← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

فصل في حُكْمه ﷺ فيما كان يُهدى إليه (١) كان أصحابه يهدون إليه الطَّعامَ وغيره، فيقبل منهم ويكافئهم (٢) أضعافها. وكانت الملوكُ تهدي إليه فيقبل هداياهم، ويقسمها بين أصحابه، ويأخذ منها لنفسه ما يختاره، فيكون كالصَّفِيِّ (٣) الذي له مِن المغنم. وفي «صحيح البخاريِّ» (٤): «أنَّ النبيَّ ﷺ أهديت إليه أقبية ديباجٍ مزرَّرةٌ بالذَّهب، فقسمها في ناسٍ من أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخرمة بن نوفلٍ، فجاء ومعه (٥) المِسْوَر ابنُه، فقام على الباب فقال: ادعه لي، فسمع النَّبيُّ ﷺ صوتَه، فتلقَّاه به فاستقبله، وقال: «يا أبا المسور خَبَأْتُ هذا لك». وأهدى له المقوقسُ ماريةَ أمَّ ولده، وسيرين التي وهبها لحسَّان، وبغلةً شهباء، وحمارًا (٦).

стр. 2977

وأهدى له النَّجاشيُّ هديَّةً فقبلها منه، وبعث إليه هديَّةً عِوَضها، وأَخْبَر أنَّه مات قبل أن تصل إليه، وأنَّها ترجع، فكان كما قال (١). وأهدى له فَروةُ بن نُفَاثَة (٢) الجُذامي بغلةً بيضاء ركبها يوم حنينٍ، ذكَره مسلم (٣). وذكر البخاريُّ (٤): «أنَّ ملك أَيْلَة أهدى له بغلةً بيضاء، فكساه رسول الله ﷺ بُرْدةً، وكتب له بِبَحْرهم».

стр. 2978

وأهدى له أبو سفيان هديَّةً فقَبِلها (١). وذكر أبو عُبيد (٢): أنَّ عامر بن مالك مُلاعب الأسنَّة أهدى للنَّبيِّ ﷺ فرسًا، فردَّه وقال: «إنَّا لا نقبل هديَّةَ مشركٍ». وكذلك قال لعياض المجاشعي: «إنَّا لا نقبل زَبْدَ المشركين» (٣)، يعني: رِفْدهم. قال أبو عبيد: وإنَّما قبل هديَّة أبي سفيان لأنَّها كانت في مدَّة الهدنة بينه وبين أهل مكَّة، وكذلك المقوقس صاحب إسكندرية، إنَّما قَبِل هديَّتَه لأنَّه أكرم حاطبَ بن أبي بلتعة رسولَه إليه، وأقرَّ بنبوَّته (٤)، ولم يؤيِّسه من

стр. 2979

إسلامه، فلم يقبل ﷺ هديَّةَ مشركٍ محاربٍ له قطُّ. فصل وأمَّا حكم هدايا الأئمَّة بعده، فقال سُحنونٌ ــ مِن أصحاب مالك ــ: إذا أهدى أمير الرُّوم هديَّةً إلى الإمام فلا بأس بقبولها، وتكون له خاصَّةً، وقال الأوزاعيُّ: تكون للمسلمين، ويكافئه بمثلها (١) من بيت المال (٢). وقال الإمام أحمد وأصحابه: ما أهداه الكفَّار للإمام أو لأمير الجيش أو قُوَّاده فهو غنيمةٌ حكمها حكم الغنائم (٣). فصل في حُكْمه ﷺ في قسمة الأموال الأموال (٤) التي كان النَّبيُّ ﷺ يقسمها ثلاثةٌ: الزَّكاة، والغنائم، والفيء. فأمَّا الزَّكاة والغنائم فقد تقدَّم حكمهما (٥)، وبيَّنَّا أنَّه لم يكن يستوعب الأصناف الثَّمانية، وأنَّه كان ربَّما وضعها في واحدٍ. وأمَّا حكمه في الفيء فثبت في «الصَّحيح» (٦) أنَّه ﷺ قَسَم يوم حنينٍ في المؤلَّفة قلوبهم من الفيء، ولم يعط الأنصار شيئًا، فعتَبوا عليه، فقال لهم:

стр. 2980

«ألا ترضون أن يذهب النَّاسُ بالشَّاة (١) والبعير، وتنطلقون برسول الله ﷺ تقودونه إلى رحالكم، فواللَّه لَمَا تنقلبون به خيرٌ ممَّا ينقلبون به». وقد تقدَّم ذكر القصَّة وفوائدها في موضعها (٢). والقصد (٣) هنا أنَّ الله سبحانه أباح لرسوله من الحُكْم في مال الفيء ما لم يُبِحْهُ لغيره، وفي «الصَّحيح» (٤) عنه: «إنِّي لأعطي أقوامًا، وأدع غيرَهم، والَّذي أدعُ أحبُّ إليَّ من الذي أُعطي». وفي «الصَّحيح» (٥) عنه: «إنِّي لأعطي أقوامًا أخاف ظَلَعَهم وجَزَعهم، وأَكِلُ أقوامًا إلى ما جعلَ الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم: عَمْرو بن تغلب». قال عَمرو: فما أحبُّ أنَّ لي بكلمة رسول الله ﷺ حُمْر النَّعَم. وفي «الصَّحيح» (٦): «أنَّ عليًّا بعَثَ إليه بذُهَيبةٍ من اليمن، فقسَمَها أرباعًا،

стр. 2981

فأعطى الأقرعَ بنَ حابس، وأعطى زيدَ الخيل، وأعطى علقمةَ بن عُلاثَةَ، وعُيينةَ بن حِصْن، فقام إليه رجلٌ غائر العينين، ناتئ الجبهة، كثُّ اللِّحية، محلوقُ الرَّأس، فقال: إن هذه قِسْمة ما أُريدَ بها وجهُ الله؛ فغضبَ رسولُ الله ﷺ (١)» الحديث. وفي «السُّنن» (٢): «أنَّ رسول الله ﷺ وضَعَ سهمَ ذوي القربى في بني هاشمٍ وفي بني المطَّلب، وترك بني نوفلٍ وبني عبد شمسٍ، فانطلق جُبير بن مطعمٍ وعثمان بن عفَّان إليه فقالا: يا رسول اللَّه، لا ننكر فضل بني هاشمٍ لموضعهم منك، فما بال إخواننا بني المطَّلب أعطيتَهم وتركتنا، وإنَّما نحن وهم (٣) بمنزلةٍ واحدةٍ، فقال ﷺ : «إنَّا وبنو المطَّلب لا نفترق في جاهليَّةٍ ولا إسلامٍ، إنَّما نحن وهم شيءٌ واحدٌ، وشبَّك بين أصابعه». وذكر بعضُ الناس (٤) أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بالنَّبيِّ ﷺ ، وأنَّ سهم ذوي القُربى يُصرَف بعده في بني عبد شمسٍ وبني نوفلٍ كما يُصرف في بني هاشمٍ وبني المطَّلب، قال: لأنَّ عبد شمس وهاشمًا والمطّلب ونوفلًا إخوةٌ، وهم أولاد عبد مناف. ويقال: إنَّ عبد شمس وهاشمًا توأمان.

стр. 2982

والصَّواب: استمرار هذا الحكم النَّبويِّ، وأنَّ سهم ذوي القربى لبني هاشمٍ وبني المطَّلب، حيث خصَّه رسول الله ﷺ بهم، وقول هذا القائل: إنَّ هذا خاصٌّ بالنَّبيِّ ﷺ باطلٌ، فإنَّه بيَّن مواضع الخمس الذي جعله الله لذوي القربى، فلا يتعدَّى به تلك المواضع، ولا يقصَّر عنها، ولكن لم يكن (١) يقسمه بينهم على السَّواء بين أغنيائهم وفقرائهم، ولا كان يقسمه قسمة الميراث للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، بل كان يصرفه فيهم بحسب المصلحة والحاجة، فيزوِّج منه عَزَبهم (٢)، ويقضي منه عن غارمهم، ويعطي منه فقيرهم كفايته. وفي «سنن أبي داود» (٣) عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قال: «ولَّاني رسول الله ﷺ خُمُس الخُمُس، فوضعْتُه مواضعَه حياةَ رسول الله ﷺ ، وحياةَ أبي بكر، وحياة عمر». وقد استُدِلَّ به على أنَّه كان يُصرف في مصارفه الخمسة، ولا يَقْوى هذا الاستدلال، إذ غاية ما فيه أنَّه صرَفَه مصارفَه (٤) التي كان رسول الله ﷺ

стр. 2983

يصرفه فيها، ولم يَعْدُها (١) إلى سواها، فأين تعميم الأصناف الخمسة به؟ والَّذي يدلُّ عليه هديُ رسول الله ﷺ وأحكامُه أنَّه كان يجعل مصارف الخمس كمصارف الزَّكاة، ولا يخرج بها عن الأصناف المذكورة، لا أنَّه يقسمه بينهم كقسمة (٢) الميراث، ومَن تأمَّل سيرتَه وهديَه حقَّ التَّأمُّل لم يشكَّ في ذلك. وفي «الصَّحيحين» (٣): عن عمر بن الخطَّاب قال: «كانت أموال بني النَّضير ممَّا أفاء الله على رسوله ممَّا لم يوجِف المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، فكانت للنبيّ ﷺ ، فكان ينفق على (٤) أهله نفقةَ سنةٍ»، وفي لفظٍ: «يحبس لأهله قوتَ سنتهم، ويجعل ما بقي في الكُراع والسِّلاح عُدَّةً في سبيل اللَّه». وفي «السُّنن» (٥): عن عوف بن مالكٍ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أتاه الفيء قسمه من يومه، فأعطى الآهِلَ حظَّين، وأعطى العَزَب (٦) حظًّا».

стр. 2984

فهذا تفضيلٌ منه للآهِل بحسب المصلحة والحاجة، وإن لم تكن زَوْجُه مِن ذوي القُربى. وقد اختلف الفقهاء في الفيء، هل كان ملكًا لرسول الله ﷺ يتصرَّف فيه كيف يشاء، أو لم يكن ملكًا له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره (١). والَّذي تدلُّ عليه سُنَّته وهديه أنَّه كان يتصرَّف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره اللَّه، ويقسمه على مَن أُمِر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرَّف فيه تصرُّف المالك بشهوته وإرادته، يعطي مَن أحبَّ ويمنع مَن أحبَّ، وإنَّما كان يتصرَّف فيه تصرُّف العبد المأمور ينفِّذ (٢) ما أمره به سيِّده ومولاه، فيعطي من أُمِر بإعطائه، ويمنع مَن أُمِر بمنعه. وقد صرَّح رسول الله ﷺ بهذا فقال: «واللَّه إنِّي لا أعطي أحدًا ولا أمنعه، إنَّما أنا قاسمٌ أضع حيثُ أُمِرت» (٣)، فكان عطاؤه ومَنْعه وقَسْمه بمجرَّد الأمر، فإنَّ الله سبحانه خيَّره بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبين أن يكون مَلِكًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا. والفرق بينهما: أنَّ العبد الرَّسول لا يتصرَّف إلا بأمر سيِّده ومُرْسله، والمَلِك الرَّسول له أن يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، كما قال تعالى للمَلِك الرَّسول سليمان: ﴿(٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ﴾ [ص: ٣٩]. أي: أعط

стр. 2985

مَن شئت وامْنَع مَن شئت، لا نحاسبك، وهذه المرتبة هي التي عُرضت على نبيِّنا ﷺ فرغب عنها إلى ما هو أعلى منها، وهي رتبة العبوديَّة المحضة التي تصرُّفُ صاحِبِها فيها مقصورٌ على أمر السَّيِّد في كلِّ دقيقٍ وجليلٍ. والمقصود أنَّ تصرُّفه في الفيء كان (١) بهذه المثابة، فهو مُلْكٌ يخالف حكم غيره من المالكين، ولهذا كان ينفق من الفيء الذي أفاء (٢) الله عليه ممَّا لم يوجِف المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ على نفسه وأهله نفقةَ سنَتِهم، ويجعل الباقي في الكُراع والسِّلاح وسبيل (٣) الله ، وهذا النَّوع من الأموال هو السَّهم (٤) الذي وقع بعدَه فيه مِن النِّزاع ما وقع إلى (٥) اليوم. وأمَّا الزَّكوات والغنائم وقسمة المواريث فإنَّها معيَّنةٌ لأهلها لا يَشْرَكهم غيرهم فيها (٦)، فلم يُشكِل على ولاة الأمر بعده من أمرها ما أشكل عليهم من الفيء، ولم يقع فيها من النِّزاع ما وقع فيه، ولولا إشكال أمره عليهم لما طلبت فاطمةُ بنت رسول الله ﷺ ميراثها من تركته، وظنَّت أنَّه يورث عنه ما كان ملكًا له كسائر المالكين، وخفي عنها (٧) ﵂ حقيقة الملك الذي ليس ممَّا يورث عنه، بل هو صدقةٌ بعده، ولمَّا علم ذلك خليفته الرَّاشد البارُّ

стр. 2986

الصِّدِّيق ومَن بَعْده من الخلفاء الرَّاشدين لم يجعلوا ما خلَّفه من الفيء ميراثًا يُقْسَم بين ورثته، بل دفعوه إلى عليٍّ والعباس يعملان فيه عملَ رسول الله ﷺ ، حتَّى تنازعا فيه وترافعا إلى أبي بكرٍ وعمر، ولم يقسم أحدٌ منهما ذلك ميراثًا، ولا مَكَّنا منه عباسًا وعليًّا، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآية [الحشر: ٧ - ١٠]. فأخبر سبحانه أنَّ ما أفاءه على (١) رسوله بجملته لمن ذُكِر في هؤلاء (٢) الآيات، ولم يخصَّ منه خُمُسه بالمذكورين، بل عمَّم وأطلق واستوعب، ويُصْرف على المصارف الخاصَّة، وهم أهل الخمس، ثمَّ على المصارف العامَّة، وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة (٣). فالَّذي عمل به هو وخلفاؤه الرَّاشدون هو المراد من هؤلاء الآيات، ولذلك قال عمر بن الخطَّاب فيما رواه أحمد وغيره (٤) عنه: «ما أحدٌ أحقَّ

стр. 2987

بهذا المال من أحدٍ، وما أنا أحقَّ به من أحدٍ، ووالله ما من المسلمين أحدٌ إلا (١) وله في هذا المال نصيبٌ إلا عبد مملوكٌ، ولكنَّا على منازلنا من كتاب اللَّه، وقسمنا من رسول الله ﷺ ، فالرَّجل وبلاؤه في الإسلام، والرَّجل وقِدَمه في الإسلام، والرَّجل وغَناؤه في الإسلام، والرَّجل وحاجته، وواللَّه لئن بقيت لهم ليأتينَّ الرَّاعيَ بجبل صنعاء حظُّه من هذا المال، وهو يرعى مكانه». فهؤلاء المسمَّون في آية الفيء هم المسمَّون في آية الخمس، ولم يدخل المهاجرون والأنصار وأتباعُهم في آية الخمس؛ لأنَّهم المستحقُّون لجملة الفيء، وأهلُ الخمس لهم استحقاقان: استحقاقٌ خاصٌّ من الخمس، واستحقاقٌ عامٌّ من جملة الفيء، فإنَّهم داخلون في النَّصيبين (٢). وكما أنَّ قسمة جملةِ الفيء بين من جعل له ليس قسمة الأملاك التي يشترك فيها المالكون، كقسمة المواريث والوصايا والأملاك المطلقة، بل بحسب الحاجة والنَّفع والغَناء في الإسلام والبلاء فيه، فكذلك قسمة الخُمُس في أهله، فإنَّ مخرجهما واحدٌ في كتاب اللَّه، والتَّنصيص على الأصناف الخمسة يفيد تحقيق إدخالهم، وأنَّهم لا يخرجون من أهل الفيء بحالٍ، وأنَّ الخُمُس لا يَعْدوهم إلى غيرهم، كأصناف الزَّكاة لا تعدوهم الزكاة (٣) إلى غيرهم، كما أنَّ الفيء العامَّ في آية الحشر للمذكورين فيها لا يتعدَّاهم إلى

стр. 2988

غيرهم، ولهذا أفتى أئمَّة الإسلام كمالك والإمام أحمد (١) وغيرهما أنَّ الرَّافضة لا حقَّ لهم في الفيء؛ لأنَّهم ليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار، ولا من الذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان (٢). وهذا مذهب أهل المدينة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٣)، وعليه يدلُّ القرآن وفعلُ رسولِ الله ﷺ وخلفائه الرَّاشدين. وقد اختلف النَّاس في آية الزَّكاة وآية الخمس، فقال الشَّافعيُّ (٤): تجب قسمة الزَّكاة والخمس على الأصناف كلِّها، ويُعطى مِن كلِّ صنفٍ مَن يطلق عليه اسم الجمع. وقال مالك وأهل المدينة (٥): بل يُعطى في الأصناف المذكورة فيهما، ولا يَعْدوهم إلى غيرهم، ولا تجب قسمة الزَّكاة ولا الفيء في جميعهم. وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة (٦) بقول مالك في آية الزَّكاة، وبقول الشَّافعيِّ في آية الخُمُس.

стр. 2989

ومن تأمَّل النُّصوصَ وعَمَلَ رسول الله ﷺ وخلفائه، وجده يدلُّ على قول أهل المدينة، فإنَّ الله سبحانه جعل أهلَ الخُمُس هم أهل الفيء، وعيَّنهم اهتمامًا بشأنهم وتقديمًا لهم، ولمَّا كانت الغنائم خاصَّةً بأهلها لا يَشْرَكهم فيها سواهم نصَّ على خُمُسها لأهل الخمس، ولمَّا كان الفيء لا يختصُّ بأحدٍ دون أحدٍ جعل جملتَه لهم وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم، فسوَّى بين الخُمُس وبين الفيء في المصرف. وكان رسول الله ﷺ يصرف سهمَ الله وسهمَه في مصالح الإسلام، وأربعةَ أخماس الخُمُس في أهلها مقدِّمًا للأهمِّ فالأهمِّ، والأحوج فالأحوج، يزوِّج منه عزَّابهم (١)، ويقضي منه ديونهم، ويُعين ذا الحاجة منهم، ويعطي عزَبَهم حظًّا، ومتزوِّجهم حظَّين. ولم يكن هو ولا أحدٌ من خلفائه يجمعون اليتامى والمساكين وأبناء السَّبيل وذوي القربى، ويقسمون أربعةَ أخماس الفيء بينهم على السَّويَّة (٢) ولا على التَّفضيل، كما لم يكونوا (٣) يفعلون ذلك في الزَّكاة. فهذا هديه وسيرته (٤)، هو (٥) فَصْل الخطاب، ومحض الصَّواب. وبالله التوفيق (٦).

стр. 2990

فصل في حُكْمه ﷺ في الوفاء بالعهد لعدُوِّه، وفي رسلهم أن لا يُقتلوا ولا يُحبَسوا، وفي النَّبْذِ إلى مَن عاهده على سواءٍ إذا خاف منه نقض العهد ثبت عنه أنَّه قال لرسولَي مسيلمةَ الكذَّاب ــ لمَّا قالا: نقول إنَّه رسول اللَّه ــ: «لولا أنَّ الرُّسل لا تُقتل لقتلتكما» (١). وثبت عنه أنَّه قال لأبي رافع، وقد أرسلَتْه إليه قريشٌ، فأراد المقام عنده، وأن لا يرجع إليهم، فقال: «إنِّي لا أخِيْسُ بالعهد، ولا أحْبِس البُرُد، ولكن ارجع (٢)، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع» (٣). وثبت عنه أنَّه ردَّ إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم: أن يَرُدَّ إليهم مَن جاءه منهم مسلمًا (٤). ولم يردَّ النِّساء، وجاءت سُبيعة الأسلمية مسلمةً، فخرج زوجها في طلبها، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ

стр. 2991

الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]، فاستحلفها رسولُ الله ﷺ أنَّه لم يُخرِجْها إلا الرَّغبةُ في الإسلام، وأنَّها لم تخرج لحدَثٍ أحدثَتْه في قومها، ولا بغضًا لزوجها، فحلفت، فأعطى رسولُ الله ﷺ زوجَها مهرَها، ولم يردَّها عليه (١). فهذا حكمه الموافق لحكم اللَّه، ولم يجئ شيءٌ ينسخه البتَّة. ومن زعم أنَّه منسوخٌ، فليس بيده إلا الدَّعوى المجرَّدة، وقد تقدَّم بيان ذلك في قصَّة الحديبية (٢). وقال تعالى: ﴿يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا﴾ [الأنفال: ٥٨]. وقال ﷺ : «مَن كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يحلَّنَّ عقدًا، ولا يشدَّنَّه حتَّى يمضي أمدُه، أو يَنْبِذ إليهم على سواءٍ» (٣). قال الترمذي: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. ولمَّا أسرت قريشٌ حذيفةَ بن اليمان وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما أن لا

стр. 2992

يقاتلاهم مع رسول الله ﷺ ، وكانوا خارجين إلى بدرٍ، فقال رسول الله ﷺ : «نفي لهم (١) بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم» (٢). فصل في حُكْمه في الأمان الصادر من الرجال والنساء ثبتَ عنه أنَّه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمَّتهم أدناهم» (٣). وثبت عنه أنَّه «أجارَ رجلَين أجارَتْهما أمُّ هانئ ابنةُ عمِّه» (٤). وثبت عنه أنَّه أجار أبا العاص بن الرَّبيع لمَّا أجارَتْه ابنتُه زينب، ثمَّ قال: «يجير على المسلمين أدناهم» (٥). وفي حديثٍ آخر: «يجير على المسلمين أدناهم، ويردُّ

стр. 2993

عليهم أقصاهم» (١). فهذه أربع (٢) قضايا كلِّيَّةٌ: أحدها: تكافؤ دمائهم، وهو يمنع قتلَ مسلمهم بكافرهم. والثَّانية: أنَّه يسعى بذمَّتهم أدناهم، وهو يوجب قبول أمان المرأة والعبد. وقال ابن الماجشون: لا يجوز الأمان إلا لوالي الجيش أو والي السَّريَّة (٣). قال (٤) ابن شعبان: وهذا خلاف قول النَّاس كلِّهم. والثَّالثة: أنَّ المسلمين يدٌ على من سواهم، وهذا يمنع من (٥) تولية الكفَّار شيئًا من الولايات، فإنَّ للوالي يدًا على المولَّى عليه.

стр. 2994

والرَّابعة: أنَّه (١) يردُّ عليهم أقصاهم، وهذا يوجب أنَّ السَّريَّة إذا غنمت غنيمةً بقوَّة جيش الإسلام كانت الغنيمة (٢) لهم وللقاصي من الجيش، إذ بقوَّته غنموها، وأنَّ ما صار في بيت المال من الفيء كان لقاصيهم ودانيهم وإن كان سبب أخذه دانيهم. فهذه الأحكام وغيرها مستفادةٌ من كلماته الأربع (٣)، صلوات الله وسلامه عليه. فصل في حُكْمه ﷺ في الجزية ومقدارها وممن تُقبل قد تقدَّم أنَّ أوَّل ما بعث الله به نبيَّه ﷺ الدَّعوة إليه بغير قتالٍ ولا جزيةٍ، فأقام على ذلك بضعَ عشرةَ سنةً بمكَّة، ثمَّ أذِنَ له في القتال لمَّا هاجر من غير فرضٍ له، ثمَّ أمره بقتال من قاتله، والكفِّ عمَّن لم يقاتله. ثمَّ لمَّا نزلت (براءةٌ) سنة ثمانٍ أمره بقتال جميع مَن لم يسلم من العرب: مَن قاتله أو كفَّ عنه (٤)، إلا مَن عاهدَه ولم ينقصه (٥) مِن عهده شيئًا، فأمره أن يفي له بعهده، ولم يأمره بأخذ الجزية من المشركين، وحارب اليهودَ مرارًا، ولم يؤمرَ بأخذ الجزية منهم. ثمَّ أمره بقتال أهل الكتاب كلِّهم حتَّى يسلموا أو يعطوا الجزية، فامتثل

стр. 2995

أمرَ ربِّه فقاتلهم، فأسلم بعضُهم، وأعطى بعضُهم الجزيةَ، واستمرَّ بعضُهم على محاربته، فأخذها ﷺ من أهل نجران وأيْلَة، وهم من نصارى العرب، ومن أهل دومة الجندل، وأكثرهم عربٌ، وأخذها من المجوس، ومن أهل الكتاب باليمن، وكانوا يهودًا (١). ولم يأخذها من مشركي العرب، فقال أحمد والشَّافعيُّ: لا تؤخذ إلا من الطَّوائف الثَّلاث الذين (٢) أخذها رسول الله ﷺ منهم، وهم: اليهود والنَّصارى والمجوس. ومن عداهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل. وقالت طائفةٌ: في الأمم كلِّها إذا بذلوا الجزية قُبِلَت منهم؛ أهلُ الكتابين بالقرآن والمجوسُ بالسُّنَّة، ومَن عداهم ملحقٌ بهم؛ لأنَّ المجوس أهل شركٍ لا كتابَ لهم، فأخْذُها منهم دليلٌ على أخذها من جميع المشركين، وإنَّما لم يأخذها ﷺ من عَبَدة الأوثان من العرب؛ لأنَّهم أسلموا كلُّهم قبل نزول آية الجزية، فإنَّها إنما نزلت بعد تبوك، وكان رسول الله ﷺ قد فرغ من قتال العرب، واستوسقت (٣) كلُّها له بالإسلام، ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه؛ لأنَّها لم تكن نزلت بعد، فلمَّا نزلت أخذها من نصارى العرب ومن المجوس، ولو بقي حينئذٍ أحدٌ من عَبدَة الأوثان وبذَلَها لقبلها منه، كما قبلها من عَبَدة الصُّلبان والنِّيران، ولا فرق ولا تأثير لتغليظ (٤) كفر بعض الطَّوائف

стр. 2996

على بعضٍ، ثمَّ مَن سلّم أنَّ كفر عبَدَة الأوثان أغلظ من كفر المجوس (١)؟ وأيُّ فرقٍ بين عبادة (٢) النيران والأوثان؟! بل كفر المجوس أغلظ، وعبَّاد الأوثان كانوا يقرُّون بتوحيد الرُّبوبيَّة، وأنَّه لا خالق إلا اللَّه، وأنَّهم إنَّما يعبدون آلهتهم لتقرِّبهم إلى الله سبحانه، ولم يكونوا يقرُّون بصانِعَين للعالَم، أحدهما: خالقٌ للخير، والآخر للشَّرِّ، كما تقوله المجوس، ولم يكونوا يستحلُّون نكاح الأمَّهات والبنات والأخوات، وكانوا على بقايا من دين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. وأمَّا المجوس فلم يكونوا على كتابٍ أصلًا، ولا دانوا بدين أحدٍ من الأنبياء، لا في عقائدهم ولا شرائعهم، والأثر الذي فيه أنَّه كان لهم كتابٌ فَرُفِع ورُفِعت شريعتهم لمَّا وقع ملكهم على ابنته، لا يصحُّ البتَّة (٣)، ولو صحَّ لم يكونوا بذلك من أهل الكتاب، فإنَّ كتابهم رُفع وشريعتهم بطَلَت فلم يبقوا على شيءٍ منها. ومعلومٌ أنَّ العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇، وكان له صحفٌ

стр. 2997

وشريعةٌ، وليس تغيير عبَدَة (١) الأوثان لدين إبراهيم وشريعته بأعظم من تغيير المجوس لدين نبيِّهم وكتابهم لو صحَّ، فإنَّه لا يُعرَف عنهم التَّمسُّك بشيءٍ من شرائع الأنبياء، بخلاف العرب، فكيف يُجعَل المجوس الذين دينهم أقبح الأديان أحسنَ حالًا من مشركي العرب. وهذا القول أصحُّ في الدَّليل كما ترى. وفرَّقت طائفةٌ ثالثةٌ بين العرب وغيرهم، فقالوا: تؤخذ من كلِّ كافرٍ إلا مشركي العرب. ورابعةٌ: فرَّقت بين قريشٍ وغيرهم، وهذا لا معنى له، فإنَّ قريشًا لم يبق فيهم كافرٌ يحتاج إلى قتاله وأخذ الجزية منه البتَّة، وقد كتب النَّبيُّ ﷺ إلى أهل هجر، وإلى المنذر بن ساوى، وإلى ملوك الطَّوائف يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، ولم يفرِّق بين عربيٍّ ولا غيره. وأمَّا حكمه في قَدْرِها، فإنَّه بعث معاذًا إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كلِّ حالمٍ دينارًا أو قيمته مَعَافر (٢)، وهي ثيابٌ معروفةٌ باليمن. ثمَّ زاد فيها عمر

стр. 2998

فجعلها أربعة دنانير على أهل الذَّهب، وأربعين درهمًا على أهل الوَرِق (١). وكلٌّ سُنَّة (٢)؛ فرسول الله ﷺ عَلِم ضعف أهل اليمن، وعمر عَلِم غنى أهل الشَّام وقوَّتهم. فصل في حُكْمه ﷺ في الهدنة وما ينقضها ثبت عنه أنَّه صالح أهلَ مكَّة على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ودخل حلفاؤهم من بني بكرٍ معهم، وحلفاؤه من خُزاعة معه، فعدَتْ حلفاءُ قريشٍ على حلفائه فغدروا بهم، فرضيَتْ قريشٌ ولم تنكره، فجعلهم بذلك ناقضين للعهد، واستباح غزوَهم من غير نَبْذ عهدهم إليهم؛ لأنَّهم صاروا محاربين له ناقضين لعهده برضاهم, وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه، وألْحَق رِدْأهم في ذلك بِمُباشِرِهم. وثبت عنه أنَّه صالحَ يهودَ وعاهدَهم لمَّا قدم المدينة، فغدروا به ونقضوا عهده مرارًا، وكلُّ ذلك يحاربهم ويظفر بهم، وآخر ما صالَحَ يهودَ خيبر على أنَّ الأرض له، ويقرُّهم فيها عمَّالًا له ما شاء، وكان هذا الحكم فيهم منه حجَّةً

стр. 2999

على جواز صلح الإمام لعدوِّه ما شاء من المدَّة، فيكون العقد جائزًا له فسخُه متى شاء، وهذا هو الصَّواب، وهو موجَب حكم رسول الله ﷺ الذي لا ناسخ له. فصل وكان في صلحه لأهل مكَّة أنَّ مَن أحبَّ أن يدخل في عهده (١) وعقده دخل، ومَن أحبَّ أن يدخل في عهد قريشٍ وعقدهم دخل، وأنَّ من جاءهم من عنده لا يردُّونه إليه، ومن جاءه منهم ردَّه إليهم، وأنَّه يدخل العامَ القابلَ إلى مكَّة فيُخْلوها (٢) له ثلاثًا، ولا يدخلها إلا بِجُلُبَّان (٣) السَّلاح، وقد تقدَّم ذكر هذه القصَّة وفقهها في موضعه (٤). * * * *

стр. 3000

ذِكْر أقضيته وأحكامه في النكاح وتوابعه فصل في حُكْمه في الثَّيِّب والبكر يزوِّجهما أبوهما ثبت عنه في «الصَّحيحين» (١): «أنَّ خنساء بنت خِدام زوَّجها أبوها وهي كارهةٌ، وكانت ثيِّبًا، فأتت رسولَ الله ﷺ ، فردَّ نكاحها». وفي «السُّنن» (٢) من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ جاريةً بكرًا أتت رسول الله ﷺ ، فذكرَتْ له أنَّ أباها زوَّجها وهي كارهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ ﷺ ». وهذه غير خنساء، فهما قضيَّتان قضى في إحداهما بتخيير الثَّيِّب، وقضى في الأخرى بتخيير البكر.

стр. 3001

وثبت عنه في «الصَّحيح» (١) أنَّه قال: «لا تُنكَح البكر حتَّى تُستأذن»، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت». وفي «صحيح مسلم» (٢): «والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صُماتها». وموجَب هذا الحكم أنَّه لا تُجبَر البكر البالغ على النِّكاح، ولا تُزوَّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السَّلف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايات (٣) عنه (٤)، وهو القول الذي ندينُ الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله ﷺ وأَمْره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمَّته. أمَّا موافقته لحكمه، فإنَّه حَكَم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا الحديث مرسلةً بِعِلَّةٍ فيه، فإنَّه قد رُوي مسندًا ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إنَّ الاتصال زيادةٌ، ومَن وصَلَه مقدَّمٌ على من أرسله، فظاهرٌ، وهذا تصرُّفهم في غالب الأحاديث، فما بال هذا خرج عن حُكْم أمثاله؟! وإن حكمنا بالإرسال كقول كثيرٍ من المحدِّثين، فهذا مرسلٌ قويٌّ قد عضَدَتْه الآثارُ الصَّحيحة الصَّريحة، والقياس، وقواعد الشَّرع، كما سنذكره، فيتعيَّن القول به. وأمَّا موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال: «والبكر تُستأذن»، وهذا أمرٌ مؤكَّدٌ؛ لأنَّه ورد بصيغة الخبر الدَّالِّ على تحقُّق (٥) المُخْبَر به وثبوتُه ولزومُه،

стр. 3002

والأصل في أوامره أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماعٌ على خلافه. وأمَّا موافقته لنهيه، فلقوله: «لا تُنكَح البكر حتَّى تستأذن» فأمَرَ ونهى، وحَكَم بالتَّخيير، وهذا إثباتٌ للحكم بأبلغ الطُّرق. وأمَّا موافقته لقواعد شرعه، فإنَّ البكر العاقلة البالغة (١) الرَّشيدة لا يتصرَّف أبوها في أقلِّ شيءٍ من مالها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يرقَّها، ويخرج بُضْعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي مِن أكره النَّاس فيه، وهو من أبغضِ شيءٍ إليها؟ ومع هذا فينكحها إيَّاه (٢) قهرًا بغير رضاها (٣)، ويجعلها أسيرةً عنده، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «اتَّقوا الله في النِّساء، فإنَّهنَّ عوانٍ عندكم» (٤) أي: أسرى. ومعلومٌ أنَّ إخراج مالها كلِّه بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها. ولقد أبطلَ مَن قال: إنَّها إذا عيَّنت كفوًا تحبُّه، وعيَّن

стр. 3003

أبوها كفوًا، فالعبرة بتعيينه ولو كان بغيضًا لها قبيحَ الخلقة. وأمَّا موافقته لمصالح الأمَّة، فلا تخفى مصلحةُ البنت (١) في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النِّكاح لها به، وحصول ضدِّ ذلك بمن تبغضه وتنفر عنه، فلو لم تأتِ السُّنَّة الصحيحة الصَّريحة بهذا القول لكان القياسُ الصَّحيح وقواعدُ الشَّريعة لا تقتضي غيرَه، وباللَّه التَّوفيق. فإن قيل: فقد حكم رسول الله ﷺ بالفرق بين البكر والثَّيِّب، وقال: «لا تُنْكَح الأيِّمُ حتَّى تستأمر، ولا تُنْكَح البكر حتَّى تُستأذن» (٢)، وقال: «الأيِّم أحقُّ بنفسها مِن وليِّها والبكر يستأذنها أبوها» (٣)، فجعل الأيِّمَ أحقَّ بنفسها من وليِّها، فعُلِم أنَّ وليَّ البكر أحقُّ بها من نفسها، وإلَّا لم يكن لتخصيص الأيِّم بذلك معنًى. وأيضًا فإنَّه فرَّق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثَّيِّب النُّطق، وإذن البكر الصَّمت، وهذا كلُّه يدلُّ على عدم اعتبار رضاها، وأنَّها لا حقَّ لها مع أبيها. فالجواب: أنَّه ليس في ذلك ما يدلُّ على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها وعقلها ورُشْدها، وأن يزوِّجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفؤًا، والأحاديث التي احتججتم بها صريحةٌ في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى من قوله: «الأيِّم أحقُّ بنفسها مِن وليِّها» وهذا إنَّما يدلُّ بطريق المفهوم،

стр. 3004

ومنازعوكم ينازعونكم في كونه حجَّةً، ولو سُلِّم أنَّه حجَّةٌ فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصَّريح، وأيضًا فهذا إنَّما يدلُّ إذا قلت: إنَّ للمفهوم عمومًا، والصَّواب أنَّه لا عموم له، إذ دلالته ترجع إلى أنَّ التَّخصيص بالمذكور لا بدَّ له من فائدةٍ، وهي نفي الحكم عمَّا عداه، ومعلومٌ أنَّ انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنتفيه فائدةٌ، وأنَّ إثبات حكمٍ آخر للمسكوت عنه فائدةٌ وإن لم يكن ضدَّ حكم المنطوق، وأنَّ تفصيله فائدةٌ، كيف وهذا مفهومٌ مخالفٌ للقياس الصَّريح، بل قياس الأولى كما تقدَّم، ويخالف النُّصوص المذكورة؟ وتأمَّل قوله ﷺ : «والبكر يستأذنها أبوها» عقيب قوله: «الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليِّها» قطعًا لتوهُّم هذا القول، وأنَّ البكر تُزَوَّج بغير رضاها ولا إذنها، ولا حقَّ لها في نفسها البتَّة، فوصل إحدى الجملتين بالأخرى دفعًا لهذا التَّوهُّم. ومن المعلوم أنَّه لا يلزم من كون الثَّيِّب أحقَّ بنفسها من وليِّها أن لا يكون للبكر في نفسها حقٌّ البتَّة. وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستَّة أقوالٍ (١). أحدها: أنَّه يجبر بالبكارة، وهو قول الشَّافعيِّ ومالك وأحمد في روايةٍ. الثَّاني: أنَّه يجبر بالصِّغر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في الرِّواية الثَّانية. الثَّالث: أنَّه يجبر بهما معًا، وهو الرِّواية الثَّالثة عن أحمد. الرَّابع: أنَّه يجبر بأيِّهما وُجِد، وهو الرِّواية الرَّابعة عنه.

стр. 3005

الخامس: أنَّه يجبر بالإيلاد، فتجبر الثَّيِّب البالغ، حكاه القاضي إسماعيل عن الحسن البصريِّ، قال: وهو خلاف الإجماع. قال: وله وجهٌ حسنٌ من الفقه، فيا ليتَ شِعْري ما هذا الوجه الأسود المظلم (١)؟! السَّادس: أنَّه يجبر مَن يكون في عياله. ولا يخفى عليك الرَّاجح من هذه المذاهب. والله أعلم. فصل وقضى ﷺ بأنَّ إذن البكر الصُّمات، وإذن الثَّيِّب الكلام، فإن نطقت البكر بالإذن فهو آكد، وقال ابن حزمٍ: لا يصحُّ أن تُزَوَّج إلا بالصُّمات، وهذا هو اللَّائق بظاهريَّته. فصل وقضى أنَّ اليتيمة (٢) تُستأمر في نفسها، ولا يُتْم بعد احتلامٍ (٣)، فدلَّ ذلك

стр. 3006

على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب عائشة، وعليه يدلُّ القرآن والسُّنَّة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما (١). قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قالت عائشة: «هي اليتيمة تكون في حِجْر وليِّها، فيرغب في نكاحها، ولا يُقْسِط لها سُنَّةَ صَداقِها، فنُهوا عن نكاحهنَّ إلا أن يُقْسِطوا لهنَّ سُنَّةَ صَداقِهنَّ» (٢). وفي السُّنن الأربعة (٣) عنه ﷺ : «اليتيمةُ تُستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها». فصل في حُكْمه ﷺ في النكاح بلا وليّ في «السُّنن» (٤) عنه من حديث عائشة: «أيُّما امرأةٍ نكحت نفسَها بغير إذن

стр. 3007

وليِّها فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فإن أصابها (١) فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسُّلطان وليُّ من لا وليَّ له». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. وفي «السُّنن الأربعة» (٢) عنه: «لا نكاح إلا بوليٍّ».

стр. 3008

وفيها (١) عنه: «لا تزوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تزوِّج المرأةُ نفسَها، فإنَّ الزَّانية هي التي تزوِّج نفسَها». فصل وحَكَم أنَّ المرأة إذا زوَّجها الوليَّان فهي للأوَّل منهما، وأنَّ الرَّجل إذا باع لرجلين (٢) فالبيع للأوَّل منهما (٣).

стр. 3009

فصل في قضائه ﷺ في نكاح التفويض ثبت عنه: «أنَّه قضى في رجلٍ تزوَّج امرأةً ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتَّى مات: أنَّ لها مهر (١) نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَط، ولها الميراث، وعليها العدَّة أربعة أشهرٍ وعشرًا» (٢). وفي الترمذي (٣) عنه أنَّه قال لرجلٍ: «أترضى أن أزوِّجك فلانة؟» , قال: نعم، وقال للمرأة: «أترضين أن أزوِّجك فلانًا؟»، قالت: نعم، فزوَّج أحدَهما صاحبَه، فدخل بها الرَّجلُ، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يعطها شيئًا، فلمَّا كان عند موته عوَّضها مِن صَداقها سهمًا له بخيبر. وقد تضمَّنت هذه الأحكام جوازَ النِّكاح من غير تسمية صَداقٍ، وجوازَ

стр. 3010

الدُّخول قبل التَّسمية، واستقرار مهر المِثْل بالموت وإن لم يُدخل بها (١)، ووجوب عدَّة الوفاة بالموت وإن لم يدخل بها الزَّوج، وبهذا أخذ (٢) ابنُ مسعودٍ وفقهاء العراق وعلماء (٣) الحديث، منهم: أحمد، والشَّافعيُّ في أحد قوليه (٤). وقال عليُّ بن أبي طالبٍ وزيد بن ثابتٍ: لا صَدَاق لها (٥). وبه أخذ أهلُ المدينة ومالك والشَّافعيُّ في قوله الآخر (٦). وتضمَّنت جوازَ تولِّي الرَّجل طرفَي العقد كوكيلٍ من الطَّرفين، أو وليٍّ فيهما، أو وليٍّ وكَّله الزَّوج، أو زوجٍ وكَّله الوليُّ، ويكفي أن يقول: زوَّجتُ فلانًا فلانة، مقتصرًا على ذلك، أو تزوَّجتُ فلانة إذا كان هو الزَّوج، وهذا ظاهر مذهب أحمد. وعنه روايةٌ ثانيةٌ: لا يجوز ذلك إلا للوليِّ المجبِر، كمن

стр. 3011

زوَّج أمَتَه أو ابنتَه المجْبَرة بعبده المجْبَر، ووجه هذه الرِّواية أنَّه لا يعتبر رضى واحدٍ من الطَّرفين. وفي مذهبه قولٌ ثالثٌ: أنَّه يجوز ذلك إلا للزَّوج خاصَّةً، فإنَّه لا يصحُّ منه تولِّي الطَّرفين، لتضادِّ أحكام الطَّرفين فيه (١). والله أعلم. فصل في حُكْمه ﷺ فيمن تزوج امرأةً فوجدها في الحَبَلِ في «السُّنن» و «المصنَّف» (٢): عن سعيد بن المسيَّب عن بصرة بن أكثم قال: تزوَّجت امرأةً بِكْرًا في سترها، فدخلتُ عليها، فإذا هي حبلى، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لها الصَّداق بما استحلَلْتَ من فرجها، والولَد عبدٌ لك، وإذا ولدت فاجلدوها» وفرَّق بينهما. وقد تضمَّن هذا الحكمُ: بطلانَ نكاح الحامل من زنًا، وهو قول أهل

стр. 3012

المدينة، والإمام أحمد، وجمهور الفقهاء (١). ووجوبَ المهر المسمَّى في النِّكاح الفاسد، وهذا هو الصَّحيح من الأقوال الثَّلاثة. والثَّاني: يجب مهر المثل، وهو قول الشَّافعيِّ. والثَّالث: يجب أقلُّ الأمرين (٢). وتضمَّنت: وجوبَ الحدِّ بالحَبَل وإن لم تقم بيِّنةٌ ولا اعترافٌ، والحَبَل من أقوى البيِّنات، وهذا مذهب عمر بن الخطَّاب، وأهلِ المدينة، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه (٣). وأمَّا حكمه بكون الولد عبدًا للزَّوج، فقد قيل: إنَّه لمَّا كان ولد زنًا لا أبَ له، وقد غرَّته من نفسها، وغَرِم صداقها أخْدَمَه ولدَها، وجعلَه له بمنزلة العبد لا أنَّه أرقَّه، فإنَّه انعقد حرًّا تبعًا لحرِّيَّة أمِّه، وهذا محتملٌ. ويحتمل أن يكون أرقَّه عقوبةً لأمِّه على زناها وغرورها للزَّوج، ويكون هذا خاصًّا بالنَّبيِّ ﷺ وبذلك الولد، لا يتعدَّى الحكم إلى غيره. ويحتمل أن يكون هذا منسوخًا. وقد قيل: إنَّه كان في أوَّل الإسلام يُسترقُّ الحرُّ في الدَّين، وعليه حُمِل بيعُه ﷺ لسُرَّقٍ في دَينه (٤). والله أعلم.

стр. 3013

فصل في حُكْمه ﷺ في الشروط في النكاح في «الصَّحيحين» (١) عنه: «إنَّ أحقَّ الشُّروط أن توفُّوا بها (٢) ما استحللتم به الفروج». وفيهما (٣) عنه: «لا تَسأل المرأةُ طلاقَ أختها لتستفرغ ما في صَحْفَتِها (٤)؛ فإنَّما لها ما قُدِّر لها». وفيهما (٥): أنَّه «نهى أن تشترطَ المرأةُ طلاقَ أختها». وفي «مسند أحمد» (٦) عنه: «لا يحلُّ أن تُنْكَح امرأةٌ بطلاق أخرى».

стр. 3014

فتضمَّن هذا الحكمُ: وجوبَ الوفاء بالشُّروط التي شُرِطت في العقد إذا لم تتضمَّن تغييرًا لحكم الله ورسوله. وقد اتُّفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله والضَّمين والرَّهن به، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء، والإنفاق، والخلوِّ عن المهر، ونحو ذلك. واختلف في شرط الإقامة في بلد الزَّوجة، وشرط دار الزَّوجة، وأن لا يتسرَّى عليها، ولا يتزوَّج عليها، فأوجب أحمدُ وغيرُه الوفاءَ به، ومتى لم يفِ به فلها الفسخ عند أحمد (١). واختلف في اشتراط البكارة والنَّسَب والجمال والسَّلامة من العيوب التي لا يفسخ (٢) بها النِّكاح، هل يؤثِّر عدمُها في فَسْخه؟ على ثلاثة أقوالٍ. ثالثها: له (٣) الفسخُ عند عدم النَّسب خاصَّةً (٤). وتضمَّن حُكْمُه ﷺ : بطلانَ اشتراط المرأة طلاقَ أختها، وأنَّه لا يجب الوفاءُ به. فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوَّج عليها حتَّى صحَّحتم هذا وأبطلتم شرطَ طلاق الضَّرَّة؟

стр. 3015

قيل: الفرق بينهما أنَّ في اشتراط طلاق الزَّوجة من الإضرار بها وكَسْر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها أو نكاح غيرها، وقد فرَّق النَّصُّ بينهما، فقياس أحدهما على الآخر فاسدٌ. فصل في حُكْمه ﷺ في نكاح الشِّغار، والمحلِّل والمتعة، ونكاح المُحرِم، ونكاح الزانية أمَّا الشِّغار، فصحَّ النَّهيُ عنه من حديث ابن عمر وأبي هريرة ومعاوية. وفي «صحيح مسلم» (١) عن ابن عمر مرفوعًا: «لا شِغارَ في الإسلام». وفي حديث ابن عمر: «والشِّغار: أن يزوِّج الرَّجلُ ابنتَه على أن يزوِّجه (٢) ابنتَه وليس بينهما صَداقٌ» (٣). وفي حديث أبي هريرة: «والشِّغار: أن يقول الرَّجل للرَّجل: زوِّجني ابنتَك، وأزوِّجك ابنتي، وزوِّجني أختَك، وأزوِّجك أختي» (٤). وفي حديث معاوية: أنَّ العباس بن عبد الله بن عباس أنكحَ عبدَ الرحمن بن الحكم ابنتَه، وأنكحه عبدُ الرحمن ابنتَه، وكانا جعلا صَداقًا، فكتب معاويةُ إلى مروان يأمره بالتَّفريق بينهما، وقال: «هذا الشِّغار
следующие страницы →