← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

ناسًا من الحاكة، فأتوا النُّعمانَ بن بشيرٍ صاحب رسول الله ﷺ ، فحبسهم أيَّامًا ثمَّ خلَّى سبيلهم، فأتوه فقالوا: خلَّيتَ سبيلَهم بغير ضربٍ ولا امتحانٍ، فقال: ما شئتم، إن شئتم أن أضربهم، فإن خرج متاعُكم فذاك، وإلَّا أخذت من ظهوركم مثل الذي أخذتُ من ظهورهم. فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله ورسوله (١). فصل وقد تضمَّنت هذه الأقضية أمورًا: أحدها: أنَّه لا يُقطَع في أقلَّ من ثلاثة دراهم أو ربع دينارٍ. الثَّاني: جواز لعن أصحاب الكبائر بأنواعهم دون أعيانهم، كما لعن السَّارقَ (٢)، ولعن آكلَ الرِّبا وموكله (٣)، ولعن شاربَ الخمر وعاصرَها (٤)،

стр. 2942

ولعنَ مَن عَمِل عَمَل قوم لوطٍ (١)، ونهى عن لعن عبدِ الله حمارٍ (٢) وقد شرب الخمر (٣). ولا تعارض بين الأمرين، فإنَّ الوصف الذي عُلِّق عليه اللَّعن مقتضٍ، وأمَّا المعيَّن فقد يقوم به ما يمنع لحوق اللَّعن به؛ مِن حسناتٍ ماحيةٍ، أو توبةٍ، أو مصائب مكفِّرةٍ، أو عفوٍ من الله عنه، فتُلْعَن الأنواع دون الأعيان. الثَّالث (٤): الإشارة إلى سدِّ الذَّرائع، فإنَّه أخبر أنَّ سرقة الحبل والبيضة لا تدعه حتَّى تُقطَع يدُه. الرَّابع: قَطْع جاحد العاريّة، وهو سارقٌ شرعًا كما تقدَّم. الخامس: أنَّ من سرق ما لا قَطْعَ فيه ضُوعِف عليه الغُرم، وقد نصَّ عليه الإمام أحمد فقال: كلُّ مَن سقط عنه القطع ضُوعِف عليه الغُرم (٥). وقد تقدَّم

стр. 2943

الحكمُ النَّبويُّ به في صورتين: سرقة الثِّمار المعلَّقة، والشَّاة من المرتع (١). السَّادس: اجتماع التَّعزير مع الغُرم، وفي ذلك الجمع بين عقوبتين (٢): ماليَّةٌ وبدنيَّةٌ. السَّابع: اعتبار الحِرْز، فإنَّه ﷺ أسقطَ القطعَ عن سارق الثِّمار من الشَّجرة، وأوجبه على سارقه من الجَرِين، وعند أبي حنيفة (٣) أنَّ هذا لنقصان ماليَّته، لإسراع الفساد إليه، وجَعَل هذا أصلًا في كلِّ ما نقصت ماليَّتُه بإسراع الفساد إليه (٤)، وقول الجمهور أصحُّ (٥)، فإنَّه ﷺ جَعَل له ثلاثة أحوالٍ: حالةٌ لا شيء فيها، وهو إذا (٦) أكل منه بفيه، وحالةٌ يغرَّم مثليه ويُضرَب من غير قطعٍ، وهو إذا أخذه من شجره وأخرجه، وحالةٌ يقطع فيها، وهو إذا سرَقَه من بيدره، سواءٌ كان قد انتهى جفافه أو لم ينته، فالعبرة للمكان والحرز لا ليُبْسه ورطوبته، ويدلُّ عليه أنَّه ﷺ أسقط القطعَ عن سارق الشَّاة من مرعاها، وأوجبه على سارقها مِن عَطَنِها فإنَّه حِرْزها. الثَّامن: إثبات العقوبات الماليَّة، وفيه عدَّة سننٍ ثابتةٍ لا معارض لها، وقد عمل بها الخلفاء الرَّاشدون وغيرُهم من الصَّحابة، وأكثر من عمل بها

стр. 2944

عمر ﵁ . التَّاسع: أنَّ الإنسان حِرزٌ لثيابه ولفراشه الذي هو نائمٌ عليه أين كان، سواءٌ كان في المسجد أو (١) غيره. العاشر: أنَّ المسجد حرزٌ لما يُعتاد وضعُه فيه، فإنَّ النبيَّ ﷺ قَطَع مَن سَرَق منه تُرسًا (٢)، وعلى هذا فيُقطَع من سرق من حُصُره (٣) وقناديله وبُسُطه، وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره (٤). ومن لم يقطعه قال: له فيها حقٌّ، فإن لم يكن له فيها حقٌّ كالذِّمِّيِّ قُطِع (٥). الحادي عشر: أنَّ المطالبة بالمسروق شرطٌ في القطع، فلو وهبه إيَّاه، أو باعه قبل رفعه إلى الإمام سقطَ عنه القطعُ، كما صرَّح به النَّبيُّ ﷺ وقال: «هلَّا كان قبل أن تأتيني به» (٦). الثَّاني عشر: أنَّ ذلك لا يُسقط القطعَ بعد رفعه إلى الإمام، وكذلك كلُّ حدٍّ بلغَ الإمامَ وثبتَ عنده، لا يجوز إسقاطُه، وفي «السُّنن» (٧) عنه: «إذا بلغت

стр. 2945

الحدودُ الإمامَ، فلعن الله الشَّافعَ والمشفَّع». الثَّالث عشر: أنَّ مَن سرق من شيءٍ له فيه حقٌّ لم يُقطَع. الرَّابع عشر: أنَّه لا يُقطَع إلا بالإقرار مرَّتين، أو بشهادة شاهدين، لأنَّ السَّارق أقرَّ عنده مرَّةً، فقال: «ما إخالك سرقت؟» فقال: بلى، فقطعه حينئذٍ (١)، ولم يقطعه حتَّى أعاد عليه مرَّتين. الخامس عشر: التَّعريض للسَّارق بعدم الإقرار، أو (٢) بالرُّجوع عنه، وليس هذا حُكم كلِّ سارقٍ، بل مِن السُّرَّاق مَن يُقرَّر (٣) بالعقوبة والتَّهديد، كما سيأتي إن شاء الله. السَّادس عشر: أنَّه يجب على الإمام حَسْمُه بعد القَطْع لئلَّا يتلف. وفي قوله: «احسموه» دليلٌ على أنَّ مُؤْنة الحَسْم ليست على السَّارق. السَّابع عشر: تعليق يد السَّارق في عنقه تنكيلًا له وبه ليراه غيره. الثَّامن عشر: ضَرْب المتَّهم إذا ظهرَ (٤) منه أماراتُ الرِّيبة، وقد عاقب

стр. 2946

النَّبيُّ ﷺ في تهمةٍ، وحَبَس في تهمةٍ. التَّاسع عشر: (١) أنَّ المُتَّهِم متى (٢) رضي بضرب المُتَّهَم، فإن خرج مالُه عندَه، وإلَّا ضُرِب هو مثل ضَرْب مَن اتَّهمه= أُجِيبَ (٣) إلى ذلك، وهذا كلُّه مع أمارات الرِّيبة، كما قضى به النُّعمان، وأخبرَ أنَّه قضاء رسول الله ﷺ (٤). العشرون: ثبوت القصاص في الضَّربة (٥) بالسَّوط والعصا ونحوهما. فصل وقد روى عنه أبو داود (٦): أنَّه أمر بقتل سارقٍ فقالوا: إنَّما سرق، فقال: «اقطعوه»، ثمَّ جيء به ثانية فأمر بقتله، فقالوا: إنَّما سرق، فقال: «اقطعوه»، ثمَّ جيء به ثالثةً، فأمر بقتله، فقالوا: إنَّما سرق، فقال: «اقطعوه»، ثمَّ جيء به رابعةً،

стр. 2947

فقال: «اقتلوه»، فقالوا: إنَّما سرق، فقال: «اقطعوه»، فأُتي به في الخامسة، فأمر بقتله فقتلوه. فاختلف النَّاسُ في هذه الحكومة: فالنسائي وغيرُه لا يصحِّحون هذا الحديث. قال النَّسائيُّ (١): هذا حديثٌ منكرٌ، ومصعبُ بن ثابتٍ ليس بالقويِّ. وغيرُه يحسِّنه (٢) ويقول: هذا حكمٌ خاصٌّ (٣) بذلك الرَّجل وحدَه، لِمَا عَلِم رسولُ الله ﷺ من المصلحة في قتله (٤). وطائفةٌ ثالثةٌ تقبله وتقول به، وأنَّ السَّارق إذا سرق خمسَ مرَّاتٍ قُتِل في الخامسة. وممَّن ذهب (٥) إلى هذا المذهب أبو المصعب (٦) من المالكيَّة. وفي هذه الحكومة: الإتيان على أطراف السَّارق الأربعة. وقد روى عبد الرزاق في «مصنَّفه» (٧): «أنَّ النبيَّ ﷺ أُتي بعبد سَرَق، فأُتي به أربع

стр. 2948

مرَّاتٍ، فتركه، ثمَّ أُتي به الخامسة (١)، فقطَعَ يدَه، ثمَّ السَّادسة رجلَه، ثمَّ السَّابعة يدَه، ثمَّ الثَّامنة رجلَه (٢)». واختلف الصَّحابةُ ومَن بعدَهم، هل يؤتَى على أطرافه كلِّها أم لا؟ على قولين. فقال الشَّافعيُّ ومالك وأحمد في إحدى روايتيه: يؤتَى عليها كلِّها، وقال أبو حنيفة وأحمد في روايةٍ ثانيةٍ: لا يُقطَع منه أكثر من يدٍ ورجلٍ (٣). وعلى هذا القول، فهل المحذور تعطيل منفعة الجنس، أو ذهاب عضوين من شقٍّ؟ فيه وجهان، يظهر أثرهما فيما لو كان أقْطَع اليد اليمنى فقط، أو أقطع الرِّجل اليسرى فقط. فإن قلنا: يؤتَى على أطرافه، لم يؤثِّر ذلك، وإن قلنا: لا يؤتى عليها، قُطِعت رجله اليسرى في الصُّورة الأولى، ويده اليمنى في الثَّانية على العلَّتين، وإن كان أقْطَع اليد اليسرى مع الرِّجل اليمنى لم يُقطَع على العلَّتين، وإن كان أقطع اليد اليسرى فقط، لم تُقطَع يمناه على العلَّتين (٤).

стр. 2949

وهل تُقطع رجلُه اليسرى؟ ينبني على العلَّتين، فإن علَّلنا بذهاب منفعة الجنس، قُطِعت رجلُه، وإن علَّلنا بذهاب عضوين مِن شقٍّ، لم تُقطَع. ولو سرق وهو أقطع الرجلين أو يمناهما فقط، فإن عللنا بذهاب منفعة الجنس قُطع، وإن عللنا بذهاب عضوين مِن شقٍّ لم يُقطع (١). وإن كان أقطع اليدين فقط، وعلَّلنا بذهاب منفعة (٢) الجنس قُطِعت رجله اليمنى (٣)، وإن علَّلنا بذهاب عضوين من شقٍّ لم تُقطَع (٤). هذا طَرْد هذه القاعدة. وقال صاحب «المحرَّر» (٥) فيه: تُقطَع يمنى يديه على الرِّوايتين. وفرقٌ بينها وبين مسألة مقطوع اليدين، والذي يُقال في الفرق: إنَّه إذا كان أقطع الرِّجلين، فهو كالمقعد، فإذا قُطِعت إحدى يديه انتفع بالأخرى في الأكل والشُّرب والوضوء والاستجمار وغيره، وإذا كان أقطعَ اليدين لم ينتفع إلا برجليه، فإذا ذهبت إحداهما، لم يمكنه الانتفاع بالرِّجل الواحدة بلا يدٍ. ومِن الفَرْق أنَّ اليد الواحدة تنفع مع عدم منفعة المشي، والرِّجل الواحدة لا تنفع مع عدم منفعة البطش، والله أعلم.

стр. 2950

فصل في قضائه ﷺ فيمن سَبّه مِن مسلم أو ذمِّي أو معاهَد ثبت عنه أنَّه قضى بإهدار دم أمِّ ولد الأعمى لمَّا قتلها مولاها على السَّبِّ (١). وقَتَل جماعةً من اليهود على سبِّه وأذاه (٢)، وأمَّن النَّاسَ يومَ الفتح إلا نفرًا ممَّن كان يؤذيه ويهجوه، وهم أربعة رجالٍ وامرأتان (٣). وقال: «مَن لكعب بن الأشرف، فإنَّه قد آذى اللهَ ورسولَه» (٤). وأهدر دمَه ودمَ أبي رافع (٥).

стр. 2951

وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيق لأبي بَرْزة الأسلميِّ، وقد أراد قَتْل مَن سبَّه: ليست هذه لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ (١). فهذا قضاؤه ﷺ وقضاء خلفائه من بعده، ولا مخالف لهم من الصَّحابة، وقد أعاذهم الله من مخالفة هذا الحكم. وقد روى أبو داود في «سننه» (٢) عن عليّ: «أنَّ يهوديَّةً كانت تشتمُ النبيَّ ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجلٌ حتَّى ماتت، فأبطَلَ رسولُ الله ﷺ دمَها». وذكر أصحابُ السِّير والمغازي (٣) عن ابن عبَّاسٍ قال: هجت امرأةٌ النبيَّ ﷺ ، فقال: «مَن لي بها؟» فقال رجلٌ مِن قومها: أنا، فنهض فقتلها، فأُخبر النَّبيُّ ﷺ ، فقال: «لا ينتطح فيها عنزان» (٤).

стр. 2952

وفي ذلك بضعة عشر حديثًا ما بين صحاحٍ وحِسانٍ ومشاهير، وهو إجماع الصَّحابة (١). وقد ذكر حربٌ في «مسائله» (٢) عن مجاهد قال: أُتيَ عمر برجلٍ سبَّ النبيَّ ﷺ فقتله، ثمَّ قال عمر: مَن سبَّ الله (٣) أو سبَّ أحدًا من الأنبياء فاقتلوه. ثمَّ قال مجاهد عن ابن عبَّاسٍ: أيُّما مسلمٍ (٤) سبَّ الله ورسولَه، أو سبَّ أحدًا من الأنبياء، فقد كذَّب برسول الله ﷺ ، وهي رِدَّةٌ، يُستتاب فإن رجع وإلَّا قُتل، وأيُّما معاهدٍ عاند، فسبَّ الله أو سبَّ أحدًا (٥) من الأنبياء أو جهر به، فقد نقض العهد، فاقتلوه. وذكر أحمد (٦) عن ابن عمر أنَّه مرَّ به راهبٌ، فقيل له: هذا يسبُّ النبيَّ

стр. 2953

- ﷺ ، فقال ابن عمر: لو سمعتُه لقتلتُه، إنَّا لم نُعْطِهم الذِّمَّة على أن يسبُّوا نبيَّنا. والآثار عن الصَّحابة بذلك كثيرةٌ، وحكى غير واحدٍ من الأئمَّة الإجماعَ على قتله (١). قال شيخنا (٢): وهو محمولٌ على إجماع الصَّدر الأوَّل من الصَّحابة والتَّابعين. والمقصود: إنَّما هو ذِكْر حكم النَّبيِّ ﷺ وقضائه فيمن سبَّه. وأمَّا تَرْكه ﷺ قَتْل مَن قَدَح في عَدْله بقوله: اعدل فإنَّك لم تعدل (٣)، وفي حُكْمه بقوله: أنْ كان ابنَ عمَّتك (٤)، وفي قَصْده بقوله: إنَّ هذه قسمةٌ ما أريد بها وجه الله (٥)، وفي خَلْوته بقوله: يقولون إنَّك تنهى عن الغيِّ وتستخلي به (٦)، وغير ذلك= فذلك أنَّ الحقَّ له، فله أن يستوفيه وله أن يتركه، وليس

стр. 2954

لأمَّته ترك استيفاء حقِّه ﷺ . وأيضًا فإنَّ هذا كان في أوَّل الأمر، حيث كان ﷺ مأمورًا بالعفو والصَّفح. وأيضًا فإنَّه كان يعفو عن حقِّه لمصلحة التَّأليف وجَمْع الكلمة، ولئلَّا ينفِّر النَّاس عنه، ولئلَّا يتحدَّثوا أنَّه يقتل أصحابه، وكلُّ هذا يختصُّ بحياته ﷺ . فصل في حُكْمه ﷺ فيمن سَمَّه ثبت في «الصَّحيحين» (١): «أنَّ يهوديَّةً سمَّته في شاةٍ، فأكل منها لقمةً، ثمَّ لفَظَها، وأكل معه بِشْر بن البراء، فعفا عنها النَّبيُّ ﷺ ولم يعاقبها» هكذا في «الصَّحيحين». وعند أبي داود (٢): أنَّه أمر بقتلها. فقيل: إنَّه عفا عنها في حقِّه، فلمَّا مات بِشْر بن البراء، قتلها به. وفيه دليلٌ على أنَّ من قدَّم لغيره طعامًا مسمومًا، يعلم به دون آكله، فمات به، أُقيد منه.

стр. 2955

فصل في حُكْمه ﷺ في الساحر في الترمذي (١) عنه: «حدُّ السَّاحر ضَرْبةٌ بالسَّيف». وهذا (٢) الصَّحيحُ أنَّه موقوفٌ على جندب بن عبد اللَّه. وصحَّ عن عمر أنَّه أمر بقتله (٣)، وصحَّ عن حفصة أنَّها قتلت مُدَبَّرةً سحرَتْها، فأنكر عليها عثمان، إذ فعلَتْه دون أمْرِه (٤). ورُوي عن عائشة أنَّها قتلت أيضًا (٥) مُدَبَّرةً سحَرتْها، ورُوي أنَّها باعتها (٦). ذَكَره ابنُ المنذر

стр. 2956

وغيره (١). وقد صحَّ أنَّ رسول الله ﷺ لم يقتل من سَحَره من اليهود (٢)، فأخذ بهذا الشَّافعيُّ وأبو حنيفة، وأمَّا مالك وأحمد فإنَّهما يقتلانه، ولكن منصوص أحمد أنَّ ساحِرَ أهل الذِّمَّة لا يُقتل، واحتجَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يقتل لَبِيدَ بن الأعصم اليهودي حين سَحَره (٣)، ومن قال يُقتل (٤) ساحرُهم يجيب عن هذا بأنَّه لم يُقرَّ، ولم تَقُم عليه بيِّنةٌ، وبأنَّه ﷺ خَشِي أن يثير على النَّاس شرًّا بترك إخراج السِّحر من البئر، فكيف لو قتله؟!

стр. 2957

فصل في حُكْمه ﷺ في أول غنيمة كانت في الإسلام وأوّل قتيل لمَّا بعث رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بن جحش ومَن معه سريَّةً إلى نخلة تَرْصُد (١) عيرًا لقريشٍ، وأعطاه كتابًا مختومًا، وأمره أن لا يقرأه إلا بعد يومين، فقتلوا عَمرو بن الحضرمي، وأسروا عثمانَ بن عبد الله، والحَكَم بن كيسان، وكان ذلك في الشَّهر الحرام، فعنَّفهم المشركون، ووقف رسول الله ﷺ الغنيمة والأسيرين حتَّى أنزل الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فأخذ رسولُ الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت إليه قريشٌ في فدائهما، فقال: لا، حتَّى يقدم صاحبانا ــ يعني سعد بن أبي وقَّاصٍ، وعُتبة بن غزوان ــ، فإنَّا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم، فلمَّا قدما، فاداهما (٢) رسولُ الله ﷺ بعثمان (٣) والحكم، وقسم الغنيمة (٤).

стр. 2958

وذكر ابن وهب (١): أنَّ النبيَّ ﷺ ردَّ الغنيمة وودَى القتيل (٢). والمعروف في السِّيَر خلاف هذا. وفي هذه القصَّة من الفقه: إجازة الشَّهادة على الوصيَّة المختومة، وهو قول مالك وكثيرٍ من السَّلف، وعليه يدلُّ حديثُ ابنِ عمر في «الصَّحيحين» (٣): «ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيَّته مكتوبةٌ عنده». وفيها: أنَّه لا يشترط في كتاب الإمام والحاكم البيِّنة، ولا أن يقرأه الإمام والحاكم على الحامل له، وكلُّ هذا لا أصل له من كتابٍ ولا سنَّةٍ، وقد كان رسول الله ﷺ يدفع كتبَه مع رسله، ويسيِّرها إلى مَن يكتب إليه، ولا يقرؤها على حاملها، ولا يقيم عليها شاهدين، وهذا معلومٌ بالضَّرورة من هَدْيه وسنَّته. فصل في حُكْمه ﷺ في الجاسوس ثبت أنَّ حاطب بن أبي بلتعة لمَّا جَسَّ عليه، سأله عمرُ ضرْبَ عنقه، فلم يُمَكِّنه، وقال: «وما يدريكَ لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (٤). وقد تقدَّم حُكم المسألة مستوفًى.

стр. 2959

واختلف الفقهاء في ذلك، فقال سُحنون: إذا كاتَبَ المسلمُ أهلَ الحرب قُتل ولم يُستتَبْ، وماله لورثته، وقال غيره من أصحاب مالك: يُجلد جلدًا وجيعًا، ويطال حبسه، ويُنفى من (١) موضعٍ يقرب من الكفَّار. وقال ابن القاسم: يُقتل، ولا يُعرف لهذا توبةٌ، وهو كالزِّنديق (٢). وقال الشَّافعيُّ، وأبو حنيفة، وأحمد (٣): لا يقتل، والفريقان احتجُّوا بقصَّة حاطب، وقد تقدَّم ذِكْر وجه احتجاجهم، ووافق ابنُ عقيل ــ من أصحاب أحمد ــ مالكًا وأصحابَه. فصل في حُكْمه في الأسرى ثبت عنه ﷺ في الأسرى أنَّه قتل بعضَهم، ومَنَّ على بعضهم، وفادى بعضَهم بمالٍ، وبعضهم بأسرى من المسلمين، واسترقَّ بعضهم، ولكنَّ المعروف أنَّه لم يسترقَّ رجلًا بالغًا. فقَتَل يومَ بدرٍ من الأسرى: عُقبة بن أبي مُعَيط صبرًا، وطُعيمة بن عديّ (٤)،

стр. 2960

والنّضْر بن الحارث (١). وقَتَل من يهودٍ جماعةً كثيرين من الأسرى، وفادى بأسرى (٢) بدرٍ بالمال بأربعة آلافٍ إلى أربعمائةٍ (٣)، وفادى بعضَهم على تعليم جماعةٍ من المسلمين الكتابة (٤). ومَنَّ على أبي عَزّة الشاعر يوم بدرٍ (٥)، وقال في أُسارى بدرٍ: «لو كان المُطْعِم بن عَديّ حيًّا، ثمَّ كلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى لأطلقتُهم له» (٦).

стр. 2961

وفدى رجلين من المسلمين برجلٍ من المشركين (١). وفدى رجالًا من المسلمين بامرأةٍ من السَّبْي، استوهبها من سلمة بن الأكوع (٢). ومنَّ على ثُمامة بن أُثال (٣). وأطلقَ يوم فتحِ مكَّةَ جماعةً من قريشٍ، فكان يُقال لهم: الطُّلَقاء (٤). وهذه أحكامٌ لم يُنسَخ منها شيءٌ، بل يخيَّر الإمام فيها بحسب المصلحة.

стр. 2962

واسْتَرَقَّ مِن أهل الكتاب وغيرِهم، فسبايا أوطاسٍ وبني المصطلق لم يكونوا كتابيِّين، وإنَّما كانوا عبَدَة أوثانٍ من العرب (١). واسترقَّ الصَّحابةُ سَبْيَ (٢) بني حنيفة، ولم يكونوا كتابيِّين. قال ابنُ عبَّاسٍ: «خُيِّر رسولُ الله ﷺ في الأسرى بين الفداء والمنِّ والقتل والاستعباد، يفعل ما شاء» (٣)، وهذا هو الحقُّ الذي لا قول سواه. فصل (٤) وحَكَم في اليهود بعدَّة قضايا، فعاهدهم أوَّل مَقْدَمِه المدينة (٥)، ثمَّ حاربه

стр. 2963

بنو قينقاع، فظَفِر بهم ومنَّ عليهم، ثمَّ حاربه بنو النَّضير، فظفر بهم وأجلاهم، ثمَّ حاربه بنو قريظة، فظفر بهم وقَتَلهم (١)، ثمَّ حاربه أهلُ خيبر، فظفر بهم وأقرَّهم في أرض خيبر ما شاء سوى مَن قُتل منهم (٢). ولمَّا حكَم سعدُ بن معاذٍ في بني قريظة بأن تُقتَل مقاتلتهم (٣)، وتُسبى ذُرِّيّتهم (٤) وتُغنَم أموالهم، أخبره رسول الله ﷺ : أنَّ هذا حكم الله من فوق سبع سماواتٍ (٥). وتضمَّن هذا الحكم: أنَّ ناقضي العهد يسري نقضُهم إلى نسائهم وذرِّيَّتهم (٦) إذا كان نقضهم بالحرب (٧)، ويعودوا (٨) أهل حربٍ، وهذا عين حكم الله . فصل في حُكْمه ﷺ في فتح خيبر حكم يومئذٍ بإقرار يهود فيها على شَطْر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ (٩).

стр. 2964

وحكم بقتل ابني أبي الحُقَيق لمَّا نقضوا الصُّلح بينهم وبينه: على أن لا يكتموا (١) شيئًا من أموالهم، فكتموا وغيَّبوا. وحَكَم بعقوبة المتَّهم بتغييب المال حتَّى أقرَّ به، وقد تقدَّم ذلك مستوفًى في غزاةِ خيبر (٢). وكانت لأهل الحديبية (٣) خاصَّةً، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد اللَّه، فقسَم له رسولُ الله ﷺ سهمَه (٤). فصل في حُكْمه ﷺ في فتح مكة حكَم بأنَّ من أغلق بابه، أو دخل دار أبي سفيان، أو دخل المسجد، أو وضع السِّلاح، فهو آمنٌ، وحكم بقتل نفرٍ ستَّةٍ (٥)، منهم: مِقْيَس بن صُبابة، وابن خَطَل، ومغنِّيتان كانتا تغنِّيان بهجائه، وحكم بأنَّه لا يُجْهَز على جريحٍ، ولا يُتبع مُدْبِرٌ، ولا يقتل أسيرٌ، ذكره أبو عبيد في «الأموال» (٦).

стр. 2965

وحكم لخزاعة أن يبذلوا سيوفهم في بني بكرٍ إلى صلاة العصر، ثمَّ قال لهم: «يا معشر خُزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل» (١). فصل في حُكْمه ﷺ في قسمة الغنائم حكم ﷺ أنَّ للفارس ثلاثة أسهمٍ، وللرَّاجل سهمٌ (٢)، هذا حكمه الثَّابت عنه في مغازيه كلِّها، وبه أخذ جمهور العلماء (٣). وحَكَم أنَّ السَّلَب للقاتل (٤). وأمَّا حكمه بإخراج الخُمُس، فقال ابن إسحاق (٥): كانت الخيل يوم بني قريظة ستَّةً وثلاثين فرسًا، وكان أوَّل فيءٍ وقعت فيه السُّهمان، وأُخرج منه الخمس، ومضت به السُّنَّة. ووافقه على ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق، قال إسماعيل (٦): وأحسب أنَّ بعضهم قال: تُرِك (٧) أمرُ الخُمُس بعد ذلك،

стр. 2966

ولم يأت في ذلك من الحديث ما فيه بيانٌ شافٍ، وإنَّما جاء ذِكْر الخمس يقينًا في غنائم حنينٍ. وقال الواقديُّ (١): أوَّل خُمُسٍ خُمِّس في غزوة بني قينقاع بعد بدرٍ بشهرٍ وثلاثة أيَّامٍ، نزلوا على حكمه، فصالحهم على أنَّ له (٢) أموالهم، ولهم النِّساء والذُّرِّيَّة، وخَمَّس أموالَهم. وقال عُبادة بن الصَّامت (٣): «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى بدرٍ، فلمَّا هزم الله العدوَّ، تَبِعتْهم طائفةٌ يقتلونهم، وأحدقت طائفةٌ (٤) برسول الله ﷺ ، وطائفةٌ استولت على العسكر والغنيمة، فلمَّا رجع الذين طلبوهم، قالوا: لنا النَّفَل نحن طلبنا العدوَّ، وقال الذين أحْدَقوا برسول الله ﷺ : نحن أحقُّ به، لأنَّا أحْدَقنا برسول الله ﷺ أن لا ينال العدوُّ غرَّته، وقال الذين استولوا على العسكر: هو لنا، نحن حويناه. فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. فقسمه رسولُ الله ﷺ عن بواءٍ قبل أن ينزل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]».

стр. 2967

وقال القاضي إسماعيل (١): إنَّما قَسَم رسولُ الله ﷺ أموالَ بني النَّضير بين المهاجرين، وثلاثةٍ من الأنصار: سهل بن حُنَيفٍ، وأبي دجانة، والحارث بن الصِّمَّة= أنَّ (٢) المهاجرين حين قدموا المدينةَ، شاطرتهم الأنصارُ ثمارَهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن شئتم قسمتُ أموالَ بني النَّضير بينكم وبينهم، وأقمتم على مواساتهم في ثماركم، وإن شئتم أعطينا المهاجرين (٣) دونكم، وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم». فقالوا: بل تعطيهم دوننا، ونمسك ثمارنا، فأعطاها رسولُ الله ﷺ المهاجرين، فاستغنوا بما أخذوا، واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم (٤)، وهؤلاء الثَّلاثة من الأنصار شَكَوا حاجةً. فصل وكان طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيدٍ بالشَّام لم يشهدا بدرًا، فقسم لهما رسول الله ﷺ سهميهما، فقالا: وأجورنا يا رسول اللَّه؟ فقال:

стр. 2968

«وأجوركما» (١). وذكر ابنُ هشام (٢) وابن حبيب: أنَّ أبا لُبابة والحارث بن حاطب وعاصم بن عديّ خرجوا مع رسول الله ﷺ فردَّهم، وأمَّر أبا لبابة على المدينة، وابنَ أمِّ مكتومٍ على الصَّلاة، وأسهم لهم. والحارث بن الصِّمّة كُسِر بالرَّوحاء، فضَرَب له رسولُ الله ﷺ بسهمه (٣). قال ابن هشام (٤): وخوَّات بن جُبيرٍ ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه. ولم يختلف أحدٌ أنَّ عثمان بن عفَّان تخلَّف على امرأته رقية ابنة رسول الله ﷺ ، فضَرَب له بسهمه، فقال: وأجري يا رسول اللَّه؟ قال: «وأجرك». قال ابن حبيب: وهذا خاصٌّ للنَّبيِّ ﷺ ، وأجمع المسلمون أن لا يُقسَم لغائبٍ. قلت: قد قال أحمدُ ومالك وجماعةٌ من السَّلف والخلف: إنَّ الإمام إذا بعث أحدًا في مصالح الجيش فله سهمه (٥).

стр. 2969

قال ابن حبيب (١): ولم يكن النَّبيُّ ﷺ يسهم للنِّساء والصِّبيان والعبيد، ولكن كان يُحذيهم من الغنيمة. فصل وعَدَل في قسمة الإبل والغنم كلُّ عشرةٍ منها ببعيرٍ (٢)، فهذا في التَّقويم وقسمة المال المشترك. وأمَّا في الهدي، فقد قال جابر: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البَدَنة عن سبعةٍ والبقرة عن سبعةٍ (٣). فهذا في الحديبية. وأمَّا في حجَّة الوداع فقال جابر أيضًا: «أمرَنا رسولُ الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كلُّ سبعةٍ منَّا في بدَنةٍ» (٤)، وكلاهما في الصَّحيح. وفي «السُّنن» (٥) من حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: إنَّ عليَّ بدنةً وأنا موسِرٌ بها، ولا أجِدُها فأشتريها، فأمره أن يبتاع سَبْع شِياهٍ فيذبحَهُنَّ.

стр. 2970

فصل وحَكَم ﷺ بالسَّلَب كلِّه للقاتل، ولم يخمِّسه ولم يجعله من الخُمُس، بل من أصل الغنيمة. وهذا حكمه وقضاؤه. قال البخاريُّ في «صحيحه» (١): السَّلَب للقاتل إنَّما هو من غير الخمس، وحكَم به بشهادة واحدٍ، وحكَم به بعد القتل. فهذه أربعة أحكامٍ تضمَّنها حكمُه ﷺ بالسَّلَب لمن قتل قتيلًا. وقال مالكٌ وأصحابه: لا يكون السَّلَب إلا مِن الخُمُس، وحكمه حكم النَّفَل، قال مالك: ولم يبلغنا أنَّ النبيَّ ﷺ قال ذلك، ولا فعَلَه في غير يوم حنينٍ (٢)، ولا فعله أبو بكر ولا عمر (٣). قال ابن الموَّاز (٤): ولم يعْطِ غيرَ البراء بن مالكٍ سَلَب قتيله وخمَّسه (٥). قال أصحابه: وقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فجعل الأربعة أخماس (٦) لمَنْ غَنِمها، فلا يجوز أن

стр. 2971

يؤخذ شيءٌ ممَّا جعله الله لهم (١) بالاحتمال. وأيضًا فلو كانت هذه الآية إنَّما هي في غير الأسلاب لم يؤخِّر النَّبيُّ ﷺ حكمَها إلى يوم حنينٍ، وقد نزلت في قصَّة بدرٍ. وأيضًا فإنه إنَّما قال: «من قَتَل قتيلًا فله سَلَبه» (٢) بعد أن برد القتال، ولو كان أمرًا متقدِّمًا لعَلِمَه أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ ، وأحد أكابر أصحابه (٣)، وهو لم يطلبه حتَّى سمع منادي رسول الله ﷺ يقول ذلك. قالوا: وأيضًا فالنَّبيُّ ﷺ أعطاه إيَّاه بشهادة واحدٍ بلا يمينٍ، فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج حقُّ مغنمٍ إلا بما تخرج به الأملاك من البيِّنات، أو شاهدٍ ويمينٍ. قالوا: وأيضًا فلو وجب للقاتل ولم يجد بيِّنةً لكان يوقَف كاللُّقَطَة ولا يُقسَم، وهو إذا لم تكن بيِّنةٌ يُقسَم، فخرج من معنى الملك، ودلَّ على أنَّه إلى اجتهاد الإمام يجعله من الخمس الذي يُجعَل في غيره. هذا مجموع ما احْتُجَّ به لهذا القول. قال الآخرون: قد قال ذلك رسول الله ﷺ وفعَلَه قبل حُنينٍ بستَّةِ أعوامٍ، فذكر البخاريُّ في «صحيحه» (٤): أنَّ معاذ بن عَمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء الأنصاريَّين ضربا أبا جهل بن هشام يوم بدرٍ بسيفيهما حتَّى قتلاه، فانصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: أيُّكما قتلَه؟ فقال كلٌّ واحدٍ منهما:

стр. 2972

أنا قتلتُه، قال: «هل مسحتما سيفيكما؟»، قالا: لا، فنظر إلى السَّيفين فقال: «كلاكما قتله، وسَلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح». وهذا يدلُّ على أنَّ كون السَّلب للقاتل أمرٌ مقرَّرٌ معلومٌ من أوَّل الأمر، وإنَّما تجدَّد يوم حُنينٍ الإعلامُ العامُّ والمناداة به لا شرعيَّته. وأمَّا قول ابن الموَّاز: إنَّ أبا بكر وعمر لم يفعلاه، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّ هذا شهادةٌ على النَّفي فلا تُسمَع، الثَّاني: أنَّه يجوز أن يكون تَرَك المناداةَ بذلك على عهدهما اكتفاءً بما تقرَّر وثَبَت من حُكْم رسول الله ﷺ وقضائه، وحتَّى لو صحَّ عنهما تَرْك ذلك تركًا صحيحًا لا احتمالَ فيه لم يقدَّم على حكم رسول الله ﷺ . وأمَّا قوله: «ولم يُعْطِ غير البراء بن مالكٍ سَلَب قتيله»، فقد أعطى السَّلب لسلمة بن الأكوع (١)، ولمعاذ بن عَمْرو (٢)، ولأبي طلحة الأنصاري قَتَل عشرين يومَ حُنينٍ فأخذ أسلابهم (٣)، وهذه كلُّها وقائع صحيحةٌ معظمها في الصَّحيح، فالشَّهادة على النَّفي لا تكاد تسلم من النَّقض. وأمَّا قوله: «وخمَّسه» فهذا لم يُحفَظ به أثرٌ البتَّة، بل المحفوظ خلافه، ففي «سنن أبي داود» (٤) عن خالد: «أنَّ النبيَّ ﷺ لم يخمِّس السَّلَب».

стр. 2973

وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فهذا عامٌّ والحُكْم بالسَّلَب للقاتل خاصٌّ، ويجوز تخصيص عموم الكتاب بالسُّنَّة، ونظائره معلومةٌ ولا يمكن دفعُها. وقوله: «لا يُجعَل شيءٌ من الغنيمة لغير أهلها بالاحتمال»، جوابه من وجهين، أحدهما: أنَّا لم نجعل السَّلَب لغير الغانمين. الثَّاني: أنّا إنَّما جعلناه للقاتل بقول رسول الله ﷺ لا بالاحتمال، ولم يؤخِّر النَّبيُّ ﷺ حكم الآية إلى يوم حنينٍ كما ذكرتم، بل قد حَكَم بذلك يوم بدرٍ، ولا يمنع كونه قاله بعد القتال من استحقاقه بالقتل. وأمَّا كون أبي قتادة لم يطلبه حتَّى سمع منادي النَّبيِّ (١) ﷺ يقوله، فلا يدلُّ على أنَّه لم يكن متقرِّرًا معلومًا، وإنَّما سكت عنه أبو قتادة لأنَّه لم يكن يأخذه بمجرَّد (٢) دعواه، فلمَّا شهد له به شاهدٌ أعطيه (٣). والصَّحيح أنَّه يُكتفى في هذا بالشَّاهد الواحد ولا يُحْتاج إلى شاهدٍ آخر ولا يمينٍ، كما جاءت به السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة التي لا معارض لها، وقد تقدَّم هذا في موضعه (٤). وأمَّا قوله: «إنَّه لو كان للقاتل لوُقِفَ ولم يقسَّم كاللُّقطة»، فجوابه أنَّه للغانمين وإنَّما للقاتل حقُّ التَّقديم، فإذا لم يُعلَم عينُ القاتل اشترك فيه الغانمون، فإنَّه حقُّهم ولم يظهر مستحقُّ التَّقديم منهم فاشتركوا فيه، والله أعلم.

стр. 2974

فصل في حُكْمه ﷺ فيما حازه المشركون من أموال المسلمين ثم ظَهَر عليه المسلمون أو أَسْلَم عليه المشركون في البخاريِّ (١): أنَّ فرسًا لابن عمر ذهب وأخذه العدوُّ، فظهر عليه المسلمون فرُدَّ عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأَبَقَ له عبدٌ فلحق بالرُّوم، فظهر عليه المسلمون، فردَّه عليه خالدٌ في زمن أبي بكر. وفي «سنن أبي داود» (٢): «أنَّ رسول الله ﷺ هو الذي ردَّ عليه الغلام». وفي «المدوَّنة» و «الواضحة» (٣): أنَّ رجلًا من المسلمين وجد بعيرًا له في المغانم، فقال له رسول الله ﷺ : «إن وجدته لم يُقْسَم فخذه، وإن وجدته قد قُسِم فأنت أحقُّ به بالثَّمن إن أردته».

стр. 2975

وصحَّ عنه: أنَّ المهاجرين طلبوا منه دورَهم يوم الفتح بمكَّة، فلم يردَّ على أحدٍ داره. وقيل له: أين تنزل غدًا من دارك بمكَّة؟ فقال: «وهل ترك لنا عَقيلٌ منزلًا» (١)، وذلك أنَّ النبي ﷺ لمَّا هاجر إلى المدينة وثَبَ عَقيل على رِباع النَّبيِّ ﷺ (٢) فحازها كلَّها، وحوى عليها، ثمَّ أسلم وهي في يده، وقضى رسولُ الله ﷺ أنَّ من أسلم على شيءٍ فهو له. وكان عقيلٌ ورث أبا طالب، ولم يرثه عليٌّ لتقدُّم إسلامه على موت أبيه، ولم يكن لرسول الله ﷺ ميراثٌ من عبد المطلب، فإنَّ أباه عبد الله هلك (٣) وأبوه عبد المطلب حيٌّ، ثمَّ هلك عبد المطلب فورثه أولاده، وهم أعمام النَّبيِّ ﷺ ، وهلك أكثر أولاده ولم يعقبوا، فحاز أبو طالب رِباعه ثمَّ مات، فاستولى عليها عقيل دون عليٍّ لاختلاف الدِّين، ثمَّ هاجر النَّبيُّ ﷺ ، فاستولى عَقيلٌ على داره؛ فلذلك قال ﷺ : «وهل ترك لنا عقيلٌ منزلًا». وكان المشركون يَعْمِدون إلى من هاجر من المسلمين ولحق بالمدينة فيستولون على داره وعقاره، فمضت السُّنَّة أنَّ الكفَّار المحاربين إذا أسلموا لم يضمنوا ما أتلفوه على المسلمين من نفسٍ أو مالٍ، ولم يردُّوا عليهم أموالَهم التي غصبوهم عليها (٤)، بل من أسلم على شيءٍ فهو له. هذا حكمه وقضاؤه ﷺ .

стр. 2976

فصل في حُكْمه ﷺ فيما كان يُهدى إليه (١) كان أصحابه يهدون إليه الطَّعامَ وغيره، فيقبل منهم ويكافئهم (٢) أضعافها. وكانت الملوكُ تهدي إليه فيقبل هداياهم، ويقسمها بين أصحابه، ويأخذ منها لنفسه ما يختاره، فيكون كالصَّفِيِّ (٣) الذي له مِن المغنم. وفي «صحيح البخاريِّ» (٤): «أنَّ النبيَّ ﷺ أهديت إليه أقبية ديباجٍ مزرَّرةٌ بالذَّهب، فقسمها في ناسٍ من أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخرمة بن نوفلٍ، فجاء ومعه (٥) المِسْوَر ابنُه، فقام على الباب فقال: ادعه لي، فسمع النَّبيُّ ﷺ صوتَه، فتلقَّاه به فاستقبله، وقال: «يا أبا المسور خَبَأْتُ هذا لك». وأهدى له المقوقسُ ماريةَ أمَّ ولده، وسيرين التي وهبها لحسَّان، وبغلةً شهباء، وحمارًا (٦).

стр. 2977

وأهدى له النَّجاشيُّ هديَّةً فقبلها منه، وبعث إليه هديَّةً عِوَضها، وأَخْبَر أنَّه مات قبل أن تصل إليه، وأنَّها ترجع، فكان كما قال (١). وأهدى له فَروةُ بن نُفَاثَة (٢) الجُذامي بغلةً بيضاء ركبها يوم حنينٍ، ذكَره مسلم (٣). وذكر البخاريُّ (٤): «أنَّ ملك أَيْلَة أهدى له بغلةً بيضاء، فكساه رسول الله ﷺ بُرْدةً، وكتب له بِبَحْرهم».

стр. 2978

وأهدى له أبو سفيان هديَّةً فقَبِلها (١). وذكر أبو عُبيد (٢): أنَّ عامر بن مالك مُلاعب الأسنَّة أهدى للنَّبيِّ ﷺ فرسًا، فردَّه وقال: «إنَّا لا نقبل هديَّةَ مشركٍ». وكذلك قال لعياض المجاشعي: «إنَّا لا نقبل زَبْدَ المشركين» (٣)، يعني: رِفْدهم. قال أبو عبيد: وإنَّما قبل هديَّة أبي سفيان لأنَّها كانت في مدَّة الهدنة بينه وبين أهل مكَّة، وكذلك المقوقس صاحب إسكندرية، إنَّما قَبِل هديَّتَه لأنَّه أكرم حاطبَ بن أبي بلتعة رسولَه إليه، وأقرَّ بنبوَّته (٤)، ولم يؤيِّسه من

стр. 2979

إسلامه، فلم يقبل ﷺ هديَّةَ مشركٍ محاربٍ له قطُّ. فصل وأمَّا حكم هدايا الأئمَّة بعده، فقال سُحنونٌ ــ مِن أصحاب مالك ــ: إذا أهدى أمير الرُّوم هديَّةً إلى الإمام فلا بأس بقبولها، وتكون له خاصَّةً، وقال الأوزاعيُّ: تكون للمسلمين، ويكافئه بمثلها (١) من بيت المال (٢). وقال الإمام أحمد وأصحابه: ما أهداه الكفَّار للإمام أو لأمير الجيش أو قُوَّاده فهو غنيمةٌ حكمها حكم الغنائم (٣). فصل في حُكْمه ﷺ في قسمة الأموال الأموال (٤) التي كان النَّبيُّ ﷺ يقسمها ثلاثةٌ: الزَّكاة، والغنائم، والفيء. فأمَّا الزَّكاة والغنائم فقد تقدَّم حكمهما (٥)، وبيَّنَّا أنَّه لم يكن يستوعب الأصناف الثَّمانية، وأنَّه كان ربَّما وضعها في واحدٍ. وأمَّا حكمه في الفيء فثبت في «الصَّحيح» (٦) أنَّه ﷺ قَسَم يوم حنينٍ في المؤلَّفة قلوبهم من الفيء، ولم يعط الأنصار شيئًا، فعتَبوا عليه، فقال لهم:

стр. 2980

«ألا ترضون أن يذهب النَّاسُ بالشَّاة (١) والبعير، وتنطلقون برسول الله ﷺ تقودونه إلى رحالكم، فواللَّه لَمَا تنقلبون به خيرٌ ممَّا ينقلبون به». وقد تقدَّم ذكر القصَّة وفوائدها في موضعها (٢). والقصد (٣) هنا أنَّ الله سبحانه أباح لرسوله من الحُكْم في مال الفيء ما لم يُبِحْهُ لغيره، وفي «الصَّحيح» (٤) عنه: «إنِّي لأعطي أقوامًا، وأدع غيرَهم، والَّذي أدعُ أحبُّ إليَّ من الذي أُعطي». وفي «الصَّحيح» (٥) عنه: «إنِّي لأعطي أقوامًا أخاف ظَلَعَهم وجَزَعهم، وأَكِلُ أقوامًا إلى ما جعلَ الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم: عَمْرو بن تغلب». قال عَمرو: فما أحبُّ أنَّ لي بكلمة رسول الله ﷺ حُمْر النَّعَم. وفي «الصَّحيح» (٦): «أنَّ عليًّا بعَثَ إليه بذُهَيبةٍ من اليمن، فقسَمَها أرباعًا،
следующие страницы →