٌ. وذكر ابنُ زياد (٣) عنه في «أحكامه» (٤): أنَّه ﷺ سَجَن رجلًا أعتق شِرْكًا

стр. 2871

له في عبدٍ، فوجب (١) عليه استتمامَ عِتْقه حتَّى باع غُنَيمةً له. فصلٌ في حكمه فيمن قَتَل عبدَه روى الأوزاعيُّ، عن عَمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رجلًا قتل عبدَه متعمِّدًا، فجلده النَّبيُّ ﷺ مائة جلدةٍ، ونفاه سنةً، وأمره أن يعتق رقبةً، ولم يُقِدْه به (٢). وروى الإمام أحمد (٣) من حديث الحَسَن، عن سَمُرة، عنه ﷺ : «مَن

стр. 2872

قتلَ عبدَه (١) قتلناه» فإن كان هذا محفوظًا، وقد سمعه منه الحسن، كان قَتْله تعزيرًا إلى الإمام بحسب ما يراه من المصلحة. وأمر رجلًا بملازمة غريمه، كما ذكر أبو داود (٢)، عن النَّضر بن شُميلٍ، عن الهِرْماس بن حبيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: أتيت النبيَّ ﷺ بغريمٍ لي، فقال لي: «الزمه» ثمَّ قال: «يا أخا بني سهمٍ ما تريد أن تفعل بأسيرك؟». وروى أبو عبيد (٣) أنَّه ﷺ أمر بقتل القاتل، وصبر الصَّابر. قال أبو عبيد: أي: بحبسه للموت حتَّى يموت.

стр. 2873

وذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه» (١) عن علي: يُحْبَس المُمْسِك (٢) في السِّجن حتَّى يموت. فصل في حُكمه في المحاربين حَكَم (٣) بقَطْعِ أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينَهم كما سملوا عينَ الراعي (٤)، وتَرَكهم حتَّى ماتوا جوعًا وعطشًا كما فعلوا بالراعي (٥). فصل في حُكمه بين القاتل ووليّ المقتول ثبت في «صحيح مسلم» (٦) عنه ﷺ : أنَّ رجلًا ادَّعى على آخر أنَّه قتل

стр. 2874

أخاه، فاعترف، فقال: «دونك صاحبَك»، فلمَّا ولَّى قال: «إن قتَلَه فهو مثله»، فرجع فقال: إنَّما أخذتُه بأمرك، فقال ﷺ : «أما تريد أن يبوء بإثمِك وإثمِ صاحبك؟» قال: بلى، فخلَّى سبيله. وفي قوله: «فهو مثله» قولان: أحدهما: أنَّ القاتل إذا أُقِيد (١) منه سقط ما عليه، فصار هو والمستقيد بمنزلةٍ واحدةٍ، وهو لم يقل: إنَّه بمنزلته قبل القتل، وإنَّما قال: «إن قتله فهو مثله»، وهذا يقتضي المماثلة بعد قتله، فلا إشكال في الحديث، وإنَّما فيه التَّعريض [لصاحب] الحقِّ (٢) بترك القَوَد والعفو. والثَّاني: أنَّه إن كان لم يُرِد قتلَ أخيه فقتله به، فهو متعدٍّ مثله إذ (٣) كان القاتل متعدِّيًا بالجناية، والمقتصُّ متَّعديًا (٤) بقتل من لم يتعمَّد القتل، ويدلُّ على هذا التَّأويل ما روى الإمام أحمد في «مسنده» (٥): من حديث أبي هريرة قال: قُتِل رجلٌ على عهد رسول الله ﷺ ، فرُفِع ذلك إلى النبي ﷺ ، فدفعه إلى وليِّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول اللَّه! ما أردتُ قتلَه، فقال رسول الله ﷺ

стр. 2875

للوليِّ: «أما إنَّه إن كان صادقًا ثمَّ قتلْتَه دخلتَ النَّار»، فخلَّى سبيله. وفي كتاب ابن حبيب في هذا الحديث زيادةٌ (١)، وهي: قال النَّبيُّ ﷺ : «عَمْد يدٍ، وخطأ قلبٍ». فصل في حُكمه بالقوَد على من قتل جاريةً، وأنه يُفعَل به كما فَعَل ثبت في «الصَّحيحين» (٢): أنَّ يهوديًّا رضَّ رأسَ جاريةٍ بين حجرين على أوضاحٍ لها، أي: حليٍّ، فأُخِذ، فاعترف، فأمر رسولُ الله ﷺ أن يُرضَّ رأسُه بين حجرين. وفي هذا الحكم (٣) دليلٌ على قتل الرَّجل بالمرأة، وعلى أنَّ الجاني يُفعل به كما فعل، وأنَّ القتل غيلةً حدٌّ (٤) لا يُشترط فيه إذن الوليِّ، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قَتَله حتمًا، وهذا مذهب مالك (٥)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٦).
следующие страницы →