← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

متى يكون الصَّبيُّ والصَّبيَّة مع الأمِّ إذا طُلِّقت؟ قال: أحبُّ إليَّ أن يكون مع الأمِّ إلى سبع سنين، ثمَّ يُخيَّر. قلت له: أترى التَّخيير؟ قال: شديدًا. قلت: فأقلَّ من سبع سنين لا يُخيَّر؟ قال: قد قال بعضهم: خمسٌ، وأنا أحبُّ إليَّ سبعٌ. وأمَّا مذهب الإمام أحمد (١)، فإمَّا أن يكون الطِّفل ذكرًا أو أنثى، فإن كان ذكرًا فإمَّا أن يكونَ ابنَ سبعٍ أو دونها، فإن كان له دونَ السَّبع فأمُّه أحقُّ بحضانته من غير تخييرٍ، وإن كان له سبعٌ ففيه ثلاث رواياتٍ: إحداها ــ وهي الصَّحيحة المشهورة من مذهبه ــ أنَّه يُخيَّر، وهي اختيار أصحابه، فإن لم يختر واحدًا منهما أُقرِع بينهما، وكان لمن قُرِع، وإذا اختار أحدهما ثمَّ عاد فاختار الآخر نُقِل إليه، وهكذا أبدًا. والثَّانية: أنَّ الأب أحقُّ به من غير تخييرٍ. والثَّالثة: الأمُّ أحقُّ به (٢) كما قبل السَّبع. وأمَّا إذا كان أنثى فإن كان لها دونَ سبع سنين فأمُّها أحقُّ بها بغير تخييرٍ، وإن بلغتْ سبعًا فالمشهور من مذهبه أنَّ الأب (٣) أحقُّ بها إلى تسع سنين، فإذا بلغت تسعًا فالأب أحقُّ بها بغير تخييرٍ. وعنه روايةٌ ثالثة: أنَّ الأمَّ أحقُّ بها حتَّى تبلغ، ولو تزوَّجت الأمُّ.

стр. 3502

وعنه روايةٌ رابعة: أنَّها تُخيَّر بعد السَّبع كالغلام، نصَّ عليها، وأكثرُ أصحابه إنَّما حكوا ذلك وجهًا في المذهب. هذا تلخيص مذهبه وتحريره. وقال الشَّافعيُّ: الأمُّ أحقُّ بالطِّفل ذكرًا كان أو أنثى إلى أن يبلغا سبع سنين، فإذا بلغا سبعًا وهما يعقلانِ عقْلَ مثلهما خُيِّر كلٌّ منهما بين أبيه وأمِّه، وكان مع من اختار. وقال مالك وأبو حنيفة: لا تخييرَ بحالٍ. ثمَّ اختلفا. فقال أبو حنيفة: الأمُّ أحقُّ بالجارية حتَّى تبلغ، وبالغلامِ حتَّى يأكلَ وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، ثمَّ يكونان عند الأب، ومَن سِوى الأبوين أحقُّ بهما حتَّى يستغنيا، ولا يعتبر البلوغ. وقال مالك: الأمُّ أحقُّ بالولد ذكرًا كان أو أنثى حثى يُثْغِر (١)، هذه رواية ابن وهب، وروى ابن القاسم: حتَّى يبلغ، ولا يُخيَّر بحالٍ. وقال اللَّيث بن سعدٍ: الأمُّ (٢) أحقُّ بالابن حتَّى يبلغ ثمان سنين، وبالبنت حتَّى تبلغ، ثمَّ الأب أحقُّ بهما (٣) بعد ذلك. وقال الحسن بن حيٍّ: الأمُّ أولى بالبنت حتَّى تكْعُبَ ثدياها، وبالغلام حتَّى يَيْفَعَ، فيُخيَّران بعد ذلك بين أبويهما، الذَّكر والأنثى سواءٌ. قال المخيِّرون في الغلام دون الجارية: قد ثبت التَّخيير عن النَّبيِّ ﷺ في

стр. 3503

الغلام من حديث أبي هريرة، وثبت عن الخلفاء (١) الرَّاشدين وأبي هريرة، ولا يُعرَف لهم مخالفٌ في الصَّحابة البتَّةَ، ولا أنكره منكرٌ. قالوا: وهذا غايةُ العدلِ الممكن، فإنَّ الأمَّ إنَّما قُدِّمت في حال الصِّغر لحاجة الولد إلى التَّربية والحمل والرَّضاع والمداراة الَّتي لا تتهيَّأ لغير النِّساء، وإلَّا فالأمُّ أحد الأبوين، فكيف تُقدَّم عليه؟ فإذا بلغ الغلام حدًّا يُعرِب (٢) عن نفسه، ويستغني عن الحمل والوضع وما يُعانيه النِّساء= تساوى الأبوان، وزال السَّبب الموجِب لتقديم الأمِّ، والأبوان متساويان فيه، فلا يُقدَّم (٣) أحدهما إلا بمرجِّحٍ، والمرجِّح إمَّا من خارجٍ وهو القرعة، وإمَّا من جهة الولد وهو اختياره، وقد جاءت السُّنَّة بهذا وهذا، وقد جمعهما حديث أبي هريرة، فاعتبرناهما جميعًا، ولم ندفع أحدهما بالآخر. وقدَّمنا ما قدَّمه النَّبيُّ ﷺ ، وأخَّرنا ما أخَّره، فقُدِّم التَّخيير لأنَّ القرعة إنَّما يُصار إليها إذا تساوت الحقوق من كلِّ وجهٍ ولم يبقَ مرجِّحٌ سواها، وهكذا فعلنا هاهنا، قدَّمنا أحدهما بالاختيار، فإن لم يَخْتَرْ أو اختارهما جميعًا عَدَلْنا إلى القرعة، فهذا لو لم يكن فيه موافقة السُّنَّة لكان من أحسن الأحكام وأعدلِها وأقطعِها للنِّزاع بتراضي المتنازعين. وفيه وجهٌ آخر في مذهب أحمد والشَّافعيِّ، أنَّه إذا لم يختَرْ واحدًا منهما كان عند الأمِّ بلا قرعةٍ (٤)؛ لأنَّ الحضانة كانت لها، وإنَّما ينقله عنها باختياره،

стр. 3504

فإذا لم يختَرْ بقي عندها على ما كان. فإن قيل: فقد قدَّمتم التَّخيير على القرعة، والحديث فيه تقديم القرعة أوَّلًا ثمَّ التَّخيير، وهذا أولى؛ لأنَّ القرعة طريقٌ شرعيٌّ للتَّقديم عند تساوي المستحقِّين، وقد تساوى الأبوان، فالقياس تقديم أحدهما بالقرعة، فإن أَبَيَا القرعة لم يبقَ إلا اختيارُ الصَّبيِّ، فيُرجَّح به، فما بالُ أصحاب أحمد والشَّافعيِّ قدَّموا التَّخيير على القرعة؟ قيل: إنَّما قُدِّم التَّخيير لاتِّفاق ألفاظ الحديث عليه، وعملِ الخلفاء الرَّاشدين به، وأمَّا القرعة فبعض الرُّواة ذكرها في الحديث (١)، وبعضهم لم يذكرها، وإنَّما كانت في بعض طرق حديث أبي هريرة وحده، فقدِّم التَّخيير عليها، فإذا تعذَّر القضاء بالتَّخيير تعيَّنت القرعةُ طريقًا للتَّرجيح؛ إذ لم يبقَ سواها. ثمَّ قال المخيِّرون للغلام والجارية: روى النَّسائيُّ في «سننه» والإمام أحمد في «مسنده» (٢) من حديث رافع بن سِنان: أنَّه تنازع هو وأمٌّ (٣) في ابنتها، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقعدَه ناحيةً، وأقعدَ المرأة ناحيةً، وأقعد الصَّبيَّة بينهما، وقال: ادْعُواها، فمالت إلى أمِّها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اللَّهمَّ اهْدِها»، فمالت إلى أبيها فأخذَها. قالوا: ولو لم يَرِد هذا الحديث لكان حديث أبي هريرة والآثار المتقدِّمة

стр. 3505

حجَّةً في تخيير الأنثى؛ لأنَّ كون الطِّفل ذَكَرًا لا تأثيرَ له في الحكم، بل هي كالذَّكر في قوله ﷺ : «من وَجدَ متاعَه عند رجلٍ قد أفلسَ» (١)، وفي قوله: «من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ» (٢). بل حديث الحضانة أولى بعدم اشتراط الذُّكوريَّة فيه؛ لأنَّ لفظ الصَّبيِّ ليس من كلام الشَّارع، إنَّما الصَّحابيُّ حكى القصَّة، وأنَّها كانت في صبيٍّ، فإذا نُقِّحَ المناط تبيَّن أنَّه لا تأثير لكونه ذكرًا. قالت الحنابلة: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: استدلالكم بحديث رافع، والثَّاني: إلغاؤكم وصف الذُّكوريَّة في أحاديث التَّخيير. فأمَّا الأوَّل، فالحديث قد ضعَّفه ابن المنذر وغيره، وضعَّف يحيى بن سعيدٍ والثَّوريُّ عبدَ الحميد بن جعفر. وأيضًا فقد اختُلف فيه على قولين، أحدهما: أنَّ المخيَّر كان بنتًا، وروي أنَّه كان ابنًا. فقال عبد الرزاق (٣): أنا سفيان، عن عثمان البتَّيِّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ أبويه اختصما إلى النَّبيِّ ﷺ ، أحدهما مسلمٌ والآخر كافرٌ، فتوجَّه إلى الكافر، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اللَّهمَّ اهدِه»، فتوجَّه إلى المسلم فقضى له (٤) به.

стр. 3506

قال أبو الفرج بن الجوزيِّ (١): ورواية من روى أنَّه كان غلامًا أصحُّ. قالوا: ولو (٢) سُلِّم لكم أنَّه كان أنثى فأنتم لا تقولون به، فإنَّ فيه أنَّ أحدهما كان مسلمًا والآخر كافرًا، فكيف تحتجُّون بما لا تقولون به؟ قالوا: وأيضًا فلو كانا مسلمين ففي الحديث أنَّ الطِّفل كان (٣) فطيمًا، وهذا قطعًا دون السَّبع، والظَّاهر أنَّه دون الخمس، وأنتم لا تُخيِّرون من له دون السَّبع، فظهر أنَّه لا يمكنكم الاستدلالُ بحديث رافع هذا على كلِّ تقديرٍ. بقي المقام الثَّاني، وهو إلغاء وصف الذُّكورية (٤) في أحاديث التَّخيير وغيره (٥)، فنقول: لا ريبَ أنَّ من الأحكام ما يكفي فيها وصف الذُّكورية أو وصف الأنوثية قطعًا، ومنها ما لا يكفي فيه، بل يُعتبر فيه إمَّا هذا وإمَّا هذا، فيُلغى الوصف في كلِّ حكمٍ تعلَّق بالنَّوع الإنسانيِّ المشترك بين الأفراد، ويعتبر وصف الذُّكورية في كلِّ موضعٍ كان له تأثيرٌ فيه، كالشَّهادة والميراث والولاية في النِّكاح، ويعتبر وصف الأنوثية في كلِّ موضعٍ يختصُّ بالإناث أو يقدَّمن فيه على الذُّكور، كالحضانة، إذا استوى في الدَّرجة (٦) الذَّكر والأنثى قدِّمت الأنثى.

стр. 3507

بقي النَّظر فيما نحن فيه من شأن التَّخيير، هل لوصف الذُّكورية تأثيرٌ في ذلك فيُلْحَق بالقسم الذي يُعتبر فيه، أو لا تأثير له فيُلْحَق بالقسم الذي يُلغى فيه؟ فلا سبيلَ إلى جعلها من القسم المُلغى فيه وصف الذُّكورية؛ لأنَّ التَّخيير هاهنا تخيير شهوةٍ، لا تخيير رأيٍ ومصلحةٍ؛ ولهذا إذا اختار غير من اختاره أوَّلًا نُقل إليه، فلو خُيِّرت البنت أفضى ذلك إلى أن تكون عند الأب تارةً، وعند الأمِّ أخرى، فإنَّها كلَّما شاءت الانتقال أُجِيبتْ إليه، وذلك عكس ما شُرِع للإناث من لزوم البيوت، وعدم البروز، ولزوم الخدور وراء الأستار، فلا يليق بها أن تُمكَّن من (١) خلاف ذلك. وإذا كان هذا الوصف معتبرًا قد شهد له الشَّرع بالاعتبار لم يمكن إلغاؤه. قالوا: وأيضًا فإنَّ ذلك يفضي إلى أن لا يبقى الأب مُوكَّلًا بحفظها، ولا الأمُّ لتنقُّلِها بينهما، وقد عُرِف بالعادة أنَّ ما يتناوب النَّاسُ على حفظه ويتواكلون فيه فهو (٢) إلى ضياعٍ، ومن الأمثال السَّائرة: «لا تَصلُح القِدْر بين طبَّاخَينِ» (٣). قالوا: وأيضًا فالعادة شاهدةٌ بأنَّ اختيار أحدهما يُضعِف رغبة الآخر فيه بالإحسان إليه وصيانته، فإذا اختار أحدهما ثمَّ انتقل إلى الآخر لم يبقَ أحدهما تامَّ الرّغبة في حفظه والإحسان إليه. فإن قلتم: فهذا بعينه موجودٌ في الصَّبيِّ، ولم يَمنع ذلك تخييرَه.

стр. 3508

قلنا: صدقتم، لكن عارضه كونُ القلوب مجبولةً على حبِّ البنين واختيارِهم على البنات، فإذا اجتمع نقصُ الرَّغبة ونقصُ الأنوثية وكراهةُ البنات في الغالب= ضاعت الطِّفلة، وصارت إلى فسادٍ يَعسُر تلافيه، والواقع شاهدٌ بهذا، والفقه (١) تنزيل المشروع على الواقع. وسرُّ الفرق أنَّ البنت تحتاج من الحفظ والصِّيانة فوقَ ما يحتاج إليه الصَّبيُّ؛ ولهذا شُرع في حقِّ الإناث من السِّتر والخَفر ما لم يُشرع مثله للذُّكور في اللِّباس وإرخاء الذَّيل شِبْرًا أو أكثر، وجَمْعِ نفسها في الرُّكوع والسُّجود دون التَّجافي، ولا تُرجِّع (٢) صوتَها بقراءةٍ، ولا تَرمُل في الطَّواف، ولا تتجرَّد في الإحرام عن المَخِيط، ولا تَكشِف رأسها، ولا تسافر وحدها. هذا كلُّه مع كبرها ومعرفتها، فكيف إذا كانت في سنِّ الصِّغر وضعف العقل الذي يقبل فيه الانخداع (٣)؟ ولا ريبَ أنَّ تردُّدها بين الأبوين ممَّا يعود على المقصود بالإبطال، أو يُخِلُّ به، أو يَنقُصه؛ لأنَّها لا تستقرُّ في مكانٍ معيَّنٍ، فكان الأصلح لها أن تُجعَل عند أحد الأبوين من غير تخييرٍ، كما قاله الجمهور مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، فتخييرها ليس منصوصًا عليه، ولا هو في معناه فيُلْحَق به. ثمَّ هاهنا حصل الاجتهاد في تعيين أحد الأبوين لمقامها عنده وأيُّهما أصلح لها، فمالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه عيَّنوا الأمَّ،

стр. 3509

وهو الصَّحيح دليلًا، وأحمد في المشهور عنه وعامَّة (١) أصحابه عيَّنوا الأب. قال من رجَّح الأمَّ: قد جرت العادة بأنَّ الأب يتصرَّف في المعاش والخروج ولقاء النَّاس، والأمُّ في خِدْرها مقصورةٌ في بيتها، فالبنت عندها أصْونُ وأحفظُ بلا شكٍّ، وعينُها عليها دائمًا بخلاف الأب، فإنَّه في غالب الأوقات غائبٌ عن البيت (٢) أو في مظنَّة ذلك، فجعلُها عند أمِّها أصْوَنُ لها وأحفظ. قالوا: وكلُّ مفسدةٍ يَعرِض وجودُها عند الأمِّ فإنَّها تَعرِض أو أكثر منها عند الأب، فإنَّه إن تركها في البيت وحدها لم يأمن عليها، وإن تركها عند امرأته أو غيرها فالأمُّ أشفقُ عليها وأصونُ لها من الأجنبيَّة. قالوا: وأيضًا فهي محتاجةٌ إلى تعلُّم ما يصلح للنِّساء من الغَزْل والقيام بمصالح البيت، وهذا إنَّما تقوم به النِّساء لا الرِّجال، فهي أحوجُ إلى أمِّها لتعلِّمها ما يصلُح للمرأة، وفي دفعها إلى أبيها تعطيلُ هذه المصلحة، أو إسلامُها إلى امرأةٍ أجنبيَّةٍ تُعلِّمها ذلك، أو ترديدُها بين الأمِّ وبينه، وفي ذلك تمرينٌ لها على البروز والخروج، فمصلحة البنت والأمِّ والأب أن تكون عند أمِّها. وهذا القول هو الذي لا نختار سواه. قال من رجَّح الأب: الرِّجال أغْيرُ على البنات من النِّساء، فلا تستوي غيرة الرَّجل على ابنته وغيرة الأمِّ أبدًا، وكم من أمٍّ تُساعد ابنتَها على ما تهواه، ويَحمِلُها على ذلك ضعفُ عقلها، وسرعةُ انخداعها، وضعفُ داعي الغيرة

стр. 3510

في طبعها، بخلاف الأب؛ ولهذا المعنى وغيره جعل الشَّارع تزويجَها إلى أبيها دون أمِّها، ولم يجعل لأمِّها ولايةً على بُضْعها البتَّةَ، ولا على مالها، فكان من محاسن الشَّريعة أن تكون عند أمِّها ما دامت محتاجةً إلى الحضانة والتَّربية، فإذا بلغت حدًّا تُشتهى فيه وتَصلُح للرِّجال فمن محاسن الشَّريعة أن تكون عند من هو أغيرُ عليها، وأحرصُ على مصلحتها، وأصونُ لها من الأمِّ. قالوا: ونحن نرى في طبيعة الأب وغيره من الرِّجال من الغيرة ــ ولو مع فسقه وفجوره ــ ما يحمله على قتل ابنته وأخته ومَولِيَّتِه إذا رأى منها ما يَرِيْبُه لشدَّة الغيرة، ونرى في طبيعة النِّساء من الانحلال والانخداع ضدَّ ذلك. قالوا: فهذا هو الغالب على النَّوعين، ولا عبرةَ بما خرج عن الغالب. على أنَّا إذا قدَّمنا أحد الأبوين فلا بدَّ أن نراعي صيانتَه وحفظَه للطِّفل؛ ولهذا قال مالك والليث: إذا لم تكن الأمُّ في موضع حرزٍ وتحصينٍ، أو كانت غيرَ مرضيَّةٍ، فللأب أخذ البنت منها. وكذلك الإمام أحمد في الرِّواية المشهورة عنه، فإنَّه يعتبر قدرته على الحفظ والصِّيانة. فإن كان مُهْمِلًا لذلك، أو عاجزًا عنه، أو غيرَ مرضيٍّ، أو ذا دِياثةٍ، والأمُّ بخلافه= فهي أحقُّ بالبنت بلا ريبٍ، فمن قدَّمناه بتخييرٍ أو قرعةٍ أو بنفسه فإنَّما نقدِّمه إذا حصلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأمُّ أصْوَنَ من الأب وأغْيَرَ (١) منه قُدِّمت عليه، ولا التفاتَ إلى قرعةٍ ولا اختيار الصَّبيِّ في هذه الحال، فإنَّه ضعيف العقل يُؤثِر البطالة واللَّعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك لم يُلتفَت إلى اختياره،

стр. 3511

وكان عند من هو أنفع له وخير، ولا تحتمل الشَّريعة غير هذا. والنَّبيُّ ﷺ قد قال: «مُرُوهم بالصَّلاة لسبعٍ، واضرِبوهم على تَرْكِها لعشرٍ، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع» (١). والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، قال الحسن (٢): علِّموهم وأدِّبوهم وفقِّهوهم. فإذا كانت الأمُّ تتركه في المكتب، وتُعلِّمه القرآن، والصَّبيُّ يُؤثِر اللَّعب ومعاشرةَ أقرانه، وأبوه يُمكِّنه من ذلك، فأمُّه (٣) أحقُّ به، فلا تخييرَ ولا قرعةَ، وكذلك العكس، ومتى أخلَّ أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصَّبيِّ وعطَّله، والآخر مُراعٍ له، فهو أحقُّ وأولى به. وسمعت شيخنا ﵁ يقول: تنازع أبوان صبيًّا عند بعض الحكَّام، فخيَّره بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمُّه: سَلْه لأيِّ شيءٍ يختار أباه، فسأله فقال: أمِّي تبعثني كلَّ يومٍ إلى الكُتَّاب، ويضربني الفقيه، وأبي يتركني ألعبُ مع الصِّبيان، فقضى به للأمِّ، وقال: أنتِ أحقُّ به. قال شيخنا (٤): وإذا ترك أحد الأبوين تعليمَ الصَّبيِّ وأَمْرَه الذي أوجبه الله عليه، فهو عاصٍ، ولا ولايةَ له عليه، بل كلُّ من لم يقُمْ بالواجب في ولايته فلا ولاية له، بل إمَّا أن يُرفَع يده عن الولاية ويُقام من يفعل الواجب، وإمَّا أن

стр. 3512

يُضمَّ إليه من يقوم معه بالواجب؛ إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان. قال شيخنا (١): وليس هذا الحقُّ من جنس الميراث الذي يحصل بالرَّحم والنِّكاح والولاء، سواءٌ كان الوارث فاسقًا أو صالحًا، بل هذا من جنس الولاية الَّتي لا بدَّ فيها من القدرة على الواجب، والعلم به، وفعله بحسب الإمكان. قال: فلو قُدِّر أنَّ الأب تزوَّج امرأةً لا تُراعي مصلحةَ ابنته ولا تقوم بها، وأمُّها أقومُ بمصلحتها من تلك الضَّرَّة، فالحضانة هنا للأمِّ قطعًا. قال: وممَّا ينبغي أن يُعلم أنَّ الشَّارع ليس عنه نصٌّ عامٌّ في تقديم أحدِ الأبوين مطلقًا، ولا تخييرِ الولد بين الأبوين مطلقًا، والعلماء متَّفقون على أنَّه لا يتعيَّن أحدهما مطلقًا، بل لا يُقدَّم ذو العدوان والتَّفريط على البرِّ العادل المحسن، والله أعلم. قالت الحنفيَّة والمالكيَّة: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: بيان الدَّليل الدَّالِّ على بطلان التَّخيير، والثَّاني: بيان عدم الدَّلالة في الأحاديث الَّتي استدللتم بها على التَّخيير. فأمَّا الأوَّل: فيدلُّ عليه قوله ﷺ : «أنتِ أحقُّ به»، ولم يخيِّره. وأمَّا المقام الثَّاني: فما رويتم من أحاديث (٢) التَّخيير مطلقةٌ لا تقييدَ فيها، وأنتم لا تقولون بها على إطلاقها، بل قيَّدتم التَّخيير بالسَّبع فما فوقها،

стр. 3513

وليس في شيءٍ من الأحاديث ما يدلُّ على ذلك. ونحن نقول (١): إذا صار للغلام اختيارٌ معتبرٌ خيِّر بين أبويه، وإنَّما يُعتبر اختياره إذا اعتُبِر قوله، وذلك بعد البلوغ، وليس تقييدكم وقتَ التَّخيير بالسَّبع أولى من تقييدنا بالبلوغ، بل التَّرجيح من جانبنا؛ لأنَّه حينئذٍ يُعتَبر قوله. ويدلُّ عليه قولها: «وقد سَقاني من بئر أبي عِنَبة»، وهي على أميالٍ من المدينة (٢)، وغير البالغ لا يتأتَّى منه عادةً أن يحمل الماء من هذه المسافة ويستقي من البئر. سلَّمنا أنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ على البلوغ، فليس فيه ما ينفيه، والواقعة واقعةُ عينٍ، وليس عن الشَّارع نصٌّ عامٌّ في تخيير من هو دون البلوغ حتَّى يجب المصير إليه. سلَّمنا أنَّ فيه ما ينفي البلوغ، فمن أين فيه ما يقتضي التَّقييدَ بسبعٍ كما قلتم؟ قالت الشَّافعيَّة والحنابلة ومن قال بالتَّخيير: لا يتأتَّى لكم الاحتجاجُ بقوله ﷺ : «أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي» بوجهٍ من الوجوه، فإنَّ منكم من يقول: إذا استغنى بنفسه، وأكل بنفسه، وشرب بنفسه، فالأب أحقُّ به بغير تخييرٍ، ومنكم من يقول: إذا أَثْغَر (٣) فالأب أحقُّ به. فنقول: فالنَّبي ﷺ قد حكم لها به ما لم تنكح، ولم يُفرِّق بين أن تنكح قبل بلوغ الصَّبيِّ السِّنَّ الذي يكون عنده أو بعدها (٤)، وحينئذٍ فالجواب يكون مشتركًا بيننا وبينكم، ونحن فيه على سواءٍ، فما أجبتم به أجاب به منازعوكم سواء، فإن أضمرتم أضمروا، وإن قيَّدتم قيَّدوا، وإن خصَّصتم خصَّصوا.

стр. 3514

وإذا تبيَّن هذا فنقول: الحديث اقتضى أمرين: أحدهما: أنَّها لا حقَّ لها في الولد بعد النِّكاح. والثَّاني: أنَّها أحقُّ به ما لم تنكح، وكونها أحقَّ به له حالتان، إحداهما: أن يكون الولد صغيرًا لم يميِّز، فهي أحقُّ به مطلقًا من غير تخييرٍ. الثَّاني: أن يبلغ سنَّ التَّمييز، فهي أحقُّ به أيضًا، ولكنَّ هذه الأولويَّة مشروطةٌ بشرطٍ، والحكم إذا عُلِّق بشرطٍ صدق إطلاقه اعتمادًا على تقرير الشَّرط، وحينئذٍ فهي أحقُّ به بشرط اختياره لها، وغاية هذا أنَّه تقييدٌ للمطلق بالأدلَّة الدَّالَّة على التخيير. ولو حُمِل على إطلاقه ــ وليس بممكنٍ البتَّةَ ــ لاستلزمَ (١) ذلك إبطالَ أحاديث التَّخيير. وأيضًا فإذا كنتم قد قيَّدتموه بأنَّها أحقُّ به إذا كانت مقيمةً وكانت حرَّةً ورشيدةً وغير ذلك من القيود الَّتي لا ذِكْرَ لشيءٍ منها في الأحاديث البتَّةَ= فتقييده بالاختيار الذي دلَّت عليه السُّنَّة واتَّفق عليه الصَّحابة أولى. وأمَّا حَمْلُكم أحاديثَ التَّخيير على ما بعد البلوغ، فلا يصحُّ لخمسة أوجهٍ: أحدها: أنَّ لفظ الحديث أنَّه خيَّر غلامًا بين أبويه، وحقيقة الغلام من لم يبلغ، فحملُه على البالغ إخراجٌ له عن حقيقته إلى مجازه بغير مُوجِبٍ ولا قرينةٍ صارفةٍ. الثَّاني: أنَّ البالغ لا حضانةَ عليه، فكيف يصحُّ أن يُخيَّر ابنُ أربعين سنةً بين أبويه؟ هذا من الممتنع شرعًا وعادةً، فلا يجوز حملُ الحديث عليه.

стр. 3515

الثَّالث: أنَّه لم يفهم أحدٌ من السَّامعين أنَّهم تنازعوا في رجلٍ كبيرٍ بالغٍ عاقلٍ، وأنَّه خُيِّر بين أبويه، ولا يَسبِق إلى هذا فهمُ أحدٍ البتَّةَ، ولو فُرِض تخييره لكان بين ثلاثة أشياء: الأبوين، والانفراد بنفسه. الرَّابع: أنَّه لا يُعقَل في العادة ولا العرف ولا الشَّرع أن يتنازع الأبوان في رجلٍ كبيرٍ بالغٍ عاقلٍ، كما لا يُعقَل في الشَّرع تخييرُ من هذه حالُه بين أبويه. الخامس: أنَّ في بعض ألفاظ الحديث أنَّ الولد كان صغيرًا لم يبلغ، ذكره النَّسائيُّ (١)، وهو حديث رافع بن سِنان، وفيه: فجاء ابنٌ لها صغيرٌ لم يبلغ، فأجلس النَّبيُّ ﷺ الأبَ هاهنا والأمَّ هاهنا، ثمَّ خيَّره. وأمَّا قولكم: إنَّ بئر أبي عِنَبةَ على أميالٍ من المدينة، فجوابه: بمطالبتِكم أوَّلًا بصحَّة هذا الحديث ومن ذكره، وثانيًا: بأنَّ مسكنَ هذه المرأة كان بعيدًا من البئر، وثالثًا: بأنَّ من له نحو العشر سنين لا يُمكِنُه أن يستقي من البئر المذكورة عادةً، وكلُّ هذا ممَّا لا سبيلَ إليه، فإنَّ العرب وأهل البوادي يستقي أولادهم الصِّغار من آبارٍ هي أبعدُ من ذلك. وأمَّا تقييدنا له بالسَّبع، فلا ريب أنَّ الحديث لا يقتضي ذلك، ولا هو أمرٌ مجمعٌ عليه، فإنَّ للمخيِّرين قولين: أحدهما: أنَّه يُخيَّر لخمسٍ، حكاه إسحاق بن راهويه، ذكره عنه حرب في «مسائله» (٢). ويُحتَجُّ لهؤلاء بأنَّ الخمس هي السِّنُّ الَّتي يصحُّ فيها سماع

стр. 3516

الصَّبيِّ، ويمكن أن يَعقِل فيها، وقد قال محمود بن لبيد (١): عَقَلتُ عن النَّبيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّها في فيَّ وأنا ابنُ خمسِ سنين (٢). والقول الثَّاني: إنَّه إنَّما يُخيَّر لسبعٍ، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق، ويُحتجَ لهذا القول بأنَّ التَّخيير يستدعي التَّمييز والفهم، ولا ضابطَ له في الأطفال، فضُبِط بمَظِنَّته وهي السَّبع، فإنَّها أوَّل سنِّ التَّمييز؛ ولهذا جعلها النَّبيُّ ﷺ حدًّا للوقت الذي يؤمر فيه (٣) بالصِّلاة. وقولكم: إنَّ الأحاديث وقائعُ أعيانٍ، فنعم هي كذلك، ولكن يمتنع حملُها على تخيير الرِّجال البالغين كما تقدَّم. وفي بعضها لفظ «غلام»، وفي بعضها «صغيرٌ لم يبلغ»، وباللَّه التَّوفيق. فصل وأمَّا قصَّة بنت حمزة، واختصام علي وزيد وجعفر فيها، وحُكْم رسول الله ﷺ بها لجعفر، فإنَّ هذه الحكومة كانت عقيبَ فراغهم من عمرة القضاء، فإنَّهم لمَّا خرجوا من مكَّة تبِعتْهم ابنةُ حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ، فأخذ عليٌّ

стр. 3517

بيدها، ثمَّ تنازع فيها هو وجعفر وزيد، وذكر كلُّ واحدٍ من الثَّلاثة ترجيحًا، فذكر زيد أنَّها ابنة أخيه للمؤاخاة الَّتي عقدها رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة، وذكر عليٌّ كونَها ابنةَ عمِّه، وذكر جعفر مرجِّحين: القرابة، وكون خالتها عنده، فتكون عند خالتها، فاعتبر النَّبيُّ ﷺ مرجِّحَ جعفر دون المرجِّحين الآخرين، فحكم له، وجَبَرَ كلَّ واحدٍ منهم وطيَّب قلبه بما هو أحبُّ إليه من أخذ البنت. فأمَّا مرجِّح المؤاخاة فليس بمقتضٍ للحضانة، ولكن زيد كان وصيَّ حمزة، وكان الإخاء حينئذٍ يثبت به التَّوارث، فظنَّ زيد أنَّه أحقُّ بها لذلك. وأمَّا مرجِّح القرابة هاهنا وهي بنوَّة العمِّ، فهل يستحقُّ بها الحضانة؟ على قولين: أحدهما: يستحقُّ بها وهو منصوص الشَّافعيِّ، وقول مالك وأحمد وغيرهم لأنَّه عصبةٌ، وله ولايةٌ بالقرابة (١)، فقُدِّم على الأجانب كما يُقدَّم عليهم في الميراث وولاية النِّكاح وولاية الموت، ورسول الله ﷺ لم ينكر على جعفر وعلي ادِّعاءهما حضانتَها (٢)، ولو لم يكن لهما ذلك لأنكر عليهما الدَّعوى الباطلة، فإنَّها دعوى ما ليس لهما، وهو لا يُقِرُّ على باطلٍ. والقول الثَّاني: أنَّه لا حضانةَ لأحدٍ من الرِّجال سوى الآباء والأجداد، وهذا قول بعض أصحاب الشَّافعيِّ، وهو مخالفٌ لنصِّه وللدَّليل. فعلى قول الجمهور ــ وهو الصَّواب ــ إذا كان الطِّفل أنثى، وكان ابن

стр. 3518

العمِّ مَحْرمًا لها برضاعٍ أو نحوه= كان له حضانتها وإن جاوزتِ السَّبعَ، وإن لم يكن مَحْرمًا فله حضانتها صغيرةً حتَّى تبلغ سبعًا، فلا يبقى له حضانتُها، بل تُسلَّم إلى مَحْرمها أو امرأة ثقةٍ. وقال أبو البركات في «محرَّره» (١): لا حضانة له ما لم يكن محرمًا برضاعٍ أو نحوه. فإن قيل: فالحكم بالحضانة من النَّبيِّ ﷺ في هذه القصَّة هل وقع للخالة أو لجعفر؟ قيل: هذا ممَّا اختُلِف فيه على قولين، منشؤهما اختلاف ألفاظ الحديث في ذلك، ففي «صحيح البخاريِّ» (٢) من حديث البراء: فقضى بها النَّبيُّ ﷺ لخالتها. وعند أبي داود (٣) من حديث نافع (٤) بن عُجَير، عن أبيه (٥)، عن علي

стр. 3519

في هذه القصَّة: «وأمَّا الجارية فأَقْضِي (١) بها لجعفر تكون مع خالتها، وإنَّما الخالة أمٌّ». ثمَّ ساقه (٢) من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وقال: «قضى بها لجعفر؛ لأنَّ خالتها عنده». ثمَّ ساقه (٣) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ وهُبَيرة بن يَرِيم (٤)، وقال: فقضى بها النَّبيُّ ﷺ لخالتها، وقال: «الخالةُ بمنزلة الأمِّ». واستشكل كثيرٌ من الفقهاء هذا وهذا، فإنَّ القضاء إن كان لجعفر فليس محرمًا لها، وهو وعلي سواءٌ في القرابة منها، وإن كان للخالة فهي مزوَّجةٌ، والحاضنة إذا تزوَّجت سقطت حضانتها. ولمَّا ضاق هذا على ابن حزمٍ طعن في القصَّة بجميع طرقها، وقال (٥): أمَّا حديث البخاريِّ فمن رواية إسرائيل، وهو ضعيفٌ. وأمَّا حديث هانئ وهُبيرة فمجهولان. وأمَّا حديث ابن أبي ليلى فمرسلٌ، وأبو فروة الرَّاوي عنه هو مسلم بن سالم الجهني ليس بالمعروف. وأمَّا حديث نافع بن عُجَير فهو وأبوه مجهولان، ولا حجَّة في مجهولٍ. قال (٦): إلا أنَّ هذا الخبر بكلِّ وجهٍ حجَّةٌ على الحنفيين والمالكيين والشافعيين؛ لأنَّ خالتها كانت مزوَّجةً بجعفر، وهو أجمل شابٍّ في قريشٍ،

стр. 3520

وليس هو ذا محرمٍ (١) من بنت حمزة. قال: ونحن لا ننكر قضاءه بها لجعفر من أجل خالتها؛ لأنَّ ذلك أحفظُ لها. قلت: وهذا من تهوُّره ﵀ وإقدامِه على تضعيف ما اتفق النَّاس على صحَّته، فخالفهم وحدَه، فإنَّ هذه القصَّة شهرتها في الصِّحاح والسُّنن والمساند والسِّير والتَّواريخ تُغنِي عن إسنادها، فكيف وقد اتَّفق عليها صاحبا الصَّحيح، ولم يُحفظ عن أحدٍ قبله الطَّعنُ فيها البتَّةَ. وقوله: إسرائيل ضعيفٌ، فالَّذي غرَّه في ذلك تضعيفُ عليِّ بن المدينيِّ له، ولكن أبى ذلك سائر أهل الحديث، واحتجُّوا به، ووثَّقوه وثبَّتوه (٢). قال أحمد: ثقةٌ، وتعجَّب من حفظه، وقال أبو حاتم: هو من أتقن أصحاب أبي إسحاق، ولا سيَّما قد روى هذا الحديث عن أبي إسحاق، وكان يحفظ حديثه كما يحفظ السُّورة من القرآن، وروى له الجماعة كلُّهم محتجِّين به. وأمَّا قوله: إنَّ هانئًا وهُبيرةَ مجهولان، فنعم مجهولان عنده، معروفان عند أهل السُّنن، ووثَّقهما الحفَّاظ، فقال النَّسائيُّ: هانئ بن هانئ ليس به بأسٌ، وهبيرة روى له أهل السُّنن الأربعة وقد وثِّق (٣). وأمَّا قوله: حديث ابن أبي ليلى مرسل، وأبو فروة الرَّاوي عنه مسلم بن مسلم (٤) الجهني ليس بالمعروف، فالتَّعليلان باطلان؛ فإنَّ عبد الرَّحمن بن

стр. 3521

أبي ليلى روى عن علي غيرَ حديثٍ، وعن عمر ومعاذ. والَّذي غرَّ أبا محمد أنَّ أبا داود (١) قال: حدَّثنا محمد بن عيسى، ثنا سفيان، عن أبي فروة، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى بهذا الخبر. وظنَّ أبو محمد أنَّ عبد الرحمن لم يذكر عليًّا في الرِّواية، فرماه بالإرسال، وذلك من وهمه، فإنَّ ابن أبي ليلى روى القصَّة عن علي، فاختصر أبو داود ذِكرَ مكان الاحتجاج، وأحال على العلم المشهور برواية عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن علي. وهذه القصَّة قد رواها علي، وسمعها منه أصحابه: هانئ بن هانئ، وهُبيرة بن يَرِيم (٢)، وعُجَير بن عبد يزيد (٣)، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى (٤)، فذكر أبو داود أحاديث الثَّلاثة الأوَّلين لسياقهم لها بتمامها، وأشار إلى حديث ابن أبي ليلى لأنَّه لم يُتِمَّه، وذكر السَّند منه إليه، فبطل الإرسال. ثمَّ رأيت أبا بكرٍ الإسماعيليَّ قد روى هذا الحديث في مسند عليٍّ (٥) مصرِّحًا فيه بالاتِّصال، فقال: أخبرنا الهيثم بن خلفٍ، ثنا عثمان بن سعيد المقرئ، ثنا يوسف بن عديٍّ، ثنا سفيان، عن أبي فروة، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن علي أنَّه اختصم هو وجعفر وزيد، وذكر الحديث. وأمَّا قوله: إنَّ أبا فروة ليس بالمعروف، فقد عرفه سفيان بن عيينة

стр. 3522

وغيره، وخرَّجا له في الصَّحيحين (١). وأمَّا رميه نافع بن عُجَير وأباه بالجهالة، فنعم، ولا يُعرَف حالهما، وليسا من المشهورين بنقل العلم (٢)، وإن كان نافعٌ أشهرَ من أبيه؛ لرواية ثقتين عنه: محمَّد بن إبراهيم التَّيمي (٣)، وعبد الله بن علي، فليس الاعتماد على روايتهما، وباللَّه التَّوفيق. فثبتَ صحَّة الحديث. وأمَّا الجواب عن استشكال من استشكله، فنقول وباللَّه التَّوفيق: لا إشكال، سواءٌ كان القضاء لجعفر أو للخالة، فإنَّ ابنة العمِّ إذا لم يكن لها قرابةٌ سوى ابنِ عمِّها جاز أن تُجعَل مع امرأته في بيته، بل يتعيَّن ذلك، وهو أولى من الأجنبيِّ، لا سيَّما إن كان ابنُ العمِّ مبرِّزًا في الدِّيانة والعفَّة والصِّيانة، فإنَّه في هذه الحال أولى من الأجانب بلا ريبٍ. فإن قيل: فالنَّبيُّ ﷺ كان ابن عمِّها، وكان مَحْرمًا لها؛ لأنَّ حمزة كان أخاه من الرَّضاعة، فهلَّا أخذها هو؟ قيل: رسول الله ﷺ كان في شُغلٍ شاغلٍ بأعباء الرِّسالة، وتبليغ الوحي، والدَّعوة إلى اللَّه، وجهاد أعداء الله= عن فراغه للحضانة، فلو أخذها لدفعها إلى بعض (٤) نسائه، فخالتها أمسُّ بها رَحِمًا وأقربُ. وأيضًا فإنَّ المرأة من نسائه لم تكن تَجيئُها النَّوبةُ إلا بعد تسع ليالٍ، فإن

стр. 3523

دارت الصَّبيَّة معه حيث دار كان مشقَّةً عليها، وكان فيه من بروزها وظهورها كلَّ وقتٍ ما لا يخفى، وإن جلست في بيت إحداهنَّ كانت لها الحضانة وهي أجنبيَّةٌ. هذا إن كان القضاء لجعفر. وإن كان للخالة ــ وهو الصَّحيح، وعليه يدلُّ الحديث الصَّحيح الصَّريح ــ فلا إشكال؛ لوجوهٍ: أحدها: أنَّ نكاح الحاضنة لا يُسقِط حضانة البنت، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، وأحد قولي العلماء. وحجته هذا الحديث، وقد تقدَّم سرُّ الفرق بين الذَّكر والأنثى. الثَّاني: أنَّ نكاحها قريبًا من الطِّفل لا يُسقِط حضانتها، وجعفر ابن عمِّها. الثَّالث: أنَّ الزَّوج إذا رضي بالحضانة وآثرَ كونَ الطِّفل عنده في حجره لم تسقط الحضانة. هذا هو الصَّحيح، وهو مبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّ سقوط الحضانة بالنِّكاح هو مراعاةٌ لحقِّ الزَّوج، فإنَّه ينتقص (١) عليه الاستمتاع المطلوب من المرأة لحضانتها ولدَ غيره، ويتنكَّد عليه عيشُه مع المرأة، ولا يُؤمَن أن يحصل بينهما خلافُ المودَّة والرَّحمة؛ ولهذا للزَّوج أن يمنعها من هذا مع اشتغالها هي بحقوق الزَّوج، فتضيع مصلحة الطِّفل. فإذا آثرَ الزَّوجُ ذلك، وطلبه وحَرَصَ عليه، زالت المفسدة الَّتي لأجلها سقطت الحضانة، والمقتضي قائمٌ، فتَرتَّب عليه أثره. يُوضِّحه أنَّ سقوط الحضانة بالنِّكاح ليست حقًّا للَّه، وإنَّما هي حقٌّ للزَّوج وللطِّفل وأقاربِه، فإذا رضي من له الحقُّ جاز. فزال الإشكال على كلِّ

стр. 3524

تقديرٍ، وظهر أنَّ هذا الحكم من رسول الله ﷺ من أحسن الأحكام وأوضحها، وأشدِّها موافقةً للمصلحة والحكمة والرَّحمة والعدل، وباللَّه التَّوفيق. فهذه ثلاثة (١) مدارِكَ في الحديث للفقهاء: أحدها: أنَّ نكاح الحاضنة لا يُسقِط حضانتها، كما قاله الحسن البصريُّ، وقضى به يحيى بن حمزة، وهو مذهب أبي محمد ابن حزم (٢). والثَّاني: أنَّ نكاحها لا يُسقِط حضانة البنت، ويُسقِط حضانة الابن، كما قاله أحمد في إحدى روايتيه. والثَّالث: أنَّ نكاحها لقريب الطِّفل لا يُسقِط حضانتها، ونكاحها للأجنبيِّ يُسقِطها، كما هو المشهور من مذهب أحمد. وفيه مدركٌ رابعٌ لمحمَّد بن جريرٍ الطَّبريِّ، وهو أنَّ الحاضنة إن كانت أمًّا والمنازع لها الأب سقطت حضانتها بالتَّزويج، وإن كانت خالةً أو غيرها من نساء الحضانة لم تسقط حضانتها بالتَّزويج، وكذلك إن كانت أمًّا والمنازع لها (٣) غير الأب من أقارب الطِّفل لم تسقط حضانتها. ونحن نذكر كلامه وما له وعليه فيه، قال في «تهذيب الآثار» (٤) بعد ذكر حديث ابنة حمزة: فيه الدَّلالة الواضحة على أنَّ قيِّم الصَّبيَّة الصَّغيرة والطِّفل

стр. 3525

الصَّغير من كان من قرابتهما من قِبَلِ أمَّهاتهما من النِّساء أحقُّ بحضانتهما من عصباتهما من قبل الأب، وإن كانت وكُنَّ ذواتِ أزواجٍ غير الأب الذي هما منه. وذلك أنَّ رسول الله ﷺ قضى بابنة حمزة لخالتها في الحضانة، وقد تنازع فيها ابنا عمِّها علي وجعفر ومولاها وأخو أبيها الذي كان رسول الله ﷺ آخى بينه وبينه، وخالتها يومئذٍ لها زوجٌ غير أبيها (١)، وذلك بعد مقتل حمزة، وكان معلومًا بذلك صحَّة قول من قال: لا حقَّ لعصبة الصَّغير والصَّغيرة من قِبَلِ الأب في حضانته ما لم يبلغ حدَّ الاختيار، بل قرابتهما من النِّساء من قِبَلِ أمِّهما أحقُّ، وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ. فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمر في ذلك عندك على ما وصفتَ من أنَّ أمَّ الصَّغير والصَّغيرة وقرابتهما من النِّساء من قبل أمَّهاتهما أحقُّ بحضانتهما، وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ من قرابتهما من قبل الأب من الرِّجال الذين هم عصبتهما، فهلَّا كانت الأمُّ ذات الزَّوج كذلك مع والدهما الأدنى والأبعد، كما كانت الخالة أحقَّ بهما وإن كان لها زوجٌ غير أبيهما؟ وإلَّا فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما واضحٌ، وذلك لقيام الحجَّة بالنَّقل المستفيض وراثةً (٢) عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ الأمَّ أحقُّ بحضانة الأطفال إذا كانت بانت من والدهما، ما لم تنكح زوجًا غيره، ولم يخالف في ذلك من يجوز الاعتراض به على الحجَّة فيما نعلمه. وقد رُوِي في ذلك خبرٌ، وإن كان في إسناده نظرٌ، فإنَّ النَّقل الذي وصفتُ أمرَه دالٌّ على صحَّته، وإن كان واهيَ السَّند.

стр. 3526

ثمَّ ساق حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي» من طريق المثنّى بن الصبَّاح عنه (١). ثمَّ قال: وأمَّا إذا نازعها فيه عصبةُ أبيه، فصحَّة الخبر عن النَّبيِّ ﷺ الذي ذكرنا أنَّه جعل الخالة ــ ذاتَ الزَّوج غيرِ أبي الصَّبيَّة ــ أحقَّ بها من بني عمِّها وهم عصبتها، فكانت الأمُّ أحقَّ بأن تكون أولى منهم وإن كان لها زوجٌ غيرُ أبيها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما جعل الخالة أولى منهم لقرابتها من الأمِّ، وإذا كان ذلك كالَّذي وصفنا تبيَّن أنَّ القول الذي قلناه في المسألتين أصلُ إحداهما من جهة النَّقل المستفيض، والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول. وإذا كان كذلك فغير جائزٍ ردُّ حكم إحداهما إلى حكم الأخرى، إذ القياس إنَّما يجوز استعماله فيما لا نصَّ فيه من الأحكام، فأمَّا ما فيه نصٌّ من كتاب الله أو خبرٌ عن رسول الله ﷺ فلا حظَّ (٢) فيه للقياس. فإن قال قائلٌ: زعمتَ أنَّك إنَّما أبطلتَ حقَّ الأمِّ من الحضانة إذا نكحتْ زوجًا غيرَ أبي الطِّفل، وجعلتَ الأب أولى بحضانتها منها بالنَّقل المستفيض، فكيف يكون ذلك كما قلت؟ وقد علمتَ أنَّ الحسن البصريَّ كان يقول: المرأة أحقُّ بولدها وإن تزوَّجت، وقضى بذلك يحيى بن حمزة. قيل: إنَّ النَّقل المستفيض الذي تلزم به الحجَّة في الدِّين عندنا ليس صفته أن لا يكون له مخالفٌ، ولكنَّ صفته أن ينقله قولًا وعملًا من علماء

стр. 3527

الأمَّة من (١) ينتفي عنه أسباب الكذب والخطأ، وقد نقل مَن صفتُه ذلك من علماء الأمَّة أنَّ المرأة إذا نكحت بعد بينونتها من زوجها زوجًا غيرَه أنَّ الأب أولى بحضانة ابنها (٢) منها، فكان ذلك حجَّةً لازمةً غير جائزٍ الاعتراضُ عليها بالرَّأي، وهو قولُ من يجوز عليه الغلط في قوله. انتهى كلامه (٣). ذِكر ما في هذا الكلام من مقبول ومردود فأمَّا قوله: إنَّ فيه الدَّلالة على أنَّ قرابة الطِّفل من قبل أمَّهاته من النِّساء أحقُّ بحضانته من عصباته من قبل الأب وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ، فلا دلالة فيه على ذلك البتَّةَ، بل أحد ألفاظ الحديث صريحٌ في خلافه، وهو قوله ﷺ : «وأمَّا الابنة فإنِّي أقضي بها لجعفر» (٤). وأمَّا اللَّفظ الآخر: «فقضى بها لخالتها وقال: هي أمٌّ» (٥) ــ وهو اللَّفظ الذي احتجَّ به أبو جعفر ــ فلا يدلُّ (٦) على أنَّ قرابة الأمِّ مطلقًا أحقُّ من قرابة الأب، بل إقرار النَّبيِّ ﷺ عليًّا وجعفرًا على دعوى الحضانة يدلُّ على أنَّ لقرابة الأب مدخلًا فيها، وإنَّما قدَّم الخالة لكونها أنثى من أهل الحضانة، فتقديمها على قرابة الأب كتقديم الأمِّ على الأب. والحديث ليس فيه لفظٌ عامٌّ يدلُّ على ما ادَّعاه من (٧) أنَّ من كان من

стр. 3528

قرابة الأمِّ أحقُّ بالحضانة من العصبة من قبل الأب، حتَّى تكون بنت الأخت للأمِّ أحقَّ من العمِّ، وبنت الخالة أحقَّ من العمِّ والعمَّة، فأين في الحديث دلالةٌ على هذا فضلًا عن أن تكون واضحةً؟ قوله: وكان معلومًا بذلك صحَّة قول من قال: لا حقَّ لعصبة الصَّغير والصَّغيرة من قبل الأب في حضانته ما لم يبلغ حدَّ الاختيار، يعني: فيُخيَّر بين قرابة أبيه وأمِّه. فيقال: ليس ذلك معلومًا من الحديث ولا مظنونًا، والحديث إنَّما دلَّ على أنَّ ابن العمِّ المزوَّج بالخالة أولى من ابن العمِّ الذي ليس تحته خالة الطِّفل، ويبقى تحقيق المناط: هل كانت جهة التَّعصيب مقتضيةً للحضانة (١) فاستوت في شخصين، فرجِّح أحدهما بكون خالة الطِّفل عنده وهي من أهل الحضانة؟ كما فهمه طائفةٌ من الحديث، أو أنَّ قرابة الأمِّ ــ وهي الخالة ــ أولى بحضانة الطِّفل من عصبة الأب؟ ولم تسقط حضانتها بالتَّزويج: إمَّا لكون الزَّوج لا يُسقِط الحضانة مطلقًا كقول الحسن ومَن وافقه، وإمَّا لكون المحضونة بنتًا كما قاله أحمد في روايةٍ (٢)، وإمَّا لكون الزَّوج قرابةَ الطِّفل كالمشهور من مذهب أحمد، وإمَّا لكون الحاضنة غيرَ أمٍّ نازعَها الأب كما قاله أبو جعفر. فهذه أربعة مداركَ، ولكنَّ المدرك الذي اختاره أبو جعفر ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ المعنى الذي أسقط حضانةَ الأمِّ بتزويجها هو بعينه موجودٌ في سائر نساء الحضانة، والخالة غايتها أن تقوم مقام الأمِّ، وتُشبَّه بها، فلا تكون أقوى منها،

стр. 3529

وكذلك سائر قرابة الأمِّ، والنَّبيُّ ﷺ لم (١) يحكم حكمًا عامًّا أنَّ سائر أقارب الأمِّ من كنَّ لا تسقط حضانتهنَّ بالتَّزويج، وإنَّما حكم حكمًا معيَّنًا لخالة ابنة حمزة بالحضانة مع كونها مزوَّجةً بقريبٍ من الطِّفل، والطِّفل ابنةٌ. وأمَّا الفرق الذي فرَّق به (٢) بين الأمِّ وغيرها بالنَّقل المستفيض إلى آخره، فيريد به الإجماع الذي لا ينقضه عنده مخالفة الواحد والاثنين، وهذا أصلٌ تفرَّد به، ونازعه فيه النَّاس. وأمَّا حكمه على حديث عمرو بن شعيبٍ بأنَّه واهٍ، فبناءً على ما وصل إليه من طريقه، فإنَّ فيه المثنَّى بن الصباح، وهو ضعيفٌ أو متروكٌ، ولكنَّ الحديث قد رواه الأوزاعيُّ عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، رواه أبو داود في «سننه» (٣). فصل وفي الحديث مسلكٌ خامسٌ، وهو أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى بها لخالتها وإن كانت ذات زوجٍ؛ لأنَّ البنت تَحْرُم على الزَّوج تحريمَ الجمع بين المرأة وخالتها، وقد نبَّه النَّبيُّ ﷺ على هذا بعينه في حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، فذكر الحديث بطوله وقال فيه: «وأنت يا جعفر أولى بها: تحتك خالتها، ولا تُنكَح المرأة على عمَّتها ولا على خالتها» (٤). وليس

стр. 3530

عن (١) النَّبيِّ ﷺ نصٌّ يقتضي أنَّ يكون الحاضن ذا رحمٍ (٢) تَحرُم عليه البنت على التَّأبيد حتَّى يُعتَرض به على هذا المسلك، بل هذا ممَّا لا تأباه قواعد الفقه وأصول الشَّريعة، فإنَّ الخالة ما دامت في عصمة الحاضن فبنتُ أختها محرَّمةٌ عليه، فإذا فارقها فهي مع خالتها، فلا محذورَ في ذلك أصلًا. ولا ريبَ أنَّ القول بهذا خيرٌ وأصلحُ للبنت من دَفْعها إلى الحاكم يدفعها إلى أجنبيٍّ تكون عنده؛ إذ الحاكم غير متصدٍّ للحضانة بنفسه. فهل يشكُّ أحدٌ أنَّ ما حكم به النَّبيُّ ﷺ في هذه الواقعة هو عين المصلحة والحكمة والعدل، وغاية الاحتياط للبنت والنَّظرِ لها، وأنَّ كلَّ حكمٍ خالفه لا ينفكُّ عن جَورٍ أو فسادٍ لا تأتي به الشَّريعة، فلا إشكالَ في حكمه ﷺ ، والإشكالُ كلُّ الإشكال فيما خالفه، والله المستعان وعليه التُّكلان.

стр. 3531

ذِكر حكمه ﷺ في النفقة على الزوجات وأنَّه لم يُقدِّرها، ولا ورد عنه ما يدلُّ على تقديرها، وإنَّما ردَّ الأزواج فيها إلى العرف. ثبت عنه في «صحيح مسلم» (١) أنَّه قال في خطبة حجَّة الوداع بمحضر الجمع العظيم قبل وفاته ببضعةٍ وثمانين يومًا: «واتُّقوا الله في النِّساء، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجَهنَّ بكلمة اللَّه، ولهنَّ عليكم رِزقُهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروف». وثبت عنه في «الصَّحيحين» (٢) أنَّ هندًا امرأة أبي سفيان قالت له: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، ليس يعطيني من النَّفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم، فقال: «خُذِي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف». وفي «سنن أبي داود» (٣) من حديث حكيم بن معاوية عن أبيه قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه، ما تقول في نسائنا؟ قال: «أَطعِموهنَّ ممَّا تأكلون، واكْسُوهنَّ ممَّا تلبسون، ولا تضربوهنَّ ولا تُقبِّحوهنَّ». وهذا الحكم من النبي ﷺ مطابقٌ لكتاب الله ، حيث يقول تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. والنَّبيُّ ﷺ جعل نفقة المرأة مثل نفقة الخادم، وسوَّى بينهما في عدم التَّقدير، وردَّهما إلى العُرف

стр. 3532

فقال: «للمملوك طعامُه وكسوتُه بالمعروف» (١)، فجعل نفقتهما بالمعروف، ولا ريبَ أنَّ نفقة الخادم غير مقدَّرةٍ، ولم يقل أحدٌ بتقديرها. وصحَّ عنه في الرَّقيق أنَّه قال: «أَطعِموهم ممَّا تأكلون، وأَلبِسوهم ممَّا تلبسون»، رواه مسلم (٢)، كما قال في الزَّوجة سواءٌ. وصحَّ عن أبي هريرة أنَّه قال: امرأتك تقول: إمَّا أن تُطعِمني وإمَّا أن تُطلِّقني، ويقول العبد: أَطعِمْني واستعمِلْني. ويقول الابن: أَطعِمْني، إلى من تَدَعُني؟ (٣). فجعل نفقة الزَّوجة والرَّقيق والولد كلَّها الإطعامَ لا التَّمليكَ. وروى النَّسائيُّ (٤) هذا مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ كما سيأتي. وقال تعالى: ﴿مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: الخبز والزَّيت (٥). وصحَّ عن عمر بن الخطاب (٦): الخبز والسَّمن، والخبز والتَّمر، ومن أفضل ما تطعمون (٧) الخبز واللَّحم (٨).

стр. 3533

ففسَّر الصَّحابة إطعام الأهل بالخبز مع غيره من الأُدْم، والله ورسوله ذكرا الإنفاق مطلقًا من غير تحديدٍ ولا تقديرٍ ولا تقييدٍ، فوجب ردُّه إلى العرف لو لم يردَّه إليه النَّبيُّ ﷺ ، فكيف وهو الذي ردَّ ذلك إلى العرف، وأرشد أمَّته إليه؟ ومن المعلوم أنَّ أهل العرف إنَّما يتعارفون بينهم في الإنفاق على أهليهم، حتَّى من يوجب التَّقدير الخبزَ والأُدْم دون الحَبِّ، والنَّبيُّ ﷺ وأصحابه إنَّما كانوا ينفقون على أزواجهم كذلك دون تمليكِ الحَبِّ وتقديرِه؛ ولأنَّها نفقةٌ واجبةٌ بالشَّرع، فلم تتقدَّرْ بالحبِّ كنفقة الرَّقيق، ولو كانت مقدَّرةً لأمر النَّبيُّ ﷺ هندًا أن تأخذ المقدَّر لها شرعًا، ولَمَا أمرها أن تأخذ ما يكفيها من غير تقديرٍ وردَّ الاجتهاد في ذلك إليها. ومن المعلوم أنَّ قدر كفايتها لا ينحصر في مُدَّينِ ولا في رِطلين، بحيث لا يزيد عليهما ولا ينقص، ولفظه لم يدلَّ على ذلك بوجهٍ ولا إيماءٍ ولا إشارةٍ، وإيجابُ مُدَّين أو رِطلين خبزًا قد يكون أقلَّ من الكفاية، فيكون تركًا للمعروف، وإيجاب قدر الكفاية ممَّا يأكل الرَّجل وولدُه ورقيقُه وإن كان أقلَّ من مدٍّ أو من رِطلَيْ (١) خبزٍ إنفاقٌ بالمعروف، فيكون هو الواجب بالكتاب والسُّنَّة. ولأنَّ الحَبَّ يحتاج إلى طحنه وخبزه وتوابع ذلك، فإن أخرجتْ ذلك من مالها لم تحصل الكفايةُ بنفقة الزَّوج، وإن فُرِض ذلك لها عليه من ماله كان الواجب حَبًّا ودراهم، ولو طلبتْ مكانَ الخبز دراهمَ أو حَبًّا أو دقيقًا أو غيره لم يلزمه بذلُه، ولو عرض عليها ذلك أيضًا لم يلزمها قبولُه؛ لأنَّ ذلك معاوضةٌ، فلا يُجبر أحدهما على قبولها، ويجوز تراضيهما بما اتَّفقا عليه.

стр. 3534

والَّذين قدَّروا النَّفقة اختلفوا، فمنهم من قدَّرها بالحبِّ، وهو الشَّافعيُّ (١)، فقال: نفقة الفقير مدٌّ بمدِّ النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ أقلَّ ما يُدفع في الكفَّارة إلى الواحد مدٌّ، والله سبحانه اعتبر الكفَّارة بالنَّفقة على الأهل، فقال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ﴾ [المائدة: ٨٩]، قال: وعلى الموسر مُدَّانِ؛ لأنَّ أكثر ما أوجب الله سبحانه للواحد مدَّينِ (٢) في كفَّارة الأذى، وعلى المتوسِّط مدٌّ ونصفٌ، نصفُ نفقةِ الموسر، ونصف نفقة الفقير. وقال القاضي أبو يعلى (٣): هي مقدَّرةٌ بمقدارٍ لا يختلف في الكثرة والقلَّة، والواجب رِطلانِ من الخبز في كلِّ يومٍ في حقِّ الموسر والمعسر اعتبارًا بالكفَّارات، وإنَّما يختلفان في صفته وجودته؛ لأنَّ الموسر والمعسر سواءٌ في قدر المأكول وما تقوم به البنيةُ، وإنَّما يختلفان في جودته، فكذلك النَّفقة الواجبة. والجمهور قالوا: لا يُحفظ عن أحدٍ من الصَّحابة قطُّ تقديرُ النَّفقة، لا بمُدٍّ ولا برِطلٍ، والمحفوظ عنهم بل الذي اتَّصل به العمل في كلِّ عصرٍ ومصرٍ ما ذكرناه. قالوا: ومن الذي سلَّم لكم التَّقديرَ (٤) بالمدِّ والرِّطل في الكفَّارة؟ والَّذي دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة أنَّ الواجب في الكفَّارة الإطعامُ فقط لا التَّمليك، قال تعالى في كفَّارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ (٥) عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا

стр. 3535

تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال في كفَّارة الظِّهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وقال في فدية الأذى: ﴿رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وليس في القرآن في إطعام الكفَّارات غيرُ هذا (١)، وليس في موضعٍ واحدٍ منها تقديرُ ذلك بمدٍّ ولا رِطلٍ، وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال لمن وطئ في نهار رمضان: «أَطعِمْ ستِّين مسكينًا» (٢)، وكذلك قال للمُظاهِر (٣)، ولم يحدَّ ذلك بمدٍّ ولا رطلٍ. فالَّذي دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة أنَّ الواجب في الكفَّارات والنَّفقات هو الإطعام لا التَّمليك، وهذا هو الثَّابت عن الصَّحابة ﵃. قال أبو بكر بن أبي شيبة (٤): ثنا أبو خالد، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: يُغدِّيهم ويُعشِّيهم خبزًا وزيتًا.

стр. 3536

وقال أبو إسحاق (١) عن الحارث: كان علي يقول في إطعام المساكين في كفَّارة اليمين: يُغدِّيهم ويُعشِّيهم خبزًا وزيتًا، خبزًا وسَمْنًا (٢). وقال ابن أبي شيبة (٣): ثنا يحيى بن يعلى، عن ليث قال: كان عبد الله بن مسعودٍ يقول: ﴿مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] قال: الخبز والسَّمْن، والخبز باللحم، والخبز بالزيت. وصحَّ عن ابن عمر قال: أوسطُ ما يُطعِم الرَّجل أهلَه الخبز واللَّبن، والخبز والزَّيت، والخبز والسَّمْن، ومن أفضل ما يُطعِمهم (٤) الخبز واللَّحم (٥). وقال يزيد بن زُريعٍ: حدَّثنا يونس، عن محمَّد بن سيرين، أنَّ الأشعريَّ (٦) كفَّر عن يمينٍ له مرَّةً، فأمر بُجيرًا أو جُبيرا يُطعِم عنه عشرةَ مساكين خبزًا ولحمًا، وأمر لهم بثوبٍ معقَّدٍ أو ظهرانيٍّ (٧).

стр. 3537

وقال ابن أبي شيبة (١): ثنا يحيى بن إسحاق، ثنا يحيى بن أيوب، عن حميد، أنَّ أنسًا مرِض قبل أن يموت، فلم يستطع أن يصوم، فكان يجمع ثلاثين مسكينًا فيُطعِمهم خبزًا ولحمًا أكلةً واحدةً. وأمَّا التَّابعون، فثبت ذلك عن الأسود بن يزيد (٢)، وأبي رَزِين (٣)، وعَبِيدة (٤)، ومحمَّد بن سيرين (٥)، والحسن البصريِّ (٦)، وسعيد بن جبيرٍ (٧)، وشُريح (٨)، وجابر بن زيدٍ (٩)، وطاوس (١٠)، والشَّعبيِّ (١١)، وابن

стр. 3538

بُريدة (١)، والضحّاك (٢)، والقاسم، وسالم (٣)، ومحمد بن إبراهيم (٤)، ومحمَّد بن كعبٍ (٥)، وقتادة (٦)، وإبراهيم النَّخعيِّ (٧). والأسانيد عنهم بذلك في «أحكام القرآن» (٨) لإسماعيل بن إسحاق، منهم من يقول: يُغدِّي المساكين ويُعشِّيهم (٩). ومنهم من يقول: أكلةً واحدةً (١٠). ومنهم من يقول: خبزًا ولحمًا، خبزًا وزيتًا، خبزًا وسَمْنًا (١١). وهذا مذهب أهل المدينة، وأهل العراق، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، والرِّواية الأخرى: أنَّ طعام الكفَّارة مقدَّرٌ (١٢) دون نفقة الزَّوجات.

стр. 3539

فالأقوال ثلاثةٌ: التَّقدير فيهما كقول الشَّافعيِّ وحده، وعدم التَّقدير فيهما كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين، والتَّقدير في الكفَّارة دون النَّفقة كالرِّواية الأخرى عنه. قال مَن نصر هذا القول: الفرق بين النَّفقة والكفَّارة أنَّ الكفَّارة لا تختلف باليسار والإعسار، ولا هي مقدَّرةٌ بالكفاية (١)، ولا أوجبها الشَّارع بالمعروف كنفقة الزَّوجة والخادم، والإطعام فيها حقٌّ لله تعالى، لا لآدميٍّ معيَّنٍ فيرضى بالعوض عنه؛ ولهذا لو أخرج القيمة لم يُجزِئه. وروي التَّقدير فيها عن الصَّحابة، فقال القاضي إسماعيل (٢): حدَّثنا حجَّاج بن المنهال، ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن أبي وائل، عن يسار بن نمير قال: قال عمر: إنَّ ناسًا يأتوني يسألوني، فأحلف أنِّي لا أعطيهم، ثمَّ يبدو لي أن أُعطِيهم، فإذا أمرتُك أن تُكفِّر عنّي فأطعِمْ عنِّي عشرة مساكين، لكلِّ مسكينٍ صاعًا من تمرٍ أو شعيرٍ، أو نصفَ صاعٍ من برٍّ. حدَّثنا حجَّاج بن المنهال وسليمان بن حربٍ قالا: حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن سلمة بن كُهيلٍ، عن يحيى بن عبَّاد، أنَّ عمر بن الخطَّاب قال: يا يَرْفَأ، إذا حلفتُ فحَنِثْتُ، فأَطعِمْ عنِّي ليميني خمسةَ أصواعٍ (٣) عشرة

стр. 3540

مساكين (١). وقال ابن أبي شيبة (٢): ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ليلى، عن عَمرو بن مُرّة (٣)، عن عبد الله بن سلمة، عن علي قال: كفَّارة اليمين إطعامُ عشرة مساكين، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ. حدَّثنا عبد الرحيم وأبو خالدٍ الأحمر، عن حجَّاج، عن قرط، عن جدَّته (٤) عن عائشة قالت: إنَّا نُطعِم نصفَ صاعٍ من برٍّ، أو صاعًا من تمرٍ في كفَّارة اليمين (٥). وقال إسماعيل (٦): ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام بن أبي عبد اللَّه، ثنا
следующие страницы →