زوَّج أمَتَه أو ابنتَه المجْبَرة بعبده المجْبَر، ووجه هذه الرِّواية أنَّه لا يعتبر رضى واحدٍ من الطَّرفين.
وفي مذهبه قولٌ ثالثٌ: أنَّه يجوز ذلك إلا للزَّوج خاصَّةً، فإنَّه لا يصحُّ منه تولِّي الطَّرفين، لتضادِّ أحكام الطَّرفين فيه (١). والله أعلم.
فصل
في حُكْمه ﷺ فيمن تزوج امرأةً فوجدها في الحَبَلِ
في «السُّنن» و «المصنَّف» (٢): عن سعيد بن المسيَّب عن بصرة بن أكثم قال: تزوَّجت امرأةً بِكْرًا في سترها، فدخلتُ عليها، فإذا هي حبلى، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لها الصَّداق بما استحلَلْتَ من فرجها، والولَد عبدٌ لك، وإذا ولدت فاجلدوها» وفرَّق بينهما.
وقد تضمَّن هذا الحكمُ: بطلانَ نكاح الحامل من زنًا، وهو قول أهل
стр. 3012
المدينة، والإمام أحمد، وجمهور الفقهاء (١).
ووجوبَ المهر المسمَّى في النِّكاح الفاسد، وهذا هو الصَّحيح من الأقوال الثَّلاثة. والثَّاني: يجب مهر المثل، وهو قول الشَّافعيِّ. والثَّالث: يجب أقلُّ الأمرين (٢).
وتضمَّنت: وجوبَ الحدِّ بالحَبَل وإن لم تقم بيِّنةٌ ولا اعترافٌ، والحَبَل من أقوى البيِّنات، وهذا مذهب عمر بن الخطَّاب، وأهلِ المدينة، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه (٣).
وأمَّا حكمه بكون الولد عبدًا للزَّوج، فقد قيل: إنَّه لمَّا كان ولد زنًا لا أبَ له، وقد غرَّته من نفسها، وغَرِم صداقها أخْدَمَه ولدَها، وجعلَه له بمنزلة العبد لا أنَّه أرقَّه، فإنَّه انعقد حرًّا تبعًا لحرِّيَّة أمِّه، وهذا محتملٌ. ويحتمل أن يكون أرقَّه عقوبةً لأمِّه على زناها وغرورها للزَّوج، ويكون هذا خاصًّا بالنَّبيِّ ﷺ وبذلك الولد، لا يتعدَّى الحكم إلى غيره.
ويحتمل أن يكون هذا منسوخًا. وقد قيل: إنَّه كان في أوَّل الإسلام يُسترقُّ الحرُّ في الدَّين، وعليه حُمِل بيعُه ﷺ لسُرَّقٍ في دَينه (٤). والله أعلم.
стр. 3013
فصل
في حُكْمه ﷺ في الشروط في النكاح
في «الصَّحيحين» (١) عنه: «إنَّ أحقَّ الشُّروط أن توفُّوا بها (٢) ما استحللتم به الفروج». وفيهما (٣) عنه: «لا تَسأل المرأةُ طلاقَ أختها لتستفرغ ما في صَحْفَتِها (٤)؛ فإنَّما لها ما قُدِّر لها».
وفيهما (٥): أنَّه «نهى أن تشترطَ المرأةُ طلاقَ أختها».
وفي «مسند أحمد» (٦) عنه: «لا يحلُّ أن تُنْكَح امرأةٌ بطلاق أخرى».
стр. 3014
فتضمَّن هذا الحكمُ: وجوبَ الوفاء بالشُّروط التي شُرِطت في العقد إذا لم تتضمَّن تغييرًا لحكم الله ورسوله.
وقد اتُّفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله والضَّمين والرَّهن به، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء، والإنفاق، والخلوِّ عن المهر، ونحو ذلك.
واختلف في شرط الإقامة في بلد الزَّوجة، وشرط دار الزَّوجة، وأن لا يتسرَّى عليها، ولا يتزوَّج عليها، فأوجب أحمدُ وغيرُه الوفاءَ به، ومتى لم يفِ به فلها الفسخ عند أحمد (١).
واختلف في اشتراط البكارة والنَّسَب والجمال والسَّلامة من العيوب التي لا يفسخ (٢) بها النِّكاح، هل يؤثِّر عدمُها في فَسْخه؟ على ثلاثة أقوالٍ. ثالثها: له (٣) الفسخُ عند عدم النَّسب خاصَّةً (٤).
وتضمَّن حُكْمُه ﷺ : بطلانَ اشتراط المرأة طلاقَ أختها، وأنَّه لا يجب الوفاءُ به.
فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوَّج عليها حتَّى صحَّحتم هذا وأبطلتم شرطَ طلاق الضَّرَّة؟
стр. 3015
قيل: الفرق بينهما أنَّ في اشتراط طلاق الزَّوجة من الإضرار بها وكَسْر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها أو نكاح غيرها، وقد فرَّق النَّصُّ بينهما، فقياس أحدهما على الآخر فاسدٌ.
فصل
في حُكْمه ﷺ في نكاح الشِّغار، والمحلِّل والمتعة،
ونكاح المُحرِم، ونكاح الزانية
أمَّا الشِّغار، فصحَّ النَّهيُ عنه من حديث ابن عمر وأبي هريرة ومعاوية. وفي «صحيح مسلم» (١) عن ابن عمر مرفوعًا: «لا شِغارَ في الإسلام».
وفي حديث ابن عمر: «والشِّغار: أن يزوِّج الرَّجلُ ابنتَه على أن يزوِّجه (٢) ابنتَه وليس بينهما صَداقٌ» (٣).
وفي حديث أبي هريرة: «والشِّغار: أن يقول الرَّجل للرَّجل: زوِّجني ابنتَك، وأزوِّجك ابنتي، وزوِّجني أختَك، وأزوِّجك أختي» (٤).
وفي حديث معاوية: أنَّ العباس بن عبد الله بن عباس أنكحَ عبدَ الرحمن بن الحكم ابنتَه، وأنكحه عبدُ الرحمن ابنتَه، وكانا جعلا صَداقًا، فكتب معاويةُ إلى مروان يأمره بالتَّفريق بينهما، وقال: «هذا الشِّغار
стр. 3016
الذي نهى عنه رسولُ الله ﷺ » (١).
فاختلف الفقهاء في ذلك، فقال الإمام أحمد (٢): الشِّغار الباطل أن يزوِّجه وليَّتَه على أن يزوَّجه الآخر وليَّتَه ولا مهرَ بينهما على حديث ابن عمر، فإن سمَّوا مع ذلك مهرًا صحَّ العقد بالمسمَّى عنده.
وقال الخِرَقيّ (٣): لا يصحُّ ولو سمَّوا مهرًا على حديث معاوية.
وقال أبو البركات ابن تيميَّة (٤) وغيره من أصحاب أحمد: إن سمَّوا مهرًا، وقالوا مع ذلك: وبُضْعُ كلِّ واحدةٍ مهرُ الأخرى (٥) لم يصحَّ، وإن لم يقولوا ذلك صحَّ.
واخْتُلف في علَّة النَّهي، فقيل: هي جَعْل كلِّ واحدٍ (٦) من العقدين شرطًا في الآخر، وقيل: العلَّة التَّشريك في البُضع، وجَعْل بُضع كلِّ واحدةٍ مهرًا للأخرى وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر بل عاد المهر إلى الوليِّ وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع مولِّيته، وهذا ظلمٌ لكلِّ واحدةٍ من
стр. 3017
المرأتين، وإخلاءٌ لنكاحهما عن مهرٍ تنتفع به.
وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنَّهم يقولون: بلدٌ شاغرٌ من أميرٍ، ودارٌ شاغرةٌ من أهلها: إذا خلت، وشَغَر الكلبُ: إذا رفع رجله وأخلى مكانها. فإذا سمَّوا مهرًا مع ذلك زال المحذور، ولم يبق إلا اشتراط كلِّ واحدٍ على الآخر شرطًا لا يؤثِّر في فساد العقد، فهذا منصوص أحمد.
وأمَّا مَن فرَّق، فقال: إن قالوا مع التَّسمية: إنَّ بُضع كلِّ واحدةٍ مهرٌ للأخرى فسَدَ؛ لأنَّها لم يرجع إليها مهرها وصار بُضْعها (١) لغير المستحقِّ، وإن لم يقولوا ذلك صحَّ.
والَّذي يجيء على أصله أنَّهم متى عقدوا على ذلك وإن لم يقولوه بألسنتهم: أنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّ القُصود (٢) في العقود معتبرةٌ، والمشروط عُرفًا كالمشروط لفظًا، فيبطل العقد بشرطِ ذلك والتَّواطُؤ عليه ونيِّتهِ، فإن سُمِّي لكلِّ واحدةٍ مهرُ مثلها صحَّ، وبهذا تظهر حكمة النَّهي واتِّفاق الأحاديث في هذا الباب، والله الموفق للصواب.
فصل
وأمَّا نكاح المحلِّل: ففي «المسند» والتِّرمذيِّ (٣) من حديث ابن مسعودٍ
стр. 3018
قال: «لعنَ رسولُ الله ﷺ المُحَلِّل والمُحَلَّل له». قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي «المسند» (١): من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لعنَ الله المُحَلِّل والمُحَلَّل له»، وإسناده حسنٌ (٢).
وفيه (٣) عن عليٍّ عن النَّبيِّ ﷺ مثله.
وفي «سنن ابن ماجه» (٤) من حديث عُقْبة بن عامرٍ قال: قال رسول الله
стр. 3019
- ﷺ : «ألا أُخْبركم بالتَّيس (١) المستعار؟»، قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «هو المُحَلِّل، لعنَ الله المُحَلِّل والمُحَلَّل له».
فهؤلاء الأربعة مِن سادات الصَّحابة، وقد شهدوا على رسول الله ﷺ بلعنه أصحابَ التَّحليل، وهم: المحلِّل والمحلَّل له، وهذا إمَّا خبرٌ عن الله فهو خبر صدقٍ، وإمَّا دعاءٌ فهو دعاءٌ مستجابٌ قطعًا، وهذا يفيد أنَّه من الكبائر الملعونُ فاعلُها، ولا فرقَ عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتَّواطؤ والقصد، فإنَّ القصود (٢) في العقود عندهم معتبرةٌ، والأعمال بالنّيَّات، والشّرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم، والألفاظُ لا تُراد لعينها بل للدَّلالة على
стр. 3020
المعاني، فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرةَ بالألفاظ لأنَّها وسائل، وقد تحقَّقت غاياتُها فترتَّبت عليها أحكامُها.
فصل
وأمَّا نكاح المُتْعة: فثبت عنه ﷺ أنَّه أحلَّها عام الفتح، وثبت عنه أنَّه نهى عنها عام الفتح (١)، واخْتُلِف هل نهى عنها يوم خيبر؟ على قولين، والصَّحيح: أنَّ النَّهي عنها إنَّما كان عام الفتح، وأنَّ النَّهي يوم خيبر إنَّما كان عن الحُمُر الأهليَّة، وإنَّما قال عليٌّ لابن عبَّاسٍ: «إنَّ رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن مُتْعة النِّساء، ونهى عن الحُمُر الأهليَّة» (٢) محتجًّا عليه في المسألتين، فظنَّ بعضُ الرُّواة أنَّ التَّقييد بيوم خيبر راجعٌ إلى الفصلين، فرواه بالمعنى، ثمَّ أفرد بعضُهم أحدَ الفصلين وقيَّده بيوم خيبر، وقد تقدَّم بيان المسألة في غزاة الفتح (٣).
وظاهر كلام ابن مسعودٍ إباحتها، فإنَّ في «الصَّحيحين» (٤) عنه: «كنَّا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساءٌ، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمَّ رخَّص لنا بعدُ أن ننكح المرأةَ بالثَّوب إلى أجلٍ، ثمَّ قرأ عبد الله: ﴿(٨٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا
стр. 3021
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾ [المائدة: ٨٧]، ولكن في «الصَّحيحين» (١) عن علي: «أنَّ رسول الله ﷺ حرَّم مُتعةَ النِّساء».
وهذا التَّحريم إنَّما كان بعد الإباحة، وإلَّا لزم منه النَّسخ مرَّتين، ولم يحتجَّ به على (٢) ابن عبَّاسٍ، ولكنَّ النَّظر: هل هو تحريمُ بتاتٍ أو تحريمٌ مثل تحريم الميتة (٣) والدَّم، وتحريم نكاح الأمَة، فيباح عند الضَّرورة وخوف العَنَت؟ هذا هو الذي لحظه ابنُ عبَّاسٍ، وأفتى بحلِّها للضَّرورة، فلمَّا توسَّع النَّاس فيها، ولم يقتصروا على موضع الضَّرورة، أمسك عن فتياه ورجع عنها.
فصل
وأمَّا نكاح المُحْرم: فثبت عنه في «صحيح مسلم» (٤) من رواية عثمان بن عفَّان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَنْكِح المحرمُ ولا يُنْكَح».
واخْتُلِف عنه ﷺ ، هل تزوَّج ميمونةَ حلالًا أو حرامًا؟ فقال ابن عبَّاسٍ: تزوَّجها محرمًا (٥)، وقال أبو رافع: تزوَّجها حلالًا، وكنتُ الرَّسولَ بينهما (٦). وقول أبي رافع أرجح لعدَّة أوجهٍ:
стр. 3022
أحدها: أنَّه إذ ذاك كان رجلًا بالغًا، وابن عبَّاسٍ لم يكن حينئذٍ ممَّن بلغ الحُلُم، بل كان له نحو العشر سنين، فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه.
الثَّاني: أنَّه كان الرَّسولَ بين رسول الله ﷺ وبينها، وعلى يديه دار الحديث، فهو أعلم (١) بلا شكٍّ، وقد أشار بنفسه إلى هذا إشارة محقِّقٍ له ومتيقِّنٍ، لم ينقله عن غيره، بل باشره بنفسه.
الثَّالث: أنَّ ابن عبَّاسٍ لم يكن معه في تلك العمرة، فإنَّها كانت عمرة القضيَّة، وكان ابن عبَّاسٍ إذ ذاك من المستضعفين الذين عذَرَهم الله من الولدان، فإنما سمعَ القصَّةَ (٢) مِن غير حضورٍ منه لها.
الرَّابع: أنَّه ﷺ حين دخلَ مكَّة بدأ بالطَّواف بالبيت، ثمَّ سعى بين الصَّفا والمروة، وحلَقَ ثمَّ حلَّ.
ومن المعلوم أنَّه لم يتزوَّج بها في طريقه، ولا بدأ بالتَّزويج قبل الطَّواف بالبيت، ولا تزوَّج في حال طوافه، هذا من المعلوم أنَّه لم يقع، فصحَّ قول أبي رافع يقينًا.
الخامس: أنَّ الصَّحابة غلَّطوا ابنَ عبَّاسٍ، ولم يغلِّطوا أبا رافع.
السَّادس: أنَّ قول أبي رافع موافقٌ لنهي النَّبيِّ ﷺ عن نكاح المُحْرم، وقول ابن عبَّاسٍ مخالفه، وهو مستلزمٌ لأحد أمرين، إمَّا نسخه، وإمَّا تخصيص النَّبيِّ ﷺ بجواز النِّكاح محرمًا، وكلا الأمرين مخالفٌ للأصل ليس عليه دليلٌ فلا يقبل.
стр. 3023
السَّابع: أنَّ ابنَ أختها يزيد بن الأصمِّ شهد أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّجها حلالًا، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عبَّاسٍ. ذكره مسلم (١).
فصل
وأمَّا نكاح الزَّانية: فقد صرَّح سبحانه بالحكم بتحريمه في سورة النُّور، وأخبر أنَّ من نكَحَها فهو إمَّا زانٍ أو مشركٌ، فإنَّه إمَّا أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشركٌ، وإن التزمه واعتقد وجوبَه وخالفه فهو زانٍ، ثمَّ صرَّح بتحريمه فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].
ولا يخفى أنَّ دعوى نسخ الآية بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] مِن أضْعَف ما يُقال، وأضعفُ منه حَمْل النِّكاح على الزِّنا، إذ يصير معنى الآية: الزَّاني لا يزني إلا بزانيةٍ أو مشركةٍ، والزَّانية لا يزني بها إلا زانٍ أو مشركٌ، وكلام الله ينبغي أن يُصان عن مثل هذا.
وكذلك حَمْل الآية على امرأةٍ بغيٍّ مشركةٍ في غاية البعد عن لفظها وسياقها، كيف وهو سبحانه إنَّما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفَّة، فقال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، فإنَّما أباح نكاحها في هذه (٢) الحال دون غيرها، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، فإنَّ الأبضاع في الأصل على التَّحريم، فيقتصر في إباحتها على ما
стр. 3024
ورد به الشَّرع، وما عداه فعلى أصل التَّحريم.
وأيضًا فإنَّه سبحانه قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]. والخبيثات: الزَّواني. وهذا يقتضي أنَّ من تزوَّج بهنَّ فهو خبيثٌ مثلهنَّ.
وأيضًا فمن أقبح القبائح أن يكون الرَّجلُ زوجَ بغيٍّ، وقُبْح هذا مستقرٌّ في فِطَر الخلق، وهو عندهم غاية المسبَّة.
وأيضًا: فإنَّ البغيَّ لا يؤمَن أن تُفسِدَ على الزوج (١) فراشَه، وتعلِّق عليه أولادًا من غيره، والتَّحريم يثبت بدون هذا.
وأيضًا: فإنَّ النبيَّ ﷺ فرَّق بين الرَّجل وبين المرأة التي وجدها حُبْلى من الزِّنا (٢).
وأيضًا: فإنَّ مرثد بن أبي مرثد الغَنَوي استأذن النبيَّ ﷺ أن يتزوَّج عَناق وكانت بغيًّا، فقرأ عليه رسول الله ﷺ آية النُّور، وقال: «لا تنكحها» (٣)(٤).
стр. 3025
فصل
في حُكْمه ﷺ فيمن أسلم على أكثر من أربعة نسوة أو على أختين
في الترمذي (١) عن ابن عمر: «أنَّ غَيلانَ أسلمَ وتحتَه عشرُ نسوةٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «خُذْ (٢) منهنَّ أربعًا». وفي طريقٍ أخرى: «وفارق سائرهنَّ».
وأسلم فيروز الديلمي وتحتَه أختان، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «اختر أيَّتهما شئت» (٣).
فتضمَّن هذا الحكمُ صحَّةَ نكاحِ الكفَّار، وأنَّه له أن يختار مَن شاء من
стр. 3026
السَّوابق واللَّواحق؛ لأنَّه جعل الخِيَرة إليه، وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: إن تزوَّجهنَّ في عقدٍ واحدٍ فسدَ نكاحُ الجميع، وإن تزوَّجهنَّ مترتِّباتٍ ثبت نكاحُ الأربع، وفسد نكاحُ مَن بعدهنَّ ولا تخيير (١).
فصل
وحكم ﷺ أنَّ العبد إذا تزوَّج بغير إذن مواليه فهو عاهرٌ (٢). قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
فصل
واستأذنه بنو هشام بن المغيرة أن يزوِّجوا عليَّ بن أبي طالبٍ ابنةَ أبي جهل، فلم يأذن في ذلك، وقال: «إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلِّق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنَّما فاطمةُ بَضْعَةٌ منِّي، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها، إنِّي أخاف أن تُفتَن فاطمةُ في دينها، وإنِّي لستُ أحرِّم حلالًا ولا أحلُّ حرامًا (٣)، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدوِّ الله في مكانٍ واحدٍ أبدًا».
وفي لفظٍ: فذكَرَ صِهْرًا له فأثنى عليه، وقال: «حدَّثني فصدَقَني ووعَدَني
стр. 3027
فوفَى لي» (١).
فتضمَّن هذا الحكم أمورًا:
أحدها: أنَّ الرَّجل إذا شَرَط لامرأته (٢) أن لا يتزوَّج عليها لَزِمه الوفاء بالشَّرْط، ومتى تزوَّج عليها فلها الفسخ. ووجه تضمُّن الحديث لذلك: أنَّه ﷺ أخبر أنَّ ذلك يؤذي فاطمة ويَرِيبها، وأنَّه يؤذيه ﷺ ويَرِيبه، ومعلومٌ قطعًا أنَّه إنَّما زوَّجه فاطمةَ على أن لا يؤذيها ولا يَريبها ولا يؤذي أباها ﷺ ولا يَرِيبه، وإن لم يكن هذا مُشْتَرطًا في صُلب العقد، فإنَّه من المعلوم بالضَّرورة أنَّه إنَّما دخلَ عليه.
وفي ذِكْره ﷺ صهره الآخر، وثنائه عليه بأنَّه حدَّثه فصدَقَه، ووعدَه فوفَى له= تعريضٌ بعليّ ﵁ وتهييجٌ له على الاقتداء به، وهذا يُشعر بأنَّه قد جرى منه وعدٌ له بأنَّه لا يَرِيبها ولا يؤذيها، فهيَّجه على الوفاء له، كما وفى له صهرُه الآخر.
فيؤخذ من هذا أنَّ المشروط عُرفًا كالمشروط لفظًا، وأنَّ عدمه يملِّك الفسخَ لمُشْتَرِطه، فلو فُرض مِن عادة قومٍ أنَّهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكِّنون أزواجَهم مِن ذلك البتَّة، واستمرَّت عادتُهم بذلك= كان كالمشروط لفظًا.
وهذا مطَّردٌ على قواعد أهل المدينة، وقواعد أحمد: أنَّ الشَّرط العرفيَّ
стр. 3028
كاللَّفظيِّ سواءٌ، بهذا أوجبوا الأجرةَ على مَن دفع ثوبه إلى غسَّالٍ أو قصَّارٍ، أو عجينه إلى خبَّازٍ، أو طعامَه إلى طبَّاخٍ يعملون بالأجرة، أو دخل الحمَّام أو استخدم من يغسله ممَّن عادته يغسل بالأجرة ونحو ذلك، ولم يشرط لهم أجرة= أنَّه يلزمه أجرة المِثْل.
وعلى هذا، فلو فُرض أنَّ المرأة من بيتٍ لا يتزوَّج الرَّجل على نسائهم ضرَّةً ولا يمكِّنونه من ذلك، وعادتهم مستمرَّةٌ بذلك، كان كالمشروط لفظًا.
وكذلك لو كانت (١) ممَّن يعلم أنَّها لا تمكِّن (٢) إدخال الضَّرَّة عليها عادةً، لشرفها وحَسَبها (٣) وجلالتها، كان ترك التَّزوُّج (٤) عليها كالمشروط لفظًا سواءٌ.
وعلى هذا فسيِّدة نساء العالمين، وابنة سيِّد ولد آدم أجمعين أحقُّ النِّساء بهذا، فلو شرطَه عليٌّ في صلب العقد كان تأكيدًا لا تأسيسًا.
وفي مَنْع عليٍّ من الجمع بين فاطمة وبين بنت أبي جهل حكمةٌ بديعةٌ، وهي أنَّ المرأة مع زوجها في درجته تبعٌ له، فإن كانت في نفسها ذات درجةٍ عاليةٍ، وزوجها كذلك، كانت في درجةٍ عاليةٍ بنفسها وبزوجها، وهذا شأن فاطمةَ وعليٍّ ﵄ -، ولم يكن الله ليجعل ابنة أبي جهل مع فاطمة في درجةٍ واحدةٍ لا بنفسها ولا تبعًا، وبينهما من الفرق ما بينهما، فلم
стр. 3029
يكن نكاحُها على سيِّدة نساء العالمين مستحْسَنًا لا شرعًا ولا قدَرًا، وقد أشار ﷺ إلى هذا بقوله: «واللَّه لا تجتمع بنتُ رسول الله وبنتُ عدوِّ الله في مكانٍ واحدٍ أبدًا». فهذا إمَّا أن يتناول درجة الآخرة بلفظه أو إشارته.
فصل
فيما حَكَم الله سبحانه بتحريمه من النساء على لسان نبيه ﷺ -
حرَّم الأمَّهات، وهنَّ كلُّ من بينك وبينه إيلادٌ من جهة الأمومة أو الأبوَّة، كأمَّهاته وأمَّهات آبائه وأجداده من جهة الرِّجال والنِّساء وإن علون.
وحرَّم البنات، وهنَّ كلُّ من يُنسب إليه بإيلادٍ، كبنات صُلبه، وبنات بناته وأبنائه (١) وإن سَفُلْن.
وحرَّم الأخوات مِن كلِّ جهةٍ.
وحرَّم العمَّات، وهنَّ أخوات آبائه وإن علون من كلِّ جهةٍ.
وأمَّا عمَّة العمِّ، فإن كان العمُّ لأبٍ فهي عمَّة أبيه، وإن كان لأمٍّ فعمَّته أجنبيَّةٌ منه، فلا تدخل في العمَّات، وأمَّا عمَّة الأمِّ فهي داخلةٌ في عمَّاته، كما دخلت عمَّة أبيه في عمَّاته.
وحرَّم الخالات، وهنَّ أخوات أمَّهاته، وأمَّهات آبائه وإن علون، وأمَّا خالة العمَّة فإن كانت العمَّة لأبٍ فخالتها أجنبيَّةٌ، وإن كانت لأمٍّ فخالتها حرامٌ؛ لأنَّها خالةٌ، وأمَّا عمَّة الخالة، فإن كانت الخالة لأمٍّ فعمَّتها أجنبيَّةٌ، وإن كانت لأبٍ فعمَّتها حرامٌ، لأنَّها عمَّة الأمِّ.
стр. 3030
وحرَّم بنات الأخ، وبنات الأخت، فيعمُّ الأخَ والأختَ من كلِّ جهةٍ، وبناتَهما وإن نزَلَت درجتُهنَّ.
وحرَّم الأمَّ من الرَّضاعة، فيدخل فيه أمَّهاتها من قبل الآباء والأمَّهات وإن علون، وإذا صارت المرضعة أمَّه صار صاحب اللَّبن ــ وهو الزَّوج أو السَّيِّد إن كانت جاريةً ــ أباه، فآباؤه أجداده، فنبَّه بالمرضعة صاحبة اللَّبن التي هو (١) مودَعٌ فيها للأب، على كونه أبًا (٢) بطريق الأولى، لأنَّ اللَّبن له وبوطئه ثاب (٣)، ولهذا حَكَم رسولُ الله ﷺ بتحريم لبن الفحل (٤)، فثبت بالنَّصِّ وإيمائه انتشار حُرمة الرَّضاع إلى أمِّ المرتضع وأبيه من الرَّضاعة، وأنَّه قد صار ابنًا لهما، وصارا أبوين له، فلزم من ذلك أن يكون إخوتهما وأخواتهما خالاتٍ له وعمَّاتٍ، وأبناؤهما وبناتهما إخوةً له وأخواتٍ، فنبَّه بقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] على انتشار حُرمة الرَّضاع إلى إخوتهما وأخواتهما، كما انتشرت منهما إلى أولادهما، فكما صاروا إخوةً وأخواتٍ للمرتضع فأخوالهما (٥) وخالاتهما أخوالٌ وخالاتٌ له وأعمامٌ
стр. 3031
وعمَّاتٌ له، الأوَّل بطريق النَّصِّ، والآخر بتنبيهه، كما أنَّ الانتشار إلى الأمِّ بطريق النَّصِّ وإلى الأب بطريق تنبيهه.
وهذه طريقةٌ عجيبةٌ مطَّردةٌ في القرآن، لا يقع عليها إلا كلُّ غائصٍ على معانيه ووجوه دلالاته (١)، ومن هنا قضى رسول الله ﷺ أنَّه «يحرم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب» (٢)، ولكنَّ الدَّلالة دلالتان (٣): خفيَّةٌ وجليَّةٌ، فجمعهما للأمَّة ليتمَّ البيان ويزول الالتباس، ويقعُ على الدَّلالة الجليَّة الظَّاهرة مَن قَصُر فهمُه عن الخفية.
وحرَّم أمَّهات النِّساء، فدخل في ذلك أمُّ المرأة وإن علَت مِن نسبٍ أو رضاعٍ، دخل بالمرأة أو لم يدخل بها، لصِدْق الاسم على هؤلاء كلِّهنَّ.
وحرَّم الرَّبائب اللَّاتي في حجور الأزواج، وهنَّ بنات نسائهم المدخول بهنَّ، فيتناول بذلك بناتهنَّ، وبنات بناتهنَّ، وبنات أبنائهنَّ (٤)، فإنَّهنَّ داخلاتٌ في اسم الرَّبائب، وقيَّد التَّحريم بقيدين أحدهما: كونهنَّ في حجور الأزواج. والثَّاني: الدُّخول بأمَّهاتهنَّ. فإذا لم يوجد الدُّخول لم يثبت التَّحريم، وسواءٌ حصلت الفرقة بموتٍ أو طلاقٍ، هذا مقتضى النَّصِّ.
وذهب زيد بن ثابتٍ، ومَن وافقه، وأحمد في روايةٍ عنه: إلى أنَّ موت
стр. 3032
الأمِّ في تحريم الرَّبيبة كالدُّخول (١) بها، لأنَّه يكمل الصَّداق، ويوجب العدَّة والتَّوارث، فصار كالدُّخول، والجمهور أبوا ذلك، وقالوا: الميِّتة غير مدخولٍ بها فلا تحرم ابنتها، والله تعالى قيَّد التَّحريم بالدُّخول، وصرَّح بنفيه عند عدم الدُّخول (٢).
وأمَّا كونها في حِجْره، فلمَّا كان الغالب ذلك ذكرَه لا تقييدًا للتَّحريم به، بل هو بمنزلة قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] ولمَّا كان من شأن بنت المرأة أن تكون عند أمِّها فهي في حجر الزَّوج وقوعًا وجوازًا، فكأنَّه قيل: اللَّاتي من شأنهنَّ أن يكنَّ في حجوركم، ففي ذِكْر هذا فائدةٌ شريفةٌ، وهي جواز جَعْلها في حِجْره، وأنَّه لا يجبُ عليه إبعادها عنه، وتجنُّب مؤاكلتها، والسَّفر والخَلْوة بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك.
ولمَّا خفيَ هذا على بعض أهل الظَّاهر (٣)، شَرَط في تحريم الرَّبيبة أن تكون في حِجْر الزَّوج، وقيَّد تحريمها بالدُّخول بأمِّها، وأطلق تحريم أمِّ المرأة ولم يقيِّده بالدُّخول، فقال جمهور العلماء من الصَّحابة ومَن بعدهم: إنَّ الأمَّ تحرم بمجرَّد العقد على البنت، دخل بها أو لم يدخل، ولا تحرم البنت إلا بالدُّخول بالأمِّ، وقالوا: أبهموا ما أبهم اللَّه.
وذهبت طائفةٌ إلى أنَّ قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وصفٌ
стр. 3033
لنسائكم الأولى والثَّانية، وأنَّه لا تحرم الأمُّ إلا بالدُّخول بالبنت (١)، وهذا يردُّه نظمُ الكلام، وحيلولة المعطوف بين الصِّفة والموصوف، وامتناع جعل الصِّفة للمضاف إليه دون المضاف إلا عند البيان، فإذا قلت: «مررتُ بغلام زيدٍ العاقل» فهو صفةٌ للغلام لا لزيدٍ إلا عند زوال اللَّبس، كقولك: «مررت بغلام هندٍ الكاتبة». ويردُّه أيضًا جعل (٢) صفة واحدة لموصوفين مختلفَيِ الحكم والتَّعلُّق والعامل، وهذا لا يُعرَف في اللُّغة التي نزل بها القرآن.
وأيضًا فإنَّ الموصوف الذي يلي الصِّفة أولى بها لجواره (٣)، والجار أحقُّ بصَقَبِه (٤) ما لم تدع ضرورةٌ إلى نقلها عنه، أو تخطِّيها إيَّاه إلى الأبعد.
فإن قيل: فمن أين أدخلتم ربيبتَه التي هي بنت جاريته التي دخل بها وليست من نسائه؟
قلنا: السُّرِّيَّة قد تدخل في جملة نسائه، كما دخلت في قوله: ﴿(٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ودخلت في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ودخلت في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
فإن قيل: فيلزمكم على هذا إدخالها في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فتحرُم عليه أمُّ جاريته؟
стр. 3034
قلنا: نعم، وكذلك نقول إذا وطئ أمتَه: حَرُمت عليه أمُّها وابنتُها.
فإن قيل: فأنتم قد قرَّرتم أنَّه لا يشترط الدُّخول بالبنت في تحريم أمِّها فكيف تشترطونه هاهنا؟
قلنا: لتصير مِن نسائه، فإنَّ الزَّوجة صارت من نسائه بمجرَّد العقد، وأمَّا المملوكة فلا تصير من نسائه حتَّى يطأها، فإذا وطئها صارت من نسائه فحَرُمت عليه أمُّها وابنتها.
فإن قيل: فكيف أدخلتم السُّرِّيَّة في نسائه في آية التَّحريم ولم تدخلوها في نسائه في آية الظِّهار والإيلاء؟
قيل: السِّياق والواقع يأبى ذلك، فإنَّ الظِّهار كان عندهم طلاقًا، وإنَّما محلُّه الأزواج لا الإماء، فنقله الله سبحانه عن الطَّلاق إلى التَّحريم الذي تُزيله الكفَّارة، وأبقى محلّه، فنقلَ حكمَه وأبقى محلَّه (١)، وأمَّا الإيلاء فصريحٌ في أنَّ محلَّه الزَّوجات لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].
وحرَّم سبحانه حلائل الأبناء، وهنَّ موطوآت الأبناء بنكاحٍ أو ملك يمينٍ، فإنَّها حليلةٌ بمعنى محلَّلةٍ، ويدخل في ذلك ابنُ صُلْبه وابن ابنه وابن ابنته، ويخرج من ذلك ابنُ التَّبنِّي، وهذا التَّقييد قصد به إخراجه.
وأمَّا حليلة ابنه من الرَّضاع، فإنَّ الأئمَّة الأربعة ومَن قال بقولهم
стр. 3035
يدخلونها في قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] ولا يخرجونها بقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ويحتجُّون بقول النَّبيِّ ﷺ : «حرِّموا من الرَّضاع ما يَحرُم من النَّسب» (١)، قالوا: وهذه الحليلة تحرم إذا كانت لابن النَّسب، فتحرم إذا كانت لابن الرَّضاع. قالوا: والتَّقييد لإخراج ابن التَّبنِّي لا غير، وحرَّموا من الرَّضاع بالصِّهر نظير ما يحرم بالنَّسب.
ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: لا تحرم حليلة ابنه من الرَّضاعة لأنَّه ليس من صُلبه، والتَّقييد كما يخرج حليلة ابن التَّبنِّي يخرج حليلة ابن الرَّضاع سواءٌ ولا فرق بينهما. قالوا: وأمَّا قول النبيّ ﷺ : «يحرم من الرَّضاع ما يَحرُم من النَّسب» فهو من أكبر أدلَّتنا وعمدتنا في المسألة، فإنَّ تحريم حلائل الآباء والأبناء إنَّما هو بالصِّهر لا بالنَّسب، والنَّبيُّ ﷺ قصَرَ (٢) تحريمَ الرَّضاع على نظيره من النَّسب لا على شقيقه من الصِّهر، فيجب الاقتصار بالتَّحريم على مورد النَّصِّ.
قالوا: والتَّحريم بالرَّضاع فرعٌ على تحريم النَّسب لا على تحريم المصاهرة، فتحريم المصاهرة أصلٌ قائمٌ بذاته، والله سبحانه لم ينصَّ في كتابه على تحريم الرَّضاع إلا من جهة النَّسب، ولم ينبِّه على التَّحريم به من جهة الصِّهر البتَّة، لا بنصٍّ ولا إيماءٍ ولا إشارةٍ، والنَّبيُّ ﷺ أمر أن يحرّم به ما يحرم من النَّسب، وفي ذلك إرشادٌ وإشارةٌ إلى أنَّه لا يحرّم به ما يحرم بالصِّهر، ولولا أنَّه أراد الاقتصار على ذلك لقال: حرِّموا من الرَّضاع ما يحرم من
стр. 3036
النَّسب والصِّهر.
قالوا: وأيضًا فالرَّضاع مشبَّهٌ بالنَّسب، ولهذا أخذ منه بعض أحكامه وهو الحُرْمة والمحرميَّة فقط دون التَّوارث والإنفاق وسائر أحكام النَّسب، فهو نسبٌ ضعيفٌ، فأخذ بحسب ضعفه بعض أحكام النَّسب، ولم يقوَ على سائر أحكام النَّسب، وهو ألصق به (١) من المصاهرة فكيف يقوَى على أخذ أحكام المصاهرة مع قصوره عن أحكامٍ مُشبهةٍ وشقيقةٍ؟!
وما للمصاهرة والرَّضاع؟ فإنَّه لا نسبَ بينهما ولا شَبَه (٢) نسبٍ ولا بعضيّة (٣) ولا اتِّصال. قالوا: ولو كان تحريم الصِّهريَّة (٤) ثابتًا لبيَّنه الله ورسوله بيانًا شافيًا يقيم الحجَّةَ ويقطع العذرَ، فمِن الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التَّسليم والانقياد.
فهذا منتهى النَّظر في هذه المسألة، فمن ظفر فيها بحجَّةٍ (٥) فليرشد إليها وليدلَّ عليها، فإنَّا لها منقادون، وبها معتصمون، والله الموفِّق للصَّواب.
فصل
وحرَّم سبحانه نكاح مَن نكحهنَّ الآباء، وهذا يتناول منكوحاتهم بملك يمينٍ
стр. 3037
أو عقد نكاحٍ، ويتناول آباء الآباء وآباء الأمَّهات وإن علون، والاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] من مضمون جملة النَّهي، وهو التَّحريم المستلزم للتَّأثيم والعقوبة، فاستثنى منه ما سَلَف قبل إقامة الحجَّة بالرَّسول والكتاب.
فصل
وحرَّم سبحانه الجمعَ بين الأختين، وهذا يتناول الجمعَ بينهما في عقد النِّكاح وملك اليمين كسائر محرَّمات الآية، وهذا قول جمهور الصَّحابة ومَن بعدهم (١)، وهو الصَّواب، وتوقَّفَتْ طائفةٌ في تحريمه بملك اليمين لمعارضة هذا العموم بعموم قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، ولهذا قال أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان: «أحلَّتهما آيةٌ، وحرَّمتهما آيةٌ» (٢).
وقال الإمام أحمد في روايةٍ عنه: لا أقول هو حرامٌ، ولكن ننهى (٣) عنه (٤)، فمِن أصحابه مَن جعل القولَ بإباحته روايةً عنه. والصَّحيح أنَّه لم
стр. 3038
يبِحْه، ولكن تأدَّبَ مع الصَّحابة أن يُطلق لفظ الحرام على أمرٍ توقَّف فيه عثمان، بل قال: ننهى عنه. والَّذين جزموا بتحريمه رجَّحوا آية التَّحريم من وجوهٍ:
أحدها: أنَّ سائر ما ذكر فيها من المحرَّمات عامٌّ في النِّكاح وملك اليمين، فما بال هذا وحده حتَّى يخرج منها، فإن كانت آية الإباحة مقتضيةً لحِلِّ الجمع بالملك، فلتكن مقتضيةً لحلِّ أمِّ موطوءته بالملك ولموطوءة أبيه وابنه بالملك، إذ لا فرق بينهما البتَّة، ولا يُعلَم بهذا قائلٌ.
الثَّاني: أنَّ آية الإباحة بملك اليمين مخصوصةٌ قطعًا بصورٍ عديدةٍ لا يختلف فيها اثنان، كأمِّه وابنته وأخته وعمَّته وخالته من الرَّضاعة، بل كأخته وعمَّته وخالته من النَّسَب عند من لا يرى عتقهنَّ بالملك كمالك والشَّافعيِّ، ولم يكن عموم قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] معارضًا لعموم تحريمهنَّ بالعقد والملك، فهذا حكم الأختين سواءٌ.
الثَّالث: أنَّ حلَّ الملك ليس فيه أكثر من بيان جهة الحلِّ وسببه، ولا تعرُّضَ فيه لشروط الحلِّ ولا لموانعه، وآيةُ التَّحريم فيها بيان موانع الحلِّ من النَّسَب والرَّضاع والصِّهر وغيره، فلا تعارض بينهما البتَّة، وإلَّا كان كلُّ موضعٍ ذُكِر فيه شرطُ الحلِّ ومانعه (١) معارضًا لمقتضى الحلِّ، وهذا باطلٌ قطعًا، بل هو بيانٌ لما سكتَ عنه دليل الحلِّ من الشُّروط والموانع.
الرَّابع: أنَّه لو جاز الجمعُ بين الأختين المملوكتين في الوطء جاز الجمعُ بين الأمِّ وابنتها المملوكتين، فإنَّ نصَّ التَّحريم شاملٌ للصُّورتين شمولًا
стр. 3039
واحدًا، وأنَّ إباحة المملوكات إن عمَّت الأختين عمَّت الأمَّ وابنتها.
الخامس: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءَه في رَحِم أختين» (١). ولا ريب أنَّ جَمْع الماء كما يكون بعقد النِّكاح يكون بمِلْك اليمين، والإيمان يمنع منه.
فصل
وقضى رسول الله ﷺ بتحريم الجَمْع بين المرأة وعمَّتها والمرأة وخالتها (٢). وهذا التَّحريم مأخوذٌ من تحريم الجمع بين الأختين لكن بطريقٍ خفيٍّ، وما حرَّمه رسولُ الله ﷺ مثل ما حرَّمه اللَّه، ولكن هو مستنبطٌ من دلالة الكتاب.
وكان الصَّحابة أحرص شيءٍ على استنباط أحاديث رسول الله ﷺ من القرآن، ومَن ألزمَ نفسَه ذلك، وقرع بابَه، ووجَّه قلبَه إليه، واعتنى به بفطرةٍ صحيحة (٣)، وقلبٍ ذكيٍّ، رأى السُّنَّة كلَّها تفصيلًا للقرآن، وتبيينًا لدلالته،
стр. 3040
وبيانًا لمراد الله منه، وهذا أعلى مراتب العلم، فمن ظَفِر به فليحمد اللَّه، ومن فاته فلا يلومنَّ إلا نفسَه وهمَّتَه وعجزَه.
واستُفِيد من تحريمه (١) الجمعَ بين الأختين وبين المرأة وعمِّتها وبينها وبين خالتها: أنَّ كلَّ امرأتين بينهما قرابةٌ لو كان أحدُهما ذكرًا، حَرُم على الآخر= فإنَّه يحرم الجمعُ بينهما، ولا يُستثنى من هذا صورةٌ واحدةٌ، فإن لم يكن بينهما قرابةٌ لم يحرُم الجمع بينهما، وهل يكره؟ على قولين. وهذا كالجمع بين امرأة رجلٍ وابنته من غيرها.
واستُفيد من عموم تحريمه سبحانه المحرَّمات المذكورة: أنَّ كلَّ امرأةٍ حَرُم نكاحها حَرُم وطؤها بملك اليمين، إلا إماء أهل الكتاب فإنَّ نكاحهنَّ حرامٌ عند الأكثرين، ووطؤهنَّ بملك اليمين جائزٌ، وسوَّى أبو حنيفة بينهما، فأباح نكاحهنَّ كما يباح وطؤهنَّ بالملك (٢).
والجمهور احتجُّوا عليه: بأنَّ الله سبحانه إنَّما أباح نكاح الإماء بوصف الإيمان. فقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. خصَّ ذلك بحرائر أهل الكتاب، بقي الإماء على قضيَّة التَّحريم، وقد
стр. 3041
فهم ابنُ عمر (١) وغيرُه من الصَّحابة إدخال الكتابيَّات في هذه الآية فقال: «لا أعلم شِرْكًا أعظم من أن يقول عبدُه: إنَّ المسيح إلهها» (٢).
وأيضًا فالأصل في الأبضاع الحُرْمة، وإنَّما (٣) أبيح نكاح الإماء المؤمنات، فمن عداهنَّ على أصل التَّحريم، وليس تحريمهنَّ مستفادًا من المفهوم.
واسْتُفيد من سياق الآية ومدلولها: أنَّ كلَّ امرأةٍ حُرِّمت حَرُمَت ابنتُها إلا العمَّةَ والخالةَ وحليلةَ الابن وحليلة الأب وأمَّ الزَّوجة، وأنَّ كلَّ الأقارب حرامٌ إلا الأربعة المذكورات في سورة الأحزاب، وهنَّ بنات الأعمام والعمَّات وبنات الأخوال والخالات.
فصل
وممَّا حرَّمه النَّصُّ نكاح المزوَّجات وهنَّ المحصنات، واستثنى من ذلك ملك اليمين، فأشكل هذا الاستثناء على كثيرٍ من النَّاس، فإنَّ الأَمَة المزوَّجة يحرم وطؤها على مالكها، فأين محلُّ الاستثناء؟
فقالت طائفةٌ: هو منقطعٌ، أي: لكن ما ملكت أيمانكم، ورُدَّ هذا لفظًا ومعنًى، أمَّا اللَّفظ فإنَّ الانقطاع إنَّما يقع حيث يقع التَّفريغ، وبابُه غير الإيجاب من النَّفي والنَّهي والاستفهام، فليس الموضع موضع انقطاعٍ. وأمَّا
стр. 3042
المعنى: فإنَّ المنقطعَ لا بدَّ فيه من رابطٍ بينه وبين المستثنى منه بحيث يخرج توهُّم (١) دخوله فيه بوجهٍ ما، فإنَّك إذا قلتَ: «ما بالدَّار من أحدٍ» دلَّ على انتقال (٢) مَن بها بدوابِّهم وأمتعتهم، فإذا قلت: «إلا حمارًا أو إلا الأثافيَّ»، ونحو ذلك، أزلتَ توهُّم دخولِ المستثنى في حكم المستثنى منه.
وأَبْيَن من هذا قوله تعالى: ﴿فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ﴾ [مريم: ٦٢] فاستثناء السَّلام أزال توهُّم نفي السَّماع العامِّ، فإنَّ عدمَ سماع اللَّغو يجوز أن يكون لعدم سماع كلامٍ ما، وأن يكونَ مع سماعِ غيره، وليس في تحريم نكاح المزوَّجة ما يوهم تحريم وطء الإماء بملك اليمين حتَّى يخرجه.
وقالت طائفةٌ: بل الاستثناءُ على بابه، ومتى ملك الرَّجل الأَمَة المزوَّجة كان ملكه لها طلاقًا (٣)، وحلَّ له وطؤها، وهي مسألة بيع الأَمَة هل يكون طلاقًا لها أو لا؟ فيه مذهبان للصَّحابة (٤): فابن عبَّاسٍ يراه طلاقًا ويحتجُّ له بالآية، وغيره يأبى ذلك ويقول: كما يجامع المُلك السَّابق للنَّكاح اللَّاحق اتِّفاقًا ولا يتنافيان، كذلك المُلك اللَّاحق لا ينافي النِّكاح السَّابق، قالوا: وقد خيَّر رسولُ الله ﷺ بَريرَة لمَّا بيعت (٥)، ولو انفسخ نكاحُها لم يخيِّرها. قالوا:
стр. 3043
وهذا حجَّةٌ على ابن عبَّاسٍ، فإنَّه هو راوي الحديث والأخذ برواية الصَّحابيِّ لا برأيه.
وقالت طائفةٌ ثالثةٌ: إن كان المشتري امرأةً لم ينفسخ النِّكاح، لأنَّها لم تملك الاستمتاع ببُضْع الزَّوجة، وإن كان رجلًا انفسخ لأنَّه ملك الاستمتاع به، ومِلْك اليمين أقوى مِن مِلك النِّكاح، وبهذا الملك يبطل النِّكاح دون العكس، قالوا: وعلى هذا فلا إشكال في حديث بَريرة.
وأجاب الأوَّلون عن هذا: بأنَّ المرأة وإن لم تملك الاستمتاع ببضع أَمَتِها فهي تملك المعاوضة عليه وتزويجها وأَخْذ مهرها، وذلك كملك الرَّجل وإن لم تستمتع بالبضع.
وقالت فرقةٌ أخرى: الآية خاصَّةٌ بالمسبيَّات، فإنَّ المسبيَّة إذا سُبِيَت حلَّ وطؤها لسابيها بعد الاستبراء وإن كانت مزوَّجةً، وهذا قول الشَّافعيِّ وأحد الوجهين لأصحاب أحمد (١)، وهو الصَّحيح كما روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ بعثَ جيشًا إلى أوطاسٍ فلقي عدوًّا فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا سبايا، وكأنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا مِن غِشيانهنَّ من أجل أزواجهنَّ من المشركين، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٤]، أي: فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضت عدَّتهنَّ.
стр. 3044
فتضمَّن هذا الحكم: إباحة وطء المسبيَّة وإن كان لها زوجٌ من الكفَّار، وهذا يدلُّ على انفساخ نكاحه وزوال عِصْمة بُضْع امرأته، وهذا هو الصَّواب، لأنَّه قد استولى على محلِّ حقِّه وعلى رقبة زوجته، وصار سابيها أحقَّ بها منه، فكيف يحرم بُضْعها عليه؟! فهذا القول لا نصٌّ (١) ولا قياسٌ.
والَّذين قالوا من أصحاب أحمد وغيرهم: إنَّ وطأها إنَّما يباح إذا سبيت وحدها. قالوا: لأنَّ الزَّوج يكون بقاؤه مجهولًا، والمجهول كالمعدوم، فيجوز وطؤها بعد الاستبراء، فإذا كان الزَّوج معها لم يجز وطؤها مع بقائه.
فأُوْرِدَ عليهم ما لو سُبَيت وحدها وتيقَّنّا بقاءَ زوجها في دار الحرب، فإنَّكم تجوِّزون (٢) وطأها.
فأجابوا بما لا يجدي شيئًا، وقالوا: الأصل لحاق الفرد بالأعمِّ الأغلب.
فيقال لهم: الأعمُّ الأغلب بقاء أزواج المسبيَّات إذا سُبِين منفرداتٍ، وموتهم كلُّهم نادرٌ جدًّا، ثمَّ يقال: إذا صارت رقبة زوجها وأملاكه ملكًا للسَّابي، وزالت العصمةُ عن سائر أملاكه وعن رقبته، فما الموجب لثبوت العصمة في فرج امرأته خاصَّةً، وقد صارت هي وهو وأملاكهما للسَّابي؟
ودلَّ هذا القضاءُ النَّبويُّ على جواز وطء الإماء الوثنيَّات بملك اليمين، فإنَّ سبايا أوطاسٍ لم يكنَّ كتابيَّاتٍ، ولم يشترط رسولُ الله ﷺ في وطئهنَّ إسلامَهنَّ (٣)، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخيرُ البيان عن
стр. 3045
وقت الحاجة ممتنعٌ ومعه حديثو العهد بالإسلام الذين يخفى (١) عليهم حكم هذه المسألة، وحصول الإسلام من جميع السَّبايا، وكانوا عدَّة آلافٍ، بحيث لم يتخلَّف منهم عن الإسلام جاريةٌ واحدةٌ ممَّا يُعلَم أنَّه في غاية البعد، فإنَّهنَّ لم يُكْرَهن على الإسلام، ولم يكن لهنَّ من البصيرة والرَّغبة والمحبَّة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهنَّ إليه جميعًا. فمقتضى السُّنَّة وعمل الصَّحابة في عهد رسول الله ﷺ وبعده جوازُ وطء المملوكات على أيِّ دينٍ كنَّ، وهذا مذهب طاوسٍ وغيره، وقوَّاه صاحب «المغني» (٢) فيه، ورجَّح أدلَّته، وباللَّه التَّوفيق.
وممَّا يدلُّ على عدم اشتراط إسلامهنَّ: ما روى الترمذي في «جامعه» (٣) عن عرباض بن سارية: أنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم وطء السَّبايا حتَّى يضَعْن ما في بطونهنَّ. فجعل للتَّحريم غايةً واحدةً وهي وضع الحمل، ولو كان متوقِّفًا على الإسلام لكان بيانه أهمَّ من بيان الاستبراء.
وفي «السُّنن» و «المسند» (٤) عنه: «لا يحلُّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم
стр. 3046
الآخر أن يقع على امرأةٍ من السَّبي حتَّى يستبرئها» ولم يقل حتَّى تسلم. ولأحمد (١): «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح شيئًا من السَّبايا حتَّى تحيض» ولم يقل: وتُسْلم.
وفي «السُّنن» (٢) عنه أنَّه قال في سَبْيِ أوطاسٍ: «لا توطأ حاملٌ حتَّى تضع، ولا غير حاملٍ حتَّى تحيض حيضةً واحدةً (٣)»، ولم يقل: وتسلم (٤)، فلم يجئ عنه اشتراط إسلام المسبيَّة في موضعٍ واحدٍ البتَّة.
فصل
في حُكْمه ﷺ في الزوجين يُسلم أحدُهما قبل الآخر
قال ابن عبَّاسٍ: «ردَّ رسولُ الله ﷺ زينبَ ابنتَه على أبي العاص بن الرَّبيع بالنِّكاح الأوَّل ولم يُحْدِث شيئًا». رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذيُّ (٥). وفي
стр. 3047
لفظٍ: «بعد ستِّ سنين ولم يُحْدِث نكاحًا» (١)، قال الترمذي: ليس بإسناده بأسٌ، وفي لفظٍ (٢): «وكان إسلامها قبل إسلامه بستِّ سنين، ولم يحدث شهادةً ولا صداقًا».
وقال ابن عبَّاسٍ: «أسلمَتْ امرأةٌ على عهد رسول الله ﷺ فتزوَّجت، فجاء زوجُها إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنِّي كنتُ أسلمتُ، وعَلِمَت بإسلامي، فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر، وردَّها على زوجها الأوَّل». رواه أبو داود (٣).
وقال أيضًا: «إنَّ رجلًا جاء مُسْلمًا على عهد رسول الله ﷺ ، ثمَّ جاءت
стр. 3048
امرأته مسلمةً بعده، فقال: يا رسول اللَّه، إنَّها أسلمَتْ معي، فردَّها عليه» (١)، قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ.
وقال الترمذي (٢): إنَّ أم حكيم بنت الحارث بن هشام أسلمت يوم الفتح بمكَّة وهرب زوجُها عكرمة بن أبي جهلٍ من الإسلام حتَّى قدم اليمن، فارتحلت أمُّ حكيم حتَّى قَدِمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، فقدم على عهد رسول الله ﷺ عام الفتح، فلمَّا قدم على (٣) رسول الله ﷺ وثب إليه فرحًا وما عليه رداءٌ حتَّى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك (٤).
قال: ولم يبلغنا أنَّ امرأةً هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافرٌ مقيمٌ بدار الكفر إلا فرَّقَتْ هجرتُها بينها وبين زوجها إلا أن يقْدَم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدَّتها. ذكره مالك في «الموطَّأ» (٥).
стр. 3049
فتضمَّن هذا الحكمُ: أنَّ الزَّوجين إذا أسلما معًا فهما على نكاحهما، ولا يُسأل عن كيفيَّة وقوعه قبل الإسلام، هل وقع صحيحًا أو لا؟ ما لم يكن المبطل قائمًا، كما إذا أسلما وقد نكحها (١) وهي في عدَّةٍ من غيره، أو تحريمًا (٢) مجمَعًا عليه، أو مؤبَّدًا، كما إذا كانت مَحْرَمًا له بنسبٍ أو رضاعٍ، أو كانت ممن لا يجوز له الجمع بينها وبين مَن معها (٣) كالأختين والخَمس وما فوقهنَّ، فهذه ثلاث صورٍ أحكامُها مختلفةٌ.
فإذا أسلما وبينهما (٤) محرميَّةٌ من نَسَبٍ أو رَضاعٍ أو صهرٍ أو كانت أخت الزَّوجة أو عمَّتها أو خالتها أو من يحرم الجمع بينها وبينها فُرِّق بينهما بإجماع الأمَّة، لكن إن كان التَّحريم لأجل الجَمْع خُيِّر بين الإمساك لأيتهما (٥) شاء، وإن كانت بنته من زنًا فُرِّق بينهما أيضًا عند الجمهور، وإن كان يعتقد ثبوتَ النَّسب بالزِّنا فُرِّق بينهما اتِّفاقًا، وإن أسلم أحدُهما وهي في عدَّةٍ مِن مسلمٍ متقدَّمةٍ على عقده فُرِّق بينهما اتِّفاقًا.
وإن كانت العدَّة من كافرٍ فإن اعتبرنا دوامَ المفسد أو الإجماع عليه لم يفرَّق بينهما، لأنَّ عدَّة الكافر لا تدوم، ولا تمنع النِّكاح عند من يبطلُ أنكحةَ الكفَّار ويجعل حكمَها حكمَ الزِّنا.
стр. 3050
وإن أسلم أحدُهما وهي حُبلى من زنًا قبل العقد فقولان مبنيَّان على اعتبار قيام المفسد أو كونه مجْمَعًا عليه.
وإن أسلما وقد عقداه بلا وليٍّ أو بلا شهودٍ أو في عدَّةٍ وقد انقضت، أو على أختٍ وقد ماتت، أو على خامسةٍ كذلك أُقِرَّا عليه، وكذلك إن قهر حربيٌّ حربيَّةً واعتقداه نكاحًا ثمَّ أسلما أُقِرَّا عليه.
وتضمَّن: أنَّ أحد الزَّوجين إذا أسلم قبل الآخر لم ينفسخ النِّكاح بإسلامه، فرَّقت الهجرةُ بينهما أو لم تفرِّق، فإنَّه لا يُعرف أنَّ رسول الله ﷺ جدَّدَ نكاحَ زوجين سَبَق (١) أحدُهما الآخرَ بإسلامه قطُّ، ولم تزل الصَّحابة يسلمُ الرَّجلُ قبل امرأته وامرأتُه قبلَه، ولم يعرف عن أحدٍ منهم البتَّة أنَّه تلفَّظ بإسلامه هو وامرأته وتساوقا فيه حرفًا بحرفٍ، هذا ممَّا يعلَم أنَّه لم يقع البتَّة. وقد ردَّ النَّبيُّ ﷺ ابنتَه زينب على أبي العاص بن الرَّبيع (٢)، وهو إنَّما أسلم زمن الحديبية، وهي أسلمت مِن أوَّل البعثة، فبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة (٣) سنةً.
وأمَّا قوله في الحديث: «كان بين إسلامها وإسلامه ستُّ سنين»، فوهمٌ، إنَّما أراد بين هجرتها وإسلامه.
فإن قيل: وعلى ذلك فالعدَّة تنقضي في هذه المدَّة فكيف لم يجدِّد نكاحًا (٤)؟