← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

تقدَّم تقرير ذلك في غزاة خيبر (١). فصل في قضائه ﷺ في صحة النكاح الموقوف على الإجازة في «السُّنن» (٢): عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ جاريةً بكرًا أتت النبيَّ ﷺ فذكرت أنَّ أباها زوَّجها وهي كارهةٌ فخيَّرها النَّبيُّ ﷺ . وقد نصَّ الإمام أحمد على القول بمقتضى هذا، فقال في رواية صالح (٣) في صغيرٍ زوَّجه عمُّه قال: إن رضي به في وقتٍ من الأوقات جاز، وإن لم يرض فسخ. ونقل عنه ابنُه عبدُ الله (٤) إذا زوِّجت اليتيمة، فإذا بلغت فلها الخيار. وكذلك نقلَ ابنُ منصور (٥) عنه، حكى له قولَ سفيان في يتيمةٍ زُوِّجت ودخل بها الزَّوجُ، ثمَّ حاضت عند الزَّوج بعدُ، قال: تُخَيَّر، فإن اختارت نفسها لم يقع التَّزويج، وهي أحقُّ بنفسها، وإن قالت: اخترتُ زوجي، فليشهد وهما (٦) على نكاحهما. قال أحمد: جيِّدٌ. وقال في رواية حنبل في العبد إذا تزوَّج بغير إذن سيِّده ثمَّ علم السَّيِّد

стр. 3082

بذلك: فإن شاء أن يطلِّق (١) عليه، فالطَّلاق بيد السَّيِّد، وإذا أذن له في التَّزويج، فالطَّلاق بيد العبد (٢). ومعنى قوله «يطلِّق»، أي: يبطل العقد ويمنع تنفيذه وإجازته، هكذا أوَّله القاضي، وهو خلاف ظاهر النَّصِّ (٣)، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك على تفصيلٍ في مذهبه (٤)، والقياس يقتضي صحَّة هذا القول، فإنَّ الإذن إذا جاز أن يتقدَّم القبول والإيجاب جاز أن يتراخى عنه. وأيضًا: فإنَّه كما يجوز وقفه على الفسخ يجوز وقفُه على الإجازة كالوصيَّة، ولأنَّ المعتبر هو التَّراضي وحصوله في ثاني الحال كحصوله في الأوَّل، ولأنَّ إثبات الخيار في عقد البيع هو وقفٌ للعقد في الحقيقة على إجازة مَن له الخيارُ وردُّه، وباللَّه التَّوفيق. فصل في حُكْمه ﷺ في الكفاءة في النكاح قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

стр. 3083

[الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. وقال ﷺ : «لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتَّقوى، النَّاسُ من آدم، وآدم من ترابٍ» (١). وقال ﷺ : «إنَّ آل بني فلانٍ ليسوا لي بأولياء، إنَّ أوليائي المتَّقون حيث كانوا ومَن كانوا» (٢). وفي الترمذي (٣): عنه ﷺ «إذا جاءكم مَن ترضونَ دينَه وخُلُقَه فأنكحوه،

стр. 3084

إلا تفعلوا (١) تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ»، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ فقال: «إذا جاءكم مَن ترضونَ دينَه وخُلُقَه فأنكحوه» ثلاث مرَّاتٍ. وقال لبني بياضة: «أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه» (٢) وكان حجَّامًا. وزوَّج النَّبيُّ ﷺ زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه (٣)، وزوَّج فاطمةَ بنت قيس الفِهْرية القرشية مِن أسامةَ ابنِه (٤). وتزوَّج بلالُ بن رباحٍ بأخت عبد الرَّحمن بن عوفٍ (٥)، وقد قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].

стр. 3085

فالَّذي يقتضيه حكمُه ﷺ اعتبار الدِّين في الكفاءة أصلًا وكمالًا، فلا تزوَّج مسلمةٌ بكافرٍ، ولا عفيفةٌ بفاجرٍ، ولم يعتبر القرآنُ والسُّنَّةُ في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنَّه حرَّم على المسلمة نكاح الزَّاني الخبيث، ولم يعتبر نسبًا ولا صناعةً ولا غنًى ولا حرِّيَّةً، فجوَّز للعبد القنِّ نكاح الحرَّة النَّسيبة الغنيَّة (١)، إذا كان عفيفًا مسلمًا، وجوَّز لغير القرشيِّين نكاح القرشيَّات، ولغير الهاشميِّين نكاح الهاشميَّات، وللفقراء نكاح الموسرات. وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة، فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنِّها الدِّين، وفي روايةٍ عنه: إنِّها ثلاثةٌ: الدِّين والحرِّيَّة والسَّلامة من العيوب (٢). وقال أبو حنيفة: هي النَّسب والدِّين (٣). وقال أحمد في روايةٍ عنه: هي الدِّين والنَّسب خاصَّةً. وفي أخرى: هي خمسةٌ: الدِّين والنَّسب والحرِّيَّة والصِّناعة والمال (٤). وإذا اعتبر فيها النَّسب فعنه فيه روايتان: إحداهما: أنَّ العرب بعضهم لبعضٍ أَكْفاءٌ. والثَّانية: أنَّ قريشًا لا يكافئهم إلا قرشيٌّ، وبنو هاشمٍ لا يكافئهم إلا هاشميٌّ (٥). وقال أصحاب الشَّافعيِّ: يعتبر فيها الدِّين والنَّسب والحرِّيَّة والصِّناعة

стр. 3086

والسَّلامة من العيوب المنفِّرة (١). ولهم في اليسار ثلاثة أوجهٍ (٢): اعتباره فيها، وإلغاؤه، واعتباره في أهل المدن دون أهل البوادي؛ فالعجميُّ ليس عندهم (٣) كُفئًا للعربيِّ، ولا غير القرشيِّ للقرشيَّة، ولا غير الهاشميِّ للهاشميَّة، ولا غير المنتسبة إلى العلماء والصُّلحاء المشهورين كُفئًا لمن ليس منتسبًا إليهما، ولا العبد كُفئًا للحرَّة، ولا العتيق كفئًا لحرَّة الأصل، ولا مَن مسَّ الرِّقُّ أحدَ آبائه كفئًا لمن لم يمسَّها رقٌّ، ولا أحدًا (٤) من آبائها، وفي تأثير رقِّ الأمَّهات وجهان، ولا مَن به عيبٌ مثبتٌ للفسخ كُفئًا للسَّليمة منه، فإن لم يثبت الفسخ وكان منفِّرًا كالعمى والقَطْع، وتشويه الخِلقة، فوجهان: واختار الرُّويانيُّ أنَّ صاحبه ليس بكفءٍ، ولا الحجَّام والحائك والحارس كفئًا لبنت التَّاجر والخيَّاط ونحوهما، ولا المحترف (٥) لبنت العالم، ولا الفاسق كفئًا للعفيفة، ولا المبتدع للسُّنِّيَّة. ولكن الكفاءة عند الجمهور حقٌّ للمرأة والأولياء (٦). ثمَّ اختلفوا فقال أصحاب الشَّافعيِّ: هي لمن له ولايةٌ في الحال. وقال أحمد في روايةٍ: حقٌّ

стр. 3087

لجميع الأولياء، قريبهم وبعيدهم، فمن لم يرض منهم فله الفسخ. وقال أحمد في روايةٍ ثالثةٍ: إنِّها حقٌّ للَّه، فلا يصحُّ رضاهم بإسقاطه، ولكن على هذه الرِّواية لا تعتبر الحرِّيَّة، ولا اليسار، ولا الصِّناعة، ولا النَّسب، إنَّما يعتبر الدِّين فقط، فإنَّه لم يقل أحمد ولا أحدٌ من العلماء: إنَّ نكاح الفقير للموسرة باطلٌ، وإن رضيت، ولا يقول هو ولا أحدٌ: إنَّ نكاح الهاشميَّة لغير الهاشميِّ (١) والقرشيَّة لغير القرشيِّ باطلٌ، وإنَّما نبَّهنا على هذا لأنَّ كثيرًا من أصحابنا يحكون الخلاف في الكفاءة، هل هي حقٌّ لله أو للآدميِّ؟ ويطلقون مع قولهم إنَّ الكفاءة هي الخصال المذكورة، وفي هذا من التَّساهل وعدم التَّحقيق ما فيه (٢)، والله أعلم. فصل في حكمه ﷺ بثبوت الخيار للمعتقة تحت العبد ثبت في «الصَّحيحين» و «السُّنن» (٣): أنَّ بريرةَ كاتبت أهلَها، وجاءت تسأل النبيَّ ﷺ في كتابتها، فقالت عائشة: إن أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلتُ، فذكرَتْ ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فقال النَّبيُّ ﷺ لعائشة: «اشتريها واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الولاء لمن أعتق»، ثمَّ

стр. 3088

خطَبَ النَّاسَ وقال: «ما بال أقوامٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب اللَّه، مَن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرطٍ، قضاءُ (١) الله أحقُّ، وشَرْط الله أوثق، وإنَّما الولاء لمن أعتق». ثمَّ خيَّرها رسول الله ﷺ بين أن تبقى على نكاح زوجها وبين أن تفسخه، فاختارت نفسَها، فقال لها: «إنَّه زوجكِ وأبو وَلدِكِ»، فقالت: يا رسول الله تأمرني بذلك؟ قال: «لا إنَّما أنا شافعٌ»، قالت: فلا حاجة لي فيه، وقال لها إذ خيَّرها: «إن قربك فلا خيار لك»، وأمرها أن تعتدَّ، وتُصُدِّق عليها بلحمٍ، فأكل منه النَّبيُّ ﷺ وقال: «هو عليها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ». وكان في قصَّة بريرة من الفقه: جواز مُكاتبة المرأة، وجواز بيع المُكاتَب وإن لم يُعَجِّزه سيِّده، وهذا مذهب أحمد المشهور عنه، وعليه أكثر نصوصه. وقال في رواية أبي طالب: لا يطأ مكاتبته، ألا ترى أنَّه لا يقدر أن يبيعها. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشَّافعيُّ (٢). والنَّبيُّ ﷺ أقرَّ عائشةَ على شرائها، وأهلَها على بيعها، ولم يسأل: أعجَزَتْ أم لا، ومجيئها تستعينُ في كتابتها لا يستلزم عجزَها، وليس في بيع المكاتب محذورٌ، فإنَّ بيعَه لا يبطلُ كتابتَه، فإنَّه يبقى عند المشتري كما كان عند البائع، إن أدَّى إليه عَتَق، وإن عَجَز عن الأداء فله أن يعيده إلى الرِّقِّ كما كان عند بائعه، فلو لم تأتِ السُّنَّة بجواز بيعه، لكان القياس يقتضيه. وقد ادَّعى غيرُ واحدٍ الإجماعَ القديمَ على جواز بيع المكاتب. قالوا:

стр. 3089

لأنَّ قصَّة بريرة وردت بنقل الكافَّة، ولم يبق بالمدينة مَن لم يعرف ذلك؛ لأنَّها صفقةٌ جرَتْ بين أمِّ المؤمنين وبين بعض الصَّحابة، وهم موالي بريرة، ثمَّ خطب رسولُ الله ﷺ النَّاسَ في أمر بيعها خُطبةً في غير وقت الخطبة، ولا يكون شيءٌ أشهر من هذا، ثمَّ كان مِن مَشْي زوجها خلفها باكيًا في أزقَّة المدينة ما زاد الأمرَ شهرةً عند النِّساء والصِّبيان، قالوا: فظهر يقينًا أنَّه إجماعٌ من الصَّحابة، إذ لا يظنُّ بصاحبٍ أنَّه يخالف مِن سنَّة رسول الله ﷺ مثل هذا الأمر الظَّاهر المستفيض. قالوا: ولا يمكن أن توجِدونا عن أحدٍ من الصَّحابة المنعَ مِن بيع المكاتَب إلا روايةً شاذَّةً عن ابن عبَّاسٍ لا يعرف لها إسنادٌ (١). واعتذر مَن منع بيعه بعذرين: أحدهما: أنَّ بريرةَ كانت قد عجَزَت، وهذا عذر أصحاب الشَّافعيِّ. والثَّاني: أنَّ البيع ورد على مال الكتابة لا على رقبتها، وهذا عذر أصحاب مالك. وهذان العذران أحوج إلى أن يُعْتَذر عنهما من الحديث، ولا يصحُّ واحدٌ منهما، أمَّا الأوَّل: فلا ريب أنَّ هذه القصَّة كانت بالمدينة، وقد شهدها العباس وابنه عبد الله، وكانت الكتابة تسع سنين في كلِّ سنةٍ أوقيَّةٌ، ولم تكن أدَّت بعدُ شيئًا، ولا خلاف أنَّ العباسَ وابنَه إنَّما سكنا المدينة بعد فتح مكَّة، ولم يعش النَّبيُّ ﷺ بعد ذلك إلا عامين وبعض الثَّالث، فأين العجز وحلول النُّجوم؟!

стр. 3090

وأيضًا: فإنَّ بريرة لم تقل: عجَزْت، ولا قالت لها عائشة: أعَجَزْتِ؟ ولا اعترف أهلها بعجزها، ولا حكم رسول الله ﷺ بعجزها، ولا وصفها به، ولا أخبر عنها البتَّة، فمن أين لكم هذا العجز الذي تعجزون عن إثباته؟! وأيضًا: فإنَّها إنَّما قالت لعائشة: كاتبتُ أهلي على تسع أواقٍ في كلِّ سنةٍ أوقيَّةً، وإنِّي أحبُّ أن تعينيني، ولم تقل: لم أؤدِّ لهم (١) شيئًا، ولا مضت عليَّ نجومٌ عدَّةٌ عجَزْت عن الأداء فيها، ولا قالت: عجَّزني أهلي. وأيضًا: فإنَّهم لو عجَّزوها لعادت في الرِّقِّ، ولم تكن حينئذٍ لتسعى في كتابتها وتستعين بعائشة على أمرٍ قد بطل. فإن قيل: الذي يدلُّ على عجزها قولُ عائشة: إن أحبَّ أهلك أن أشتريك وأعتقك، ويكون ولاؤك لي فعلتُ. وقول النَّبيِّ ﷺ لعائشة: «اشتريها فأعتقيها». وهذا يدلُّ على إنشاء عتقٍ من عائشة، وعتق المكاتب بالأداء لا بإنشاءٍ من السَّيِّد. قيل: هذا هو الذي أوجب لهم القول ببطلان الكتابة. قالوا: ومن المعلوم أنَّها لا تبطل إلا بعجز المكاتَب أو تعجيزه نفسَه، وحينئذٍ فيعود في الرِّقِّ، فإنَّما ورد البيع على رقيقٍ لا على مكاتبٍ. وجواب هذا: أنَّ ترتيب العتق على الشِّراء لا يدلُّ على إنشائه، فإنَّه ترتيبٌ للمسبَّب على سببه، ولا سيَّما فإنَّ عائشة لمَّا أرادت أن تعجِّل كتابتها جملةً واحدةً كان هذا سببًا في إعتاقها، وقد قلتم أنتم: إنَّ قول النَّبيِّ ﷺ :

стр. 3091

«لا يَجْزي ولدٌ والدَه (١) إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» (٢) إنَّ هذا من ترتيب المسبَّب على سببه، وأنَّه بنفس الشِّراء يَعتِق عليه لا يحتاج إلى إنشاء عتقٍ. وأمَّا العذر الثَّاني: فأمره أظهر، وسياق القصَّة يبطله، فإنَّ أمَّ المؤمنين اشترتها فأعتقتها، وكان ولاؤها لها، وهذا ممَّا لا ريب فيه، ولم تشتر المال، والمال كان تسع أواقٍ منجَّمةٍ، فعدَّتها لهم جملةً واحدةً، ولم تتعرَّض للمال الذي في ذمَّتها ولا كان غرضَها بوجهٍ ما، ولا كان لعائشة غرضٌ في شراء الدَّراهم المؤجَّلة بعددها حالَّةً. وفي القصَّة: جواز المعاملة بالنُّقود عددًا إذا لم يختلف مقدارها. وفيها: أنَّه لا يجوز لأحدٍ من المتعاقدَين أن يشترط على الآخر شرطًا يخالف حكمَ الله ورسوله، وهذا معنى قوله: «ليس في كتاب الله»، أي: ليس في حكمه جوازه، وليس المراد أنَّه ليس في القرآن ذكره وإباحته، ويدلُّ عليه قوله: «كتاب الله أحقُّ وشرط الله أوثق». وقد استدلَّ به من صحَّح العقدَ الذي شُرِط فيه شرطٌ فاسدٌ، ولم يبطل العقد به، وهذا فيه نزاعٌ وتفصيلٌ يظهر الصَّواب منه في تبيين معنى الحديث، فإنَّه قد أشكل على النَّاس قوله: «اشترطي لهم الولاء، فإنَّ الولاء لمن أعتق»، فأذِنَ لها في هذا الاشتراط، وأخبر أنَّه لا يفيد. والشَّافعيُّ طعن في هذه اللَّفظة وقال: إنَّ هشام بن عروة انفرد بها وخالفه غيره، فردَّها الشَّافعيُّ ولم

стр. 3092

يثبتها (١)، ولكنَّ أصحاب «الصَّحيحين» وغيرهم أخرجوها ولم يطعنوا فيها، ولم يعلِّلها أحدٌ سوى الشَّافعيِّ فيما نعلم. ثمَّ اختلفوا في معناها، فقالت طائفةٌ: «اللَّام» ليست على بابها، بل هي بمعنى «على» كقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي فعليها، كما قال: ﴿(٤٥) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]. وردَّت طائفةٌ هذا الاعتذارَ بخلافه لسياق القصَّة ولموضوع الحرف، وليس نظير الآية، فإنَّها قد فرَّقت بين ما للنَّفس وبين ما عليها، بخلاف قوله: «اشترطي لهم». وقالت طائفةٌ: بل اللَّام على بابها، ولكن في الكلام محذوفٌ تقديره: اشترطي لهم أو لا تشترطي، فإنَّ الاشتراط لا يفيد شيئًا لمخالفته لكتاب اللَّه. ورَدَّ غيرُهم هذا الاعتذار لاستلزامه إضمار ما لا دليل عليه، والعلمُ به من نوع علم الغيب. وقالت طائفةٌ أخرى: بل هذا أمر تهديدٍ لا إباحةٍ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وهذا في البطلان من جنس ما قبله، وأظهر فسادًا، فما لعائشة وما للتَّهديد هنا؟ وأين في السِّياق ما يقتضي التَّهديد لها؟ نعم هم أحقُّ بالتَّهديد لا أمُّ (٢) المؤمنين.

стр. 3093

وقالت طائفةٌ: بل هو أمر إباحةٍ وإذنٍ، وأنَّه يجوز اشتراط مثل هذا، ويكون ولاء المكاتَب للبائع، قاله بعض الشَّافعيَّة، وهذا أفسد من جميع ما تقدَّم، وصريحُ الحديث يقتضي بطلانه (١) وردَّه. وقالت طائفةٌ: إنَّما أذن لها في الاشتراط ليكون وسيلةً إلى ظهور بطلان هذا الشَّرط، وعِلْم الخاصِّ والعامِّ به، وتقرُّر حكمه ﷺ ، وكان القوم قد علموا حكمه في ذلك، فلم يقنعوا دون أن يكون الولاء لهم، فعاقبهم بأن أذن لعائشة في الاشتراط، ثمَّ خطبَ النَّاسَ فأذَّن فيهم ببطلان هذا الشَّرط، وتضمَّن حكمًا مهمًّا (٢) من أحكام الشَّريعة، وهو أنَّ الشَّرط الباطل إذا شُرِط في العقد لم يجز الوفاء به، ولولا الإذن في الاشتراط لما عُلِم ذلك، فإنَّ الحديث تضمَّن فساد هذا الحكم، وهو كون الولاء لغير المعتِق. وأمَّا بطلانه إذا شُرِط، فإنَّما اسْتُفيد من تصريح النَّبيِّ ﷺ ببطلانه بعد اشتراطه، ولعلَّ القوم اعتقدوا أنَّ اشتراطه يفيدُ الوفاءَ به، وإن كان خلاف مقتضى العقد المطلق، فأبطله النَّبيُّ ﷺ وإن شُرِط كما أبطله بدون الشَّرط. فإن قيل: فإذا فات مقصودُ المشترط (٣) ببطلان الشَّرط، فإنَّه إمَّا أن يُسَلَّط على الفسخ، أو يُعطَى مِن الأرش بقدر ما فات من غرضه، والنَّبيُّ ﷺ لم يقض بواحدٍ من الأمرين. قيل: هذا إنَّما يثبت إذا كان المشترط جاهلًا بفساد الشَّرط. فأمَّا إذا علم

стр. 3094

بطلانه ومخالفته لحكم الله، كان عاصيًا آثمًا بإقدامه على اشتراطه، فلا فسخ له ولا أَرْش، وهذا أظهر الأمرين في موالي بريرة، والله أعلم (١). فصل وفي قوله: «إنَّما الولاء لمن أعتق» من العموم ما يقتضي ثبوته لمن أعتق سائبةً (٢) أو في زكاةٍ أو كفَّارةٍ أو عتقٍ واجبٍ، وهذا قول الشَّافعيِّ وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايات، وقال في الرِّواية الأخرى: لا ولاء عليه، وقال في الثَّالثة: يردُّ ولاؤه في عتق مثله (٣). ويحتجُّ بعمومه أحمد ومَن وافقه في أنَّ المسلم إذا أعتق عبدًا ذمِّيًّا ثمَّ مات العتيق ورثه بالولاء، وهذا العموم أخصُّ من قوله: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ» (٤) فيخصِّصه أو يقيِّده، وقال الشَّافعيُّ ومالك وأبو حنيفة: لا يرثه بالولاء إلا أن يموت العبد مسلمًا (٥). ولهم أن يقولوا: إنَّ عموم قوله: «الولاء لمن أعتق» مخصوصٌ بقوله: «لا يرث المسلم الكافر».

стр. 3095

فصل وفي القصَّة من الفقه: تخيير الأمة المزوَّجة إذا عَتَقَت (١) وزوجها عبدٌ، وقد اختلفت الرِّواية في زوج بريرة، هل كان عبدًا أو حرًّا؟ فقال القاسم عن عائشة: كان عبدًا ولو كان حرًّا لم يخيِّرها (٢). وقال عروةُ عنها: كان عبدًا (٣). وقال ابن عبَّاسٍ: كان عبدًا أسود يقال له مغيث، عبدًا لبني فلانٍ، كأنِّي أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة (٤). وكلُّ هذا في «الصَّحيح».

стр. 3096

وفي «سنن أبي داود» (١) عنه (٢): كان عبدًا لآل أبي أحمد، فخيَّرها رسولُ الله ﷺ وقال لها: «إن قَرَبَكِ فلا خيار لك». وفي «مسند أحمد» (٣) عن عائشة أنَّ بريرة كانت تحت عبدٍ، فلمَّا أعتقتها (٤)، قال لها رسول الله ﷺ : «اختاري، فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد وإن شئت أن تفارقيه». وقد روي في «الصَّحيح» (٥): أنَّه كان حرًّا. وأصحُّ الرِّوايات وأكثرها: أنَّه كان عبدًا، وهذا الخبر رواه عن عائشة ثلاثةٌ: الأسود وعروة والقاسم، فأمَّا الأسود فلم يختلف عنه عن عائشة أنَّه كان حرًّا، وأمَّا عروة فعنه روايتان

стр. 3097

صحيحتان متعارضتان: إحداهما: أنَّه كان حرًّا، والثَّانية: أنَّه كان عبدًا، وأمَّا عبد الرحمن بن القاسم فعنه روايتان صحيحتان: إحداهما: أنَّه كان حرًّا، والثَّانية: الشَّكُّ. قال داود بن مقاتل (١): ولم تختلف الرِّواية عن ابن عبَّاسٍ أنَّه كان عبدًا. واتَّفق الفقهاء على تخيير الأمَة إذا أُعتِقَت وزوجها عبدٌ، واختلفوا إذا كان حرًّا، فقال الشَّافعيُّ ومالك وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه: لا تُخيَّر (٢). وقال أبو حنيفة وأحمد في الرِّواية الثَّانية: تخيَّر (٣). وليست الرِّوايتان مبنيَّتين على كون زوجها عبدًا أو حرًّا، بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها، وفيه ثلاث (٤) مآخذ للفقهاء: أحدها: زوال الكفاءة، وهو المعبَّر عنه بقولهم: كمُلَت تحت ناقصٍ. الثَّاني: أنَّ عِتْقها أوجبَ للزَّوج ملك طلقةٍ ثالثةٍ عليها لم تكن مملوكةً له

стр. 3098

بالعقد، وهذا مأْخَذ أصحاب أبي حنيفة، وبنوه (١) على أصلهم: أنَّ الطَّلاق معتبرٌ بالنِّساء لا بالرِّجال. [الثَّالث: ملكها نفسها] (٢)، ونحن نبيِّن ما في هذه المآخذ. الأوَّل (٣): وهو كمالها تحت ناقصٍ، فهذا يرجع إلى أنَّ الكفاءة معتبرةٌ في الدَّوام كما هي معتبرةٌ في الابتداء، فإذا زالت خُيِّرت المرأة، كما تُخَيَّر إذا بان الزَّوجُ غير كفءٍ لها. وهذا ضعيفٌ لوجهين: أحدهما: أنَّ شروط النِّكاح لا يعتبر دوامُها واستمرارها، وكذلك توابعه المقارنة لعقده لا يستلزم أن تكون توابع في الدَّوام، فإنَّ رِضى الزَّوجة غير المجبرة شرطٌ في الابتداء دون الدَّوام، وكذلك الوليُّ والشَّاهدان، وكذلك مانع الإحرام والعِدَّة، والزِّنا عند من يمنع نكاح الزَّانية، إنَّما يمنع ابتداء العقد دون استدامته، فلا يلزم من اشتراط الكفاءة ابتداءُ اشتراط (٤) استمرارها ودوامها. الثَّاني: أنَّه لو زالت الكفاءة في أثناء النِّكاح بفِسْق الزَّوج، أو حدوث عيبٍ موجبٍ للفسخ، لم يثبت الخيار على ظاهر المذهب، وهو اختيار قدماء الأصحاب، ومذهب مالك. وأثبت القاضي الخيار بالعيب الحادث، ويلزمه

стр. 3099

إثباته بحدوث فِسْق الزَّوج (١). وقال الشَّافعيُّ: إن حدَثَ بالزَّوج ثبت الخيار، وإن حدَثَ بالزَّوجة فعلى قولين (٢). فأمَّا المأخذ الثَّاني: وهو أنَّ عِتْقها أوجبَ للزَّوج عليها ملك طلقةٍ ثالثةٍ فمأخذٌ ضعيفٌ جدًّا، فأيُّ مناسبةٍ بين ثبوت طلقةٍ ثالثةٍ، وبين ثبوت الخيار لها؟ وهل نصبَ الشَّارعُ مِلْك الطَّلقة الثَّالثة سببًا لملك الفسخ، وما يتوهَّم من أنَّها كانت تَبِين منه باثنتين فصارت لا تبين إلا بثلاثة ــ وهو زيادة إمساكٍ وحبسٍ لم يقتضه العقد ــ فاسدٌ، فإنَّه يملك أن لا يفارقها البتَّة، ويمسكها حتَّى يفرِّق الموت بينهما، والنِّكاح عقدٌ على مدَّة العمر، فهو يملك استدامة إمساكها، وعتقها لا يسلبه هذا الملك، فكيف يسلبه إيَّاه ملكه عليها طلقةً ثالثةً، هذا لو كان الطَّلاق معتبرًا بالنِّساء، فكيف والصَّحيح أنَّه معتبرٌ بمن هو بيده وإليه ومشروعٌ في جانبه؟! وأمَّا المأخذ الثَّالث: وهو ملكها نفسها، فهو أرجح المآخذ وأقربها إلى أصول الشَّرع، وأبعدها من التَّناقض، وسِرُّ هذا المأخذ: أنَّ السَّيِّد عقد عليها بحكم الملك حيث كان مالكًا لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضي تمليك الرَّقبة والمنافع للمعْتَق، وهذا مقصودُ العتق وحكمتُه، فإذا ملكَتْ رقبتها ملكَتْ بُضْعها ومنافِعَها، ومن جملتها منافع البضع، فلا يملك عليها إلا باختيارها، فخيَّرها الشَّارع بين أن تقيم مع زوجها، وبين أن تفسخَ نكاحَه، إذ قد ملكَتْ

стр. 3100

منافعَ بُضْعها، وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة أنَّه ﷺ قال لها: «ملكْتِ نفسك فاختاري» (١). فإن قيل: فهذا ينتقض بما لو زوَّجها ثمَّ باعها، فإنَّ المشتري قد ملَكَ رقبتها وبُضْعَها ومنافعه، ولا تسلِّطونه على فسخ النِّكاح. قلنا: لا يرد هذا نقضًا، فإنَّ البائع نقل إلى المشتري ما كان مملوكًا له فصار المشتري خليفته، وهو لمَّا زوَّجها أخرجَ منفعةَ البُضع عن ملكه إلى الزَّوج، ثمَّ نقلها إلى المشتري مسلوبةً منفعةَ البُضع، فصار كما لو آجر عبدَه مدَّةً ثمَّ باعه. فإن قيل: فهب أنَّ هذا يستقيم لكم فيما إذا باعها، فهلَّا قلتم ذلك إذا أعتقها، وأنَّها ملكَتْ نفسَها مسلوبةً منفعةَ البُضع، كما لو آجرها ثمَّ عَتَقها؟ وبهذا ينتقض عليكم هذا المأخذ. قيل: الفرق بينهما أنَّ العتق في تمليك العتيق رقبتَه ومنافعَه أقوى من

стр. 3101

البيع، ولهذا ينفذ (١) فيما لم يُعْتِقْه ويسري في حصَّة الشَّريك، بخلاف البيع، فالعتق إسقاط ما كان السَّيِّد يملكه من عتيقه، وجعله لله (٢) محرَّرًا، وذلك يقتضي إسقاط مِلك نفسِه ومنافعه (٣) كلِّها. وإذا كان العتق يسري في ملك الغير المحض الذي لا حقَّ له فيه البتَّة، فكيف لا يسري إلى (٤) ملكه الذي تعلَّق به حقُّ الزَّوج، فإذا سرى إلى نصيب الشَّريك الذي لا حقَّ للمعْتِق فيه، فسريانه إلى ملك الذي يتعلَّق به حقُّ الزَّوج أولى وأحرى، فهذا محض العدل والقياس الصَّحيح. فإن قيل: فهذا فيه إبطال حقِّ الزَّوج من هذه المنفعة بخلاف الشَّريك فإنَّه يرجع إلى القيمة. قيل: الزَّوج قد استوفى المنفعةَ بالوطء، فطَرَيانُ ما يزيل دوامَها لا يُسْقِط له حقًّا، كما لو طرأ ما يفسده أو يفسخه برَضاعٍ أو حدوث عيبٍ أو زوال كفاءةٍ عند من يفسخ به. فإن قيل: فما تقولون فيما رواه النَّسائيُّ (٥)، من حديث ابن مَوْهَب، عن

стр. 3102

القاسم بن محمَّدٍ، قال: كان لعائشة غلامٌ وجاريةٌ، قالت: فأردت أن أعتقهما، فذكرْتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ابدئي بالغلام قبل الجارية». ولولا أنَّ التَّخيير يمتنع (١) إذا كان الزَّوج حرًّا لم يكن للبداءة بعتق الغلام فائدةٌ، فإذا بدأت به عَتَقَت تحت حرٍّ، فلا يكون لها اختيارٌ. وفي «سنن النَّسائيِّ» (٢) أيضًا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أيُّما أمةٍ كانت تحت عبد فعَتَقَت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها». قيل: أمَّا الحديث الأوَّل فقال أبو جعفرٍ العقيليُّ وقد رواه (٣): هذا خبرٌ لا يعرف إلا بعبيد الله (٤) بن عبد الرحمن بن مَوْهَب، وهو ضعيفٌ. وقال ابن حزمٍ (٥): هو خبرٌ لا يصحُّ. ثمَّ لو صحَّ لم يكن فيه حجَّةٌ؛ لأنَّه

стр. 3103

ليس فيه أنَّهما كانا زوجين، بل قال: كان لها عبدٌ وجاريةٌ. ثمَّ لو كانا زوجين لم يكن في أمره لها بعتق العبد أوَّلًا ما يسقط خيارَ المعتَقَةِ تحت الحرِّ، وليس في الخبر أنَّه أمرها بالابتداء بالزَّوج لهذا المعنى، بل الظَّاهر أنَّه أمرها بأن تبدأ (١) بالذَّكَر لفَضْل عِتْقه على الأنثى، وأنَّ عِتْق أُنثيين يقوم مقام عتق ذَكَرٍ، كما في الحديث الصَّحيح مبيَّنًا (٢). وأمَّا الحديث الثَّاني: فضعيف لأنَّه من رواية حسن بن عمرو بن أمية الضمري وهو مجهولٌ. فإذا تقرَّر هذا وظهرَ حكمُ الشَّرع في إثبات الخيار لها، فقد روى الإمام أحمد (٣) بإسناده عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها، إن شاءت فارقَتْه، وإن وطئها فلا خيار لها ولا تستطيع فراقه». ويستفاد من هذا قضيَّتان: إحداهما: أنَّ خيارها على التَّراخي ما لم تُمَكِّنه مِن وَطْئها، وهذا مذهب

стр. 3104

مالك وأبي حنيفة وأحمد (١). وللشَّافعيِّ ثلاثة أقوالٍ: هذا أحدها، والثَّاني: أنَّه على الفور، والثَّالث: أنَّه إلى ثلاثة أيَّامٍ (٢). الثَّانية: أنَّها إذا مكَّنَتْه مِن نفسها فوطئها، سقط خيارُها، وهذا إذا علمَتْ بالعتق وثبوت الخيار به، فلو جهلتهما لم يسقط خيارها بالتَّمكين من الوطء. وعن أحمد روايةٌ ثانيةٌ (٣): أنَّها لا تُعذَر بجهلها بملك الفسخ، بل إذا علمت بالعتق ومكَّنَتْه من وطئها (٤) سقط خيارُها ولو لم تعلم أنَّ لها الفسخ. والرِّواية الأولى أصحُّ. فإنْ عتَقَ الزَّوجُ قبل أن تختار ــ وقلنا: إنَّه لا خيار للمُعتَقَة تحت حرٍّ ــ بطل خيارها لمساواة الزَّوج لها، وحصول الكفاءة قبل الفسخ. وقال الشَّافعيُّ في أحد قوليه (٥) ــ وليس هو المنصور عند أصحابه ــ: لها الفسخ لتقدُّم ملك الخيار على العتق، فلا يبطله (٦)، والأوَّل أقْيَس لزوال سبب الفسخ بالعتق، وكما لو زال العيبُ في البيع والنِّكاح قبل الفسخ به، وكما لو زال الإعسار (٧) في زمن مِلك الزَّوجةِ الفسخَ به.

стр. 3105

وإذا قلنا: العلَّة ملكها نفسها فلا أثر لذلك، فإن طلَّقها طلاقًا رجعيًّا فعتَقَت في عدَّتها، فاختارت الفسخَ بطلت الرَّجعة، وإن اختارت المقام معه صحَّ وسقط اختيارُها للفسخ؛ لأنَّ الرَّجعيَّة كالزَّوجة. وقال الشَّافعيُّ وبعض أصحاب أحمد (١): لا يسقطُ خيارُها إذا رضيت بالمقام دون الرَّجعة، ولها أن تختار نفسها بعد الارتجاع، ولا يصحُّ اختيارها في زمن الطَّلاق، فإنَّ الاختيارَ في زمنٍ هي فيه صائرةٌ إلى بينونةٍ ممتنعٌ. فإذا راجعها صحَّ حينئذٍ أن تختاره وتقيم معه؛ لأنَّها صارت زوجةً، وعَمِل الاختيارُ عمَلَه، وترتَّب أثرُه عليه. ونظير هذا إذا ارتدَّ زوجُ الأَمَة بعد الدُّخول، ثمَّ عَتَقَت في زمن الرِّدَّة، فعلى القول الأوَّل لها الخيار قبل إسلامه، فإن اختارَتْه ثمَّ أسلم سقط مُلكها للفسخ، وعلى قول الشَّافعيِّ (٢): لا يصحُّ لها خيارٌ قبل إسلامه؛ لأنَّ العقد صائرٌ إلى البطلان. فإذا أسلم صحَّ خيارها. فإن قيل: فما تقولون إذا طلَّقها قبل أن تفسخ هل يقع الطَّلاق أم لا؟ قيل: نعم يقع، لأنَّها زوجةٌ، وقال بعض أصحاب أحمد وغيرهم: يوقف الطَّلاق، فإن فسخت تبيَّنَّا (٣) أنَّه لم يقع، وإن اختارت زوجها تبيَّنَّا وقوعه (٤).

стр. 3106

فإن قيل: فما حكم المهر إذا اختارت الفسخَ؟ قيل: إمَّا (١) أن تفسخ قبل الدُّخول أو بعده. فإن فسخت بعده لم يسقط المهرُ وهو لسيِّدها سواءٌ فسخت أو أقامت، وإن فسخت قبله ففيه قولان هما روايتان عن أحمد, أحدهما: لا مهر لأنَّ الفرقة من جهتها، والثَّاني: يجب نصفه، ويكون لسيِّدها لا لها. فإن قيل: فما تقولون في المعْتَق نصفُها هل لها خيارٌ؟ قيل: فيه قولان، وهما روايتان (٢)، فإن قلنا: لا خيار لها (٣) فزوّجَ (٤) مُدَبَّرةً له لا يملك غيرها وقيمتها مائةٌ بعبدٍ (٥) على مائتين مهرًا ثمَّ مات، عتَقَت ولم تملك الفسخَ قبل الدُّخول، لأنَّها لو ملكته سقط المهر أو تنصّف (٦)، فلم تخرج من الثُّلث فيرقَّ بعضها، فيمتنع الفسخ (٧)، بخلاف ما إذا لم تملكه، فإنَّها تخرج من الثُّلث فتعتق جميعها. فصل وفي قوله ﷺ : «لو راجعتِه»، فقالت: أتأمرني؟ فقال: «لا، إنَّما أنا شافعٌ»،

стр. 3107

فقالت: لا حاجة لي فيه (١) (٢) = ثلاث قضايا: إحداها (٣): أنَّ أمره على الوجوب، ولهذا فرَّق بين أمره وشفاعته، ولا ريب أنَّ امتثال شفاعته من أعظم المستحبَّات. الثَّانية: أنَّه ﷺ لم يغضب على بريرة، ولم ينكر عليها إذ لم تقبل شفاعته؛ لأنَّ الشَّفاعة في إسقاط المشفوع عنده حقُّه، وذلك إليه إن شاء أسقطه وإن شاء أبقاه، فلذلك لا يحرم عصيان شفاعته ﷺ ويحرم عصيان أمره. الثَّالثة: أنَّ اسم المراجعة في لسان الشَّارع قد يكون مع زوال عقد النِّكاح بالكلِّيَّة، فيكون ابتداء عقدٍ، وقد يكون مع تشعُّثه، فيكون إمساكًا. وقد سمَّى سبحانه ابتداء النِّكاح للمطلِّق ثلاثًا بعد الزَّوج الثَّاني مراجعةً فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي إن طلَّقها الثَّاني، فلا جناح عليها وعلى الأوَّل أن يتراجعا نكاحًا مستأنفًا. فصل وفي أكْلِه ﷺ من اللَّحم الذي تُصُدِّق به على بَريرة وقال: «هو عليها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ» (٤) دليلٌ على جواز أكل الغنيِّ وبني هاشمٍ وكلِّ من تحرم

стр. 3108

عليه الصَّدقة ممَّا يهديه إليه الفقير من الصَّدقة؛ لاختلاف جهة المأكول، ولأنَّه قد بلغ محلَّه، وكذلك يجوز له أن يشتريه منه بماله. هذا إذا لم تكن صدقتَه نفسَه، فإن كانت صدقته لم يجز له أن يشتريها ولا يهبها ولا يقبلها هديَّةً. كما نهى (١) ﷺ عمرَ عن شراء صدقته وقال: «لا تشترها (٢) ولو أعطاكها بدرهمٍ» (٣). فصل في قضائه ﷺ في الصّداق بما قلّ وكثر، وقضائه بصحة النكاح على ما مع الزوج من القرآن ثبت في «صحيح مسلم» (٤): عن عائشة: «كان صَدَاق النَّبيِّ ﷺ لأزواجه ثنتي عشرة أوقيَّةً ونشًّا، فذلك خمسمائةٍ درهم (٥)». وقال عمر: «ما علمتُ رسولَ الله ﷺ نكَحَ شيئًا من نسائه ولا أنكح شيئًا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقيَّةً» (٦). قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ

стр. 3109

صحيحٌ. انتهى. والأوقيَّة أربعون درهمًا (١). وفي «صحيح البخاريِّ» (٢) من حديث سهل بن سعدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لرجلٍ: «تزوَّج ولو بخاتمٍ من حديدٍ». وفي «سنن أبي داود» (٣) من حديث جابر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَن أعطى في صَداقٍ مِلء كفَّيه سويقًا أو تمرًا فقد استحلَّ». وفي الترمذي (٤): أنَّ امرأةً من بني فَزارة تزوَّجت على نعلين، فقال

стр. 3110

رسول الله ﷺ : «رضيتِ من نفسِك ومالِكِ بنعلين؟» , قالت: نعم. فأجازه. قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ (١). وفي «مسند الإمام أحمد» (٢): من حديث عائشة عن النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ أعظم النِّكاح بركةً أيسره مؤونة». وفي «الصَّحيحين» (٣): أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: يا رسول الله, إنِّي قد وهبتُ نفسي لك، فقامت طويلًا، فقال رجلٌ: يا رسول الله, زوِّجنيها إن لم تكن لك بها حاجةٌ، فقال رسول الله ﷺ : «فهل عندك من شيءٍ تُصْدِقها إيَّاه؟»، قال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّك إن أعطيتها إزارك جلستَ ولا إزارَ لك فالتمِسْ شيئًا»، قال: لا أجد شيئًا، قال: «فالتَمِسْ ولو خاتمًا من حديدٍ»، فالتمَسَ فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : «هل معك شيءٌ من القرآن؟»، قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسُوَرٍ سمَّاها، فقال رسول الله ﷺ : «قد زوَّجْتُكَها بما معك من القرآن».

стр. 3111

وفي النَّسائيِّ (١): «أنَّ أبا طلحة خطبَ أمَّ سُليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُردُّ، ولكنَّك رجلٌ كافرٌ وأنا امرأةٌ مسلمةٌ، ولا يحلُّ لي أن أتزوَّجك، فإن تُسْلِم فذاك مهري لا (٢) أسالك غيرَه. فأسلم فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما سمعنا بامرأةٍ قطُّ كانت أكرم مهرًا من أمِّ سُليم، فدخل بها (٣)، فولدت له. فتضمَّن هذا (٤): أنَّ الصَّداق لا يتقدَّر أقلُّه، وأنَّ قبضة السَّويق وخاتم الحديد والنَّعلين يصحُّ تسميتها مهرًا وتحلُّ بها الزَّوجة. وتضمَّن أنَّ المغالاة في المهر مكروهةٌ في النِّكاح، وأنَّها من قلَّة بركته وعُسره. وتضمَّن أنَّ المرأة إذا رضيت بعِلْم الزَّوج وحِفْظه للقرآن أو بعضه من مهرها جاز ذلك، وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صَداقها، كما إذا جعَلَ السَّيِّدُ عِتْقَها صَدَاقها، وكان انتفاعها بحرِّيَّتها وملكها لرقبتها هو

стр. 3112

صداقها، وهذا هو الذي اختارته أم سُليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة، وبذلها نفسها له إن أسلم، وهذا (١) أحبُّ إليها من المال الذي يبذله الزَّوج. فإنَّ الصَّداق شُرِع في الأصل حقًّا للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم والدِّين وإسلام الزَّوج وقراءته للقرآن= كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلِّها، فما خلا العقدُ عن مهرٍ، وأين الحكمُ بتقدير المهر بثلاثة دراهم أو عشرةٍ من النَّصِّ والقياس إلى الحكم بصحَّة كون المهر ما ذكرنا نصًّا وقياسًا؟! وليس هذا مسوِّيًا (٢) بين هذه المرأة وبين الموهوبة التي وهبت نفسَها للنَّبيِّ ﷺ ، وهي خالصةٌ له من دون المؤمنين، فإنَّ تلك وهبت نفسَها هبةً مجرَّدةً عن وليٍّ وصداقٍ، بخلاف ما نحن فيه، فإنَّه نكاحٌ بوليٍّ وصَداقٍ، وإن كان غير ماليٍّ، فإنَّ المرأة جعلته عِوَضًا عن المال لما يرجع إليها من نفعه، ولم تهب نفسَها للزَّوج هبةً مجرَّدةً كهبة شيءٍ من مالها، بخلاف الموهوبة التي خصَّ الله بها رسوله. هذا مقتضى هذه الأحاديث. وقد خالف في بعضه مَن قال: لا يكون الصَّداق إلا مالًا، ولا تكون منافع الحُرِّ (٣) ولا عِلْمه ولا تعليمه صَداقًا، كقول أبي حنيفة وأحمد في روايةٍ عنه (٤).

стр. 3113

ومَن قال: لا يكون أقلَّ من ثلاثة دراهم كمالك، وعشرة دراهم (١) كأبي حنيفة (٢)، وفيه أقوالٌ أخر شاذَّةٌ لا دليل عليها من كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ ولا قول صاحبٍ. ومن ادَّعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصَها بالنَّبيِّ ﷺ ، أو أنَّها منسوخةٌ، أو أنَّ عَمَلَ أهلِ المدينة على خلافها، فدعوى لا يقوم عليها دليلٌ، والأصل يردُّها. وقد زوَّج سيِّدُ أهل المدينة من التَّابعين سعيد بن المسيَّب ابنته على درهمين (٣)، ولم ينكر عليه أحدٌ، بل عُدَّ ذلك في مناقبه وفضائله. وقد تزوَّج عبد الرَّحمن بن عوفٍ على صَداق خمسة دراهم، وأقرَّه النَّبيُّ ﷺ (٤). ولا سبيل إلى إثبات المقادير إلا من جهة صاحب الشَّرع. والله أعلم.

стр. 3114

فصل في حُكْمه ﷺ وخلفائه في أحد الزوجين يجد بصاحبه بَرَصًا أو جُنونًا أو جُذامًا أو يكون الزوج عنّينًا في «مسند أحمد» (١): من حديث يزيد (٢) بن كعب بن عُجْرة: أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج امرأةً من بني غِفارٍ، فلمَّا دخل عليها، فوضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بِكَشْحِها بياضًا، فامَّاز (٣) عن الفراش، ثمَّ قال: «خذي عليك ثيابك» ولم يأخذ ممَّا آتاها شيئًا. وفي «الموطَّأ» (٤): عن عمر أنَّه قال: «أيُّما امرأةٍ غُرَّ بها رجلٌ، بها جنونٌ أو جذامٌ أو بَرَصٌ، فلها المهر بما أصاب منها، وصَداق الرَّجل على مَن غرَّه».

стр. 3115

وفي لفظٍ آخر (١): «قضى عمر في البرصاء والجَذْماء والمجنونة إذا دخل بها= فُرِّق بينهما والصَّداق لها بمسيسه إيَّاها، وهو له على وليِّها». وفي «سنن أبي داود» (٢) من حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: طلَّق عبدُ يزيد ــ أبو ركانة وإخوتِهِ (٣) ــ أمَّ رُكانة ونَكَح امرأةً من مزينة، فجاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: ما يغني عنِّي إلا كما تغني هذه الشَّعرة ــ لشعرةٍ أخذَتْها من رأسها ــ ففرِّقْ بيني وبينه، فأخذت النبيَّ ﷺ حميَّةٌ ... فذكر الحديث. وفيه أنَّه ﷺ قال له: «طلِّقها»، ففعل، [ثمَّ] قال: «راجع امرأتَك أمَّ رُكانةَ وإخوتِه (٤)»،

стр. 3116

فقال: إنِّي طلَّقتها ثلاثًا يا رسول اللَّه. قال: «قد علمتُ أرْجعها (١)»، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطَّلاق: ١]. ولا علَّة لهذا الحديث إلا رواية ابن جُرَيجٍ له عن بعض بني أبي رافعٍ، وهو مجهولٌ، ولكن هو تابعيٌّ، وابنُ جريجٍ من الأئمَّة الثِّقات العدول، ورواية العدل عن غيره تعديلٌ له ما لم يُعْلَم فيه جرحٌ، ولم يكن الكذب ظاهرًا في التَّابعين، ولا سيَّما التَّابعين من أهل المدينة، ولا سيَّما موالي رسول الله ﷺ ، ولا سيَّما مثل هذه السُّنَّة التي تشتدُّ حاجة المسلمين (٢) إليها، لا يُظَنُّ بابن جُرَيج أنَّه حمَلَها عن كذَّابٍ ولا عن غير ثقةٍ عنده ولم يبيِّن حاله. وجاء التَّفريق بالعُنَّة عن عمر (٣) وعثمان (٤) وعبد الله بن مسعودٍ (٥)

стр. 3117

وسَمُرة بن جُنْدبٍ ومعاوية بن أبي سفيان (١) والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة (٢) والمغيرة بن شعبة (٣). لكنَّ عمر وابن مسعودٍ والمغيرة أجَّلوه سنةً، وعثمان ومعاوية وسَمُرة لم يؤجِّلوه، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أجَّله عشرة أشهرٍ. وذكر سعيد بن منصورٍ (٤): حدَّثنا هُشَيم، أنبأنا عبد الله بن عون (٥)، عن

стр. 3118

ابن سيرين: أنَّ عمر بن الخطَّاب بعث رجلًا على بعض السِّعاية، فتزوَّج امرأةً وكان عقيمًا، فقال له عمر: أعْلَمْتها أنَّك عقيمٌ؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعْلِمْها، ثمَّ خيِّرها. وأجَّل مجنونًا سنةً فإن أفاق وإلَّا فرَّق بينه وبين امرأته (١). فاختلف الفقهاء في ذلك، فقال داود وابن حزمٍ (٢) ومن وافقهما: لا يُفسَخ النِّكاح بعيبٍ البتَّة، وقال أبو حنيفة: لا يفسخ إلا بالجَبِّ والعُنَّة خاصَّةً (٣). وقال الشَّافعيُّ ومالك (٤): يُفْسَخ بالجنون والجُذام والبَرَص والقَرْن والجَبِّ والعُنَّة خاصَّةً، وزاد الإمام أحمد عليهما (٥): أن تكون المرأة فَتْقاء منخرقة ما بين السَّبيلين. ولأصحابه في نَتَنِ الفم والفَرْج وانخراق مخرجي البولِ والمنيِّ في

стр. 3119

الفرج، والقروح السَّيَّالة فيه، والباسور (١) والنَّاصور والاستحاضة، واستطلاق البول (٢) أو النَّجو، والخِصاء وهو قطع البيضتين (٣)، أو السَّلِّ وهو سلُّ البيضتين، والوَجْأ وهو رضُّهما، وكون أحدهما خُنثى مشكلًا، والعيب الذي بصاحبه مثله من العيوب السَّبعة، والعيب الحادث بعد العقد وجهان. وذهب بعض أصحاب الشَّافعيِّ: إلى ردِّ المرأة بكلِّ عيبٍ تُرَدُّ به الجارية في البيع، وأكثرهم لا يعرف هذا الوجه ولا مظنَّته ولا من قاله. وممَّن حكاه أبو عاصم العبَّادي (٤) في كتاب «طبقات أصحاب الشَّافعيِّ» (٥)، وهذا القول هو القياس أو قول ابن حزمٍ (٦) ومن وافقه. وأمَّا الاقتصار على عيبين أو ستَّةٍ أو سبعةٍ أو ثمانيةٍ دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها، فلا وجه له، فالعمى والخَرَس والطَّرش، وكونها مقطوعة اليدين أو الرِّجلين أو أحدهما، أو كون الرَّجل كذلك= مِن أعظم المنفِّرات،

стр. 3120

والسُّكوت عنه من أقبح التَّدليس والغشِّ، وهو منافٍ للدِّين، والإطلاق إنَّما ينصرف إلى السَّلامة، فهو كالمشروط عُرفًا، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب لمن تزوَّج امرأةً وهو لا يولد له: «أَخبِرها أنَّك عقيمٌ وخيرها» (١)، فماذا يقول ﵁ في العيوب التي هذا عندها كمالٌ لا نقصٌ؟! والقياس أنَّ كلَّ عيبٍ ينفِّرُ الزَّوجَ الآخر منه ولا يحصل به مقصودُ النِّكاح من المودَّة والرَّحمة يوجِبُ الخيار، وهو أولى من البيع، كما أنَّ الشُّروط المشتَرَطة في النِّكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسولُه مغرورًا (٢) قطُّ ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغُبِن به، ومن تدبَّر مقاصد الشَّرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح، لم يخْفَ عليه رُجحان هذا القول وقُربه من قواعد الشَّريعة (٣). وقد روى يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ عن ابن المسيَّب قال: قال عمر: أيُّما امرأةٍ زُوِّجت وبها جنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ فدخل بها، ثمَّ اطَّلع على ذلك، فلها مهرُها بمسيسه إيَّاها، وعلى الوليِّ الصَّداق بما دلَّس كما غرَّه (٤). ورَدُّ هذا بأنَّ ابنَ المسيَّب لم يسمع من عمر مِن باب الهذيان البارد المخالف لإجماع أهل الحديث قاطبةً، قال الإمام أحمد: إذا لم يُقبل (٥)
следующие страницы →