أحدهما: أنَّه لا حضانَة إلا لرجلٍ من العصبة مَحْرمٍ، أو لامرأةٍ وارثةٍ، أو مُدلِيةٍ بعصبةٍ أو وارثٍ.
والثَّاني: أنَّ لهم الحضانة، والتَّفريع على هذا الوجه، وهو قول أبي حنيفة، وهذا يدلُّ على رجحان جهة الأبوَّة على جهة الأمومة في الحضانة، وأنَّ الأمَّ إنَّما قُدِّمت لكونها أنثى، لا لتقديمِ جهتها، إذ لو كانت جهتها راجحةً لترجَّح رجالها ونساؤها على الرِّجال والنِّساء (١) من جهة الأب، ولمَّا لم يترجَّح رجالها اتِّفاقًا فكذلك النِّساء، وما الفرق المؤثِّر؟
وأيضًا فإنَّ أصول الشَّرع وقواعده شاهدةٌ بتقديم أقارب الأب في الميراث وولايةِ النِّكاح وولايةِ الموت وغير ذلك، ولم يُعهَد في الشَّرع تقديم قرابة الأمِّ على قرابة الأب في حكمٍ من الأحكام، فمن قدَّمها في الحضانة فقد خرج عن موجب الدَّليل.
فالصَّواب المأخذ الثاني، وهو أنَّ الأمَّ إنَّما قدِّمت لأنَّ النِّساء أرفقُ بالطِّفل، وأخبرُ بتربيته، وأصبرُ على ذلك، وعلى هذا (٢) فالجدَّة (٣) أمُّ الأب أولى من أمِّ الأمِّ، والأختُ للأب أولى من الأخت للأمِّ، والعمَّة أولى من الخالة، كما نصَّ عليه أحمد (٤) في إحدى الرِّوايتين، وعلى هذا فتُقدَّم أمُّ الأب على أب الأب، كما تُقدَّم الأمُّ على الأب.
стр. 3467
وإذا تقرَّر هذا الأصل فهو أصلٌ مطَّردٌ منضبطٌ لا تتناقض فروعه، بل إن اتَّفقت القرابة والدَّرجة واحدةٌ قُدِّمت الأنثى على الذَّكر، فتُقدَّم الأخت على الأخ، والعمَّة على العمِّ، والخالة على الخال، والجدَّة على الجدِّ، وأصله تقديم الأمِّ على الأب.
وإن اختلفت القرابة قُدِّمت قرابة الأب على قرابة الأمِّ، فتُقدَّم الأخت للأب على الأخت للأمِّ، والعمَّة على الخالة، وعمَّة الأب على خالته، وهلمَّ جرًّا.
وهذا هو الاعتبار الصَّحيح والقياس المطَّرد، وهذا هو الذي قضى به سيِّد قضاة الإسلام شُريح، كما روى وكيعٌ في «مصنَّفه» (١) عن الحسن بن عقبة، عن سعيد بن الحارث قال: اختصم عمٌّ وخالٌ إلى شُريح، فقضى به للعمِّ، فقال الخال: أنا أُنفِق عليه من مالي، فدفعه إليه شريح.
ومن سلك غير هذا المسلك لم يجد بدًّا من التَّناقض، مثاله: أنَّ الثَّلاثة وأحمد في إحدى روايتيه يُقدِّمون أمَّ الأمِّ على أمِّ الأب، ثمَّ قال الشَّافعيُّ في ظاهر مذهبه، وأحمد في المنصوص عنه: تُقدَّم الأخت للأب على الأخت للأمِّ، فتركوا القياس. وطرده أبو حنيفة والمزني وابن سريج (٢) فقالوا: تُقدَّم الأخت للأمِّ على الأخت للأب. قالوا: لأنَّها تُدلِي بالأمِّ، والأختُ للأب بالأب، فلمَّا قُدِّمت (٣) الأمُّ على الأب قُدِّم من يُدلِي بها على من يُدلِي به.
стр. 3468
ولكنَّ هذا أشدُّ تناقضًا من الأوَّل؛ لأنَّ أصحاب القول الأوَّل (١) جَرَوا على القياس والأصول في تقديم قرابة الأب على قرابة الأمِّ، وخالفوا ذلك في أمِّ الأمِّ وأمِّ الأب، وهؤلاء تركوا القياس في الموضعين، وقدَّموا القرابة الَّتي أخَّرها الشَّرع، وأخَّروا القرابة الَّتي قدَّمها، ولم يُمكِنْهم تقديمُها في كلِّ موضعٍ، فقدَّموها في موضعٍ وأخَّروها في غيره مع تساويهما. ومن ذلك تقديم الشَّافعيِّ في الجديد الخالةَ على العمَّة مع تقديمه الأختَ للأب على الأخت للأمِّ، وطرد قياسه في تقديم أمِّ الأمِّ على أمِّ الأب، فوجب تقديمُ الأخت للأمِّ والخالة على الأخت للأب (٢) والعمَّة. وكذلك من قدَّم من أصحاب أحمد الخالةَ على العمَّة، وقدَّم الأختَ للأب على الأخت للأمِّ، كقول القاضي وأصحابه وصاحب «المغني»، فقد تناقضوا.
فإن قيل: الخالة تُدلِي بالأمِّ، والعمَّة تُدلِي بالأب، فكما قُدِّمت الأمُّ على الأب قُدِّم من يُدلِي بها، ويزيده بيانًا كونُ الخالة أمًّا، كما قال النَّبيُّ ﷺ ، فالعمَّة بمنزلة الأب.
قيل: قد بيَّنَّا أنَّه لم تُقدَّم الأمُّ على الأب لقوَّة الأمومة وتقديم هذه الجهة، بل لكونها أنثى، فإذا وُجِد عمَّةٌ وخالةٌ فالمعنى الذي قُدِّمت له الأمُّ موجودٌ فيهما، وامتازت العمَّة بأنَّها تُدلِي بأقوى القرابتين، وهي قرابة الأب، والنَّبيُّ ﷺ قضى بابنة حمزة لخالتها، وقال: «الخالة أمٌّ» حيث لم يكن لها مُزاحمٌ من أقارب الأب تُساويها في درجتها.
стр. 3469
فإن قيل: فقد كان لها عمَّةٌ وهي صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة، وكانت إذ ذاك موجودةً في المدينة، فإنَّها هاجرت، وشهدت الخندق، وقتلت رجلًا من اليهود كان يُطِيف بالحصن الذي (١) هي فيه، وهي أوَّل امرأةٍ قتلَتْ رجلًا من المشركين، وبقيت إلى خلافة عمر، فقدَّم النَّبيُّ ﷺ عليها الخالةَ، وهذا يدلُّ على تقديم من في جهة الأمِّ على من في جهة الأب.
قيل: إنَّما يدلُّ هذا إذا كانت صفية قد نازعتْ معهم وطلبت الحضانةَ فلم يَقْضِ لها بها بعد طلبها وقدَّم عليها الخالة، هذا إن كانت لم تُمنَع منها لعجزِها عنها، فإنَّها توفِّيت سنة عشرين عن ثلاثٍ وسبعين سنةً، فيكون لها وقت هذه الحكومة بضعًا وخمسين (٢) سنةً، فيحتمل أنَّها تركتْها لعجْزِها عنها، أو لم تطلبها مع قدرتها عليها، والحضانة حقٌّ للمرأة، فإذا تركتْها انتقلتْ إلى غيرها.
وبالجملة، فإنَّما يدلُّ الحديث على تقديم الخالة على العمَّة إذا ثبت أنَّ صفية خاصمتْ في ابنة أخيها (٣) وطلبت كفالتها، فقدَّم رسول الله ﷺ الخالةَ، وهذا لا سبيلَ إليه.
فصل
ومن ذلك أنَّ مالكًا لمَّا قدَّم أمَّ الأمِّ على أمِّ الأب، قدَّم الخالة بعدها على الأب وأمِّه، واختلف أصحابه في تقديم خالة الخالة على هؤلاء على وجهين، فأحد الوجهين: تُقدَّم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمِّه. وهذا في غاية
стр. 3470
البعد، فكيف تُقدَّم قرابة الأمِّ وإن بعدتْ على الأب نفسه وعلى قرابته، مع أنَّ الأب وأقاربه أشفقُ على الطِّفل وأرعى لمصلحته من قرابة الأمِّ؟ فإنَّه ليس إليهم بحالٍ، ولا يُنسَب إليهم، بل هو أجنبيٌّ منهم، وإنَّما نسَبُه (١) وولاؤه إلى أقارب أبيه، وهم أولى به، يَعقِلون عنه، وينفقون عليه عند الجمهور، ويتوارثون بالتَّعصيب وإن بَعُدتِ القرابة بينهم، بخلاف قرابة الأمِّ، فإنَّه لا يثبت فيها ذلك، ولا توارُثَ فيها إلا في أمَّهاتها وأوَّلِ درجةٍ من فروعها وهم ولدُها، فكيف تُقدَّم هذه القرابة على الأب ومَن في جهته، ولا سيَّما إذا قيل بتقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمِّه، فهذا القول ممَّا تأباه (٢) أصول الشّريعة وقواعدها.
وهذا نظير إحدى الرِّوايتين عن أحمد في تقديم الأخت من (٣) الأمِّ والخالة على الأب، وهذا أيضًا في غاية البعد ومخالفة القياس.
وحجَّة هذا القول: أنَّ كلتيهما تُدلِيان بالأمِّ المقدَّمة على الأب، فتُقدَّمان عليه. وهذا ليس بصحيحٍ، فإنَّ الأمَّ لمَّا سَاوت الأبَ في الدَّرجة، وامتازت عليه بكونها أقومَ بالحضانة، وأقدرَ عليها وأصبرَ، قُدِّمتْ عليه، وليس كذلك الأختُ من الأمِّ والخالةُ مع الأب، فإنَّهما لا يساويانه، وليس أحدٌ أقربَ إلى ولده منه، فكيف تُقدَّم عليه بنتُ امرأته أو أختها؟ وهل جعل الله الشَّفقة فيهما أكملَ منه؟
ثمَّ اختلف أصحاب الإمام أحمد في فهم نصِّه هذا على ثلاثة أوجهٍ:
стр. 3471
أحدها: أنه إنَّما قدَّمهما (١) على الأب لأُنوثيَّتهما (٢)، فعلى هذا تُقدَّم نساء الحضانة على كلِّ رجلٍ، فتُقدَّم خالةُ الخالة ــ وإن عَلَتْ ــ وبنتُ الأخت على الأب.
الثَّاني: أنَّ الخالة والأخت للأمِّ لم تُدلِيا بالأب، وهما من أهل الحضانة، فتقدَّم نساء الحضانة على كلِّ رجلٍ إلا على من أَدلينَ به، فلا يُقدَّمن (٣) عليه؛ لأنَّهنَّ فرعه. فعلى هذا الوجه لا تُقدَّم أمُّ الأب على الأب، ولا الأختُ والعمَّة عليه، وتُقدَّم عليه أمُّ الأمِّ (٤) والخالة والأختُ للأمِّ. وهذا أيضًا ضعيفٌ جدًّا؛ إذ يستلزم تقديمَ قرابة الأمِّ البعيدة على الأب وأمِّه، ومعلومٌ أنَّ الأب إذا قُدِّم على الأخت للأب فتقديمُه على الأخت (٥) للأمِّ أولى؛ لأنَّ الأخت للأب مقدَّمةٌ عليها، فكيف تُقدَّم على الأب نفسه؟ هذا تناقضٌ بيِّنٌ.
الثَّالث: تقديم نساء الأمِّ على الأب وأمَّهاتِه وسائرِ من في جهته، قالوا: وعلى هذا فكلُّ امرأةٍ في درجة رجلٍ تُقدَّم عليه، ويُقدَّم مَن أدلى بها على من أدلى بالرَّجل، فلمَّا قُدِّمت الأمُّ على الأب وهي في درجته قُدِّمت الأخت من الأمِّ على الأخت من الأب، وقُدِّمت الخالة على العمَّة.
هذا تقرير ما ذكره أبو البركات بن تيميَّة في «محرَّره» (٦) من تنزيل نصِّ
стр. 3472
أحمد على هذه المحامل الثَّلاث. وهو مخالفٌ لعامَّة نصوصه في تقديم الأخت للأب على الأخت للأمِّ وعلى الخالة، وتقديم خالة الأب على خالة الأمِّ، وهو الذي لم يذكر الخرقيُّ في «مختصره» (١) غيره، وهو الصَّحيح. وخرَّجها ابن عقيل على الرِّوايتين في أمِّ الأمِّ وأمِّ الأب (٢)، ولكنَّ نصَّه ما ذكره الخرقي. وهذه الرِّواية الَّتي حكاها صاحب «المحرَّر» ضعيفةٌ مرجوحةٌ، فلهذا جاءت فروعُها ولوازمُها أضعفَ منها بخلاف سائر نصوصه في جادَّة مذهبه.
فصل
وقد ضبط بعض أصحابه هذا الباب بضابطٍ، فقال (٣): كلُّ عصبةٍ فإنَّه (٤) يُقدَّم على كلِّ امرأةٍ هي أبعدُ منه، ويتأخَّر عمَّن هي أقربُ منه، وإذا تساويا (٥) فعلى وجهين. فعلى هذا الضَّابط يُقدَّم الأب على أمِّه وعلى أمِّ الأمِّ ومن معها، ويُقدَّم الأخ على ابنته وعلى العمَّة، والعمُّ على عمَّة الأب، وتُقدَّم أمُّ الأب على جدِّ الأب. وفي تقديمها على أبي الأب وجهان. وفي تقديم الأخت للأب على الأخ للأب وجهان. وفي تقديم العمَّة على العمِّ وجهان (٦).
стр. 3473
والصَّواب: تقديم الأنثى مع التَّساوي، كما قُدِّمت (١) الأمُّ على الأب لمَّا استويا، فلا وجهَ لتقديم الذَّكر على الأنثى مع مساواتها له، وامتيازها بقوَّة أسباب الحضانة والتَّربية فيها.
واختُلِف في بنات الإخوة والأخوات، هل يُقدَّمن على الخالات والعمَّات، أو تُقدَّم الخالات والعمَّات عليهنَّ؟ على وجهين، مأخذهما: أنَّ الخالة والعمَّة تُدلِيانِ بأخوَّة الأمِّ والأب، وبنات الإخوة والأخوات يُدلِينَ ببنوَّة الأب، فمن قدَّم بناتِ الإخوة راعى قوَّة البنوَّة على الأخوَّة. وليس ذلك بجيِّدٍ (٢)، بل الصَّواب تقديم العمَّة والخالة لوجهين:
أحدهما: أنَّها أقربُ إلى الطِّفل من بنات أخيه، فإنَّ العمَّة أخت أبيه، وابنة الأخ بنتُ أبيه (٣)، وكذلك الخالة أخت أمِّه، وبنتُ الأخت من الأمِّ أو الأب بنتُ بنتِ أمِّه أو أبيه، ولا ريبَ أنَّ العمَّة والخالة أقربُ إليه من هذه القرابة.
الثَّاني: أنَّ صاحب هذا القول إن طرد أصلَه لزِمَه ما لا قِبَلَ له (٤) به من تقديم بنت بنت الأخت وإن نزلتْ على الخالة الَّتي هي أمٌّ، وهذا فاسدٌ من القول، وإن خصَّ ذلك ببنت الأخت دون من أسفلَ (٥) منها تناقضَ.
стр. 3474
واختلف أصحاب أحمد أيضًا في الجدِّ والأخت للأب أيُّهما أولى؟ فالمذهب: أنَّ الجدَّ أولى منها، وحكى القاضي في «المجرَّد» وجهًا: أنَّها أولى منه. وهذا يجيء على أحد التَّأويلات الَّتي تأوَّل عليها الأصحاب نصَّ أحمد، وقد تقدَّمت.
فصل
وممَّا يبيِّن صحَّة الأصل المتقدِّم: أنَّهم قالوا: إذا عُدِم الأمَّهات ومن في جهتهنَّ انتقلت الحضانة إلى العصبات، وقُدِّم الأقرب فالأقرب منهم، كما في الميراث، فهذا جارٍ على القياس.
فيقال لهم: فهلَّا راعيتم هذا في جنس القرابة، فقدَّمتم القرابةَ القويَّة الرَّاجحة على الضَّعيفة المرجوحة كما فعلتم في العصبات؟
وأيضًا فإنَّ الصَّحيح في الأخوات عندكم أنَّه يُقدَّم منهنَّ من كانت لأبوين، ثمَّ من كانت لأبٍ، ثمَّ من كانت لأمٍّ، وهذا صحيحٌ موافقٌ للأصول والقياس، لكن إذا ضمَّ هذا إلى قولهم بتقديم قرابة الأمِّ على قرابة الأب جاء التَّناقضُ، وتلك الفروعُ المشكلة المتناقضة.
وأيضًا فقد قالوا بتقديم أمَّهات الأب والجدِّ على الخالات والأخوات للأمِّ، وهو الصَّواب الموافق لأصول الشَّرع، لكنَّه يُناقِض (١) لتقديمهم (٢) أمَّهات الأمِّ على أمَّهات الأب، ويُناقض تقديم الخالة والأخت للأمِّ على الأب، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، والقول القديم للشَّافعيِّ. ولا ريبَ أنَّ القول به أطردُ للأصل، لكنَّه في غاية البعد من قياس الأصول كما تقدَّم.
стр. 3475
ويَلزمهم من طرده أيضًا: تقديمُ من كان من الأخوات لأمٍّ على من كان منهنَّ لأبٍ، وقد التزمه أبو حنيفة والمزني وابن سُريج (١).
ويلزمهم من طرده أيضًا: تقديمُ بنت الخالة على الأخت للأب، وقد التزمه زفر، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة، ولكن أبو يوسف استشنع ذلك، فقدَّم الأخت للأب كقول الجمهور، ورواه عن أبي حنيفة.
ويلزمهم أيضًا من طرده: تقديمُ الخالة والأخت للأمِّ على الجدَّة أمِّ الأب. وهذا في غاية البعد والوهن، وقد التزمه زفر. ومثل هذا من المقاييس الَّتي حذَّر منها أبو حنيفة ﵀ لأصحابه (٢)، وقال (٣): لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنَّكم إن أخذتم بمقاييس زفر حرَّمتم الحلال وحلَّلتم الحرام.
فصل
وقد رام بعض أصحاب أحمد ضبْطَ هذا الباب بضابطٍ زعم أنَّه يتخلَّص به من التَّناقض، فقال: الاعتبار في الحضانة بالولادة المتحقِّقة، وهي الأمومة، ثمَّ الولادة الظَّاهرة وهي الأبوَّة، ثمَّ الميراث. قال: ولذلك تُقدَّم الأخت من الأب على الأخت من الأمِّ وعلى الخالة؛ لأنَّها أقوى إرثًا منهما. قال: ثمَّ الإدلاء، فتُقدَّم الخالة على العمَّة؛ لأنَّ الخالة تُدِلي بالأمِّ، والعمَّة تُدلِي بالأب. فذكر أربعة أسبابٍ (٤) للحضانة مرتبة: الأمومة، ثمَّ بعدها الأبوَّة، ثمَّ
стр. 3476
بعدها الميراث، ثمَّ الإدلاء.
وهذه طريقة صاحب «المستوعب» (١)، وما زادته هذه الطَّريقة إلا تناقضًا وبعدًا عن قواعد الشَّرع، وهي من أفسد الطُّرق، وإنَّما يتبيَّن فسادها بلوازمها الباطلة، فإنَّه إن أراد بتقديم الأمومة على الأبوَّة تقديمَ الأمِّ و (٢) من في جهتها على الأب ومن في جهته= كانت تلك اللَّوازم الباطلة المتقدِّمة من: تقديمِ الأختِ للأمِّ وبنتِ الخالة على الأب وأمِّه، وتقديمِ الخالة على العمَّة، وتقديمِ خالة الأمِّ على الأب (٣)، وتقديمِ بنات الأخت من الأمِّ على أمِّ الأب، وهذا مع مخالفته لنصوص إمامه فهو مخالفٌ لأصول الشَّرع وقواعده.
وإن أراد أنَّ الأمَّ نفسها تُقدَّم على الأب فهذا حقٌّ، لكنَّ الشَّأن في مناط هذا التَّقديم: هل هو لكون الأمِّ ومن في جهتها تُقدَّم على الأب ومن في جهته، أو لكونها أنثى في درجة ذكرٍ، وكلُّ أنثى كانت في درجة ذكرٍ قُدِّمت عليه مع تقديم قرابة الأب على قرابة الأمِّ؟ وهذا هو الصَّواب كما تقدَّم.
وكذلك قوله: «ثمَّ الميراث»، إن أراد به أنَّ المقدَّم في الميراث مقدَّمٌ في الحضانة فصحيحٌ، وطَرْدُه تقديم قرابة الأب على قرابة الأمِّ؛ لأنَّها مقدَّمةٌ عليها في الميراث، فتُقدَّم الأخت على العمَّة والخالة.
وقوله: «ولذلك تُقدَّم الأخت للأب على الأخت للأمِّ والخالة؛ لأنَّها
стр. 3477
أقوى إرثًا منهما»، فيقال: لم يكن تقديمها لأجل الإرث وقوَّته، ولو كان لأجل ذلك لكان العصبات أحقَّ بالحضانة من النِّساء، فيكون العمُّ أولى بها (١) من الخالة والعمَّة، وهذا باطلٌ.
فصل
وقد ضبط الشَّيخ في «المغني» هذا الباب بضابطٍ آخر، فقال (٢): فصلٌ في بيان الأَولى فالأَولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرِّجال والنِّساء. وأولى الكلِّ بها: الأمُّ، ثمَّ أمَّهاتها وإن عَلَون، يُقدَّم منهنَّ الأقربُ فالأقرب؛ لأنَّهنَّ نساءٌ ولادتُهنَّ متحقِّقةٌ، فهنَّ في معنى الأمِّ. وعن أحمد أنَّ أمَّ الأب وأمَّهاتها يُقدَّمنَ على أمِّ الأمِّ. فعلى هذه الرِّواية يكون الأب أولى بالتّقديم؛ لأنَّهنَّ يُدلِينَ به، فيكون الأب بعد الأمِّ، ثمَّ أمَّهاتُه. والأُولى هي المشهورة عند أصحابنا، فإنَّ المقدَّم الأمُّ، ثمَّ أمَّهاتها، ثمَّ الأب، ثمَّ أمَّهاته، ثمَّ الجدُّ، ثمَّ أمَّهاته، ثمَّ جدُّ الأب، ثمَّ أمَّهاته وإن كنَّ غير وارثاتٍ؛ لأنَّهنَّ يُدلِينَ بعصبةٍ من أهل الحضانة، بخلاف أمِّ أبي الأمِّ. وحُكِي عن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّ الأخت من الأمِّ والخالة أحقُّ من الأب، فتكون الأختُ من الأبوين أحقَّ منه ومنهما ومن جميع العصبات. والأُولى هي المشهورة من المذهب.
فإذا انقرض الآباء والأمَّهات انتقلت الحضانة إلى الأخوات، وتُقدَّم الأختُ من الأبوين، ثمَّ الأختُ من الأب، ثمَّ الأختُ من الأمِّ، وتُقدَّم الأخت على الأخ؛ لأنَّها امرأةٌ من أهل الحضانة، فقُدِّمت على من في درجتها
стр. 3478
من الرِّجال، كالأمِّ تُقدَّم على الأب، وأمِّ الأب على أبي الأب، وكلُّ جدَّةٍ في درجة جدٍّ تُقدَّم عليه؛ لأنَّها تلي الحضانة بنفسها، والرَّجل لا يليها بنفسه. وفيه وجهٌ آخر: أنَّه يُقدَّم عليها لأنَّه عصبةٌ بنفسه. والأوَّل أولى. وفي تقديم الأخت من الأبوين أو من الأب على الجدِّ وجهان. وإذا لم تكن أختٌ فالأخ للأبوين أولى، ثمَّ الأخُ للأب، ثمَّ أبناؤهما (١)، ولا حضانةَ للأخ من الأمِّ لما ذكرنا.
فإذا عُدِموا صارت الحضانة للخالات على الصَّحيح، وترتيبهنَّ فيها كترتيب الأخوات، ولا حضانةَ للأخوال. فإذا عُدِموا (٢) صارت للعمَّات، ويُقدَّمن على الأعمام كتقديم الأخوات على الإخوة، ثمَّ للعمِّ للأبوين، ثمَّ للعمِّ للأب، ولا حضانةَ للعمِّ من الأمِّ، ثمَّ أبناؤهما (٣)، ثمَّ إلى خالات الأب على قول الخرقي، وعلى القول الآخر إلى خالات الأمِّ، ثمَّ إلى عمَّات الأب. ولا حضانةَ لعمَّات الأمِّ؛ لأنَّهنَّ يُدلِينَ بأبي الأمِّ (٤)، ولا حضانةَ له. وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل الحضانة في درجةٍ قُدِّم المستحقُّ منهم بالقرعة. انتهى كلامه (٥).
وهذا خيرٌ ممَّا قبله من الضَّوابط، ولكن فيه تقديم أمِّ الأمِّ وإن عَلَتْ على الأب وأمَّهاته، فإن طردَ تقديم من في جهة الأمِّ على من في جهة الأب جاءت
стр. 3479
تلك اللَّوازم الباطلة، وهو لم يطرده، وإن قدَّم بعضَ من في جهة الأب على بعض من في جهة الأمِّ كما فعل= طُولب بالفرق وبمناط التَّقديم.
وفيه إثبات الحضانة للأخت من الأمِّ (١) دون الأخ من الأمِّ، وهو في درجتها ومساوٍ لها من كلِّ وجهٍ، فإن (٢) كان ذلك لأنوثتها وهو ذكرٌ انتقضَ برجال العصبة كلِّهم، وإن كان ذلك لكونه ليس من العصبة، والحضانة لا تكون لرجلٍ إلا أن يكون من العصبة= قيل: فكيف جعلتموها لنساء ذوي الأرحام مع مساواة قرابتهنَّ لقرابة من في درجتهنَّ من الذُّكور من كلِّ وجهٍ؟ فإمَّا أن تعتبروا الأنوثة فلا تجعلوها لذَكَرٍ، أو الميراثَ فلا تجعلوها لغير وارثٍ، أو القرابةَ فلا تمنعوا منها الأخَ من الأمِّ والخال وأبا الأمِّ، أو التَّعصيبَ فلا تعطوها لغير عصبةٍ.
فإن قلتم: بقي قسمٌ آخر وهو قولنا، وهو اعتبار التّعصيب في الذُّكور والقرابة في الإناث.
قيل: هذا مخالفٌ لباب الولايات وباب الميراث، والحضانة ولايةٌ على الطِّفل، فإن سلكتم بها مسلكَ الولايات فخُصُّوها بالأب والجدِّ، وإن سلكتم بها مسلكَ الميراث فلا تُعطوها لغير وارثٍ، وكلاهما خلاف قولكم وقول النَّاس أجمعين.
وفي كلامه أيضًا: تقديم ابن الأخ وإن نزلت درجتُه على الخالة الَّتي هي أمٌّ، وهو في غاية البعد، وجمهور الأصحاب إنَّما جعلوا أولاد الإخوة بعد
стр. 3480
أبي الأب والعمَّات، وهو الصَّحيح، فإنَّ الخالة أخت الأمِّ، وبها تُدلِي، والأمُّ مقدَّمةٌ على الأب، وابن الأخ إنَّما يُدلِي بالأخ الذي يُدلِي بالأب، فكيف يُقدَّم على الخالة؟ وكذا العمَّة أخت الأب وشقيقته، فكيف يُقدَّم ابنُ ابنه عليها؟
وقد ضبط هذا الباب شيخنا شيخ الإسلام ابن تيميَّة بضابطٍ آخر، فقال (١): أقربُ ما يُضبط به باب الحضانة أن يقال: لمَّا كانت الحضانة ولايةً تعتمد الشَّفقة والتَّربية والملاطفة كان أحقُّ النَّاس بها أقومَهم بهذه الصِّفات، وهم أقاربه، يُقدَّم منهم أقربُهم إليه وأقومُهم بصفات الحضانة. فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدًا، فإن استوت درجتهم قُدِّم الأنثى على الذَّكر، فتُقدَّم الأمُّ على الأب، والجدَّة على الجدِّ، والخالة على الخال، والعمَّة على العمِّ، والأخت على الأخ. فإن كانا ذكرين أو أنثيين قُدِّم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما. وإن اختلفت درجتهم من الطِّفل، فإن كانوا من جهةٍ واحدةٍ قُدِّم الأقرب إليه، فتُقدَّم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجدِّ، والجدَّة والجدُّ أبو الأمِّ على الأخ للأمِّ. هذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ جهة الأبوَّة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوَّة فيها. وقيل: يُقدَّم الأخ للأمِّ لأنَّه أقوى من أبي الأمِّ في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد.
وفيه وجهٌ ثالثٌ: لا حضانةَ للأخ من الأمِّ بحال؛ لأنَّه ليس من العصبات ولا من نساء الحضانة، وكذلك الخال أيضًا، فإنَّ صاحب هذا الوجه يقول: لا حضانةَ له، ولا نزاع أنَّ أبا الأمِّ وأمَّهاته أولى من الخال، وإن كانوا من
стр. 3481
جهتين، كقرابة الأمِّ وقرابة الأب، مثل العمَّة والخالة، والأخت للأب والأخت للأمِّ، وأمِّ الأب وأمِّ الأمِّ، وخالة الأب وخالة الأمِّ= قُدِّم مَن في جهة الأب في ذلك كلِّه على إحدى الرِّوايتين فيه.
هذا كلُّه إذا استوت درجتهم، أو كانت جهة الأب أقربَ إلى الطِّفل، وأمَّا إذا كانت جهة الأمِّ أقربَ، وقرابةُ الأب أبعدَ، كأمِّ الأمِّ وأمِّ أبي الأب، وكخالة الطِّفل وعمَّة أبيه، فقد تقابل التَّرجيحان، ولكن يُقدَّم الأقرب إلى الطِّفل لقوَّة شفقته وحُنوِّه على شفقة الأبعد. ومن قَدَّم قرابة الأب فإنَّما يُقدِّمها مع مساواة قرابة الأمِّ لها، فأمَّا إذا كانت أبعد منها قُدِّمت قرابة الأمِّ القريبة، وإلَّا لزم من تقديم القرابة البعيدة لوازمُ باطلةٌ لا يقول بها أحدٌ.
فبهذا الضَّابط يمكن حَصْرُ جميع مسائل هذا الباب، وجَرْيُها على قياس الشريعةِ، واطِّرادُها وموافقتُها لأصول الشَّرع، فأيُّ مسألةٍ وردت عليك أمكن أخذها من هذا الضَّابط، مع كونه مقتضى الدَّليل، ومع سلامته من التَّناقض ومناقضة قياس الأصول. وباللَّه التَّوفيق.
فصل
وقوله: «أنت (١) أحقُّ به ما لم تَنْكِحي»، فيه دليلٌ على أنَّ الحضانة حقٌّ للأمِّ. وقد اختلف الفقهاء هل هي حقٌّ للحاضنِ أو عليه؟ على قولين في مذهب أحمد ومالك، وينبني عليهما: هل لمن له الحضانة أن يُسقِطها ويَنزِل عنها (٢)؟ على قولين. وأنَّه لا يجب عليه خدمة الولد أيَّامَ حضانته إلا بأجرة
стр. 3482
إن قلنا: الحقُّ له، وإن قلنا: عليه، وجبَ خدمته مجَّانًا. وإن كان الحاضن فقيرًا، فله الأجرة على القولين.
وإذا وُهِبت الحضانة للأب وقلنا: الحقُّ لها، لزمت الهبةُ ولم ترجع فيها، وإن قلنا: الحقُّ عليها، فلها العَوْد إلى طلبها.
والفرق بين هذه المسألة وبين ما لم يثبت بعدُ كهبة الشُّفعة قبل البيع حيث لا تلزم في أحد القولين= أنَّ الهبة في الحضانة قد وُجِد سببها، فصار بمنزلة ما قد وُجِد. وكذلك إذا وهبت المرأة نفقتها لزوجها شهرًا لزِمت الهبة، ولم ترجع فيها.
هذا كلُّه كلام أصحاب مالكٍ وتفريعهم، والصَّحيح أنَّ الحضانة حقٌّ لها، وعليها إذا احتاج الطِّفل إليها ولم يُوجد غيرها، وإن اتَّفقتْ هي ووليُّ الطِّفل على نقلها إليه جاز. والمقصود أنَّ في قوله ﷺ : «أنتِ أحقُّ به» دليلًا على أنَّ الحضانة حقٌّ لها.
فصل
وقوله: «ما لم تنكحي»، اختُلف فيه: هل هو تعليلٌ أو توقيتٌ؟ على قولين، ينبني عليهما: ما لو تزوَّجتْ وسقطتْ حضانتها ثمَّ طلِّقت، فهل تعود الحضانة؟ فإن قيل: اللَّفظ تعليلٌ، عادت الحضانة بالطَّلاق؛ لأنَّ الحكم إذا ثبت بعلَّةٍ زال بزوالها، وعلَّة سقوط الحضانة التَّزويج، فإذا طلِّقت زالت العلَّة، فزال حكمها، وهذا قول الأكثرين، منهم الشَّافعيُّ وأحمد وأبو حنيفة.
ثمَّ اختلفوا فيما إذا كان الطَّلاق رجعيًّا، هل يعود حقُّها بمجرَّده، أو
стр. 3483
يتوقَّف عَودُها على (١) انقضاء العدَّة؟ على قولين، وهما في مذهب أحمد والشَّافعيِّ ومالك، أحدهما: يعود بمجرَّده، وهو ظاهر مذهب الشَّافعيِّ. والثَّاني: لا يعود حتَّى تنقضي العدَّة، وهو قول أبي حنيفة والمزني. هذا كلُّه تفريعٌ على أنَّ قوله: «ما لم تنكحي» تعليلٌ، وهو قول الأكثرين.
وقال مالك في المشهور من مذهبه: إذا تزوَّجت ودخل بها لم يَعُدْ حقُّها من الحضانة وإن طُلِّقت. قال بعض أصحابه: وهذا بناءً على أنَّ قوله «ما لم تنكحي» للتَّوقيت، أي: حقُّك من الحضانة موقَّتٌ إلى حين نكاحك، فإذا نكحتِ انقضى وقت الحضانة، فلا يعود بعد انقضاء وقتها، كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطِّفل واستغنائه عنها. وقال بعض أصحابه: يعود حقُّها إذا فارقَها زوجها، كقول الجمهور، وهو قول المغيرة وابن أبي حازم. قالوا: لأنَّ المقتضي لحقِّها من الحضانة هو قرابتها الخاصَّة، وإنَّما عارضها مانعُ النِّكاح؛ لما يوجبه من إضاعة الطِّفل، واشتغالها بحقوق الزَّوج الأجنبيِّ منه عن مصالحه، ولما فيه من تغذيته وتربيته في نعمة غير أقاربه، وعليهم في ذلك مِنَّةٌ وغَضاضةٌ. فإذا انقطع النِّكاح (٢) بموتٍ أو فرقةٍ زال المانع (٣) والمقتضي قائمٌ، فترتَّب عليه أثره. وهكذا كلُّ من قام به من أهل الحضانة مانعٌ منها، ككفرٍ أو رقٍّ أو فسقٍ أو بدوٍ، فإنَّه لا حضانة له، فإن زالت الموانع عاد حقُّهم من الحضانة، فهكذا النِّكاح والفرقة.
وأمَّا النِّزاع في عَود الحضانة بمجرَّد الطَّلاق الرَّجعيِّ، أو توقُّفه على
стр. 3484
انقضاء العدَّة= فمأخذه كون الرَّجعيَّة زوجةً في عامَّة الأحكام، فإنَّه يثبت بينهما التَّوارث والنَّفقة، ويصحُّ منها الظِّهار والإيلاء، ويحرم أن يأخذَ (١) عليها أختَها أو عمَّتها أو خالتها أو أربعًا سواها وهي زوجةٌ، فمن راعى ذلك لم يُعِدْ (٢) إليها الحضانة بمجرَّد الطَّلاق الرَّجعيِّ حتَّى تنقضيَ العدَّة، فتَبِينَ حينئذٍ، ومن أعاد الحضانة بمجرَّد الطَّلاق قال: قد عَزلَها عن فراشه، ولم يَبقَ لها عليه قسمٌ، ولا لها به شغلٌ، والعلَّة الَّتي سقطت حضانتُها لأجلها قد زالت بالطَّلاق. وهذا هو الذي رجَّحه الشَّيخ في «المغني» (٣)، وهو ظاهر كلام الخرقيِّ، فإنَّه قال: وإذا أُخِذَ الولد من الأمِّ إذا تزوَّجت ثمَّ طُلِّقتْ، رجعتْ على حقِّها من كفالته.
فصل
وقوله: «ما لم تنكحي» اختُلِف فيه: هل المراد به مجرَّد العقد، أو العقد مع الدُّخول؟ وفي ذلك وجهان:
أحدهما: أنَّ بمجرَّد العقد تزول حضانتها، وهو قول الشَّافعيِّ وأبي حنيفة؛ لأنَّه بالعقد يملك الزَّوج منافعَ الاستمتاع بها، ويملك نفْعَها من حضانة الولد.
والثَّاني: أنَّها لا تزول إلا بالدُّخول، وهو قول مالك، فإنَّ بالدُّخول يتحقَّق اشتغالُها عن الحضانة.
стр. 3485
والحديث يحتمل الأمرين، والأشبه سقوطُ حضانتها بالعقد؛ لأنَّها حينئذٍ صارت في مظنَّة الاشتغالِ عن الولد، والتَّهيُّؤِ للدُّخول، وأَخْذِها حينئذٍ في أسبابه، وهذا قول الجمهور.
فصل
واختلف النَّاس في سقوط الحضانة بالنِّكاح على أربعة أقوالٍ:
أحدها: سقوطها به مطلقًا، سواءٌ كان المَحْضُون ذكرًا أو أنثى، وهذا مذهب الشَّافعيِّ ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. قال ابن المنذر (١): أجمع على هذا كلُّ من أحفظ عنه من أهل العلم، قضى (٢) به شُريح.
والقول الثَّاني: أنَّها لا تسقط بالتَّزويج بحالٍ، ولا فرق في الحضانة بين الأيِّم وذات البعل، وحكي هذا المذهب عن الحسن البصريِّ، وهو قول أبي محمَّد بن حزمٍ (٣).
القول الثَّالث: أنَّ الطِّفل إن كان بنتًا لم تسقط الحضانة بنكاح أمِّها (٤)، وإن كان ذكرًا سقطت (٥). وهذا إحدى الرِّوايتين عن أحمد، نصَّ عليه في
стр. 3486
رواية مهنّا بن يحيى الشامي، فقال (١): إذا تزوَّجت الأمُّ وابنها صغيرٌ أُخِذ منها. قيل له: والجارية مثل الصَّبيِّ؟ قال: لا، الجارية تكون مع أمِّها إلى سبع سنين. وعلى هذه الرِّواية: فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ؟ على روايتين. قال ابن أبي موسى (٢): وعن أحمد أنَّ الأمَّ أحقُّ بحضانة البنت وإن تزوَّجت إلى أن تبلغ.
والقول الرَّابع: أنَّها إذا تزوَّجت بنسبٍ (٣) من الطِّفل لم تسقط حضانتها، ثمَّ اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنَّ المشتَرَط أن يكون الزَّوج نسيبًا للطِّفل فقط، وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد.
الثَّاني: أنَّه يُشترط مع ذلك أن يكون ذا رحمٍ مَحْرمٍ، وهو قول أصحاب أبي حنيفة.
الثَّالث: أنَّه يشترط أن يكون بين الزَّوج وبين الطِّفل إيلادًا (٤) ما، بأن يكون جَدًّا للطِّفل، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد. فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة.
فأمَّا حجَّة من أسقط الحضانة بالتَّزويج مطلقًا، فثلاث حججٍ:
إحداها: حديث عمرو بن شعيبٍ المتقدِّم ذكره.
стр. 3487
الثَّانية: اتِّفاق الصَّحابة على ذلك، وقد تقدَّم قول الصِّدِّيق لعمر: إنها أحقُّ به ما لم تتزوَّج، وموافقة عمر له على ذلك، ولا مخالفَ لهما من الصَّحابة البتَّةَ، وقضى به شُريح والقضاةُ بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار.
الثَّالثة (١): ما رواه عبد الرزاق (٢): أنا ابن جريجٍ، أنا أبو الزبير، عن رجلٍ صالحٍ من أهل المدينة، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن (٣)، قال: كانت امرأةٌ من الأنصار تحت رجلٍ من الأنصار، فقُتِل عنها يوم أحدٍ، وله منها ولدٌ، فخطبها عمُّ ولدها ورجلٌ آخر إلى أبيها، فأنكحَ الآخر، فجاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: أنكحَني أبي رجلًا لا أريده، وترك عمَّ ولدي، فأخذَ منِّي ولدي، فدعا رسول الله ﷺ أباها، فقال (٤): «أنت الذي لا نكاح لك، اذهبي فانكحي عمَّ ولدك». فلم ينكر أخْذَ الولد منها لمَّا تزوَّجت، بل أنكحها عمَّ الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليلٌ على سقوط الحضانة بالنِّكاح، وبقائها إذا تزوَّجت بنسيبٍ من الطِّفل.
واعترض أبو محمد ابن حزم (٥) على هذا الاستدلال بأنَّ حديث
стр. 3488
عمرو بن شعيبٍ صحيفةٌ، وحديث أبي سلمة هذا مرسلٌ، وفيه مجهولٌ. والاعتراضان ضعيفان، فقد بيَّنَّا (١) احتجاج الأئمَّة بعمرو في تصحيحهم حديثه، وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجلٍ قولُ ابن حزمٍ وقول البخاريِّ وأحمد وابن المدينيِّ والحُميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم، لم يُلتفت إلى سواهم.
وأمَّا حديث أبي سلمة هذا، فإنَّ أبا سلمة من كبار التَّابعين، وقد حكى القصَّةَ عن الأنصاريَّة، ولا يُنكَر لقاؤه لها، فلا يتحقَّق الإرسال، ولو تحقَّق فمرسلٌ جيِّدٌ، له شواهد مرفوعةٌ وموقوفةٌ، وليس الاعتماد عليه وحده، وعنى بالمجهول الرَّجلَ الصَّالح الذي شهد له أبو الزبير بالصَّلاح، ولا ريبَ أنَّ هذه الشَّهادة لا تعرِّف به، ولكنَّ المجهول إذا عدَّله الرَّاوي عنه الثِّقة ثبتت عدالته، وإن كان واحدًا على أصحِّ القولين، فإنَّ التَّعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشَّهادة، ولا سيَّما التَّعديل في الرِّواية، فإنَّه يُكتفى فيه بالواحد، ولا يزيد على أصل نصاب الرِّواية. هذا مع أنَّ أحد القولين: إنَّ مجرَّد رواية العدل عن غيره تعديلٌ له، وإن لم يصرِّح بالتَّعديل، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد. وأمَّا إذا روى عنه وصرَّح بتعديله (٢)، خرج عن الجهالة الَّتي تُردُّ لأجلها روايته، لا سيَّما إذا لم يكن معروفًا بالرِّواية عن الضُّعفاء والمتَّهمين.
وأبو الزبير وإن كان فيه تدليسٌ فليس معروفًا بالتَّدليس عن المتَّهمين والضُّعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس السَّلف، لم يكونوا يدلِّسون عن متَّهمٍ
стр. 3489
ولا مجروحٍ، وإنَّما كثر هذا النَّوع من التَّدليس في المتأخِّرين.
واحتجَّ أبو محمد على قوله بما رواه من طريق البخاريِّ، عن عبد العزيز بن صُهيبٍ عن أنس قال: قدِمَ رسول الله ﷺ المدينةَ وليس له خادمٌ، فأخذ أبو طلحة بيدي، وانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إنَّ أنسًا غلامٌ كيِّسٌ، فليخدِمْك. قال: فخدمتُه في السَّفر والحضر (١). وذكر الخبر.
قال أبو محمد (٢): فهذا أنس في حضانة أمِّه، ولها زوجٌ، وهو أبو طلحة بعلم رسول الله ﷺ .
وهذا الاحتجاج في غاية السُّقوط، والخبر في غاية الصِّحَّة، فإنَّ أحدًا من أقارب أنسٍ لم ينازع أمَّه فيه إلى النَّبيِّ ﷺ وهو طفلٌ صغيرٌ لم يُثْغَر (٣)، أو لم يأكلْ وحده ويشربْ وحده، أو لم يُميِّز، وأمُّه مزوَّجةٌ فحكم به لأمِّه. وإنَّما يتمُّ الاستدلال بهذه المقدِّمات كلِّها، والنَّبيُّ ﷺ لمَّا قدم المدينة كان لأنسٍ من العمر عشرُ سنين، وكان عند أمِّه، فلمَّا تزوَّجت أبا طلحة لم يأتِ أحدٌ من أقارب أنس ينازعها (٤) في ولدها ويقول: قد تزوَّجتِ فلا حضانة لكِ، وأنا أطلب انتزاعَه منكِ. ولا ريبَ أنَّه لا يحرم على المرأة المزوَّجة حضانةُ ابنها إذا اتَّفقت هي والزَّوج وأقارب الطِّفل على ذلك، ولا ريبَ أنَّه لا يجب بل لا يجوز أن يُفرَّق بين الأمِّ وولدها إذا تزوَّجت من غير أن يخاصِمَها من له الحضانة،
стр. 3490
ويطلبَ انتزاع الولد. فالاحتجاج بهذه القصَّة أبعدُ الاحتجاج وأبردُه.
ونظير هذا أيضًا احتجاجُهم بأنَّ أم سلمة لمَّا تزوَّجت برسول الله ﷺ لم تسقط كفالتها لابنتها (١)، بل استمرَّت على حضانتها. فيا عجبًا! مَن الذي نازع أم سلمة في ولدها ورَغِبَ عن أن يكون في حجر النَّبيِّ ﷺ ؟
واحتجَّ لهذا القول أيضًا بأنَّ رسول الله ﷺ قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوَّجةٌ بجعفر. ولا ريبَ أنَّ للنَّاس في قصَّة ابنة حمزة ثلاث مآخذ:
أحدها: أنَّ النِّكاح لا يُسقِط الحضانة.
الثَّاني: أنَّ المحضونة إذا كانت بنتًا فنكاح أمِّها لا يُسقِط حضانتها، ويُسقِطها إذا كان ذكرًا.
الثَّالث: أنَّ الزَّوج إذا كان نسيبًا من الطِّفل لم تسقط حضانتها، وإلَّا سقطت. فالاحتجاج بالقصَّة على أنَّ النِّكاح لا يُسقِط الحضانة مطلقًا لا يتمُّ إلا بعد إبطال ذينك الاحتمالين الآخرين.
فصل
وقضاؤه ﷺ بالولد لأمِّه وقولُه: «أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي» لا يستفاد منه عموم القضاء لكلِّ أمٍّ حتَّى يَقضيَ به للأمِّ وإن كانت كافرةً، أو رقيقةً، أو فاسقةً، أو مسافرةً، فلا يصحُّ الاحتجاج به على ذلك ولا نفيه، فإذا دلَّ دليلٌ منفصلٌ على اعتبار الإسلام والحرِّيَّة والدِّيانة والإقامة لم يكن ذلك تخصيصًا ولا مخالفةً لظاهر الحديث.
стр. 3491
وقد اشتُرِط في الحاضن ستَّة شروطٍ: اتِّفاقهما في الدِّين، فلا حضانة لكافرٍ على مسلمٍ لوجهين:
أحدهما: أنَّ الحاضن حريصٌ على تربية الطِّفل على دينه، وأن ينشأ عليه ويتربَّى عليه، فيصعُب بعد كبره وعقله انتقالُه عنه، وقد يُغيِّره عن فطرة الله الَّتي فطر عليها عباده، فلا يراجعها أبدًا، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، ويُنصِّرانه، ويُمجِّسانه» (١). فلا يُؤمَن تهويدُ الحاضن وتنصيرُه للطِّفل المسلم.
فإن قيل: الحديث إنَّما جاء في الأبوين خاصَّةً.
قيل: الحديث خرج مخرجَ الغالب، إذ الغالب المعتاد نشوء الطِّفل بين أبويه، فإن فُقِد الأبوان أو أحدهما قام وليُّ الطِّفل من أقاربه مقامَهما.
الوجه الثَّاني: أنَّ الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفَّار، وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعضٍ، والكفَّار بعضهم من بعضٍ، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة الَّتي قطعها الله بين الفريقين.
وقال أهل الرَّأي وابن القاسم وأبو ثورٍ: تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد. واحتجُّوا بما روى النَّسائيُّ في «سننه» (٢) من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدِّه رافع بن سِنان: أنَّه أسلم وأبتْ امرأتُه أن تُسلِم، فأتت النَّبيَّ ﷺ فقالت: ابنتي وهي فَطِيمٌ أو مُشبهة، وقال رافع: ابنتي، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اقعُدْ ناحيةً»، وقال لها: «اقعدي ناحيةً»، وقال
стр. 3492
لهما: «ادعُواها»، فمالت الصَّبيَّة إلى أمِّها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اللَّهمَّ اهْدِها»، فمالت إلى أبيها فأخذها.
قالوا: ولأنَّ الحضانة أمران: الرِّضاع وخدمة الطِّفل، وكلاهما يجوز من الكافرة (١).
قال الآخرون: هذا الحديث هو من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سِنان الأنصاري الأَوْسي، وقد ضعَّفه إمام العلل يحيى بن سعيدٍ القطَّان، وكان سفيان الثَّوريُّ يحمل عليه (٢)، وضعَّف ابن المنذر الحديث، وضعَّفه غيره. وقد اضطرب في القصَّة، فروى أنَّ المخيَّر كان بنتًا، وروى أنَّه كان ابنًا. وقال الشَّيخ في «المغني» (٣): وأمَّا الحديث فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يُثبِته أهل النَّقل، وفي إسناده مقالٌ، قاله ابن المنذر.
ثمَّ إنَّ الحديث قد يُحتجُّ به على صحَّة مذهب من اشترط الإسلام، فإنَّ الصَّبيَّة لمَّا مالت إلى أمِّها دعا النَّبيُّ ﷺ لها بالهداية، فمالت إلى أبيها، وهذا يدلُّ على أنَّ كونها مع الكافر خلافُ هدى الله الذي أراده من عباده، ولو استقرَّ جعْلُها مع أمِّها لكان فيه حجَّةٌ، بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله.
ومن العجب أنَّهم يقولون: لا حضانة للفاسق، فأيُّ فسقٍ أكبر من الكفر؟ وأين الضَّرر المتوقَّع من الفاسق بنشوء الطِّفل على طريقته إلى الضَّرر
стр. 3493
المتوقَّع من الكافر؟ مع (١) أنَّ الصَّواب أنَّه لا تُشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شَرَطَها أصحاب أحمد والشَّافعيِّ وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد.
ولو اشتُرِطَ (٢) في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم (٣)، ولعظمت المشقَّة على الأمَّة، واشتدَّ العَنَتُ. ولم يزل من حينِ قام الإسلام إلى أن تقوم السَّاعة أطفال الفسَّاق بينهم لا يتعرَّض لهم أحدٌ في الدُّنيا، مع كونهم هم الأكثرين. ومتى وقع في الإسلام انتزاعُ طفلٍ من أبويه أو أحدِهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسرِ واستمرارِ العمل المتَّصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النِّكاح، فإنَّه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي، مع أنَّ أكثر الأولياء الذين يَلُون (٤) ذلك فسَّاقٌ. ولم يزل الفسوق في النَّاس، ولم يمنع النَّبيُّ ﷺ ولا أحدٌ من أصحابه فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا من تزويجه مَوْلِيَّتَه، والعادة شاهدةٌ بأنَّ الرَّجل ولو كان من الفسَّاق فإنَّه يحتاط لابنته ولا يضيِّعها، ويَحرِص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّر خلاف ذلك. فهو قليلٌ بالنِّسبة إلى المعتاد. والشَّارع يكتفي في ذلك بالباعث الطَّبيعيِّ. ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانةِ وولايةِ النِّكاح لكان بيان هذا للأمَّة من أهمِّ الأمور، واعتناء الأمَّة بنقله (٥) وتوارث العمل به
стр. 3494
مقدَّمًا على كثيرٍ ممَّا نقلوه وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتِّصال العمل بخلافه؟ ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرِبَ (١) أو أتى كبيرةً فُرِّق بينه وبين أولاده الصِّغار والتمس لهم غيره، والله أعلم.
نعم، العقل مشتَرَطٌ في الحضانة، فلا حضانة لمجنونٍ ولا معتوهٍ ولا طفلٍ؛ لأنَّ هؤلاء يحتاجون إلى من يحضُنُهم ويكفُلُهم، فكيف يكونون كافلين لغيرهم؟
وأمَّا اشتراط الحرِّيَّة، فلا ينهض عليه دليلٌ يركَنُ القلب إليه، وقد شرَطَه أصحاب الأئمَّة الثَّلاثة. وقال مالك في حرٍّ له ولدٌ من أمةٍ: إنَّ الأمَّ أحقُّ به إلا أن تُباع فتنتقل، فيكون الأبُ أحقَّ بها. وهذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تُولَّه والدةٌ عن ولدها» (٢)، وقال: «من فرَّق بين والدةٍ وولدِها فرَّق الله بينه وبين أحبَّتِه يومَ القيامة» (٣). وقد قالوا: لا يجوز التَّفريق في البيع بين الأمِّ
стр. 3495
وولدها الصَّغير فكيف يفرِّقون بينهما في الحضانة؟ وعموم الأحاديث يمنع من التَّفريق مطلقًا في الحضانة والبيع. واستدلالُهم بكون منافعها مملوكةً للسَّيِّد، فهي مستغرقةٌ في خدمته، فلا تفرغ لحضانة الولد= ممنوعٌ، بل حقُّ الحضانة لها، تُقدَّم به (١) في أوقات حاجة الولد على حقِّ السَّيِّد، كما في البيع سواء.
وأمَّا اشتراط خلوِّها من النِّكاح فقد تقدَّم. وهاهنا مسألةٌ ينبغي التَّنبيه عليها، وهي أنَّا إذا أسقطنا حقَّها من الحضانة بالنِّكاح ونقلناها إلى غيرها فاتَّفق أنَّه لم يكن له سواها= لم يسقط حقُّها من الحضانة، وهي أحقُّ به من الأجنبيِّ الذي يدفعه القاضي إليه، وتربيته في حجْرِ أمِّه ورَابِّه (٢) أصلح له من تربيته في بيت أجنبيٍّ محضٍ لا قرابةَ بينهما تُوجِب شفقته ورحمته وحُنوَّه، ومن المحال أن تأتي الشَّريعة بدفع مفسدةٍ بمفسدةٍ أعظمَ منها بكثيرٍ، والنَّبيُّ ﷺ لم يحكم حكمًا عامًّا كلِّيًّا: أنَّ كلَّ امرأةٍ تزوَّجت سقطت حضانتها في جميع الأحوال، حتَّى يكون إثبات الحضانة للأمِّ في هذه الحال مخالفةً للنَّصِّ.
وأمَّا اتِّحاد الدَّار، فإن كان سفر أحدهما لحاجةٍ ثمَّ يعود والآخر مقيمٌ فهو أحقُّ؛ لأنَّ السَّفر بالولد الطِّفل ولا سيَّما إن كان رضيعًا إضرارٌ به، وتضييعٌ له. هكذا أطلقوه، ولم يستثنوا سفر الحجِّ من غيره.
وإن كان أحدهما منتقلًا عن بلد الآخر للإقامة، والبلد وطريقه مَخُوفان،
стр. 3496
أو أحدهما، فالمقيم أحقُّ. وإن كان هو وطريقُه آمنين ففيه قولان (١)، وهما روايتان عن أحمد، إحداهما: أنَّ الحضانة للأب ليتمكَّن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه، وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وقضى به شُريحٌ. والثَّانية: أنَّ الأمَّ أحقُّ. وفيها قولٌ ثالثٌ: إنَّ المنتقل إن كان هو الأب فالأمُّ أحقُّ به، وإن كان (٢) الأمُّ فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النِّكاح فهي أحقُّ به، وإن انتقلت إلى غيره (٣) فالأب أحقُّ، وهذا قول الحنفيَّة. وحكوا عن أبي حنيفة روايةً أخرى: أنَّ نَقْلَها إن كان من بلدٍ إلى قريةٍ فالأب أحقُّ، وإن كان من بلدٍ إلى بلدٍ فهي أحقُّ.
وهذه كلُّها أقوالٌ كما ترى لا يقوم عليها دليلٌ يسكن القلب إليه، فالصَّواب النَّظر والاحتياط للطِّفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة والنّقلة، فأيُّهما كان أنفعَ له وأصونَ وأحفظَ رُوعِي، ولا تأثيرَ لإقامةٍ ولا نقلةٍ. هذا كلُّه ما لم يُرِد أحدهما بالنّقلة مُضارَّةَ الآخر وانتزاعَ الولد منه، فإن أراد ذلك لم يُجَبْ إليه، والله الموفِّق.
فصل
وقوله: «أنت أحقُّ به ما لم تنكحي»، قيل: فيه إضمارٌ تقديره: ما لم تنكحِي، ويدخلْ بك الزَّوج، ويحكمِ الحاكم بسقوط الحضانة. وهذا تعسُّفٌ بعيدٌ لا يُشعِر به اللَّفظ ولا يدلُّ عليه بوجهٍ، ولا هو من دلالة الاقتضاء الَّتي تتوقَّف صحَّة المعنى عليها. والدُّخول داخلٌ في قوله «تنكحي» عند من
стр. 3497
اعتبره، فهو كقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ومن لم يعتبره فالمراد بالنِّكاح عنده العقد.
وأمَّا حكم الحاكم بسقوط الحضانة، فذاك إنَّما يُحتاج إليه عند التَّنازع والخصومة بين المتنازعين، فيكون منفِّذًا لحكم رسول الله ﷺ ، لا أنَّ رسول الله ﷺ أوقف سقوط الحضانة على حكمه، بل قد حكم هو بسقوطها، حكمَ به الحكَّام (١) بعده أو لم يحكموا. والَّذي دلَّ عليه هذا الحكم النَّبويُّ أنَّ الأمَّ أحقُّ بالطِّفل ما لم يوجد منها النِّكاح، فإذا نكحت زال ذلك الاستحقاق، وانتقل الحقُّ إلى غيرها. فأمَّا إذا طلبه من له الحقُّ وجبَ على خصمه أن يبذله له، فإن امتنع أجبره الحاكم عليه، وإن أسقط حقَّه أو لم يطالب به بقي على ما كان عليه أوَّلًا. فهذه (٢) قاعدةٌ عامَّةٌ مستفادةٌ من غير هذا الحديث.
فصل
وقد احتجَّ (٣) من لا يرى التَّخيير بين الأبوين بظاهر هذا الحديث، ووجه الاستدلال أنَّه قال: «أنتِ أحقُّ به»، ولو خُيِّر الطِّفل لم تكن هي أحقَّ به إلّا إذا اختارها، كما أنَّ الأب لا يكون أحقَّ به إلا إذا اختاره، فإن قُدِّر: أنتِ أحقُّ به إن اختارك، قُدِّر ذلك في جانب الأب، والنَّبيُّ ﷺ جعلها أحقَّ به مطلقًا عند المنازعة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. ونحن نذكر هذه المسألة ومذاهبَ النَّاس فيها، والاحتجاج لأقوالهم، ونُرجِّح ما وافق حكمَ
стр. 3498
رسول الله ﷺ منها.
ذِكر قول أبي بكر الصديق ﵁
ذكر عبد الرزاق (١) عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عبَّاسٍ قال: طلَّق عمر بن الخطَّاب امرأته، فذكر الأثر المتقدِّم، وقال فيه: ريحُها وفراشُها خيرٌ له منك حتَّى يَشِبَّ ويختار لنفسه، فحكم به لأمِّه حين لم يكن له تمييزٌ إلى أن يشبَّ ويميِّز ويخيَّر حينئذٍ.
ذِكر قول عمر بن الخطاب ﵁
قال الشَّافعيُّ (٢): أنا ابن عيينة، عن يزيد بن يزيد (٣) بن جابرٍ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الرَّحمن بن غَنْمٍ أنَّ عمر بن الخطَّاب خَيَّر غلامًا بين أبيه وأمِّه.
وقال عبد الرزاق (٤): أبنا ابن جريجٍ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: خيَّر عمر غلامًا بين أبيه وأمِّه، فاختار أمَّه فانطلقت به.
وذكر عبد الرزاق (٥) أيضًا: عن معمر، عن أيوب، عن إسماعيل بن
стр. 3499
عبيد الله، عن عبد الرَّحمن بن غنمٍ، قال: اختُصِم إلى (١) عمر بن الخطَّاب في غلامٍ، فقال: هو مع أمِّه حتَّى يُعرِب عنه لسانه ليختار.
وذكر سعيد بن منصورٍ (٢) عن هشيم، عن خالد، عن الوليد بن مسلمٍ قال: اختصموا إلى عمر بن الخطَّاب في يتيمٍ فخيَّره، فاختار أمَّه على عمِّه، فقال عمر: إنَّ لطْفَ أمِّك خيرٌ من خِصْبِ عمِّك.
ذكر قول علي بن أبي طالب ﵁
قال (٣) الشَّافعيُّ (٤): أنا ابن عيينة، عن يونس بن عبد الله الجَرْمي، عن عُمارة الجَرْمي قال: خيَّرني علي بين أمِّي وعمِّي، ثمَّ قال لأخٍ لي أصغرَ منِّي: وهذا أيضًا لو بلغ مبلغَ هذا لخيَّرتُه.
قال الشَّافعيُّ (٥): قال إبراهيم، عن يونس، عن عمارة، عن علي مثله،
стр. 3500
وقال في الحديث: وكنتُ ابنَ سبعِ سنين أو ثمانِ سنين.
وقال يحيى القطَّان: ثنا يونس بن عبد الله الجَرْمي، حدَّثني عُمارة بن ربيعة (١) أنَّه خاصم فيه أمُّه وعمُّه إلى عليِّ بن أبي طالبٍ قال: فخيَّرني عليٌّ ثلاثًا، كلَّهنَّ أختار أمِّي، ومعي أخٌ لي صغيرٌ، فقال علي: هذا إذا بلغَ مبلغَ هذا خُيِّر (٢).
ذكر قول أبي هريرة ﵁
قال أبو خيثمة زهير بن حربٍ: ثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعدٍ، عن هلال بن أبي ميمونة [عن أبي ميمونة]، قال: شهدتُ أبا هريرة خَيَّر غلامًا بين أبيه وأمِّه، وقال: إنَّ رسول الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمِّه (٣).
فهذا ما ظَفِرتُ به عن الصَّحابة.
وأمَّا الأئمَّة، فقال حرب بن إسماعيل (٤): سألت إسحاق بن راهويه: إلى
стр. 3501
متى يكون الصَّبيُّ والصَّبيَّة مع الأمِّ إذا طُلِّقت؟ قال: أحبُّ إليَّ أن يكون مع الأمِّ إلى سبع سنين، ثمَّ يُخيَّر. قلت له: أترى التَّخيير؟ قال: شديدًا. قلت: فأقلَّ من سبع سنين لا يُخيَّر؟ قال: قد قال بعضهم: خمسٌ، وأنا أحبُّ إليَّ سبعٌ.
وأمَّا مذهب الإمام أحمد (١)، فإمَّا أن يكون الطِّفل ذكرًا أو أنثى، فإن كان ذكرًا فإمَّا أن يكونَ ابنَ سبعٍ أو دونها، فإن كان له دونَ السَّبع فأمُّه أحقُّ بحضانته من غير تخييرٍ، وإن كان له سبعٌ ففيه ثلاث رواياتٍ:
إحداها ــ وهي الصَّحيحة المشهورة من مذهبه ــ أنَّه يُخيَّر، وهي اختيار أصحابه، فإن لم يختر واحدًا منهما أُقرِع بينهما، وكان لمن قُرِع، وإذا اختار أحدهما ثمَّ عاد فاختار الآخر نُقِل إليه، وهكذا أبدًا.
والثَّانية: أنَّ الأب أحقُّ به من غير تخييرٍ.
والثَّالثة: الأمُّ أحقُّ به (٢) كما قبل السَّبع.
وأمَّا إذا كان أنثى فإن كان لها دونَ سبع سنين فأمُّها أحقُّ بها بغير تخييرٍ، وإن بلغتْ سبعًا فالمشهور من مذهبه أنَّ الأب (٣) أحقُّ بها إلى تسع سنين، فإذا بلغت تسعًا فالأب أحقُّ بها بغير تخييرٍ.
وعنه روايةٌ ثالثة: أنَّ الأمَّ أحقُّ بها حتَّى تبلغ، ولو تزوَّجت الأمُّ.
стр. 3502
وعنه روايةٌ رابعة: أنَّها تُخيَّر بعد السَّبع كالغلام، نصَّ عليها، وأكثرُ أصحابه إنَّما حكوا ذلك وجهًا في المذهب. هذا تلخيص مذهبه وتحريره.
وقال الشَّافعيُّ: الأمُّ أحقُّ بالطِّفل ذكرًا كان أو أنثى إلى أن يبلغا سبع سنين، فإذا بلغا سبعًا وهما يعقلانِ عقْلَ مثلهما خُيِّر كلٌّ منهما بين أبيه وأمِّه، وكان مع من اختار.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا تخييرَ بحالٍ. ثمَّ اختلفا.
فقال أبو حنيفة: الأمُّ أحقُّ بالجارية حتَّى تبلغ، وبالغلامِ حتَّى يأكلَ وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، ثمَّ يكونان عند الأب، ومَن سِوى الأبوين أحقُّ بهما حتَّى يستغنيا، ولا يعتبر البلوغ.
وقال مالك: الأمُّ أحقُّ بالولد ذكرًا كان أو أنثى حثى يُثْغِر (١)، هذه رواية ابن وهب، وروى ابن القاسم: حتَّى يبلغ، ولا يُخيَّر بحالٍ.
وقال اللَّيث بن سعدٍ: الأمُّ (٢) أحقُّ بالابن حتَّى يبلغ ثمان سنين، وبالبنت حتَّى تبلغ، ثمَّ الأب أحقُّ بهما (٣) بعد ذلك.
وقال الحسن بن حيٍّ: الأمُّ أولى بالبنت حتَّى تكْعُبَ ثدياها، وبالغلام حتَّى يَيْفَعَ، فيُخيَّران بعد ذلك بين أبويهما، الذَّكر والأنثى سواءٌ.
قال المخيِّرون في الغلام دون الجارية: قد ثبت التَّخيير عن النَّبيِّ ﷺ في
стр. 3503
الغلام من حديث أبي هريرة، وثبت عن الخلفاء (١) الرَّاشدين وأبي هريرة، ولا يُعرَف لهم مخالفٌ في الصَّحابة البتَّةَ، ولا أنكره منكرٌ.
قالوا: وهذا غايةُ العدلِ الممكن، فإنَّ الأمَّ إنَّما قُدِّمت في حال الصِّغر لحاجة الولد إلى التَّربية والحمل والرَّضاع والمداراة الَّتي لا تتهيَّأ لغير النِّساء، وإلَّا فالأمُّ أحد الأبوين، فكيف تُقدَّم عليه؟ فإذا بلغ الغلام حدًّا يُعرِب (٢) عن نفسه، ويستغني عن الحمل والوضع وما يُعانيه النِّساء= تساوى الأبوان، وزال السَّبب الموجِب لتقديم الأمِّ، والأبوان متساويان فيه، فلا يُقدَّم (٣) أحدهما إلا بمرجِّحٍ، والمرجِّح إمَّا من خارجٍ وهو القرعة، وإمَّا من جهة الولد وهو اختياره، وقد جاءت السُّنَّة بهذا وهذا، وقد جمعهما حديث أبي هريرة، فاعتبرناهما جميعًا، ولم ندفع أحدهما بالآخر. وقدَّمنا ما قدَّمه النَّبيُّ ﷺ ، وأخَّرنا ما أخَّره، فقُدِّم التَّخيير لأنَّ القرعة إنَّما يُصار إليها إذا تساوت الحقوق من كلِّ وجهٍ ولم يبقَ مرجِّحٌ سواها، وهكذا فعلنا هاهنا، قدَّمنا أحدهما بالاختيار، فإن لم يَخْتَرْ أو اختارهما جميعًا عَدَلْنا إلى القرعة، فهذا لو لم يكن فيه موافقة السُّنَّة لكان من أحسن الأحكام وأعدلِها وأقطعِها للنِّزاع بتراضي المتنازعين.
وفيه وجهٌ آخر في مذهب أحمد والشَّافعيِّ، أنَّه إذا لم يختَرْ واحدًا منهما كان عند الأمِّ بلا قرعةٍ (٤)؛ لأنَّ الحضانة كانت لها، وإنَّما ينقله عنها باختياره،
стр. 3504
فإذا لم يختَرْ بقي عندها على ما كان.
فإن قيل: فقد قدَّمتم التَّخيير على القرعة، والحديث فيه تقديم القرعة أوَّلًا ثمَّ التَّخيير، وهذا أولى؛ لأنَّ القرعة طريقٌ شرعيٌّ للتَّقديم عند تساوي المستحقِّين، وقد تساوى الأبوان، فالقياس تقديم أحدهما بالقرعة، فإن أَبَيَا القرعة لم يبقَ إلا اختيارُ الصَّبيِّ، فيُرجَّح به، فما بالُ أصحاب أحمد والشَّافعيِّ قدَّموا التَّخيير على القرعة؟
قيل: إنَّما قُدِّم التَّخيير لاتِّفاق ألفاظ الحديث عليه، وعملِ الخلفاء الرَّاشدين به، وأمَّا القرعة فبعض الرُّواة ذكرها في الحديث (١)، وبعضهم لم يذكرها، وإنَّما كانت في بعض طرق حديث أبي هريرة وحده، فقدِّم التَّخيير عليها، فإذا تعذَّر القضاء بالتَّخيير تعيَّنت القرعةُ طريقًا للتَّرجيح؛ إذ لم يبقَ سواها.
ثمَّ قال المخيِّرون للغلام والجارية: روى النَّسائيُّ في «سننه» والإمام أحمد في «مسنده» (٢) من حديث رافع بن سِنان: أنَّه تنازع هو وأمٌّ (٣) في ابنتها، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقعدَه ناحيةً، وأقعدَ المرأة ناحيةً، وأقعد الصَّبيَّة بينهما، وقال: ادْعُواها، فمالت إلى أمِّها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اللَّهمَّ اهْدِها»، فمالت إلى أبيها فأخذَها.
قالوا: ولو لم يَرِد هذا الحديث لكان حديث أبي هريرة والآثار المتقدِّمة
стр. 3505
حجَّةً في تخيير الأنثى؛ لأنَّ كون الطِّفل ذَكَرًا لا تأثيرَ له في الحكم، بل هي كالذَّكر في قوله ﷺ : «من وَجدَ متاعَه عند رجلٍ قد أفلسَ» (١)، وفي قوله: «من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ» (٢). بل حديث الحضانة أولى بعدم اشتراط الذُّكوريَّة فيه؛ لأنَّ لفظ الصَّبيِّ ليس من كلام الشَّارع، إنَّما الصَّحابيُّ حكى القصَّة، وأنَّها كانت في صبيٍّ، فإذا نُقِّحَ المناط تبيَّن أنَّه لا تأثير لكونه ذكرًا.
قالت الحنابلة: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: استدلالكم بحديث رافع، والثَّاني: إلغاؤكم وصف الذُّكوريَّة في أحاديث التَّخيير.
فأمَّا الأوَّل، فالحديث قد ضعَّفه ابن المنذر وغيره، وضعَّف يحيى بن سعيدٍ والثَّوريُّ عبدَ الحميد بن جعفر. وأيضًا فقد اختُلف فيه على قولين، أحدهما: أنَّ المخيَّر كان بنتًا، وروي أنَّه كان ابنًا. فقال عبد الرزاق (٣): أنا سفيان، عن عثمان البتَّيِّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ أبويه اختصما إلى النَّبيِّ ﷺ ، أحدهما مسلمٌ والآخر كافرٌ، فتوجَّه إلى الكافر، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اللَّهمَّ اهدِه»، فتوجَّه إلى المسلم فقضى له (٤) به.