← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

له في عبدٍ، فوجب (١) عليه استتمامَ عِتْقه حتَّى باع غُنَيمةً له. فصلٌ في حكمه فيمن قَتَل عبدَه روى الأوزاعيُّ، عن عَمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رجلًا قتل عبدَه متعمِّدًا، فجلده النَّبيُّ ﷺ مائة جلدةٍ، ونفاه سنةً، وأمره أن يعتق رقبةً، ولم يُقِدْه به (٢). وروى الإمام أحمد (٣) من حديث الحَسَن، عن سَمُرة، عنه ﷺ : «مَن

стр. 2872

قتلَ عبدَه (١) قتلناه» فإن كان هذا محفوظًا، وقد سمعه منه الحسن، كان قَتْله تعزيرًا إلى الإمام بحسب ما يراه من المصلحة. وأمر رجلًا بملازمة غريمه، كما ذكر أبو داود (٢)، عن النَّضر بن شُميلٍ، عن الهِرْماس بن حبيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: أتيت النبيَّ ﷺ بغريمٍ لي، فقال لي: «الزمه» ثمَّ قال: «يا أخا بني سهمٍ ما تريد أن تفعل بأسيرك؟». وروى أبو عبيد (٣) أنَّه ﷺ أمر بقتل القاتل، وصبر الصَّابر. قال أبو عبيد: أي: بحبسه للموت حتَّى يموت.

стр. 2873

وذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه» (١) عن علي: يُحْبَس المُمْسِك (٢) في السِّجن حتَّى يموت. فصل في حُكمه في المحاربين حَكَم (٣) بقَطْعِ أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينَهم كما سملوا عينَ الراعي (٤)، وتَرَكهم حتَّى ماتوا جوعًا وعطشًا كما فعلوا بالراعي (٥). فصل في حُكمه بين القاتل ووليّ المقتول ثبت في «صحيح مسلم» (٦) عنه ﷺ : أنَّ رجلًا ادَّعى على آخر أنَّه قتل

стр. 2874

أخاه، فاعترف، فقال: «دونك صاحبَك»، فلمَّا ولَّى قال: «إن قتَلَه فهو مثله»، فرجع فقال: إنَّما أخذتُه بأمرك، فقال ﷺ : «أما تريد أن يبوء بإثمِك وإثمِ صاحبك؟» قال: بلى، فخلَّى سبيله. وفي قوله: «فهو مثله» قولان: أحدهما: أنَّ القاتل إذا أُقِيد (١) منه سقط ما عليه، فصار هو والمستقيد بمنزلةٍ واحدةٍ، وهو لم يقل: إنَّه بمنزلته قبل القتل، وإنَّما قال: «إن قتله فهو مثله»، وهذا يقتضي المماثلة بعد قتله، فلا إشكال في الحديث، وإنَّما فيه التَّعريض [لصاحب] الحقِّ (٢) بترك القَوَد والعفو. والثَّاني: أنَّه إن كان لم يُرِد قتلَ أخيه فقتله به، فهو متعدٍّ مثله إذ (٣) كان القاتل متعدِّيًا بالجناية، والمقتصُّ متَّعديًا (٤) بقتل من لم يتعمَّد القتل، ويدلُّ على هذا التَّأويل ما روى الإمام أحمد في «مسنده» (٥): من حديث أبي هريرة قال: قُتِل رجلٌ على عهد رسول الله ﷺ ، فرُفِع ذلك إلى النبي ﷺ ، فدفعه إلى وليِّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول اللَّه! ما أردتُ قتلَه، فقال رسول الله ﷺ

стр. 2875

للوليِّ: «أما إنَّه إن كان صادقًا ثمَّ قتلْتَه دخلتَ النَّار»، فخلَّى سبيله. وفي كتاب ابن حبيب في هذا الحديث زيادةٌ (١)، وهي: قال النَّبيُّ ﷺ : «عَمْد يدٍ، وخطأ قلبٍ». فصل في حُكمه بالقوَد على من قتل جاريةً، وأنه يُفعَل به كما فَعَل ثبت في «الصَّحيحين» (٢): أنَّ يهوديًّا رضَّ رأسَ جاريةٍ بين حجرين على أوضاحٍ لها، أي: حليٍّ، فأُخِذ، فاعترف، فأمر رسولُ الله ﷺ أن يُرضَّ رأسُه بين حجرين. وفي هذا الحكم (٣) دليلٌ على قتل الرَّجل بالمرأة، وعلى أنَّ الجاني يُفعل به كما فعل، وأنَّ القتل غيلةً حدٌّ (٤) لا يُشترط فيه إذن الوليِّ، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قَتَله حتمًا، وهذا مذهب مالك (٥)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٦).

стр. 2876

ومن قال: إنَّه فَعَل ذلك لنقْضِ العهد لم يصحَّ، فإنَّ ناقض العهد لا تُرضخ (١) رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسَّيف. فصل في حُكمه ﷺ فيمن ضرب امرأة حاملًا فطرحها في «الصَّحيحين» (٢): أنَّ امرأتين من هُذيلٍ رمَتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتَلَتْها وما في بطنها، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرَّةٍ عبدٍ أو وليدةٍ (٣) في الجنين، وجعل دية المقتولة على عَصَبة القاتلة. هكذا في «الصَّحيحين»، وفي النَّسائيِّ (٤): فقضى في حملها بغُرَّةٍ، وأن تُقْتل بها. وكذلك قال غيره أيضًا: إنَّه قتَلَها مكانها، والصَّحيح أنَّه لم يقتلها لما تقدَّم.

стр. 2877

وقد روى البخاريُّ في «صحيحه» (١) عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأةٍ من بني لحيان بغرَّةٍ: عبدٍ أو وليدةٍ، ثمَّ إنَّ المرأة التي قضى عليها بالغرَّة توفِّيت، فقضى رسول الله ﷺ أنَّ ميراثها لبنيها وزوجها، وأنَّ العقل على عصبتها. وفي هذا الحكم أنَّ شِبْه العمد لا يوجب القَوَد، وأنَّ العاقلة تحمل الغرَّة تبعًا للدِّية، وأنَّ العاقلة هم (٢) العَصَبة، وأنَّ زوج القاتلة لا يدخل معهم، وأنَّ أولادها أيضًا ليسوا من العاقلة. فصل في حُكمه ﷺ بالقَسَامة (٣) فيمن لم يُعرف قاتلُه ثبت في «الصَّحيحين» (٤): أنَّه ﷺ حكم بها بين الأنصار واليهود، وقال لحُوَيِّصَة ومُحَيِّصَة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقُّون دمَ صاحبكم؟» ــ وقال البخاريُّ (٥): «وتستحقُّون قاتلكم أو صاحبكم» ــ فقالوا: أمرٌ لم نشهده

стр. 2878

ولم نره، فقال: «فتُبَرّئكم يهودُ بأيمان خمسين»، فقالوا: كيف نقبلُ أيمانَ قومٍ كفَّارٍ؟ فوداه رسولُ الله ﷺ من عنده. وفي لفظٍ (١): «يقسم خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيُدْفَع برُمَّته إليه». واختلف لفظ الأحاديث الصَّحيحة في محلِّ الدِّية، ففي بعضها أنَّه ﷺ وداه من عنده، وفي بعضها وداه من إبل الصَّدقة (٢).

стр. 2879

وفي «سنن أبي داود» (١): أنَّه ﷺ ألقى ديتَه على اليهود، لأنَّه وُجِد بينهم (٢). وفي «مصنَّف عبد الرزاق» (٣): أنَّه ﷺ بدأ بيهود، فأبوا أن يحلفوا، فردَّ القسامة على الأنصار، فأبوا أن يحلفوا فجعل عقلَه على يهود. وفي «سنن النَّسائيِّ» (٤): فقَسّم (٥) عقلَه على اليهود، وأعانهم ببعضها (٦). وقد تضمَّنت هذه الحكومة أمورًا: منها: الحكم بالقَسَامة، وأنَّها من دين الله وشرعه. ومنها: القتل بها لقوله: «فيُدفع برمَّته إليه»، وقوله في اللفظ الآخر: «وتستحقُّون دمَ صاحبكم». وظاهر القرآن والسُّنَّة القتل بأَيمان الزَّوج (٧)

стр. 2880

وأيمان الأولياء في القسامة، وهو مذهب أهل المدينة. وأمَّا أهل العراق فلا يقتلون في واحدٍ منهما، وأحمد يقتل في القَسامة دون اللِّعان، والشَّافعيُّ عكسه (١). ومنها: أنَّه يبدأ بأيمان المدَّعين في القَسامة بخلاف غيرها من الدَّعاوى. ومنها: أنَّ أهل الذِّمَّة إذا منعوا حقًّا عليهم، انتقض عهدُهم لقوله: «إمَّا أن تدوه، وإمَّا أن تأذنوا بحربٍ» (٢). ومنها: أنَّ المدَّعى عليه إذا بَعُد عن مجلس الحاكم (٣)، كتب إليه ولم يُشْخِصْه. ومنها: جواز العمل والحكم بكتاب القاضي وإن لم يُشْهِد عليه. ومنها: القضاء على الغائب. ومنها: أنَّه (٤) لا يُكتَفى في القسامة بأقلَّ من خمسين إذا وُجِدوا. ومنها: الحكم على أهل الذِّمَّة بحكم الإسلام وإن لم يتحاكموا إلينا، إذا كان الحكم بينهم وبين المسلمين.

стр. 2881

ومنها: ــ وهو الذي أشكل على كثيرٍ من النَّاس ــ إعطاؤه الدِّية من إبل الصَّدقة، وقد ظنَّ بعضُ النَّاس أنَّ ذلك من سهم الغارمين، وهذا لا يصحُّ، فإنَّ غارم أهل الذِّمَّة لا يعطى من الزَّكاة. وظنَّ بعضهم أنَّ ذلك ممَّا فَضُل من الصَّدقة عن أهلها، فللإمام أن يصرفه في المصالح، وهذا أقرب من الأوَّل. وأقرب منه: أنَّه ﷺ وَداه من عنده، واقترض الدِّية من إبل الصَّدقة، ويدلُّ عليه: «فوداه من عنده». وأقربُ من هذا كلِّه أن يقال: لمَّا تحمَّلها النَّبيُّ ﷺ لإصلاح ذات البين بين الطَّائفتين، كان حكمها حكم القضاء عن (١) الغارم لِمَا غرمه لإصلاح ذات البين، ولعلَّ هذا مراد مَن قال: إنَّه قضاها من سهم الغارمين، وهو ﷺ لم يأخذ منها لنفسه شيئًا، فإنَّ الصَّدقة لا تحلُّ له، ولكن جرى إعطاء الدِّية منها مجرى إعطائها من الغُرْم (٢) لإصلاح ذات البين. والله أعلم. فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله: «فجعل عَقْلَه على اليهود» (٣)؟ فيقال: هذا مجملٌ لم يَحْفظ راويه كيفيَّة جَعْله عليهم، فإنَّه ﷺ لمَّا كتب إليهم أن يَدُوا القتيلَ أو يُؤْذِنوا (٤) بحربٍ، كان هذا كالإلزام لهم بالدِّية، ولكنَّ الذي حفظ (٥) أنَّهم أنكروا أن يكونوا قتلوا، وحلفوا على ذلك، وأنَّ رسول الله ﷺ

стр. 2882

وداه من عنده، حفظوا (١) زيادةً على ذلك، فهم أولى بالتَّقديم. فإن قيل: فكيف تصنعون برواية النَّسائيِّ: «أنَّه قسَّمها على اليهود، وأعانهم ببعضها» (٢)؟ قيل: هذا ليس بمحفوظٍ قطعًا، فإنَّ الدِّية لا تلزم المدَّعى عليهم بمجرَّد دعوى أولياء القتيل، بل لا بدَّ من إقرارٍ، أو بيِّنةٍ، أو أيمان المدَّعين، ولم يوجد هنا شيءٌ من ذلك، وقد عرض النَّبيُّ ﷺ أيمان القَسامة على المدَّعين، فأبوا أن يحلفوا، فكيف يُلزِم اليهودَ بالدِّية بمجرَّد الدَّعوى؟! فصل في حُكمه ﷺ في أربعة سقطوا في بئر فتعلّق بعضُهم ببعض فهَلَكوا (٣) ذكر الإمام أحمد، والبزَّار، وغيرهما (٤): أنَّ قومًا (٥) احتفروا بئرًا

стр. 2883

باليمن، فسقط فيها الأسد (١)، فسقط فيها رجلٌ، فتعلَّق بآخر، والثَّاني بالثَّالث، والثَّالث بالرَّابع، فسقطوا جميعًا، فماتوا، فارتفع أولياؤهم إلى عليِّ بن أبي طالبٍ، فقال: اجمعوا من حفر البئر من النَّاس، وقضى للأوَّل بربع الدِّية، لأنَّه هلك فوقه ثلاثةٌ، وللثَّاني بثلثها لأنَّه هلك فوقه اثنان، وللثَّالث بنصفها لأنَّه هلك فوقه واحدٌ، وللرَّابع بالدِّية تامَّةً، فأتوا رسولَ الله ﷺ العام المقبل، فقصُّوا عليه القصَّة، فقال: هو ما قضى بينكم. هذا (٢) سياق البزار، وسياق أحمد نحوه، وقال: إنَّهم أبوا أن يرضوا بقضاء عليّ، فأتوا النبيَّ ﷺ وهو عند مقام إبراهيم، فقصُّوا عليه القصَّة، فأجازه رسولُ الله ﷺ ، وجعل الدِّية على قبائل الذين ازدحموا. فصل في حكمه ﷺ فيمن تزوّج امرأة أبيه (٣) روى الإمام أحمدُ والنَّسائيُّ وغيرهما (٤): عن البراء، قال: لقيت خالي

стр. 2884

أبا بُرْدَة (١) ومعه الرَّاية، فقال: «أرسلني رسولُ الله ﷺ إلى رجلٍ تزوَّج امرأةَ أبيه أن أقتله وآخذ ماله». وذكر ابن أبي خيثمة في «تاريخه» (٢) من حديث معاوية بن قُرَّة، عن أبيه، عن جدِّه: «أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثه إلى رجلٍ عرَّس (٣) بامرأة أبيه، فضرب عنقَه، وخَمَّس ماله». قال يحيى بن معينٍ: هذا حديثٌ صحيحٌ. وفي «سنن ابن ماجه» (٤) من حديث ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2885

«مَن وقع على ذاتِ محرمٍ فاقتلوه». وذكر الجُوزجاني (١) أنَّه رُفع إلى الحجاج رجلٌ اغتصب أختَه على نفسها، فقال: احبسوه، وسلوا مَن هاهنا مِن أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألوا عبد الله بن [أبي] (٢) مُطرِّف، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَن تخطَّى

стр. 2886

حُرَم المؤمنين (١)، فخطُّوا وسطه بالسَّيف» (٢). وقد نصَّ أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد (٣)، في رجلٍ تزوَّج امرأة أبيه أو بذات محرمٍ، فقال: يقتل، ويدخل ماله في (٤) بيت المال. وهذا القول هو الصَّحيح، وهو مقتضى حكم رسول الله ﷺ . وقال الشَّافعيُّ ومالك وأبو حنيفة (٥): حدُّه حدُّ الزَّاني، ثمَّ قال أبو حنيفة:

стр. 2887

إن وطئها بعقدٍ عُزِّر ولا حدَّ عليه. وحُكْمُ رسولِ الله ﷺ وقضاؤه أحقُّ وأولى. فصل في حُكمه ﷺ بقتل من اتهم بأم ولده فلما ظهرت براءته أمسك عنه روى ابن أبي خيثمة وابن السَّكَن وغيرهما (١) من حديث ثابت، عن أنس أنَّ ابن عمِّ مارية كان يُتَّهم بها، فقال النَّبيُّ ﷺ لعليِّ بن أبي طالبٍ: «اذهب فإن وجدته عند مارية، فاضرب عنقه»، فأتاه عليّ فإذا هو في ركيٍّ يتبرَّد فيها، فقال له عليّ: اخرج، فناوله يدَه فأخرجه، فإذا هو مجبوبٌ، ليس له ذَكَرٌ، فكفَّ عنه عليّ، ثمَّ أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إنَّه مجبوبٌ، ما له ذكرٌ. وفي لفظٍ آخر (٢): أنَّه وجده في نخلةٍ يجمع تمرًا، وهو ملفوفٌ بخرقةٍ، فلمَّا رأى السَّيف ارتعد وسقطت الخرقة، فإذا هو مجبوبٌ لا ذَكَر له. وقد أشكل هذا القضاء على كثيرٍ من النَّاس، فطعن بعضهم في الحديث، ولكن ليس في إسناده من يتعلَّق عليه. وتأوَّله بعضُهم على أنَّه ﷺ لم يرد حقيقة القتل، إنَّما أراد تخويفه ليزدجر عن مجيئه إليها. قال: وهذا كما قال

стр. 2888

سليمان للمرأتين اللَّتين اختصمتا إليه في الولد: «عليَّ بالسِّكِّين حتَّى أشقَّه بينهما (١)» (٢)، ولم يُرِد أن يفعل ذلك، بل قصَدَ استعلام الأمر من هذا القول، ولذلك كان مِن تراجم الأئمَّة على هذا الحديث: باب الحاكم يوهم خلاف الحقِّ ليتوصَّل به إلى معرفة الحقِّ (٣)، فأحبَّ رسول الله ﷺ أن يعرِّف الصَّحابةَ براءته، وبراءة مارية، وعلم أنَّه إذا عاين السَّيف، كشف عن حقيقة حاله، فجاء الأمر كما قدَّره رسول الله ﷺ . وأحسنُ من هذا أن يقال: إنَّ النبيَّ ﷺ أمر عليًّا بقتله تعزيرًا لإقدامه وجرأته على خَلْوته بأمِّ ولده، فلمَّا تبيَّن لعليٍّ حقيقةُ الحال، وأنَّه بريءٌ من الرِّيبة كفَّ عن قتله، واستغنى عن القتل بتبيين الحال، والتَّعزير بالقتل ليس بلازمٍ كالحدِّ، بل هو تابعٌ للمصلحة، دائرٌ معها وجودًا وعدمًا، والله أعلم. فصل في قضائه ﷺ في القتيل يوجد بين قريتين روى الإمام أحمد وابن أبي شيبة (٤)، من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ

стр. 2889

قال: وجد قتيلٌ بين قريتين، فأمر النَّبيُّ ﷺ فذَرَع ما بينهما، فوُجِد إلى أحدهما أقرب، فكأنِّي أنظر إلى شبر النبيّ ﷺ ، فألقاه على أقربهما. وفي «مصنَّف عبد الرزاق» (١) قال عمر بن عبد العزيز: قضى رسول الله ﷺ فيما بلغنا في القتيل يوجد بين ظهراني ديار قومٍ: أنَّ الأيمان على المدَّعى عليهم، فإن نَكَلُوا، حُلِّف المدَّعون، واستحقُّوا، فإن نَكَل الفريقان، كانت الدِّية نصفها على المدَّعى عليهم، وبطل النِّصف إذا لم يحلفوا. وقد نصَّ الإمام أحمد في رواية المرُّوذي على القول بمثل حديث (٢) أبي سعيد، فقال: قلت لأبي عبد الله: القوم إذا أُعطوا الشَّيء، فتبيَّنوا أنَّه ظُلِم فيه قومٌ؟ فقال: يُردُّ عليهم إن عُرف القوم. قلت: فإن لم يُعرفوا؟ قال: يفرَّق على مساكين (٣) ذلك الموضع. قلتُ: فأيشٍ (٤) الحجَّةُ في أن يفرَّق على مساكين ذلك الموضع؟ فقال: عمرُ بن الخطَّاب جعلَ الدِّيةَ على أهل المكان، يعني القرية التي وُجِد فيها القتيل (٥).

стр. 2890

فأُراه قال: كما أنَّ عليهم الدِّية هكذا يفرَّق فيهم، يعني: إذا ظُلم قومٌ منهم (١) ولم يُعرفوا، فهذا عمر بن الخطَّاب قد قضى بموجَب هذا الحديث، وجَعَل الدِّية على أهل المكان الذي وُجد فيه القتيل، واحتجَّ به أحمد، وجَعَل هذا أصلًا في تفريق المال الذي ظُلم فيه أهلُ ذلك المكان عليهم إذا لم يُعرفوا بأعيانهم. وأمَّا الأثر الآخر، فمرسلٌ لا تقوم بمثله حجَّةٌ، ولو صحَّ تعيَّن القول بمثله (٢)، ولم تجُز مخالفته، ولا يخالف باب الدَّعاوى ولا باب القَسامة، فإنَّه ليس فيهم لَوْثٌ ظاهرٌ يوجب تقديم المدَّعين (٣)، فيقدَّم (٤) المدَّعى عليهم في اليمين، فإذا نكلوا قويَ جانبُ المدَّعِين من وجهين، أحدهما: وجود القتيل بين ظهرانيهم. والثَّاني: نكولهم عن براءة ساحتهم باليمين، وهذا يقوم مقام اللَّوْث الظَّاهر، فيحلف المدَّعون ويستحقُّون، فإذا نكل الفريقان كلاهما، أورث ذلك شبهةً مركَّبةً من نكول كلِّ واحدٍ منهما، فلم ينهض ذلك سببًا لإيجاب كمال الدِّية عليهم إذا لم يحلف غُرماؤهم، ولا

стр. 2891

إسقاطها عنهم بالكلِّيَّة حيث لم يحلفوا، فجُعلت الدِّية نصفين، ووجب نصفها على المدَّعى عليهم لثبوت الشُّبهة في حقِّهم بترك اليمين، ولم يجب عليهم كمالها (١)، لأنَّ خصومهم لم يحلفوا، فلمَّا كان اللَّوْث متركِّبًا (٢) من يمين المدَّعين، ونكول المدَّعى عليهم، ولم يتمَّ، سَقَط ما يقابل أَيمانَ المدَّعين وهو النِّصف، ووجب ما يقابل نكول المدَّعى عليهم وهو النِّصف. وهذا من أحسن الأحكام وأعدلها، وباللَّه التَّوفيق. فصل في قضائه ﷺ بتأخير القصاص من الجرح حتى يندمل ذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه» وغيره (٣) من حديث ابن جُريجٍ، عن عَمرو بن شعيبٍ (٤) قال: قضى رسول الله ﷺ في رجلٍ طعنَ آخرَ بقرنٍ في

стр. 2892

رجله، فقال: يا رسول اللَّه، أَقِدْني، فقال: «حتَّى تبرأ جراحُك»، فأبى الرَّجل إلا أن يستقيدَه (١)، فأقاده النَّبيُّ ﷺ ، فصحَّ المستقادُ منه، وعَرِجَ المستقيدُ، فقال: عرجتُ وبَرَأ صاحبي، فقال النَّبيُّ ﷺ : «ألم آمرك أن لا تستقيدَ حتَّى تبرأ جراحك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل (٢) عرجك». ثمَّ أمر رسول الله ﷺ مَن كان به جرحٌ بعد الرَّجُل الذي عَرِج أن لا يُستقاد منه حتَّى يبرأ جرحُ صاحبه. فالجرح على ما بلغ حتَّى يبرأ، فما كان من شللٍ أو عرجٍ، فلا قَوَد فيه، وهو عقلٌ، ومن استقاد جرحًا فأصيب المستقادُ منه، فعَقْل ما فضل من ديته على جرح صاحبه له. قلت: الحديث في «مسند الإمام أحمد» (٣) من حديث عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه متَّصلٌ: أنَّ رجلًا طعن رجلًا بقرنٍ في ركبته، فجاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: أقِدْني. فقال: «حتَّى تبرأ»، ثم جاء إليه (٤) فقال: أقِدْني. فأقاده، ثمَّ جاء إليه، فقال: يا رسول اللَّه! عرجتُ، فقال: «قد نهيتُك فعصيتني، فأبعدَك الله وبطَل عرجُك (٥)»، ثمَّ نهى رسول الله ﷺ أن يقتصَّ من جرحٍ حتَّى يبرأ صاحبه.

стр. 2893

وفي «سنن الدَّارقطنيِّ» (١) عن جابر: «أنَّ رجلًا جُرح، فأراد أن يستقيد، فنهى النبي ﷺ أن يُستقاد من الجارح حتَّى يبرأ المجروح». وقد تضمَّنت هذه الحكومة أنَّه لا يجوز الاقتصاص من الجرح حتَّى يستقرَّ أمرُه، إمَّا باندمالٍ، وإمّا (٢) بسرايةٍ مستقرَّةٍ، وأنَّ سراية الجناية مضمونةٌ بالقَوَد، وجواز القصاص في الضَّربة بالعصا والقَرْن ونحوهما، ولا ناسخ لهذه الحكومة، ولا معارض لها، والذي نسخ بها تعجيل القصاص قبل الاندمال لا نفس القصاص فتأمَّله، وأنَّ المجنيَّ عليه إذا بادر واقتصَّ من الجاني، ثمَّ سرت الجنايةُ إلى عضوٍ من أعضائه، أو إلى نفسه بعد القصاص، فالسِّراية هدرٌ. وأنَّه يُكتفى بالقصاص وحده دون تعزير الجاني وحبسه، قال عطاء: الجروحُ قصاصٌ، وليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه، إنَّما هو القصاص، وما كان ربُّك نسيًّا، ولو شاء لأمر بالضَّرب والسَّجن (٣).

стр. 2894

وقال مالك: يُقتصُّ منه حقُّ (١) الآدميِّ، ويعاقب لجرأته, والجمهور يقولون: القصاص يغني عن العقوبة الزَّائدة، فهو كالحدِّ إذا أقيم على المحدود، لم يحتج معه إلى عقوبةٍ أخرى (٢). والمعاصي ثلاثة أنواعٍ: نوعٌ عليه حدٌّ مقدَّرٌ، فلا يُجمع بينه وبين التّعزير. ونوعٌ لا حدَّ فيه ولا كفَّارة، فهذا يردع فيه بالتَّعزير، ونوعٌ فيه كفَّارةٌ ولا حدَّ فيه، كالوطء في الإحرام والصِّيام، فهل يُجمع فيه بين الكفَّارة والتَّعزير؟ على قولين للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد (٣)، والقصاص يجري مجرى الحدِّ، فلا يجمع بينه وبين التَّعزير. فصل في قضائه ﷺ بالقصاص في كسر السِّنّ في «الصَّحيحين» (٤) من حديث أنس: أنَّ ابنة النَّضْر أخت الرُّبَيِّع لطمت جاريةً، فكسرت سنَّها، فاختصموا إلى النَّبيِّ ﷺ ، فأمر بالقصاص، فقالت أم الرُّبَيِّع: يا رسول اللَّه! أيُقتصُّ من فلانة؟ لا والله لا يُقتصُّ

стр. 2895

منها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «سبحان الله يا أم الربَيِّع كتاب الله القصاص»، قالت: لا والله لا يُقتصُّ منها أبدًا، فعفا القوم، وقبلوا الدِّية. فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ مِن عباد الله مَنْ لو أقسم على الله لأبرَّه». فصل في قضائه ﷺ فيمن عضّ يدَ رجلٍ فانتزع يدَه من فيه فسقطت ثنيةُ العاضّ بإهدارها ثبت في «الصَّحيحين» (١): أنَّ رجلًا عضَّ يدَ رجلٍ، فنزع يده من فيه، فوقعت ثناياه، فاختصموا إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: «يَعَضُّ أحدُكم أخاه (٢) كما يَعَضُّ الفحل؟! لا ديةَ لك». وقد تضمَّنت هذه الحكومة أنَّ مَن خلَّص نفسَه من يد ظالمٍ له، فتَلِفَت نفسُ الظَّالم، أو شيءٌ من أطرافه أو ماله بذلك، فهو هدرٌ غير مضمونٍ. فصل في قضائه ﷺ فيمن اطلع في بيت رجل بغير إذنه فخَذَفه بحصاة أو فقأ عينه فلا شيء عليه ثبت في «الصَّحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لو أنَّ امرءًا اطَّلع عليك بغير إذنٍ، فخذفتَه بحصاةٍ، ففقأتَ عينَه، لم يكن عليك جُناحٌ».

стр. 2896

وفي لفظٍ فيهما (١): «مَن اطَّلع في بيت قومٍ بغير إذنهم، ففقأوا عينَه، فلا ديةَ له ولا قصاص». وفيهما (٢): «أنَّ رجلًا اطَّلع من جُحْرٍ في حُجْرة (٣) النَّبيِّ ﷺ ، فقام إليه بمشقصٍ، وجعل يخْتله ليطعنه». فذهب إلى القول بهذه الحكومة وإلى التي قبلها فقهاءُ الحديث، منهم: الإمام أحمد، والشَّافعيُّ، ولم يقل بها أبو حنيفة ومالك (٤). فصل وقضى رسول الله ﷺ أنَّ الحامل إذا قَتلَتْ عمدًا لا تُقْتَل حتَّى تضع ما في بطنها، وحتَّى تَكْفُل ولدَها. ذكره ابن ماجه في «سننه» (٥).

стр. 2897

وقضى أن لا يُقتل الوالد بالولد. ذكره النَّسائيُّ وأحمد (١). وقضى أنَّ المؤمنين تتكافأ دماؤهم، ولا يُقتل مؤمنٌ بكافرٍ (٢). وقضى أنَّ مَن قُتل له قتيلٌ، فأهله بين خيرتين، إمَّا أن يقتلوا أو (٣)

стр. 2898

يأخذوا العقل (١). وقضى أنَّ في دية الأصابع من اليدين والرِّجلين في كلِّ واحدةٍ عشرًا من الإبل (٢). وقضى في الأسنان في كلِّ سنٍّ بخمسٍ من الإبل، وأنَّها كلَّها سواءٌ (٣)، وقضى في المواضح بخمسٍ خمسٍ (٤).

стр. 2899

وقضى في العين السَّادَّة لمكانها إذا طُمِست بثلث ديتها، وفي اليد الشَّلَّاء إذا قُطِعت بثلث ديتها، وفي السِّنِّ السَّوداء إذا نُزِعت بثلث ديتها (١) (٢). وقضى في الأنف إذا جُدِع كلُّه بالدِّية كاملةً، وإذا جُدِعت أرنبته بنصفها (٣). وفي اليد (٤) بنصف الدِّية، وقضى في المأمومة بثلث الدِّية، وفي الجائفة بثلثها، وفي المنقِّلة بخمس عشرة (٥) من الإبل. وقضى في اللِّسان بالدِّية، وفي الشَّفتين بالدِّية، وفي البيضتين بالدِّية، وفي الذَّكَر بالدِّية، وفي الصُّلب بالدِّية، وفي العينين بالدِّية (٦)، وفي إحداهما نصفَها، وفي الرِّجل الواحدة نصفَ الدِّية،

стр. 2900

وفي اليد نصفَ الدِّية (١)، وقضى أنَّ الرَّجل يُقتل بالمرأة (٢). وقضى أنَّ دية الخطأ على العاقلة مئة من الإبل، واختلفت الرِّواية (٣) عنه في أسنانها، ففي «السُّنن الأربعة» (٤) من حديث عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن

стр. 2901

جدِّه: «ثلاثون بنت مخاضٍ، وثلاثون بنت لبونٍ، وثلاثون حقَّةً، وعشر بني لبونٍ ذكور (١)». قال الخطابي (٢): ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بهذا. وفيها أيضًا من حديث ابن مسعودٍ: أنَّها أخماسٌ: عشرون بنت مخاضٍ، وعشرون بنت لبونٍ، وعشرون ابن مخاضٍ، وعشرون حقَّةً، وعشرون جذعةً (٣). وقضى في العمد إذا رضوا بالدِّية ثلاثين حقَّةً، وثلاثين جذعةً، وأربعين خَلْفةً، وما صولحوا عليه فهو لهم (٤).

стр. 2902

فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى القول بحديث ابن مسعودٍ (١)، وجعل الشَّافعيُّ ومالك بدل ابن المخاض (٢) ابن لبونٍ (٣)، وليس في واحدٍ من الحديثين. وفرَضَها ﷺ على أهل الإبل مئةً، وعلى أهل البقر مئتي بقرةٍ، وعلى أهل الشَّاء ألفي شاةٍ، وعلى أهل الحُلَل مئتي حُلَّةٍ (٤). وقال عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: إنَّه ﷺ جعَلَها ثمانمائة دينارٍ، أو ثمانية (٥) آلاف درهمٍ (٦)، وذكر أهل السُّنن الأربعة (٧) من حديث

стр. 2903

عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ رجلًا قُتل، فجعل النَّبيُّ ﷺ ديتَه اثني عشر ألفًا». وثبت عن عمر أنَّه خَطَب فقال: إنَّ الإبل قد غلت، ففَرَضَها على أهل الذَّهب ألفَ دينارٍ، وعلى أهل الوَرِق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مئتي بقرةٍ، وعلى أهل الشَّاء ألفي شاةٍ، وعلى أهل الحُلَل مئتي حُلَّةٍ، وترك دية أهل الذِّمَّة، فلم يرفعها فيما رفع من الدِّية (١). وقد روى أهل السُّنن الأربعة (٢) عنه ﷺ : «دِيَة المعاهد نصف دية الحرِّ».

стр. 2904

ولفظ ابن ماجه (١): «قضى أنَّ عَقْلَ أهل الكتابين نصفُ عقل المسلمين، وهم اليهود والنَّصارى». واختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: ديتُهم نصف (٢) دية المسلمين في (٣) الخطأ والعمد (٤)، وقال الشَّافعيُّ: ثلثها في الخطأ والعمد (٥). وقال أبو حنيفة: بل كدية المسلم في الخطأ والعمد (٦). وقال الإمام أحمد: مثل دية المسلم في العمد. وعنه في الخطأ روايتان، إحداهما: نصف الدِّية، وهي ظاهر مذهبه. والثَّانية: ثلثها (٧). فأخذ مالكٌ بظاهر حديث عَمرو بن شعيبٍ، وأخذ الشَّافعيُّ بأنَّ عُمر جعل ديته أربعة آلافٍ، وهي ثلث دية المسلم، وأخذ أحمد بحديث عَمرو إلا

стр. 2905

أنَّه في العمد ضَعَّف الدِّية عقوبةً لأجل سقوط القصاص، وهكذا عنده من سقط عنه القصاص أُضْعِفت عليه الدِّية عقوبةً، نصَّ عليه توقيفًا، وأخذ أبو حنيفة بما أصَّله (١) من جَرَيان القصاص بينهما، فتتساوى ديتهما. وقضى ﷺ أنَّ عَقْلَ المرأة مثلُ عقل الرَّجل إلى الثُّلث من ديتها. ذكَره النَّسائيُّ (٢). فتصير على النِّصف مِن (٣) ديته، وقضى بالدِّية على العاقلة، وبرَّأ منها الزَّوجَ وولدَ المرأة القاتلة (٤). وقضى في المُكاتَب إذا قُتل أنَّه يودَى بقدر ما أدَّى من كتابته ديةَ الحرِّ، وما بقي فدِية المملوك (٥).

стр. 2906

قلت: يعني قيمته. وقال (١) بهذا القضاء عليُّ بن أبي طالبٍ (٢)، وإبراهيم النَّخعيُّ (٣)، ويُذكَر روايةً عن أحمد. وقال عمر: إذا أدَّى شطرَ كتابته كان غريمًا، ولا يرجع رقيقًا (٤).

стр. 2907

وبه قضى عبد الملك بن مروان (١). وقال ابن مسعودٍ (٢): إذا أدَّى الثُّلث. وقال عطاء (٣): إذا أدَّى ثلاثة أرباع الكتابة فهو غريمٌ. والمقصود: أنَّ هذا القضاء النَّبويَّ لم تُجمِع (٤) الأمَّةُ على تركه، ولم يُعلَم نسخُه. وأمَّا حديث: «المكاتَب عبدٌ ما بقي عليه درهمٌ» (٥) فلا معارضة بينه

стр. 2908

وبين هذا القضاء، فإنَّه في الرِّقِّ بعد، ولا تحصل حرِّيَّتُه التَّامَّة إلا بالأداء (١)، والله أعلم. فصل في قضائه ﷺ على من أقرّ بالزنا ثبت في صحيح البخاريِّ ومسلم (٢): أنَّ رجلًا مِن أسْلَم جاء إلى النَّبيِّ ﷺ ، فاعترف بالزِّنا، فأعرض عنه النَّبيُّ ﷺ ، حتَّى شهد على نفسه أربع مرَّاتٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أبكَ جنونٌ؟» قال: لا. قال: «أحْصَنْتَ؟» قال: نعم، فأَمَر به، فرُجِم في المصلَّى، فلمَّا أذلقَتْه الحجارةُ فرَّ، فأُدْرِك، فرُجِم حتَّى مات، فقال له النَّبيُّ ﷺ خيرًا، وصلَّى عليه. وفي لفظٍ لهما (٣): أنَّه قال له: «أحقٌّ ما بلغني عنك؟» قال: وما بلغك عنِّي؟ قال: «بلغني أنَّك وقعت بجارية بني فلانٍ!» قال: نعم، قال: فشهد أربع

стр. 2909

شهاداتٍ (١)، ثمَّ أَمَر به فرُجِم. وفي لفظٍ لهما (٢): فلمَّا شهد على نفسه أربع شهاداتٍ، دعاه النَّبيُّ ﷺ فقال: «أبِكَ جنونٌ؟» قال: لا. قال: «أحْصَنْتَ؟» قال: نعم (٣). قال: «اذهبوا به فارجموه». وفي لفظٍ للبخاريِّ (٤): أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «لعلَّك قبَّلتَ، أو غمزتَ، أو نظرْتَ!» قال: لا يا رسول اللَّه. قال: «أَنِكْتَها؟» لا يَكْنِي، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه. وفي لفظٍ لأبي داود (٥): أنَّه شهد على نفسه أربع مرَّاتٍ، كلُّ ذلك يُعرض عنه، فأقبل في الخامسة، فقال: «أَنِكْتَها؟» قال: نعم. قال: «حتَّى غاب ذلك منك في ذلك منها؟» قال: نعم. قال: «كما يغيب المِرْوَد (٦) في المُكْحُلة

стр. 2910

والرِّشاء في البئر؟» قال: نعم. قال: «فهل تدري ما الزِّنا؟» قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرَّجلُ من امرأته حلالًا. قال: «فما تريد بهذا القول؟» قال: أريد أن تطهِّرني، فأَمَر به فرُجِم. وفي «السُّنن» (١): أنَّه لمَّا وَجَد مسَّ الحجارة، قال: يا قوم رُدُّوني إلى رسول الله ﷺ ، فإنَّ قومي قتلوني وغرُّوني من نفسي، وأخبروني أنَّ رسول الله ﷺ غير قاتلي. وفي «صحيح مسلم» (٢): فجاءت الغامديةُ فقالت: يا رسول الله، إنِّي قد زنيت فطهِّرني، وأنَّه ردَّدها (٣)، فلمَّا كان من الغد، قالت: يا رسول الله، لِمَ تردّدني، لعلَّك أن تردّدني كما رَدّدْتَ ماعزًا؟ فواللَّه إنِّي لحبلى، قال: «إمَّا لا، فاذهبي حتَّى تلدي»، فلمَّا ولدت، أتته بالصَّبيِّ في خرقةٍ، قالت: هذا قد ولدته، قال: «اذهبي فأرضعيه حتَّى تفطميه»، فلمَّا فطمَتْه أتته بالصَّبيِّ في يده كسرة خبزٍ، فقالت: هذا يا نبيَّ الله قد فطمته، وقد أكل الطَّعام، فدفع الصَّبيَّ إلى رجلٍ من المسلمين، ثمَّ أَمَر بها فحُفِر لها إلى صدرها، وأمر النَّاس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجرٍ، فرمى رأسها، فانتضح الدَّمُ على وجهه، فسبَّها، فقال رسول الله ﷺ : «مهلًا يا خالد، فوالَّذي نفسي بيده لقد
следующие страницы →