← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

قلت: يعني قيمته. وقال (١) بهذا القضاء عليُّ بن أبي طالبٍ (٢)، وإبراهيم النَّخعيُّ (٣)، ويُذكَر روايةً عن أحمد. وقال عمر: إذا أدَّى شطرَ كتابته كان غريمًا، ولا يرجع رقيقًا (٤).

стр. 2907

وبه قضى عبد الملك بن مروان (١). وقال ابن مسعودٍ (٢): إذا أدَّى الثُّلث. وقال عطاء (٣): إذا أدَّى ثلاثة أرباع الكتابة فهو غريمٌ. والمقصود: أنَّ هذا القضاء النَّبويَّ لم تُجمِع (٤) الأمَّةُ على تركه، ولم يُعلَم نسخُه. وأمَّا حديث: «المكاتَب عبدٌ ما بقي عليه درهمٌ» (٥) فلا معارضة بينه

стр. 2908

وبين هذا القضاء، فإنَّه في الرِّقِّ بعد، ولا تحصل حرِّيَّتُه التَّامَّة إلا بالأداء (١)، والله أعلم. فصل في قضائه ﷺ على من أقرّ بالزنا ثبت في صحيح البخاريِّ ومسلم (٢): أنَّ رجلًا مِن أسْلَم جاء إلى النَّبيِّ ﷺ ، فاعترف بالزِّنا، فأعرض عنه النَّبيُّ ﷺ ، حتَّى شهد على نفسه أربع مرَّاتٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أبكَ جنونٌ؟» قال: لا. قال: «أحْصَنْتَ؟» قال: نعم، فأَمَر به، فرُجِم في المصلَّى، فلمَّا أذلقَتْه الحجارةُ فرَّ، فأُدْرِك، فرُجِم حتَّى مات، فقال له النَّبيُّ ﷺ خيرًا، وصلَّى عليه. وفي لفظٍ لهما (٣): أنَّه قال له: «أحقٌّ ما بلغني عنك؟» قال: وما بلغك عنِّي؟ قال: «بلغني أنَّك وقعت بجارية بني فلانٍ!» قال: نعم، قال: فشهد أربع

стр. 2909

شهاداتٍ (١)، ثمَّ أَمَر به فرُجِم. وفي لفظٍ لهما (٢): فلمَّا شهد على نفسه أربع شهاداتٍ، دعاه النَّبيُّ ﷺ فقال: «أبِكَ جنونٌ؟» قال: لا. قال: «أحْصَنْتَ؟» قال: نعم (٣). قال: «اذهبوا به فارجموه». وفي لفظٍ للبخاريِّ (٤): أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «لعلَّك قبَّلتَ، أو غمزتَ، أو نظرْتَ!» قال: لا يا رسول اللَّه. قال: «أَنِكْتَها؟» لا يَكْنِي، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه. وفي لفظٍ لأبي داود (٥): أنَّه شهد على نفسه أربع مرَّاتٍ، كلُّ ذلك يُعرض عنه، فأقبل في الخامسة، فقال: «أَنِكْتَها؟» قال: نعم. قال: «حتَّى غاب ذلك منك في ذلك منها؟» قال: نعم. قال: «كما يغيب المِرْوَد (٦) في المُكْحُلة

стр. 2910

والرِّشاء في البئر؟» قال: نعم. قال: «فهل تدري ما الزِّنا؟» قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرَّجلُ من امرأته حلالًا. قال: «فما تريد بهذا القول؟» قال: أريد أن تطهِّرني، فأَمَر به فرُجِم. وفي «السُّنن» (١): أنَّه لمَّا وَجَد مسَّ الحجارة، قال: يا قوم رُدُّوني إلى رسول الله ﷺ ، فإنَّ قومي قتلوني وغرُّوني من نفسي، وأخبروني أنَّ رسول الله ﷺ غير قاتلي. وفي «صحيح مسلم» (٢): فجاءت الغامديةُ فقالت: يا رسول الله، إنِّي قد زنيت فطهِّرني، وأنَّه ردَّدها (٣)، فلمَّا كان من الغد، قالت: يا رسول الله، لِمَ تردّدني، لعلَّك أن تردّدني كما رَدّدْتَ ماعزًا؟ فواللَّه إنِّي لحبلى، قال: «إمَّا لا، فاذهبي حتَّى تلدي»، فلمَّا ولدت، أتته بالصَّبيِّ في خرقةٍ، قالت: هذا قد ولدته، قال: «اذهبي فأرضعيه حتَّى تفطميه»، فلمَّا فطمَتْه أتته بالصَّبيِّ في يده كسرة خبزٍ، فقالت: هذا يا نبيَّ الله قد فطمته، وقد أكل الطَّعام، فدفع الصَّبيَّ إلى رجلٍ من المسلمين، ثمَّ أَمَر بها فحُفِر لها إلى صدرها، وأمر النَّاس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجرٍ، فرمى رأسها، فانتضح الدَّمُ على وجهه، فسبَّها، فقال رسول الله ﷺ : «مهلًا يا خالد، فوالَّذي نفسي بيده لقد

стр. 2911

تابت توبةً لو تابها صاحب مُكْسٍ لغُفِر له» ثمَّ أمر بها، فصلَّى عليها، ودُفنت. وفي «صحيح البخاريِّ» (١): أنَّه ﷺ قضى فيمن زنى ولم يُحْصَن بنفي عامٍ وإقامة الحدِّ عليه. وفي «الصَّحيحين» (٢): أنَّ رجلًا قال له: أنشدُكَ بالله إلا قضيتَ بيننا بكتاب اللَّه، فقام خصمه ــ وكان أفقه منه ــ فقال: صدقَ، اقضِ بيننا بكتاب اللَّه، وائذن لي، فقال: «قل»، قال: إنَّ ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمئة شاةٍ وخادمٍ، وإنِّي سألتُ أهلَ العلم، فأخبروني أنَّ على ابني جَلْد مئةٍ وتغريب عامٍ، وأنَّ على امرأة هذا الرَّجْم، فقال: «والَّذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب اللَّه، المئة والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلدُ مائةٍ وتغريب عامٍ، واغْدُ يا أُنيس على امرأةِ هذا فاسألها، فإن اعترفت فارجمها». فاعترفت فرجَمَها. وفي «صحيح مسلم» (٣) عنه ﷺ : «الثَّيِّب بالثَّيِّب جَلْد مئةٍ والرَّجم، والبِكْر بالبكر جَلْد مئةٍ وتغريب عامٍ». فتضمَّنت هذه الأقضية: رجم الثَّيِّب، وأنَّه لا يُرجَم حتَّى يقرَّ أربع مرَّاتٍ، وأنَّه إذا أقرَّ دون الأربع، لم يُلزَم بتكميل نصاب الإقرار، بل للإمام أن يُعْرِض عنه، ويعرِّض له بعدم تكميل الإقرار.

стр. 2912

وأنَّ إقرارَ زائلِ العقل بجنونٍ أو سُكْرٍ ملغًى لا عبرة به، وكذلك طلاقه وعتقه وأيمانه ووصيَّته. وجواز إقامة الحدِّ في (١) المصلَّى، وهذا لا يناقض نهيه أن تُقام الحدود في المساجد. وأنَّ الحرَّ المحصَن إذا زنى بجاريةٍ فحدُّه الرَّجم، كما لو زنى بحرَّةٍ. وأنَّ الإمام يستحبُّ له أن يعرِّض للمقرِّ لئلَّا (٢) يقرَّ، وأنَّه يجب استفسار المقرِّ في محلِّ الإجمال، لأنَّ اليدَ والفمَ والعين لمَّا كان استمتاعها زنًا استفسر (٣) عنه دفعًا لاحتماله. وأنَّ الإمام له أن يصرِّح باسم الوطء الخاصِّ به عند الحاجة إليه، كالسُّؤال عن الفعل. وأنَّ الحدَّ لا يجب على جاهلٍ بالتَّحريم، لأنَّه ﷺ سأله عن حكم الزِّنا، فقال: أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرَّجلُ مِن أهله حلالًا. وأنَّ الحدَّ لا يُقام على الحامل، وأنَّها إذا ولدت الصَّبيَّ أُمْهِلت حتَّى ترضعه وتفطمه، وأنَّ المرأة يُحْفَر لها دون الرَّجل. وأنَّ الإمام لا يجب عليه أن يبدأ بالرَّجم. وأنَّه لا يجوز سبُّ أهل المعاصي إذا تابوا، وأنَّه يصلَّى على مَن قُتِل في

стр. 2913

حدِّ الزِّنا، وأنَّ المقرَّ إذا استقال في أثناء الحدِّ، وفرَّ، تُرِك ولم يُتمَّم عليه (١). فقيل: لأنَّه رجوعٌ. وقيل: لأنَّه توبةٌ قبل تكميل الحدِّ، فلا يقام عليه كما لو تاب (٢) قبل الشُّروع فيه. وهذا اختيار شيخنا (٣). وأنَّ الرَّجل إذا أقرَّ أنَّه زنى بفلانة، لم يُقَم عليه حدُّ القذف مع حدِّ الزِّنا. وأنَّ ما قُبِض من المال بالصُّلح الباطل باطلٌ يجب ردُّه. وأنَّ الإمام له أن يوكِّل في استيفاء الحدِّ. وأنَّ الثَّيِّب لا يُجْمَع عليه بين الجلد والرَّجم، لأنَّه ﷺ لم يجلد ماعزًا ولا الغامدية، ولم يأمر أُنيسًا أن يجلد المرأة التي أرسله إليها (٤)، وهذا قول الجمهور. وحديث عبادة: «خذوا عنِّي قد جعل الله لهنَّ سبيلًا: الثَّيِّب بالثَّيِّب جلد مئةٍ والرَّجم» (٥) منسوخٌ، فإنَّ هذا كان في أوَّل الأمر عند نزول حدِّ الزَّاني، ثمَّ رجَمَ ماعزًا والغامديةَ ولم يجلدهما، وهذا كان بعد حديث عُبادة بلا شكٍّ. وأمَّا حديث جابر في «السُّنن»: «أنَّ رجلًا زنى، فأمر به النَّبيُّ ﷺ فجُلِد الحدَّ، ثمَّ أقرَّ أنَّه محصَنٌ، فأَمَر به فرُجِم. فقد قال جابر في الحديث نفسه: إنَّه

стр. 2914

لم يعلم بإحصانه، فجُلِد، ثمَّ عَلِم بإحصانه فرُجِم». رواه أبو داود (١). وفيه: أنَّ الجهل بالعقوبة لا يُسقط الحدَّ إذا كان عالمًا بالتَّحريم، فإنَّ ماعزًا لم يعلم أنَّ عقوبته القتل، ولم يُسقط هذا الجهلُ الحدَّ عنه. وفيه: أنَّه يجوز للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه، وإن لم يسمعه معه شاهدان، نصَّ عليه أحمد (٢)، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يقل لأنيس: فإن اعترفَتْ بحضرة شاهدين فارجمها. وأنَّ الحكم إذا كان حقًّا محضًا لله لم يُشترط الدَّعوى به عند الحاكم. وأنَّ الحدَّ إذا وجب على امرأةٍ، جاز للإمام أن يبعث إليها من يقيمه عليها، ولا يحضرها، وترجم النَّسائيُّ (٣) على ذلك فقال: باب (٤) صون النِّساء عن مجلس الحكم. وأنَّ الإمام والحاكم والمفتي يجوز له الحلف على أنَّ هذا حكم الله إذا تحقَّق ذلك وتيقَّنه بلا ريبٍ.

стр. 2915

وأنَّه يجوز التَّوكيل في إقامة الحدود، وفيه نظرٌ، فإنَّ هذا استنابةٌ من النَّبيِّ ﷺ . وتضمَّن تغريب المرأة كما يغرَّب الرَّجل، لكن يُغرَّب معها محرمها إن أمكن، وإلَّا فلا، وقال مالك (١): لا تغريب على النِّساء (٢)؛ لأنَّهنَّ عورةٌ. فصل في حكمه ﷺ على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام ثبت في «الصَّحيحين» والمساند (٣): أنَّ اليهود جاءوا إلى النبيّ ﷺ ، فذكروا له أنَّ رجلًا منهم وامرأةً زنيا، فقال رسول الله ﷺ : «ما تجدون في التَّوراة في شأن الرَّجم؟» قالوا: نفضحهم ويُجْلَدون، فقال عبد الله بن سلامٍ: كذبتم إنَّ فيها الرَّجم، فأتوا بالتَّوراة فنشروها، فوضع أحدُهم يدَه على آية الرَّجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلامٍ: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرَّجم، فقالوا: صدق يا محمَّد، إنَّ فيها الرَّجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرُجِما. فتضمَّنت هذه الحكومة: أنَّ الإسلام ليس بشرطٍ في الإحصان، وأنَّ الذِّمِّيَّ يحصِّن الذِّمِّيَّة، وإلى هذا ذهب أحمد والشَّافعيُّ (٤)، ومن لم يقل

стр. 2916

بذلك اختلفوا في وجه (١) هذا الحديث، فقال مالك (٢) في غير «الموطَّأ»: لم يكن اليهوديان أهل (٣) ذمَّةٍ، والَّذي في «صحيح البخاريِّ» (٤): أنَّهم أهل ذمَّةٍ. ولا شكَّ أنَّ هذا كان بعد العهد الذي وقع بين النَّبيِّ ﷺ وبينهم، ولم يكونوا إذ ذاك حربًا، كيف وقد تحاكموا إليه، ورضوا بحكمه؟ وفي بعض طرق الحديث: أنَّهم قالوا: اذهبوا بنا إلى هذا النَّبيِّ فإنَّه بُعِث بالتَّخفيف (٥). وفي بعض طرقه: أنَّهم دعوه إلى بيت مِدْراسهم، فأتاهم وحكم بينهم (٦)، فهم كانوا أهل عهدٍ وصلحٍ بلا شكٍّ. وقالت طائفةٌ أخرى: إنَّما رجمهما بحكم التَّوراة. وقالوا: وسياق القصَّة

стр. 2917

صريحٌ في ذلك، وهذا ممَّا لا يجدي (١) عليهم شيئًا البتَّة، فإنَّه حَكَم بينهم (٢) بالحقِّ المحض، فيجب اتِّباعه بكلِّ حالٍ، فماذا بعد الحقِّ إلا الضَّلال. وقالت طائفةٌ: رجَمَهما سياسةً، وهذا من أقبح الأقوال، بل رجمهما بحكم الله الذي لا حكم سواه. وتضمَّنت هذه الحكومة أنَّ أهل الذِّمَّة إذا تحاكموا إلينا لم نحكم بينهم إلا بحكم الإسلام. وتضمَّنت قبول شهادة أهل الذِّمَّة بعضهم على بعضٍ لأنَّ الزَّانيين لم يُقرَّا، ولم يشهد عليهم المسلمون، فإنَّهم لم يحضروا زناهما، كيف وفي «السُّنن» (٣) في هذه القصَّة: فدعا رسولُ الله ﷺ بالشُّهود، فجاءوا أربعةً، فشهدوا أنَّهم رأوا ذكرَه في فرجها مثل الميل في المُكْحُلة. وفي بعض طرق هذا الحديث: فجاء (٤) أربعةٌ منهم (٥)، وفي بعضها:

стр. 2918

فقال لليهود: «ائتوني بأربعةٍ منكم» (١). وتضمَّنت الاكتفاءَ بالرَّجم، وأن لا يُجمَع بينه وبين الجلد، قال ابن عبَّاسٍ: الرَّجم في كتاب الله لا يغوص عليه إلا غوَّاصٌ (٢)، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]. واستنبطه غيرُه من قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]. قال الزُّهريُّ في حديثه: فبلَغَنا أنَّ هذه الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾، كان النَّبيُّ ﷺ منهم (٣). فصل في قضائه ﷺ في الرجل يزني بجارية امرأته في «المسند» و «السُّنن الأربعة» (٤) من حديث قتادة، عن حبيب بن سالم:

стр. 2919

أنَّ رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن حُنَين، وقع على جارية امرأته، فرُفع إلى النُّعمان بن بشيرٍ، وهو أميرٌ على الكوفة، فقال: لأقضينَّ فيك بقضيَّة (١) رسول الله ﷺ : إن كانت أحَلَّتها لك، جلدْتُك مئة، وإن لم تكن أحَلَّتها لك، رجمتُك بالحجارة، فوجدوه أحلَّتها له، فجلده مئةً. قال الترمذي (٢): في إسناد هذا الحديث اضطرابٌ، سمعت محمَّدًا ــ يعني البخاريَّ ــ يقول: لم يسمع قَتادةُ من حبيب بن سالم هذا الحديثَ، إنَّما رواه عن خالد بن عُرْفُطة (٣). وأبو بشرٍ (٤) لم يسمعه أيضًا من حبيب بن سالم، إنَّما رواه عن خالد بن عُرْفُطة، وسألت محمدًا عنه؟ فقال: أنا أتَّقي (٥) هذا الحديث.

стр. 2920

وقال النَّسائيُّ: هو مضطربٌ (١)، وقال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: خالد بن عُرفطة مجهولٌ (٢). وفي «المسند» و «السُّنن» (٣) عن قَبيصة بن حُريث، عن سَلَمة بن المُحبِّق: أنَّ رسول الله ﷺ قضى في رجلٍ وقع على جارية امرأته: إن كان استكْرَهَها، فهي حرَّةٌ، وعليه لسيِّدتها مثلها، وإن كانت طاوعَتْه، فهي له، وعليه لسيِّدتها مثلها. فاختلف النَّاس في القول بهذا الحكم، فأخذ به أحمد في ظاهر مذهبه (٤)، فإنَّ الحديث حسَنٌ، وخالد بن عُرْفُطة قد روى عنه ثقتان: قتادة (٥)،

стр. 2921

وأبو بشر، ولم يُعرف فيه قدحٌ، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين، والقياس وقواعد الشَّريعة يقتضي القول بموجَب هذه الحكومة، فإنَّ إحلال الزَّوجة شبهةٌ تورث (١) سقوطَ الحدِّ، ولا تُسْقِط التَّعزير، فكانت المئة تعزيرًا، فإذا لم تكن أحلَّتها، كان زنًا لا شبهةَ فيه، ففيه الرَّجم، فأيُّ شيءٍ في هذه الحكومة ممَّا يخالف القياس؟! وأمَّا حديث سَلَمة بن المُحبِّق: فإن صحَّ، تعيَّن القولُ به ولم يُعدَل عنه، ولكن قال النَّسائيُّ: لا يصحُّ هذا الحديث (٢). وقال أبو داود (٣): سمعت أحمد بن حنبلٍ يقول: الذي رواه عن سلمة بن المُحَبّق شيخٌ لا يعرف، ولا يحدِّث عنه غير الحسن، يعني قَبيصة بن حُرَيث. وقال البخاريُّ في «التَّاريخ» (٤): قَبيصة بن حُريث سمع سَلَمة بن المحبّق، في حديثه نظرٌ. وقال ابن المنذر (٥): لا يثبت خبر سلمة بن المحبّق، وقال البيهقي (٦): وقَبيصة بن حُريث غير معروفٍ، وقال الخطابي (٧): هذا حديثٌ منكرٌ، وقَبيصة بن حُريث غير معروفٍ، والحجَّةُ لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي

стр. 2922

الحديثَ ممَّن سمع. وطائفةٌ أخرى قبلت الحديثَ، ثمَّ اختلفوا فيه، فقالت طائفةٌ (١): هو منسوخٌ، وكان هذا قبل نزول الحدود. وقالت طائفةٌ: بل وجهه أنَّه إذا استكرهها، فقد أفسدها على سيِّدتها، ولم تبق ممَّن تصلح لها، وألحق (٢) بها العار، وهذا مُثْلةٌ معنويَّةٌ، فهي كالمثلة الحسِّيَّة أو أبلغ منها، وهو قد تضمَّن أمرين: إتلافها على سيِّدتها، والمُثْلة المعنويَّة بها، فيلزمه غرامتها لسيِّدتها، وتَعتِق عليه، وأمَّا إن طاوعته، فقد أفسدها على سيِّدتها، فيلزمه قيمتُها لها، ويملكها لأنَّ القيمة قد استحقَّت عليه، وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شُبهة المُثْلة. قالوا: ولا بُعْد في تنزيل الإتلاف المعنويِّ منزلةَ الإتلاف الحسِّيِّ، إذ كلاهما يحول (٣) بين المالك وبين الانتفاع بملكه، ولا ريبَ أنَّ جاريةَ الزَّوجة إذا صارت موطوءةً لزوجها، فإنَّها لا تبقى لسيِّدتها كما كانت قبل الوطء، فهذا الحكم من أحسن الأحكام، وهو موافقٌ لقياس الأصول (٤). وبالجملة: فالقول به مبنيٌّ على قبول الحديث، ولا تضرُّ كثرة المخالفين له، ولو كانوا أضعاف أضعافهم، وبالله التوفيق (٥).

стр. 2923

فصل ولم يثبت عنه ﷺ أنَّه قضى في اللُّوطيّ (١) بشيءٍ؛ لأنَّ هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يُرْفَع إليه ﷺ ، ولكن ثبت عنه أنَّه قال: «اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به». رواه أهل السُّنن الأربعة (٢)، وإسناده صحيحٌ، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. وحكم به أبو بكرٍ الصِّدِّيق، وكتب به إلى خالد بعد مشورة (٣) الصَّحابة، وكان عليٌّ أشدَّهم في ذلك (٤).

стр. 2924

وقال ابن القصَّار (١)، وشيخُنا (٢): أجمعت الصَّحابةُ على قتله، وإنَّما اختلفوا في كيفيَّة قتله، فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيق: يُرمى مِن شاهقٍ، وقال عليٌّ: يُهدم عليهما (٣) حائطٌ. وقال ابن عبَّاسٍ: يقتلان بالحجارة (٤).

стр. 2925

فهذا اتِّفاقٌ منهم على قتله، وإن اختلفوا في كيفيَّته، وهذا موافقٌ لحكمه ﷺ فيمن وطئ ذات محرمٍ، لأنَّ الموطوء (١) في الموضعين لا يُباح للواطئ بحالٍ، ولهذا جمع بينهما في حديث ابن عبَّاسٍ، فإنَّه روى عنه ﷺ (٢): «مَن وجدتموه يعمل عملَ قومِ لوطٍ فاقتلوه» (٣)، وروى عنه أيضًا: «مَن وقعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ (٤)، فاقتلوه» (٥)، وفي حديثه أيضًا بالإسناد: «ومَن أتى بهيمةً فاقتلوه واقتلوها معه» (٦).

стр. 2926

وهذا الحكم على وَفْق حِكمة (١) الشَّارع، فإنَّ المحرَّمات كلَّما تغلَّظت تغلَّظت (٢) عقوباتُها، ووطء مَن لا يباح بحالٍ أعظم جُرمًا من وطء مَن يباح في بعض الأحوال، فيكون حدُّه أغلظ، وقد نصَّ أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه (٣) أنَّ حكم من أتى بهيمةً حكم اللوطيّ (٤) سواءٌ، فيُقتل بكلِّ حالٍ، أو يكون حدُّه حدَّ الزَّاني. واختلف السَّلف في ذلك، فقال الحسن: حدُّه حدُّ الزَّاني. وقال أبو سلمة (٥): يُقتل بكلِّ حالٍ، وقال الشَّعبيُّ والنخعي: يُعَزَّر. وبه أخذ الشَّافعيُّ ومالك وأبو حنيفة وأحمد في روايةٍ (٦)، فإنَّ ابن عبَّاسٍ أفتى بذلك (٧)، وهو راوي الحديث.

стр. 2927

فصل وحكم ﷺ على من أقرَّ بالزِّنا بامرأةٍ معيَّنةٍ بحدِّ الزِّنا (١) دون حدِّ القذف، ففي «السُّنن» (٢) من حديث سهل بن سعدٍ: «أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فأقرَّ عنده أنَّه زنى بامرأةٍ سمَّاها، فبعث رسولُ الله ﷺ إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلدَه الحدَّ وتركها». فتضمَّنت هذه الحكومة أمرين: أحدهما: وجوب الحدِّ على الرَّجل وإن كذَّبته المرأة، خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف أنَّه لا يحدُّ (٣). والثَّاني: أنَّه لا يجب عليه حدُّ القذف للمرأة (٤). وأمَّا ما رواه أبو داود في «سننه» (٥) من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ رجلًا أتى

стр. 2928

النبيَّ ﷺ ، فأقرَّ أنَّه زنى بامرأةٍ أربع مرَّاتٍ، فجلده مئةً (١)، وكان بكرًا، ثمَّ سأله البيِّنة على المرأة فقالت: كذب والله يا رسول اللَّه، فجُلِد حدَّ الفِرية ثمانين»، فقال النَّسائيُّ: هذا حديثٌ منكرٌ، انتهى. وفي إسناده القاسم بن فياض الأَبْناويّ (٢) الصنعاني، تكلَّم فيه غير واحدٍ، وقال ابن حبَّان (٣): بطل الاحتجاج به. فصل وحكم في الأَمَة إذا زنت ولم تُحْصَن بالجلد. وأمَّا قوله تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فهو نصٌّ في أنَّ حدَّها بعد التَّزويج نصف حدِّ الحرَّة من الجلد، وأمَّا قبل التَّزويج فأمر بجلدها. وفي هذا الجلد قولان: أحدهما: أنَّه الحدُّ، ولكن يختلف الحال قبل التَّزويج وبعده، بأنَّ (٤) للسَّيِّد إقامته قبله، وأمَّا بعدَه فلا يقيمه إلا الإمام. والقول الثَّاني: أنَّ جلدها قبل الإحصان تعزيرٌ لا حدٌّ، ولا يُبْطِل هذا ما

стр. 2929

رواه مسلم في «صحيحه» (١): من حديث أبي هريرة يرفعه: «إذا زنت أمةُ أحدِكم، فليجلدها ولا يعيِّرها، ثلاثَ مرَّاتٍ، فإن عادت في الرَّابعة فليجلدها ولْيَبِعها ولو بضفيرٍ»، وفي لفظٍ (٢): «فليضربها بكتاب اللَّه». وفي «صحيحه» (٣) أيضًا: من حديث عليٍّ أنَّه قال: أيُّها النَّاس أقيموا على أرقَّائكم الحدَّ، مَن أحْصَن منهنَّ ومَن لم يُحْصِن، فإنَّ أمَةً لرسول (٤) الله ﷺ زنَتْ، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثةُ عهدٍ بنفاسٍ، فخشيتُ إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «أحسنتَ». فإنَّ التَّعزير يدخل تحت (٥) لفظ الحدِّ في لسان الشَّارع، كما في قوله ﷺ : «لا يُضْرَب فوقَ عشرةِ أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله» (٦). وقد ثبت التَّعزير بالزِّيادة على العشرة جنسًا وقدرًا في مواضع عديدةٍ لم

стр. 2930

يثبت نسخُها، ولم تجمع الأمَّةُ على خلافها. وعلى كلِّ حالٍ، فلا بدَّ أن يخالف حالُها بعد الإحصان حالَها قبله، وإلَّا لم يكن للتَّقييد فائدةٌ، فإمَّا أن يقال قبل الإحصان: لا حدَّ عليها، والسُّنَّة الصَّحيحة تُبطِل ذلك، وإمَّا أن يقال: حدُّها قبل الإحصان حدُّ الحرَّة، وبعده نصفَه، وهذا باطلٌ قطعًا مخالفٌ لقواعد الشَّرع وأصوله، وإمَّا أن يقال: حدُّها (١) قبل الإحصان تعزيرٌ وبعدَه حدٌّ، وهذا قويّ (٢)، وإمَّا أن يقال: الافتراق بين الحالين في إقامة الحدِّ لا في قدره، وأنَّه في إحدى الحالتين للسَّيِّد، وفي الأخرى للإمام، وهذا أقرب ما يقال. وقد يقال: إنَّ تنصيصه على التَّنصيف بعد الإحصان لئلَّا يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ بالإحصان يزول التَّنصيف، ويصير حدُّها حدَّ الحرَّة، كما أنَّ الجلد عن البكر زال بالإحصان (٣)، وانتقل إلى الرَّجم، فبقي على التَّنصيف في أكمل حالتيها، وهي الإحصان، تنبيهًا على أنَّه إذا اكْتُفي به فيها ففيما قبل الإحصان أولى وأحرى، والله أعلم. وقضى رسولُ الله ﷺ في مريضٍ زنى ولم يَحْتَمِل إقامةَ الحدِّ، بأن يؤخذ له مئة (٤) شمراخٍ، فيُضْرَب بها ضربةً واحدةً (٥).

стр. 2931

فصل وحَكَم رسولُ الله ﷺ بحدِّ القذف لمَّا أنزل الله سبحانه براءةَ زوجته من السَّماء، فَحَدّ (١) رجلين وامرأةً (٢)، وهما: حسَّان بن ثابتٍ ومِسْطَح بن أُثاثة. قال أبو جعفرٍ النُّفيليُّ (٣): ويقولون: المرأة حَمْنة بنت جحش. وحَكَم فيمن بدَّل دينه بالقتل (٤)، ولم يخصَّ رجلًا من امرأةٍ، وقتل الصِّدِّيقُ امرأةً ارتدَّت بعد إسلامها يقال لها: أم قِرْفة (٥).

стр. 2932

وحكم في شارب الخمر بضَرْبِه بالجريد والنِّعال، وضَرَبه أربعين، وتَبِعه أبو بكر على الأربعين (١). وفي «مصنَّف عبد الرَّزَّاق» (٢): «أنَّه ﷺ جَلَد في الخمر ثمانين». وقال ابن عبَّاسٍ: لم يوقِّت رسولُ الله ﷺ فيها (٣) شيئًا (٤). وقال عليٌّ: «جَلَد رسولُ الله ﷺ في الخمر أربعين، وأبو بكر أربعين، وكمَّلها عمر ثمانين، وكُلٌّ سنَّةٌ» (٥). وصحَّ عنه ﷺ أنَّه أمر بقتله في الرَّابعة أو الخامسة (٦). فاختلف النَّاسُ في ذلك، فقيل: هو منسوخٌ، وناسخه: «لا يحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى

стр. 2933

ثلاثٍ» (١). وقيل: هو محكمٌ، ولا تعارض بين الخاصِّ والعامِّ، ولا سيَّما إذا لم يُعلم تأخُّر العامِّ. وقيل: ناسخه حديثُ عبدِ الله حمارٍ (٢)، فإنَّه أُتيَ به مرارًا إلى النبي ﷺ فجلَدَه ولم يقتله (٣). وقيل: قَتْله تعزيرٌ بحسب المصلحة، فإذا أكثر (٤) منه ولم ينهه الحدُّ واستهان به، فللإمام قتله تعزيرًا لا حدًّا، وقد صحَّ عن عبد الله بن عمر أنَّه قال: ائتوني به في الرَّابعة، فعلَيَّ أن أقتله لكم، وهو أحد رواة الأمر بالقتل عن النَّبيِّ ﷺ ، وهم: معاوية (٥)، وأبو هريرة (٦)، وعبد الله بن عُمر (٧)،

стр. 2934

وعبد الله بن عَمرو (١)، وقَبيصة بن ذُؤيبٍ (٢). وحديث قَبيصة فيه دلالةٌ على أنَّ القتل ليس بحدٍّ، أو أنَّه منسوخٌ، فإنَّه قال فيه: «فأُتيَ رسولُ الله ﷺ برجلٍ قد شرب، فجلده، ثمَّ أُتي به، فجلده، ثمَّ أتي به فجلده، ورُفِع القتل، وكانت رخصةً». رواه أبو داود (٣). فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المتَّفق عليه، عن عليّ أنَّه قال: «ما كنتُ لأَدِيَ مَن أقمتُ عليه الحدَّ إلا شاربَ الخمر، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يسُنَّ فيه شيئًا، إنَّما هو شيءٌ قلناه نحن». لفظ أبي داود. ولفظهما: «فإنَّ رسول الله ﷺ مات ولم يَسُنَّه» (٤).

стр. 2935

قيل: المراد بذلك أنَّ رسول الله ﷺ لم يُقَدِّر فيه بقوله تقديرًا لا يُزاد عليه ولا يُنقَص كسائر الحدود، وإلَّا فعليٌّ قد شهدَ أنَّ رسول الله ﷺ ضرب فيها أربعين (١). وقوله: «إنَّما هو شيءٌ قلناه نحن»، يعني التَّقدير بثمانين، فإنَّ عمر جمع الصَّحابة واستشارهم، فأشاروا بثمانين، فأمضاها، ثمَّ جَلَد عليٌّ في خلافته أربعين، وقال: هذا أحبُّ إليَّ (٢). ومَن تأمَّل الأحاديث رآها تدلُّ على أنَّ الأربعين حدٌّ، والأربعون (٣) الزَّائدة عليها تعزيرٌ اتَّفق عليها (٤) الصَّحابةُ، والقتل إمَّا منسوخٌ وإمَّا أنَّه إلى رأي الإمام بحسب تهالك النَّاس فيها واستهانتهم بحدِّها (٥)، فإذا رأى قتلَ واحدٍ لينزجر (٦) الباقون فله ذلك، وقد حَلَق فيها عمر وغرَّب (٧). وهذا من الأحكام المتعلِّقة بالأئمَّة، وباللَّه التَّوفيق.

стр. 2936

فصل في حُكْمه ﷺ في السارق قطَعَ سارقًا في مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم (١). وقضى أنَّه لا تُقطَع اليدُ في أقلَّ من ربع دينارٍ (٢). وصحَّ عنه أنَّه قال: «اقطعوا في ربع دينارٍ، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك». ذكره الإمام أحمد (٣). وقالت عائشة: «لم تكن تُقطَع يدُ السَّارق في عهد رسول الله ﷺ في أدنى من ثمن المجنِّ، تُرْسٍ أو حَجَفَةٍ، وكان كلٌّ منهما ذا ثمنٍ» (٤). وصحَّ عنه أنَّه قال: «لعن الله السَّارقَ، يسرق الحبلَ فتُقطَع يدُه، ويسرق البيضةَ فتُقطَع يده» (٥). فقيل: هذا حبل السَّفينة، وبيضة الحديد، وقيل: بل كلُّ (٦)

стр. 2937

حبلٍ وبيضةٍ، وقيل: هو إخبارٌ بالواقع، أي: إنَّه يسرق هذا، فيكون سببًا لقطع يده بتدرُّجه (١) منه إلى ما هو أكثر (٢) منه. قال الأعمش: كانوا يرون أنَّه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنَّ منه ما يساوي دراهم. وحَكَم في امرأةٍ كانت تستعير المتاع وتجحدُه بقطع يدها (٣). وقال أحمدُ بهذه الحكومة، ولا معارض لها (٤). وحَكَم (٥) ﷺ بإسقاط القَطْع عن المنتهِب، والمختلِس، والخائن (٦). والمراد بالخائن: خائن الوديعة. وأمَّا جاحد العاريَّة، فيدخل في اسم السَّارق شرعًا، لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا كلَّموه في شأن المستعيرة الجاحدة، قطَعَها، وقال: «والَّذي نفسي بيده لو أنَّ

стр. 2938

فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقَتْ لقطعتُ يدَها» (١). فإدخاله ﷺ جاحدَ العاريّة في اسم السَّارق، كإدخاله سائر أنواع المُسْكِر في اسم الخمر، فتأمَّله، وذلك تعريفٌ للأمَّة بمراد الله من كلامه. وأسقطَ ﷺ القطعَ عن سارق الثَّمَر والكَثَر (٢)، وحكَم أنَّ من أصاب منه شيئًا بفمه وهو محتاجٌ فلا شيء عليه، ومن خرج منه بشيءٍ فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا في جرينه وهو بَيْدَرُه، فعليه القطع إذا بلغ ثمن المجنِّ (٣). فهذا قضاؤه الفَصْل، وحُكْمه العَدْل. وقضى في الشَّاة التي تؤخذ من مراتعها بثمنها مرَّتين، وضَرْب نكالٍ، وما أُخِذ من عَطَنه، ففيه القَطْع إذا بلغ ثمن المجنِّ (٤).

стр. 2939

وقضى بقطع سارقِ رداءٍ، نامَ صفوانُ بنُ أميَّة عليه (١) في المسجد، فأراد صفوان أن يهبه إيَّاه أو يبيعه منه، فقال: «هلَّا كان قبل أن تأتيني به» (٢). وقَطَع سارقًا سرقَ تُرسًا من صُفَّة النِّساء في المسجد (٣). ودرأ القطعَ عن عبدٍ من رقيق الخُمُس سَرَق من الخُمُس، وقال: «مال الله سرَقَ بعضُه بعضًا». ذكره (٤) ابن ماجه (٥). ورُفِع إليه سارقٌ اعترفَ، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال له: «ما إخالك سرقتَ؟» قال: بلى، فأعاد عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فأَمَر به فقُطِع (٦).

стр. 2940

ورُفِع إليه آخر فقال: «ما إخاله سرق؟» فقال: بلى، فقال: «اذهبوا به فاقطعوه، ثمَّ احسموه، ثمَّ ائتوني به»، فقُطِع وأُتي به النبيَّ ﷺ ، فقال: «تُب إلى الله»، فقال: تبتُ إلى اللَّه، فقال: «تابَ الله عليك» (١). وفي الترمذي (٢) عنه: أنَّه قطع سارقًا وعلَّق يده في عنقه. قال: حديثٌ حسنٌ. فصل في حُكْمه ﷺ على مَن اتهم رجلًا بسرقة روى أبو داود (٣) عن أزهر بن عبد الله: أنَّ قومًا سُرِق لهم متاعٌ، فاتَّهموا

стр. 2941

ناسًا من الحاكة، فأتوا النُّعمانَ بن بشيرٍ صاحب رسول الله ﷺ ، فحبسهم أيَّامًا ثمَّ خلَّى سبيلهم، فأتوه فقالوا: خلَّيتَ سبيلَهم بغير ضربٍ ولا امتحانٍ، فقال: ما شئتم، إن شئتم أن أضربهم، فإن خرج متاعُكم فذاك، وإلَّا أخذت من ظهوركم مثل الذي أخذتُ من ظهورهم. فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله ورسوله (١). فصل وقد تضمَّنت هذه الأقضية أمورًا: أحدها: أنَّه لا يُقطَع في أقلَّ من ثلاثة دراهم أو ربع دينارٍ. الثَّاني: جواز لعن أصحاب الكبائر بأنواعهم دون أعيانهم، كما لعن السَّارقَ (٢)، ولعن آكلَ الرِّبا وموكله (٣)، ولعن شاربَ الخمر وعاصرَها (٤)،

стр. 2942

ولعنَ مَن عَمِل عَمَل قوم لوطٍ (١)، ونهى عن لعن عبدِ الله حمارٍ (٢) وقد شرب الخمر (٣). ولا تعارض بين الأمرين، فإنَّ الوصف الذي عُلِّق عليه اللَّعن مقتضٍ، وأمَّا المعيَّن فقد يقوم به ما يمنع لحوق اللَّعن به؛ مِن حسناتٍ ماحيةٍ، أو توبةٍ، أو مصائب مكفِّرةٍ، أو عفوٍ من الله عنه، فتُلْعَن الأنواع دون الأعيان. الثَّالث (٤): الإشارة إلى سدِّ الذَّرائع، فإنَّه أخبر أنَّ سرقة الحبل والبيضة لا تدعه حتَّى تُقطَع يدُه. الرَّابع: قَطْع جاحد العاريّة، وهو سارقٌ شرعًا كما تقدَّم. الخامس: أنَّ من سرق ما لا قَطْعَ فيه ضُوعِف عليه الغُرم، وقد نصَّ عليه الإمام أحمد فقال: كلُّ مَن سقط عنه القطع ضُوعِف عليه الغُرم (٥). وقد تقدَّم

стр. 2943

الحكمُ النَّبويُّ به في صورتين: سرقة الثِّمار المعلَّقة، والشَّاة من المرتع (١). السَّادس: اجتماع التَّعزير مع الغُرم، وفي ذلك الجمع بين عقوبتين (٢): ماليَّةٌ وبدنيَّةٌ. السَّابع: اعتبار الحِرْز، فإنَّه ﷺ أسقطَ القطعَ عن سارق الثِّمار من الشَّجرة، وأوجبه على سارقه من الجَرِين، وعند أبي حنيفة (٣) أنَّ هذا لنقصان ماليَّته، لإسراع الفساد إليه، وجَعَل هذا أصلًا في كلِّ ما نقصت ماليَّتُه بإسراع الفساد إليه (٤)، وقول الجمهور أصحُّ (٥)، فإنَّه ﷺ جَعَل له ثلاثة أحوالٍ: حالةٌ لا شيء فيها، وهو إذا (٦) أكل منه بفيه، وحالةٌ يغرَّم مثليه ويُضرَب من غير قطعٍ، وهو إذا أخذه من شجره وأخرجه، وحالةٌ يقطع فيها، وهو إذا سرَقَه من بيدره، سواءٌ كان قد انتهى جفافه أو لم ينته، فالعبرة للمكان والحرز لا ليُبْسه ورطوبته، ويدلُّ عليه أنَّه ﷺ أسقط القطعَ عن سارق الشَّاة من مرعاها، وأوجبه على سارقها مِن عَطَنِها فإنَّه حِرْزها. الثَّامن: إثبات العقوبات الماليَّة، وفيه عدَّة سننٍ ثابتةٍ لا معارض لها، وقد عمل بها الخلفاء الرَّاشدون وغيرُهم من الصَّحابة، وأكثر من عمل بها

стр. 2944

عمر ﵁ . التَّاسع: أنَّ الإنسان حِرزٌ لثيابه ولفراشه الذي هو نائمٌ عليه أين كان، سواءٌ كان في المسجد أو (١) غيره. العاشر: أنَّ المسجد حرزٌ لما يُعتاد وضعُه فيه، فإنَّ النبيَّ ﷺ قَطَع مَن سَرَق منه تُرسًا (٢)، وعلى هذا فيُقطَع من سرق من حُصُره (٣) وقناديله وبُسُطه، وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره (٤). ومن لم يقطعه قال: له فيها حقٌّ، فإن لم يكن له فيها حقٌّ كالذِّمِّيِّ قُطِع (٥). الحادي عشر: أنَّ المطالبة بالمسروق شرطٌ في القطع، فلو وهبه إيَّاه، أو باعه قبل رفعه إلى الإمام سقطَ عنه القطعُ، كما صرَّح به النَّبيُّ ﷺ وقال: «هلَّا كان قبل أن تأتيني به» (٦). الثَّاني عشر: أنَّ ذلك لا يُسقط القطعَ بعد رفعه إلى الإمام، وكذلك كلُّ حدٍّ بلغَ الإمامَ وثبتَ عنده، لا يجوز إسقاطُه، وفي «السُّنن» (٧) عنه: «إذا بلغت

стр. 2945

الحدودُ الإمامَ، فلعن الله الشَّافعَ والمشفَّع». الثَّالث عشر: أنَّ مَن سرق من شيءٍ له فيه حقٌّ لم يُقطَع. الرَّابع عشر: أنَّه لا يُقطَع إلا بالإقرار مرَّتين، أو بشهادة شاهدين، لأنَّ السَّارق أقرَّ عنده مرَّةً، فقال: «ما إخالك سرقت؟» فقال: بلى، فقطعه حينئذٍ (١)، ولم يقطعه حتَّى أعاد عليه مرَّتين. الخامس عشر: التَّعريض للسَّارق بعدم الإقرار، أو (٢) بالرُّجوع عنه، وليس هذا حُكم كلِّ سارقٍ، بل مِن السُّرَّاق مَن يُقرَّر (٣) بالعقوبة والتَّهديد، كما سيأتي إن شاء الله. السَّادس عشر: أنَّه يجب على الإمام حَسْمُه بعد القَطْع لئلَّا يتلف. وفي قوله: «احسموه» دليلٌ على أنَّ مُؤْنة الحَسْم ليست على السَّارق. السَّابع عشر: تعليق يد السَّارق في عنقه تنكيلًا له وبه ليراه غيره. الثَّامن عشر: ضَرْب المتَّهم إذا ظهرَ (٤) منه أماراتُ الرِّيبة، وقد عاقب
следующие страницы →