الآخر أن يقع على امرأةٍ من السَّبي حتَّى يستبرئها» ولم يقل حتَّى تسلم. ولأحمد (١): «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح شيئًا من السَّبايا حتَّى تحيض» ولم يقل: وتُسْلم.
وفي «السُّنن» (٢) عنه أنَّه قال في سَبْيِ أوطاسٍ: «لا توطأ حاملٌ حتَّى تضع، ولا غير حاملٍ حتَّى تحيض حيضةً واحدةً (٣)»، ولم يقل: وتسلم (٤)، فلم يجئ عنه اشتراط إسلام المسبيَّة في موضعٍ واحدٍ البتَّة.
فصل
في حُكْمه ﷺ في الزوجين يُسلم أحدُهما قبل الآخر
قال ابن عبَّاسٍ: «ردَّ رسولُ الله ﷺ زينبَ ابنتَه على أبي العاص بن الرَّبيع بالنِّكاح الأوَّل ولم يُحْدِث شيئًا». رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذيُّ (٥). وفي
стр. 3047
لفظٍ: «بعد ستِّ سنين ولم يُحْدِث نكاحًا» (١)، قال الترمذي: ليس بإسناده بأسٌ، وفي لفظٍ (٢): «وكان إسلامها قبل إسلامه بستِّ سنين، ولم يحدث شهادةً ولا صداقًا».
وقال ابن عبَّاسٍ: «أسلمَتْ امرأةٌ على عهد رسول الله ﷺ فتزوَّجت، فجاء زوجُها إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنِّي كنتُ أسلمتُ، وعَلِمَت بإسلامي، فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر، وردَّها على زوجها الأوَّل». رواه أبو داود (٣).
وقال أيضًا: «إنَّ رجلًا جاء مُسْلمًا على عهد رسول الله ﷺ ، ثمَّ جاءت
стр. 3048
امرأته مسلمةً بعده، فقال: يا رسول اللَّه، إنَّها أسلمَتْ معي، فردَّها عليه» (١)، قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ.
وقال الترمذي (٢): إنَّ أم حكيم بنت الحارث بن هشام أسلمت يوم الفتح بمكَّة وهرب زوجُها عكرمة بن أبي جهلٍ من الإسلام حتَّى قدم اليمن، فارتحلت أمُّ حكيم حتَّى قَدِمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، فقدم على عهد رسول الله ﷺ عام الفتح، فلمَّا قدم على (٣) رسول الله ﷺ وثب إليه فرحًا وما عليه رداءٌ حتَّى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك (٤).
قال: ولم يبلغنا أنَّ امرأةً هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافرٌ مقيمٌ بدار الكفر إلا فرَّقَتْ هجرتُها بينها وبين زوجها إلا أن يقْدَم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدَّتها. ذكره مالك في «الموطَّأ» (٥).
стр. 3049
فتضمَّن هذا الحكمُ: أنَّ الزَّوجين إذا أسلما معًا فهما على نكاحهما، ولا يُسأل عن كيفيَّة وقوعه قبل الإسلام، هل وقع صحيحًا أو لا؟ ما لم يكن المبطل قائمًا، كما إذا أسلما وقد نكحها (١) وهي في عدَّةٍ من غيره، أو تحريمًا (٢) مجمَعًا عليه، أو مؤبَّدًا، كما إذا كانت مَحْرَمًا له بنسبٍ أو رضاعٍ، أو كانت ممن لا يجوز له الجمع بينها وبين مَن معها (٣) كالأختين والخَمس وما فوقهنَّ، فهذه ثلاث صورٍ أحكامُها مختلفةٌ.
فإذا أسلما وبينهما (٤) محرميَّةٌ من نَسَبٍ أو رَضاعٍ أو صهرٍ أو كانت أخت الزَّوجة أو عمَّتها أو خالتها أو من يحرم الجمع بينها وبينها فُرِّق بينهما بإجماع الأمَّة، لكن إن كان التَّحريم لأجل الجَمْع خُيِّر بين الإمساك لأيتهما (٥) شاء، وإن كانت بنته من زنًا فُرِّق بينهما أيضًا عند الجمهور، وإن كان يعتقد ثبوتَ النَّسب بالزِّنا فُرِّق بينهما اتِّفاقًا، وإن أسلم أحدُهما وهي في عدَّةٍ مِن مسلمٍ متقدَّمةٍ على عقده فُرِّق بينهما اتِّفاقًا.
وإن كانت العدَّة من كافرٍ فإن اعتبرنا دوامَ المفسد أو الإجماع عليه لم يفرَّق بينهما، لأنَّ عدَّة الكافر لا تدوم، ولا تمنع النِّكاح عند من يبطلُ أنكحةَ الكفَّار ويجعل حكمَها حكمَ الزِّنا.
стр. 3050
وإن أسلم أحدُهما وهي حُبلى من زنًا قبل العقد فقولان مبنيَّان على اعتبار قيام المفسد أو كونه مجْمَعًا عليه.
وإن أسلما وقد عقداه بلا وليٍّ أو بلا شهودٍ أو في عدَّةٍ وقد انقضت، أو على أختٍ وقد ماتت، أو على خامسةٍ كذلك أُقِرَّا عليه، وكذلك إن قهر حربيٌّ حربيَّةً واعتقداه نكاحًا ثمَّ أسلما أُقِرَّا عليه.
وتضمَّن: أنَّ أحد الزَّوجين إذا أسلم قبل الآخر لم ينفسخ النِّكاح بإسلامه، فرَّقت الهجرةُ بينهما أو لم تفرِّق، فإنَّه لا يُعرف أنَّ رسول الله ﷺ جدَّدَ نكاحَ زوجين سَبَق (١) أحدُهما الآخرَ بإسلامه قطُّ، ولم تزل الصَّحابة يسلمُ الرَّجلُ قبل امرأته وامرأتُه قبلَه، ولم يعرف عن أحدٍ منهم البتَّة أنَّه تلفَّظ بإسلامه هو وامرأته وتساوقا فيه حرفًا بحرفٍ، هذا ممَّا يعلَم أنَّه لم يقع البتَّة. وقد ردَّ النَّبيُّ ﷺ ابنتَه زينب على أبي العاص بن الرَّبيع (٢)، وهو إنَّما أسلم زمن الحديبية، وهي أسلمت مِن أوَّل البعثة، فبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة (٣) سنةً.
وأمَّا قوله في الحديث: «كان بين إسلامها وإسلامه ستُّ سنين»، فوهمٌ، إنَّما أراد بين هجرتها وإسلامه.
فإن قيل: وعلى ذلك فالعدَّة تنقضي في هذه المدَّة فكيف لم يجدِّد نكاحًا (٤)؟
стр. 3051
قيل: تحريم المسلمات على المشركين إنَّما نزل بعد صلح الحديبية لا قبل ذلك، فلم ينفسخ النِّكاح في تلك المدَّة لعدم شرعيَّة هذا الحكم فيها، ولمَّا نزل تحريمهنَّ على المشركين أسلم أبو العاص فرُدَّت عليه.
وأمَّا مراعاة زمن العدَّة فلا دليل عليه من نصٍّ ولا إجماعٍ، وقد ذكر حمَّاد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيَّب: أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ قال في الزَّوجين الكافرَين يُسلم أحدُهما: «هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها» (١).
وذكر سفيان بن عُيينة عن مطرِّف بن طريفٍ عن الشَّعبيِّ عن علي: «هو أحقُّ بها ما لم تَخرجْ من مِصْرها» (٢).
وذكر ابن أبي شيبة (٣) عن معتمر بن سليمان عن معمر (٤) عن الزُّهريِّ: إن أسلمَتْ ولم يسلم زوجُها فهما على نكاحهما إلا أن يفرِّق بينهما سلطانٌ.
ولا يُعرف اعتبار العدَّة في شيءٍ من الأحاديث، ولا كان النَّبيُّ ﷺ يسأل المرأةَ هل انقضت عدَّتُكِ أم لا، ولا ريب أنَّ الإسلام لو كان بمجرَّده فُرْقةٌ لم تكن فُرقةً رجعيَّةً بل بائنةً، فلا أثر للعدَّة في بقاء النِّكاح، وإنَّما أثرها في منع
стр. 3052
نكاحها للغير، فلو كان الإسلام قد نجَّز الفُرقَة بينهما لم يكن أحقَّ بها في العدَّة، ولكنَّ الذي دلَّ عليه حكمه ﷺ أنَّ النِّكاح موقوفٌ، فإن أسلما (١) قبل انقضاء عدَّتها فهي زوجتُه، وإن انقضت عدَّتها فلها أن تنكح مَن شاءت، وإن أحبَّت انتظرَتْه، فإن أسلم كانت زوجتَه من غير حاجةٍ إلى تجديد نكاح.
ولا نعلم أحدًا جدَّد للإسلام نكاحه البتَّة، بل كان الواقع أحد أمرين: إمَّا افتراقهما ونكاحها غيره، وإمَّا بقاؤها عليه وإن تأخَّر إسلامها أو إسلامه. وأمَّا تنجيز الفُرقة أو مراعاة العدَّة، فلا نعلم أنَّ رسول الله ﷺ قضى بواحدٍ منهما مع كثرة مَن أسلم في عهده مِن الرِّجال وأزواجهم وقُرب إسلام أحد الزَّوجين من الآخر وبُعده منه، ولولا إقراره ﷺ الزَّوجين على نكاحهما وإن تأخَّر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح لقلنا بتعجيل الفُرقة بالإسلام من غير اعتبار عدَّةٍ، لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله: ﴿وَلَا تُمَسِّكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وأنَّ الإسلام سبب الفرقة، ككلّ (٢) ما كان سببًا للفُرقة تَعْقبُه (٣) الفُرْقة كالرَّضاع والخُلْع والطَّلاق، وهذا اختيار الخلال وأبي بكر صاحبه (٤) وابن المنذر (٥) وابن حزمٍ (٦)، وهو مذهب
стр. 3053
الحسن (١) وطاوس (٢) وعكرمة (٣) وقتادة (٤) والحكم (٥).
قال ابن حزمٍ (٦): وهو قول عمر بن الخطَّاب (٧)، وجابر بن عبد الله (٨)، وابن عبَّاسٍ (٩)، وبه قال حمَّاد بن زيدٍ، والحكم بن عُتَيبة، وسعيد بن جُبيرٍ (١٠)، وعمر بن عبد العزيز (١١)، وعَدي بن عَدي الكندي (١٢)، والشَّعبيُّ (١٣)،
стр. 3054
وغيرهم.
قلت: وهو أحد الرِّوايتين عن أحمد (١)، ولكنَّ الذي أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمَسِّكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] لم يحكم بتعجيل الفُرقة، فروى مالك في «موطَّئه» (٢) عن ابن شهابٍ قال: «كان بين إسلام صفوان بن أميَّة وبين إسلام امرأته بنت الوليد بن المغيرة نحوٌ من شهرٍ، أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتَّى شهد حنينًا والطَّائف وهو كافرٌ، ثمَّ أسلم، ولم يفرِّق النَّبيُّ ﷺ بينهما، واستقرَّت عنده امرأتُه بذلك النِّكاح».
قال ابن عبد البرِّ (٣): وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.
وقال ابن شهابٍ: أسلمَتْ أمُّ حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتَّى أتى اليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم فبايع النبيَّ ﷺ فبقيا على نكاحهما (٤).
ومن المعلوم يقينًا أنَّ أبا سفيان خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول النَّبيِّ
стр. 3055
- ﷺ مكَّة، ولم تسلم هند امرأته حتَّى فتح رسولُ الله ﷺ مكَّة، فبقيا على نكاحهما (١).
وأسلم حكيمُ بن حزامٍ قبل امرأته (٢)، وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي (٣) أمية عام الفتح، فلقيا النبيَّ ﷺ بالأبواء، فأسلما قبل أزواجهما (٤)(٥)، ولم يُعلم أنَّ النبي ﷺ فرَّق بين أحدٍ ممَّن أسلم وبين امرأته.
وجواب من أجاب بتجديد نكاح مَن أسلم في غاية البطلان، والقول (٦) على رسول الله ﷺ بلا علمٍ، واتِّفاق الزَّوجين في التَّلفُّظ بكلمة الإسلام معًا في لحظةٍ واحدةٍ معلومُ الانتفاء.
ويلي هذا القول مذهب مَن يَقِفُ الفرقةَ على انقضاء العدَّة مع ما فيه (٧)، إذ فيه آثارٌ ولو كانت منقطعةً، ولو صحَّت لم يجز القولُ بغيرها.
стр. 3056
قال ابن شبرمة: كان النَّاس على عهد رسول الله ﷺ يُسْلِم الرَّجلُ قبل المرأة، والمرأةُ قبل الرَّجل، فأيُّهما أسلم قبل انقضاء عدَّة المرأة، فهي امرأته، وإن أسلم بعد العدَّة فلا نكاح بينهما، وقد تقدَّم قولُ الترمذي في أوَّل الفصل (١)، وما حكاه ابن حزمٍ عن عمر، فما أدري من أين حكاه؟ والمعروف عنه خلافه، فإنَّه ثبت عنه من طريق حمَّاد بن سلمة عن أيوب وقتادة كلاهما عن ابن سيرين، عن عبد الله بن يزيد الخَطْميِّ: أنَّ نصرانيًّا أسلمت امرأتُه فخيَّرها عمر بن الخطَّاب إن شاءت فارقَتْه، وإن شاءت أقامت عليه (٢). ومعلومٌ بالضَّرورة أنَّه إنَّما خيَّرها بين انتظاره إلى أن يسلم فتكون زوجته كما هي أو تفارقه.
وكذلك صحَّ عنه: أنَّ نصرانيًّا أسلمت امرأتُه، فقال عمر ﵁: إن أسلم فهي امرأته، وإن لم يسلم فُرِّق بينهما؛ فلم يُسلم، ففرَّق بينهما (٣).
وكذلك قال لعُبادة بن النعمان التّغْلبي وقد أسلمَتْ امرأته: إمَّا أن تسلم، وإلَّا نزعْتُها منك، فأبى فنزعها منه (٤).
стр. 3057
فهذه الآثار صريحةٌ في خلاف ما حكاه أبو محمَّد بن حزمٍ عنه، وهو حكاها وجعلها رواياتٍ أخر، وإنَّما تمسَّك أبو محمد بآثارٍ فيها أنَّ عمر وابن عبَّاسٍ وجابرًا (١) فرَّقوا بين الرَّجل وبين امرأته بالإسلام، وهي آثارٌ مجملةٌ ليست بصريحةٍ في تعجيل التَّفرقة ولو صحَّت، فقد صحَّ عن عمر ما حكيناه، وعن علي ما تقدَّم، وباللَّه التَّوفيق.
فصل
في حُكْمه ﷺ في العَزْل
ثبت في «الصَّحيحين» (٢) عن أبي سعيد قال: أصبنا سَبْيًا، فكنَّا نعزل، فسألنا رسولَ الله ﷺ فقال: «أو إنَّكم لتفعلون؟ ــ قالها ثلاثًا ــ ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلا وهي كائنةٌ».
وفي «السُّنن» (٣) عنه: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ لي جاريةً وأنا أعزل
стр. 3058
عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرِّجال، وإنَّ اليهودَ تحدِّث أنَّ العزلَ الموءودةُ الصُّغرى، قال: «كذَبَتْ يهودُ، لو أراد الله أن يخلُقَه ما استطعْتَ أن تصرفه».
وفي «الصَّحيحين» (١) عن جابر قال: «كنَّا نعزِلُ على عهد رسول الله ﷺ والقرآنُ ينزل».
وفي «صحيح مسلم» (٢) عنه: «كنَّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسولُ الله ﷺ فلم ينهنا».
وفي «صحيح مسلم» (٣) أيضًا عنه قال: سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ فقال: إنَّ عندي جاريةً، وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ ذلك لا يمنع شيئًا أراده الله». قال: فجاء الرَّجل فقال: يا رسول الله، إنَّ الجارية التي كنتُ ذكرتُها لك حَمَلت، فقال رسول الله ﷺ : «أنا عبد الله ورسوله».
وفي «صحيح مسلم» (٤) أيضًا عن أسامة بن زيدٍ: أنَّ رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إنِّي أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﷺ : «لِمَ تفعلُ ذلك؟»، فقال الرَّجل: أشفقُ على ولدها، أو على أولادها، فقال رسول الله ﷺ : «لو كان ضارًّا ضرَّ فارسَ والرُّوم».
وفي «مسند أحمد» و «سنن ابن ماجه» (٥) من حديث عمر بن الخطَّاب
стр. 3059
قال: «نهى رسولُ الله ﷺ أن يُعْزَل عن الحرَّة إلا بإذنها».
وقال أبو داود (١): سمعت أبا عبد الله ذكرَ حديثَ ابنِ لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزُّهريِّ، عن المحرَّر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُعْزَل عن الحرَّة إلا بإذنها» فقال: ما أَنْكَره.
فهذه الأحاديث صريحةٌ في جواز العزل، وقد رُويت الرُّخصة فيه عن عشرةٍ من الصَّحابة: عليّ (٢)، وسعد بن أبي وقَّاصٍ (٣)، وأبي أيوب (٤)،
стр. 3060
وزيد بن ثابتٍ (١)، وجابر (٢)، وابن عبَّاسٍ (٣)، والحَسَن بن عليّ (٤)، وخبَّاب بن الأرتِّ (٥)،
وأبي سعيدٍ الخدريِّ (٦)، وابن مسعودٍ (٧).
قال ابن حزمٍ (٨): وجاءت الإباحة للعزل صحيحةً عن جابر وابن
стр. 3061
عبَّاسٍ وسعد بن أبي وقَّاصٍ وزيد بن ثابتٍ وابن مسعودٍ. وهذا هو الصَّحيح.
وحرَّمه جماعةٌ منهم أبو محمد ابن حزم وغيره (١).
وفرَّقت طائفةٌ بين أن تأذن له الحرَّة، فيباح أو لا تأذن فيحرم، وإن كانت زوجته أمةً أبيح بإذن سيِّدها، ولم يبح بدون إذنه، وهذا منصوص أحمد، ومن أصحابه من قال: لا يباح بحالٍ. ومنهم من قال: يباح بكلِّ حالٍ. ومنهم من قال: يباح بإذن الزَّوجة حرَّةً كانت أو أمةً ولا يباح بدون إذنها حرَّةً كانت أو أمةً (٢).
فمن أباحه مطلقًا احتجَّ بما ذكرنا من الأحاديث، وبأنَّ حقَّ المرأة في ذوقِ العُسَيلة لا في الإنزال، ومَن حرَّمه مطلقًا احتجَّ بما رواه مسلم في «صحيحه» (٣) من حديث عائشة عن جُدامة (٤) بنت وهب أخت عُكّاشة قالت: «حضرْتُ رسولَ الله ﷺ في أناسٍ فسألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : «ذلك الوأد الخفيُّ، وهي (٥) ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]».
стр. 3062
قالوا: وهذا ناسخٌ لأخبار الإباحة فإنَّه ناقلٌ عن الأصل، وأحاديث الإباحة على وَفْق البراءة الأصليَّة، وأحكام الشَّرع ناقلةٌ عن البراءة (١). قالوا: وقول جابر: «كنَّا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيء يُنهى عنه لنهى عنه القرآن».
فيقال: قد نهى عنه مَن أُنزِل عليه القرآنُ بقوله: «إنَّه الموءودة الصُّغرى» والوأد كلُّه حرامٌ. قالوا: وقد فهم الحسن البصريُّ النَّهي من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ لمَّا ذُكِر العزلُ عند رسولِ الله ﷺ قال: «لا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم، فإنَّما هو القَدَر». قال ابن عون: فحدَّثتُ به الحسنَ فقال: فوالله لكأنَّ هذا زجرٌ (٢).
قالوا: ولأنَّ فيه قطع النَّسل المطلوب من النِّكاح وسوء العشرة وقطع اللَّذَّة عند استدعاء الطَّبيعة لها.
قالوا: ولهذا كان ابن عمر لا يعزل، وقال: لو علمتُ أنَّ أحدًا من ولدي يعزل لنكَّلتُه (٣).
وكان عليٌّ يكره العزلَ، ذَكَره شعبة عن عاصم عن زِرٍّ عنه (٤). وصحَّ عن
стр. 3063
ابن مسعودٍ أنَّه قال في العزل: هي (١) الموءودة الصُّغرى (٢). وصحَّ عن أبي أمامة أنَّه سئل عنه، فقال: ما كنت أرى مسلمًا يفعله (٣). وقال نافع عن ابن عمر: ضربَ عمرُ على العزل بعضَ بنيه (٤).
وقال يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ عن سعيد بن المسيَّب قال: كان عمر وعثمان ينهيان عن العزل (٥).
وليس في هذا ما يعارض أحاديثَ الإباحة مع صراحتها وصحَّتها، أمَّا حديث جدامة بنت وهب، فإنَّه وإن كان قد رواه مسلم، فإنَّ الأحاديث الكثيرة على خلافه، وقد قال أبو داود (٦): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا
стр. 3064
أبان، حدَّثنا يحيى أنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدَّثه أنَّ رفاعة حدَّثه عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ لي جاريةً وأنا أعْزِل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرِّجال، وإنَّ اليهود تحدِّث أنَّ العزلَ الموءودةُ الصُّغرى. قال: «كذبَتْ يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعْتَ أن تصرفه».
وحسبك بهذا الإسناد صحَّةً، فكلُّهم ثقاتٌ حُفَّاظ.
وقد أعلَّه بعضُهم بأنَّه مضطربٌ؛ فإنَّه اخْتُلف فيه على يحيى بن أبي كثيرٍ، فقيل: عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله. ومن هذه الطَّريق أخرجه الترمذي والنَّسائيُّ (١).
وقيل فيه: عن أبي مُطيع بن رِفاعة، وقيل: عن أبي رفاعة، وقيل: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا لا يقدح في الحديث، فإنَّه قد يكون عند يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر، وعنده عن ابن (٢) ثوبان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعنده عن ابن (٣) ثوبان، عن رفاعة عن أبي سعيد. ويبقى الاختلاف في اسم رفاعة، هل هو أبو رفاعة أو ابن رفاعة أو أبو مطيع (٤)؟ وهذا لا يضرُّ مع العلم بحال رفاعة.
стр. 3065
ولا ريب أنَّ أحاديث جابر صريحةٌ صحيحةٌ في جواز العزل، وقد قال الشَّافعيُّ (١): ونحن نروي عن عددٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ أنَّهم رخَّصوا في ذلك ولم يروا به بأسًا. قال البيهقي (٢): وقد رُوِّينا الرُّخصةَ فيه عن سعد بن أبي وقَّاصٍ وأبي أيُّوب الأنصاريِّ وزيد بن ثابتٍ وابن عبَّاسٍ وغيرهم (٣)، وهو مذهب مالك والشَّافعيِّ وأهل الكوفة وجمهور أهل العلم (٤).
وقد أجيب عن حديث جدامة بأنَّه على طريق التَّنزيه، وضعَّفته طائفةٌ، وقالت: كيف يصحُّ أن يكون النَّبيُّ ﷺ كذَّب اليهودَ عن (٥) ذلك ثمَّ يخبر به كخبرهم؟! هذا مِن المُحال البيِّن.
وردَّت عليه طائفةٌ أخرى، وقالوا: حديث تكذيبهم فيه اضطرابٌ وحديث جدامة في «الصَّحيح».
وجمعت طائفةٌ أخرى بين الحديثين، وقالت: إنَّ اليهود كانت تقول: إنَّ العزل لا يكون معه حملٌ أصلًا، فكذَّبهم رسولُ الله ﷺ في ذلك، ويدلُّ عليه قوله ﷺ : «لو أراد الله أن يخلقه لما استطعت أن تصرفه»، وقوله: «إنَّه الوأد الخفيُّ» فإنَّه وإن لم يمنع الحمل بالكلِّيَّة كترك الوطء فهو مؤثِّرٌ في تقليله.
стр. 3066
وقالت طائفةٌ أخرى: الحديثان صحيحان، ولكن حديث التَّحريم ناسخٌ، وهذه طريقة أبي محمد ابن حزم (١) وغيره. قالوا: لأنَّه ناقلٌ عن الأصل، والأحكام كانت قبل التَّحريم على الإباحة. ودعوى هؤلاء تحتاج إلى تاريخٍ محقَّقٍ يبيِّن تأخُّر أحد الحديثين عن الآخر، وأنَّى لهم به!
وقد اتَّفق عمر وعلي على أنَّها لا تكون موءودةً حتَّى تمرَّ عليها التَّارات السَّبع، فروى القاضي أبو يعلى وغيره (٢) بإسناده عن عُبيد بن رفاعة عن أبيه قال: جلس إلى عمر عليٌّ والزبيرُ وسعدٌ في نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكروا العزلَ، فقالوا: لا بأس به. فقال رجلٌ: إنَّهم يزعمون أنَّها الموءودة الصُّغرى، فقال علي: لا تكون موءودة حتَّى تمرَّ عليها التَّارات السَّبع حتَّى تكون من سلالةٍ من طينٍ، ثمَّ تكون نطفةً، ثمَّ تكون علقةً، ثمَّ تكون مضغةً، ثمَّ تكون عظمًا (٣)، ثمَّ تكون لحمًا، ثمَّ تكون خلقًا آخر، فقال عمر: صدقتَ أطال الله بقاءك. وبهذا احتجَّ من احتجَّ على جواز الدُّعاء للرَّجل بطول البقاء.
стр. 3067
وأمَّا من جوَّزه بإذن الحرَّة فقال: للمرأة حقٌّ في الولد كما للرَّجل حقٌّ فيه، ولهذا كانت أحقَّ بحضانته، قالوا: ولم يعتبر إذن السُّرِّيَّة فيه؛ لأنَّها لا حقَّ لها في القَسْم ولهذا لا يُطالب (١) بالفيئة. ولو كان لها حقٌّ في الوطء لطولب المولي منها بالفيئة.
قالوا: وأمَّا زوجته الرَّقيقة فله أن يعزل عنها بغير إذنها صيانةً لولده عن الرِّقِّ، ولكن يعتبر إذن سيِّدها؛ لأنَّ له حقًّا (٢) في الولد، فاعْتُبِر إذنُه في العزل كالحرَّة، ولأنَّ بدَل البضع يحصل للسَّيِّد كما يحصل للحرَّة، فكان إذنه في العزل كإذن الحرَّة.
قال أحمد في رواية أبي طالب في الأَمَة إذا نكحها: يستأذن أهلها، يعني في العزل؛ لأنَّهم يريدون الولد والمرأة لها حقٌّ، تريد الولد وملك يمينه لا يستأذنها.
وقال في رواية صالح وابن منصور (٣) وحنبل وأبي الحارث والفضل ابن زياد والمرُّوذي: يعزل عن الحرَّة بإذنها، والأمة بغير إذنها، يعني: أمته.
وقال في رواية ابن هانئ (٤): إذا عزل عنها لزمه الولد، قد يكون الولد مع العزل. وقد قال بعض من قال: ما لي ولدٌ إلا من العزل. وقال في رواية
стр. 3068
المرُّوذي في العزل عن أمِّ الولد: إن شاء، فإن (١) قالت له (٢): لا يحلُّ لك؟ ليس لها ذلك.
فصل
في حكمه ﷺ في الغَيْل، وهو وطء المرضعة
ثبت عنه في «صحيح مسلم» (٣): أنَّه قال: «لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيْلة حتَّى ذكرتُ أنَّ الرُّوم وفارس يصنعون ذلك فلا يضرُّ أولادَهم».
وفي «سنن أبي داود» (٤) عنه من حديث أسماء بنت يزيد: «لا تقتلوا أولادَكم سرًّا، فوالَّذي نفسي بيده، إنَّه ليدرك الفارس فيدَعْثِره». قال: قلت: ما يعني؟ قالت (٥): الغِيْلة يأتي الرَّجل امرأته وهي تُرضع.
قلت: أمَّا الحديث الأوَّل فهو حديث جدامة بنت وهب، وقد تضمَّن أمرين لكلٍّ منهما معارضٌ، فصَدْرُه هو الذي تقدَّم: «لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيْلة» وقد عارضه حديث أسماء. وعجزُه: ثمَّ سألوه عن العزل، فقال:
стр. 3069
«ذلك الوأد الخفيُّ». وقد عارضه حديثُ أبي سعيد: «كذبَتْ يهودُ»، وقد يقال: إنَّ قوله: «لا تقتلوا أولادكم سرًّا» نهيٌ أن يتسبَّب إلى ذلك، فإنَّه شبَّه الغَيْلَ بقتل الولد، وليس بقتلٍ حقيقةً، وإلَّا كان من الكبائر، وكان قرين الإشراك باللَّه.
ولا ريب أنَّ وطء المراضع ممَّا تعمُّ به البلوى، ويتعذُّر على الرَّجل الصَّبرُ عن امرأته مدَّة الرَّضاع، ولو كان وطؤهنَّ حرامًا لكان معلومًا من الدِّين، وكان بيانه من أهمِّ الأمور، ولم تهمله الأمَّة وخير القرون، ولا يصرِّح أحدٌ منهم بتحريمه، فعُلِم أنَّ حديث أسماء على وجه الإرشاد والاحتياط للولد، وأن لا يعرِّضه لفساد اللَّبن بالحمل الطَّارئ عليه، ولهذا كان عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم غيرَ أمَّهاتهم. والمنعُ منه غايته أن يكون من باب سدِّ الذَّرائع التي قد تفضي إلى الإضرار بالولد، وقاعدة باب سدِّ الذَّرائع: أنه إذا عارضه مصلحةٌ راجحةٌ قُدِّمت عليه، كما تقدَّم بيانه مرارًا، والله أعلم.
فصل
في حُكْمه ﷺ في قَسْم الابتداء والدوام بين الزوجات
ثبت في «الصَّحيحين» (١): عن أنس أنَّه قال: «من السُّنَّة إذا تزوَّج الرَّجلُ البكرَ على الثَّيِّب، أقام عندها سبعًا وقَسَم، وإذا تزوَّج الثَّيِّب، أقام عندها ثلاثًا، ثمَّ قَسَم». قال أبو قِلابة: ولو شئت لقلت إنَّ أنسًا رفعه إلى النَّبيِّ ﷺ .
стр. 3070
وهذا الذي قاله أبو قِلابة، قد جاء مصرَّحًا به عن أنس، كما رواه البزار في «مسنده» (١) من طريق أيُّوب السَّختياني عن أبي قلابة عن أنس أنَّ النبيَّ ﷺ جعل للبكر سبعًا وللثَّيِّب ثلاثًا.
وروى الثَّوريُّ عن أيوب وخالدٍ الحذَّاء كلاهما عن أبي قلابة عن أنس، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا تزوَّج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوَّج الثَّيِّب أقام عندها ثلاثًا» (٢).
وفي «صحيح مسلم» (٣): أن أم سلمة لمَّا تزوَّجها رسول الله ﷺ فدخل عليها أقام عندها ثلاثًا ثمَّ قال: «إنَّه ليس بكِ على أهلك هوانٌ، إن شئت سبَّعت لكِ، وإن سبَّعت لكِ سبَّعت لنسائي».
وله في لفظٍ (٤): لمَّا أراد أن يخرج أخذَتْ بثوبه فقال: «إن شئتِ زدْتُكِ وحاسبتُكِ به، للبِكْر سبعٌ وللثَّيِّب ثلاثٌ».
стр. 3071
وفي «السُّنن» (١): عن عائشة كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل ويقول: «اللَّهمَّ هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني القلب.
وفي «الصَّحيحين» (٢): «أنَّه ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيَّتهنَّ خرجَ سهمُها خرج بها معه».
وفي «الصَّحيحين» (٣): «أنَّ سودة وهبَتْ يومَها لعائشة، وكان النَّبيُّ ﷺ يقسم لعائشةَ يومَها ويومَ سودة».
وفي «السُّنن» (٤) عن عائشة: كان النَّبيُّ ﷺ لا يفضِّل بعضنا على بعضٍ
стр. 3072
في القَسْم مِن مُكْثه عندنا، وكان قلَّ يومٌ إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كلِّ امرأةٍ من غير مسيسٍ حتَّى يبلغ إلى التي هو في يومها فيبيتُ عندها.
وفي «صحيح مسلم» (١): «إنَّهنَّ كنَّ يجتمعن كلَّ ليلةٍ في بيت التي يأتيها».
وفي «الصَّحيحين» (٢) عن عائشة في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]: أُنزلَتْ في المرأة تكون عند الرَّجل فتطول صحبتُها فيريد طلاقَها، فتقول: لا تطلِّقني وأمسكني، وأنت في حلٍّ من النَّفقة عليَّ والقَسْم لي، فذلك قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا (٣) بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
وقضى خليفته الرَّاشد وابن عمِّه عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ أنَّه إذا تزوَّج الحرَّة على الأمة قسم للأمة ليلةً، وللحرَّة ليلتين (٤).
وقضاءُ خلفائه وإن لم يكن مساويًا لقضائه، فهو كقضائه في وجوبه على
стр. 3073
الأمة، وقد احتجَّ الإمام أحمد بهذا القضاء عن علي، وضعَّفه أبو محمَّد بن حزمٍ (١) بالمنهال بن عمرو، وبابن أبي ليلى، ولم يصنع شيئًا، فإنَّهما ثقتان حافظان جليلان، ولم يزل النَّاسُ يحتجُّون بابن أبي ليلى على شيءٍ ما في حفظه يُتَّقى منه ما خالف فيه الأثبات وما تفرَّد به عن النَّاس، وإلَّا فهو غير مدفوعٍ عن الأمانة والصَّدق.
فتضمَّن هذا القضاء أمورًا:
منها: وجوب قَسْم الابتداء، وهو أنَّه إذا تزوَّج بكرًا على ثيِّبٍ، أقام عندها سبعًا ثمَّ سوَّى بينهما (٢)، وإن كانت ثيِّبًا خيَّرها بين أن يقيم عندها سبعًا، ثمَّ يقضيها للبواقي، وبين أن يقيم عندها ثلاثًا ولا يحاسبها بها (٣)، هذا قول الجمهور، وخالف فيه إمام أهل الرَّأي وإمام أهل الظَّاهر (٤)، وقالوا: لا حقَّ للجديدة غير ما تستحقُّه التي عنده، فيجب عليه التَّسوية بينهما.
ومنها: أنَّ الثَّيِّب إذا اختارت السَّبعَ قضاهنَّ للبواقي، واحتسب عليها بالثَّلاث، ولو اختارت الثَّلاث لم يحتسب عليها بها، وعلى هذا فمن سُومح بثلاثٍ دون ما فوقها ففعل أكثر منها، دخلت الثَّلاثُ في الذي لم يسامح به، بحيث لو ترتَّب عليه إثْمٌ تمَّ (٥) على الجميع. وهذا كما رخَّص النَّبيُّ ﷺ
стр. 3074
للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثًا (١). فلو أقام أبدًا ذُمَّ على الإقامة كلِّها.
ومنها: أنَّه لا تجب التَّسوية بين النِّساء في المحبَّة فإنَّها لا تُمْلَك، وكانت عائشة أحبَّ نسائه إليه. وأُخِذ من هذا أنَّه لا تجب التَّسوية بينهنَّ في الوطء لأنَّه موقوفٌ على المحبَّة والميل، وهي بيد مقلِّب القلوب.
وفي هذا تفصيلٌ: وهو أنَّه إن تركه لعدم الدَّاعي إليه وعدم الانتشار فهو معذورٌ، وإن تركه مع الدَّاعي إليه، ولكنَّ داعيه إلى الضَّرَّة أقوى، فهذا ممَّا يدخل تحت قدرته وملكه، فإن أدَّى الواجبَ عليه منه، لم يبق لها حقٌّ، ولم يلزمه التَّسوية، وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به.
ومنها: إذا أراد السَّفر لم يجز له أن يسافر بإحداهنَّ (٢) إلا بقرعةٍ.
ومنها: أنَّه لا يقضي للبواقي إذا قَدِم، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يكن يقضي للبواقي.
وفي هذا ثلاثة مذاهب (٣):
أحدها: أنَّه لا يقضي سواءٌ أقرع أو لم يقرع، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
والثَّاني: أنَّه يقضي للبواقي أقرع أو لم يقرع، وهذا مذهب أهل الظَّاهر.
стр. 3075
والثَّالث: أنَّه إن أقرع لم يقض، وإن لم يقرع قضى، وهذا قول أحمد والشَّافعيِّ.
ومنها: أنَّ للمرأة أن تهب ليلتها لضرَّتها، فلا يجوز له جَعْلها لغير الموهوبة، وإن وهبتها للزَّوج، فله جَعْلها لمن شاء منهنَّ، والفرق بينهما: أنَّ اللَّيلة حقٌّ للمرأة، فإذا أسقطَتْها وجعلتها لضرَّتها تعيَّنت لها، وإذا جعلتها للزَّوج جعلها لمن شاء من نسائه، فإذا اتَّفق أن تكون ليلةُ الواهبة تلي ليلة الموهوبة، قسم لها ليلتين متواليتين، وإن كانت لا تليها فهل له نقلُها إلى مجاورها (١) فيجعل اللَّيلتين متجاورتين؟ على قولين للفقهاء وهما في مذهب أحمد والشَّافعيِّ (٢).
ومنها: أنَّ الرَّجل له أن (٣) يدخل على نسائه كلِّهنَّ في يوم إحداهنَّ، ولكن لا يطؤها في غير نوبتها.
ومنها: أنَّ لنسائه كلِّهنَّ أن يجتمعن في بيت صاحبة النَّوبة يتحدَّثن إلى أن يجيء وقت النَّوم، فتؤوب كلُّ واحدةٍ إلى منزلها.
ومنها: أنَّ الرَّجل إذا قضى وطرًا من امرأته، وكرهتها نفسُه، أو عَجَز عن حقوقها، فله أن يطلِّقها، وله أن يخيِّرها إن شاءت أقامت عنده، ولا حقَّ لها في القَسْم والوطء والنَّفقة، أو في بعض ذلك بحسب ما يصطلحان عليه، فإذا رضيت بذلك، لزم، وليس لها المطالبة به بعد الرِّضى.
стр. 3076
هذا موجب السُّنَّة ومقتضاها، وهو الصَّواب الذي لا يسوغُ غيرُه. وقولُ مَن قال: إنَّ حقَّها يتجدَّد، فلها الرُّجوع في ذلك متى شاءت فاسدٌ، فإنَّ هذا خرج مخرج المعاوضة وقد سمَّاه الله سبحانه: صُلحًا، فيلزم كما يلزم ما صالح عليه من الحقوق والأموال، ولو مُكِّنت من طلب حقِّها بعد ذلك، لكان فيه تأخير الضَّرر إلى أكمل حالتيه، ولم يكن صُلحًا، بل كان مِن أقرب أسباب المعاداة، والشَّريعةُ منزَّهةٌ عن ذلك، ومن علامات المنافق أنَّه إذا وعد أخلَف وإذا عاهد غدر، والقضاء النَّبويُّ يردُّ هذا.
ومنها: أنَّ الأمة المزوَّجة على النِّصف من الحرَّة كما قضى به أميرُ المؤمنين عليٌّ، ولا يُعرَف له في الصَّحابة مخالفٌ، وهو قول جمهور الفقهاء إلا روايةً عن مالك أنَّهما سواءٌ، وبها قال أهل الظَّاهر (١). وقول الجمهور هو الذي يقتضيه العدل، فإنَّ الله سبحانه لم يسوِّ بين الحرَّة والأمة لا في الطَّلاق، ولا في العدَّة، ولا في الحدِّ، ولا في الملك، ولا في الميراث، ولا في الحجِّ، ولا في مدَّة الكون عند الزَّوج ليلًا ونهارًا، ولا في أصل النِّكاح ــ بل جعل نكاحها بمنزلة الضَّرورة ــ ولا في عدد المنكوحات، فإنَّ العبد لا يتزوَّج أكثر من اثنتين، هذا قول الجمهور. وروى الإمام أحمد (٢) بإسناده عن عمر بن
стр. 3077
الخطَّاب قال: يتزوَّج العبد ثنتين ويطلِّق ثنتين (١) وتعتدُّ امرأته حيضتين. واحتجَّ به أحمد (٢). ورواه أبو بكر عبد العزيز (٣)
عن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: لا يحلُّ للعبد من النِّساء إلا ثنتان (٤).
وروى الإمام أحمد (٥) بإسناده عن محمَّد بن سيرين قال: سأل عمر النَّاس كم يتزوَّج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: ثنتين وطلاقه ثنتين. فهذا عمر وعليّ وعبد الرحمن، ولا يُعرَف لهم مخالفٌ في الصَّحابة، مع انتشار هذا القول وظهوره وموافقته للقياس. وبالله التوفيق.
فصل
في قضائه ﷺ في تحريم وطء المرأة الحُبْلى من غير الواطئ
ثبت في «صحيح مسلم» (٦): من حديث أبي الدَّرداء: أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ على باب فسطاطٍ، فقال: «لعلَّه يريد أن يلمَّ بها». فقالوا: نعم،
стр. 3078
فقال رسول الله ﷺ : «لقد هممتُ أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يورِّثه وهو لا يحلُّ له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحلُّ له؟».
قال أبو محمد ابن حزم (١): لا يصحُّ في تحريم وطء الحامل خبرٌ غير هذا. انتهى.
وقد روى أهل «السُّنن» (٢) من حديث أبي سعيد: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في سبايا أوطاسٍ: «لا توطأ حاملٌ حتَّى تضع، ولا غير حاملٍ حتى تحيض حيضةً».
وفي الترمذي (٣) وغيره من حديث رُويفع بن ثابتٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءَه ولدَ غيرِه». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
وفيه (٤) عن العِرْباض بن سارية: أنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم وطء السَّبايا حتَّى يضعن ما في بطونهنَّ.
وقوله ﷺ : «كيف يورِّثه وهو لا يحلُّ له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحلُّ له» كان شيخنا يقول فيه (٥): معناه كيف يجعله عبدًا موروثًا عنه ويستخدمه
стр. 3079
استخدام العبيد وهو ولده؛ لأنَّ وطأه زاد في خلقه (١).
قال الإمام أحمد (٢): الوطء يزيد في سمعه وبصره. قال فيمن اشترى جاريةً حاملًا من غيره فوطئها قبل وضعها: فإنَّ الولد لا يلحق بالمشتري ولا يتبعه، لكن يعتقه لأنَّه قد شرك فيه لأنَّ الماء يزيد في الولد (٣). وقد رُوي عن أبي الدَّرداء عن النَّبيِّ ﷺ : أنه مرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ على باب فسطاطٍ، فقال: «لعلَّه يريد أن يلمَّ بها» (٤) وذَكَر الحديث. يعني: أنَّه إن استلحقه وشَرِكَه في ميراثه، لم يحلَّ له لأنَّه ليس بولده، وإن أخذه مملوكًا يستخدمه، لم يحلَّ له لأنَّه قد شَرِك فيه لكون الماء يزيد في الولد (٥).
وفي هذا دلالةٌ ظاهرةٌ على تحريم نكاح الحامل سواءٌ كان حملها من زوجٍ أو سيِّدٍ أو شبهةٍ أو زنًا، وهذا لا خلاف فيه إلا فيما إذا كان الحَمْل من زنًا، ففي صحَّة العقد قولان، أحدهما: بطلانه وهو مذهب أحمد ومالك. والثَّاني: صحَّته وهو مذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ، ثمَّ اختلفا فمنع أبو حنيفة من الوطء حتَّى تنقضي العدَّة، وكرهه الشَّافعيُّ، وقال أصحابه: لا يحرم (٦).
стр. 3080
فصل
في حُكْمه ﷺ في الرجل يُعتق أمته ويجعل عتقها صَداقها
ثبت عنه في «الصَّحيح» (١): أنَّه أعتق صفيةَ وجعل عتقها صَداقها. قيل لأنسٍ: ما أصدقها؟ قال: «أصدقَها نفسَها». وذهب إلى جواز ذلك عليُّ بن أبي طالبٍ، وفَعَله أنسُ بن مالكٍ، وهو مذهب أعلم التَّابعين وسيِّدهم سعيد بن المسيَّب، وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن والحسن البصريِّ والزُّهريِّ، وأحمد وإسحاق (٢).
وعن أحمد روايةٌ أخرى أنَّه لا يصحُّ حتَّى يستأنف نكاحها بإذنها، فإن أبت (٣) فعليها قيمتها (٤).
وعنه روايةٌ ثالثةٌ أنَّه يوكِّل رجلًا يزوِّجه إيَّاها (٥).
والصَّحيح هو القول الأوَّل الموافق للسُّنَّة وأقوال الصَّحابة والقياس، فإنَّه كان يملك رقبتها ومنفعتها (٦)، فأزالَ ملكَه عن رقبتها وأبقى ملك المنفعة بعقد النِّكاح، فهو أولى بالجواز ممَّا لو أعتقها واستثنى خدمتها. وقد
стр. 3081
تقدَّم تقرير ذلك في غزاة خيبر (١).
فصل
في قضائه ﷺ في صحة النكاح الموقوف على الإجازة
في «السُّنن» (٢): عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ جاريةً بكرًا أتت النبيَّ ﷺ فذكرت أنَّ أباها زوَّجها وهي كارهةٌ فخيَّرها النَّبيُّ ﷺ .
وقد نصَّ الإمام أحمد على القول بمقتضى هذا، فقال في رواية صالح (٣) في صغيرٍ زوَّجه عمُّه قال: إن رضي به في وقتٍ من الأوقات جاز، وإن لم يرض فسخ.
ونقل عنه ابنُه عبدُ الله (٤) إذا زوِّجت اليتيمة، فإذا بلغت فلها الخيار.
وكذلك نقلَ ابنُ منصور (٥) عنه، حكى له قولَ سفيان في يتيمةٍ زُوِّجت ودخل بها الزَّوجُ، ثمَّ حاضت عند الزَّوج بعدُ، قال: تُخَيَّر، فإن اختارت نفسها لم يقع التَّزويج، وهي أحقُّ بنفسها، وإن قالت: اخترتُ زوجي، فليشهد وهما (٦) على نكاحهما. قال أحمد: جيِّدٌ.
وقال في رواية حنبل في العبد إذا تزوَّج بغير إذن سيِّده ثمَّ علم السَّيِّد
стр. 3082
بذلك: فإن شاء أن يطلِّق (١) عليه، فالطَّلاق بيد السَّيِّد، وإذا أذن له في التَّزويج، فالطَّلاق بيد العبد (٢).
ومعنى قوله «يطلِّق»، أي: يبطل العقد ويمنع تنفيذه وإجازته، هكذا أوَّله القاضي، وهو خلاف ظاهر النَّصِّ (٣)، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك على تفصيلٍ في مذهبه (٤)، والقياس يقتضي صحَّة هذا القول، فإنَّ الإذن إذا جاز أن يتقدَّم القبول والإيجاب جاز أن يتراخى عنه.
وأيضًا: فإنَّه كما يجوز وقفه على الفسخ يجوز وقفُه على الإجازة كالوصيَّة، ولأنَّ المعتبر هو التَّراضي وحصوله في ثاني الحال كحصوله في الأوَّل، ولأنَّ إثبات الخيار في عقد البيع هو وقفٌ للعقد في الحقيقة على إجازة مَن له الخيارُ وردُّه، وباللَّه التَّوفيق.
فصل
في حُكْمه ﷺ في الكفاءة في النكاح
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
стр. 3083
[الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقال ﷺ : «لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتَّقوى، النَّاسُ من آدم، وآدم من ترابٍ» (١).
وقال ﷺ : «إنَّ آل بني فلانٍ ليسوا لي بأولياء، إنَّ أوليائي المتَّقون حيث كانوا ومَن كانوا» (٢).
وفي الترمذي (٣): عنه ﷺ «إذا جاءكم مَن ترضونَ دينَه وخُلُقَه فأنكحوه،
стр. 3084
إلا تفعلوا (١) تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ»، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ فقال: «إذا جاءكم مَن ترضونَ دينَه وخُلُقَه فأنكحوه» ثلاث مرَّاتٍ.
وقال لبني بياضة: «أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه» (٢) وكان حجَّامًا.
وزوَّج النَّبيُّ ﷺ زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه (٣)، وزوَّج فاطمةَ بنت قيس الفِهْرية القرشية مِن أسامةَ ابنِه (٤). وتزوَّج بلالُ بن رباحٍ بأخت عبد الرَّحمن بن عوفٍ (٥)، وقد قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
стр. 3085
فالَّذي يقتضيه حكمُه ﷺ اعتبار الدِّين في الكفاءة أصلًا وكمالًا، فلا تزوَّج مسلمةٌ بكافرٍ، ولا عفيفةٌ بفاجرٍ، ولم يعتبر القرآنُ والسُّنَّةُ في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنَّه حرَّم على المسلمة نكاح الزَّاني الخبيث، ولم يعتبر نسبًا ولا صناعةً ولا غنًى ولا حرِّيَّةً، فجوَّز للعبد القنِّ نكاح الحرَّة النَّسيبة الغنيَّة (١)، إذا كان عفيفًا مسلمًا، وجوَّز لغير القرشيِّين نكاح القرشيَّات، ولغير الهاشميِّين نكاح الهاشميَّات، وللفقراء نكاح الموسرات.
وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة، فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنِّها الدِّين، وفي روايةٍ عنه: إنِّها ثلاثةٌ: الدِّين والحرِّيَّة والسَّلامة من العيوب (٢).
وقال أبو حنيفة: هي النَّسب والدِّين (٣).
وقال أحمد في روايةٍ عنه: هي الدِّين والنَّسب خاصَّةً. وفي أخرى: هي خمسةٌ: الدِّين والنَّسب والحرِّيَّة والصِّناعة والمال (٤). وإذا اعتبر فيها النَّسب فعنه فيه روايتان: إحداهما: أنَّ العرب بعضهم لبعضٍ أَكْفاءٌ. والثَّانية: أنَّ قريشًا لا يكافئهم إلا قرشيٌّ، وبنو هاشمٍ لا يكافئهم إلا هاشميٌّ (٥).
وقال أصحاب الشَّافعيِّ: يعتبر فيها الدِّين والنَّسب والحرِّيَّة والصِّناعة