← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

صحاح مشهورة. انتهى (١). وأما المداومة فيها على قراءة قصار المفصَّل دائمًا، فهو فعل مروان بن الحكم. ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت، وقال له (٢): ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصَّل؟ وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطُّولَيَيْن. قال: قلتُ: وما طولى الطوليين؟ (٣) قال: (الأعراف). وهذا حديث صحيح رواه أهل «السنن» (٤). وذكر النسائي (٥) عن عائشة أن النبيَّ ﷺ قرأ في صلاة المغرب سورة (الأعراف) فرَّقها في ركعتين (٦). فالمحافظة فيها على الآية القصيرة والسورة من قصار المفصَّل (٧) خلاف السنة، وهو من فعل مروان بن الحكم.

стр. 387

وأما عشاء الآخرة, فقرأ ﷺ فيها بـ (التين والزيتون) (١). ووقَّت لمعاذ فيها (الشمس (٢) وضحاها) و (سبح اسم ربك الأعلى) و (الليل إذا يغشى) ونحوها، وأنكر عليه قراءته فيها بـ (البقرة) بعد ما صلَّى معه، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف، فأعادها بهم بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، وقرأ (البقرة)، فلهذا قال له: «أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟» (٣). فتعلَّق النقَّارون بهذه الكلمة، ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها! وأما الجمعة، فكان يقرأ فيها بسورتي (٤) (الجمعة) و (المنافقين) (٥) كاملتين (٦) وسورتي (٧) (سبِّح) و (الغاشية) (٨). وأما الاقتصار على قراءة (٩) أواخر السورتين من ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرها فلم يفعله قطُّ، وهو مخالف لهديه الذي كان يحافظ عليه. وأما قراءة الأعياد، فتارةً كان يقرأ بسورتي (ق) و (اقتربت) كاملتين (١٠)،

стр. 388

وتارةً بسورتي (١) (سبِّح) و (الغاشية) (٢). وهذا هو الهَدْي الذي استمرَّ عليه إلى أن لقي الله، لم ينسخه شيء. ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده. فقرأ أبو بكر الصدِّيق ﵁ في الفجر سورة (٣) (البقرة) حتى سلَّم منها قريبًا من طلوع الشمس، فقالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع. فقال: لو طلعَتْ لم تجدنا غافلين! (٤). وكان عمر ﵁ يقرأ فيها بـ (يوسف) (٥) و (النحل) (٦)، وبـ (هود) (٧) و (بني

стр. 389

إسرائيل) (١) ونحوها من السور ولو كان تطويله ﷺ منسوخًا لم يخف على خلفائه ويطلع عليه النقارون. وأما الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٢) عن جابر بن سَمُرة أن النبي ﷺ «كان يقرأ في الفجر بـ (قاف (٣) والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا»، فالمراد بقوله: «بعدُ» أي بعد الفجر، أي أنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها، وصلاته بعدها تخفيفًا. ويدل على ذلك قول أمِّ الفضل وقد سمعتْ ابنَ عباس يقرأ (والمرسلات) فقالت: «يا بُنيَّ، لقد أذكرتَني (٤) بقراءتك هذه السورة. إنَّها لآخرُ ما سمعتُ من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب» (٥). فهذا في آخر الأمر. وأيضًا فإن قوله: «وكانت صلاته بعدُ» غايةٌ قد حُذِف ما هي مضافة إليه، فلا يجوز إضمارُ ما لا يدلُّ عليه السياق، ويتركُ (٦) إضمار ما يقتضيه السياق، والسياق إنما يقتضي أن صلاته بعد الفجر كانت (٧) تخفيفًا، لا يقتضي أن

стр. 390

صلاته كلَّها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفًا (١). هذا ما لا يدل عليه اللفظ، ولو كان هو المراد لم يخفَ على خلفائه الراشدين، فيتمسَّكون بالمنسوخ ويدَعُون الناسخ. وأما قوله ﷺ : «أيُّكم أمَّ الناسَ فَلْيخفِّفْ» (٢)، وقول أنس: «كان رسول الله ﷺ أخفَّ الناس صلاةً في تمامٍ» (٣)، فالتخفيف أمر نِسْبيٌّ يرجع إلى ما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه ﷺ لم يكن يأمرهم بأمرٍ ثم يخالفه. وقد عَلِم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به. فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من تلك (٤) بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها. وهديه الذي كان يواظب عليه هو الحاكم في كلِّ ما تنازع فيه المتنازعون. ويدل عليه ما رواه النسائي (٥) وغيره عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمُّنا بـ (الصَّافَّات)». فالقراءة بـ (الصَّافَّات) من التخفيف الذي كان يأمر به. والله أعلم.

стр. 391

فصل وكان ﷺ لا يعين في الصلوات سورةً بعينها لا يقرأ إلا بها، إلا في الجمعة والعيدين. وأما في سائر الصلوات فقد ذكر أبو داود (١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنه قال: ما من المفصَّل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يؤمُّ الناسَ بها في الصلاة المكتوبة. وكان من هديه قراءة السورة كاملةً. وربما قرأها في ركعتين، وربما قرأ أول السورة. وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يُحفَظ عنه. وأما قراءة السورتين في ركعة، فكان يفعله في النافلة، وأما في الفرض فلم يُحفَظ عنه. وأما حديث ابن مسعود: إني لأعرف النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرُن (٢) بينهن: السورتين في ركعة، (الرحمن) و (النجم) في ركعة، و (اقتربت) و (الحاقة) (٣) في ركعة، و (الطور) و (الذاريات) في ركعة، و (إذا وقعت) و (ن) في ركعة (٤) ... الحديث، فهذا حكايةُ فعلٍ لم يعيَّن محلُّه، هل

стр. 392

كان في الفرض أم (١) في النفل؟ وهو محتمل. وأما قراءة سورة واحدة في ركعتين معًا فقلمَّا كان يفعله. وقد ذكر أبو داود (٢) عن رجل من جهينة أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما، قال: فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا. فصل وكان يطيل الركعة الأولى على الثانية من صلاة الصبح، ومن كلِّ صلاة. وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقعَ قدمٍ. وكان يطيل صلاة الصبح أكثر من سائر الصلوات (٣). وهذا لأن قرآن الفجر مشهود. قيل: يشهده الله وملائكته، وقيل: تشهده (٤) ملائكة الليل والنهار (٥). والقولان مبنيَّان على أن النزول الإلهي هل يدوم إلى انقضاء

стр. 393

صلاة الصبح أو إلى طلوع الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا (١). وأيضًا فإنها لما نقصت (٢) عددُ ركعاتها جُعِل تطويلُها عوضًا عما نقصته من العدد. وأيضًا فإنها تكون عقيب النوم، والناس مستريحون. وأيضًا فإنهم لم يأخذوا بعدُ في أشغال (٣) المعاش وأسباب الدنيا. وأيضًا فإنها تكون في وقتٍ يواطئ فيه السمعُ واللسانُ القلبَ، لفراغه وعدم تمكُّن الأشغال منه (٤)، فيفهم القرآن ويتدبَّره.

стр. 394

وأيضًا فإنها أساس العمل وأوله، فأعطيت فضلًا من الاهتمام بها وتطويلها. وهذه أسرارٌ إنما يعرفها مَن له التفاتٌ إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحِكَمها. والله المستعان (١). فصل وكان إذا فرغ من القراءة سكَت قدرَ (٢) ما يترادُّ إليه نفَسُه (٣)، ثم رفع يديه كما تقدَّم، وكبَّر راكعًا، ووضع كفَّيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ووتَّر يديه فنحَّاهما عن جنبيه، وبسَط ظهرَه ومدَّه، واعتدل، فلم ينصِبْ رأسه ولم يخفِضه، بل يجعله حيالَ ظهره معادلًا له. وكان يقول: «سبحان ربي العظيم» (٤). وتارةً يقول مع ذلك أو مقتصرًا عليه: «سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (٥). وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات، وسجوده كذلك (٦). وأما حديث البراء بن عازب: «رمَقتُ الصلاة خلف النبي ﷺ ، فكان قيامه، فركوعه، فاعتداله، فسجدته، فجلسته ما بين السجدتين= قريبًا من

стр. 395

السَّواء» (١)، فهذا قد فهم منه بعضُهم أنه كان يركع بقدر قيامه، ويسجد بقدره، ويعتدل كذلك. وفي هذا الفهم شيء، لأنه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالمائة آية ونحوها، وقد تقدَّم أنه قرأ في المغرب بـ (الأعراف) و (الطور) و (المرسلات)، ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن بقدر هذه القراءة. ويدل عليه حديث أنس الذي رواه أهل «السنن» (٢) أنه قال: ما صلَّيتُ وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبهَ صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى. يعني: عمر بن عبد العزيز. قال: فحزَرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. هذا مع قول أنس (٣): إنه كان يؤمُّهم بـ (الصافات). فمراد البراء ــ والله أعلم ــ أن صلاته ﷺ كانت معتدلةً، فكان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود. وتارةً يجعل الركوع والسجود بقدر القيام، ولكن كان يفعل ذلك أحيانًا في صلاة الليل وحده، وفعَله أيضًا قريبًا من ذلك في صلاة الكسوف. وهديهُ الغالب ﷺ تعديل الصلاة وتناسبها. وكان يقول أيضًا في ركوعه: «سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح» (٤)،

стр. 396

وتارةً يقول: «اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ. خشَع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصبي» (١)، وهذا إنما حُفظ عنه في قيام الليل. ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلًا: «سمع الله لمن حمده» (٢)، ويرفع يديه كما تقدَّم. وروى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفسًا (٣)، واتفق على روايتها العشرة. ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديه إلى أن فارق الدنيا. ولم يصح عنه حديث البراء (٤): «ثم لا يعود»، بل هي من زيادة يزيد (٥). وليس تركُ ابن مسعود الرفعَ (٦) مما يقدَّم

стр. 397

على هديه المعلوم. فقد تُرِك من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياء (١) ليس معارضُها مقاربًا ولا مدانيًا للرفع، فتُرِك من فعله: التطبيقُ، والافتراش في السجود، ووقوفه إمامًا بين الاثنين في وسطهما دون التقدُّم عليهما (٢)، وصلاته الفرضَ في البيت بأصحابه بغير أذان ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء. وأين الأحاديث في خلاف ذلك من الأحاديث التي في الرفع كثرةً وصحَّةً وصراحةً وعملًا؟ وبالله التوفيق. وكان دائمًا يقيم صلبه إذا رفع من الركوع، وبين السجدتين، ويقول: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صلبَه في الركوع (٣) والسجود». ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» (٤). وكان إذا استوى قائمًا قال: «ربَّنا ولك الحمد» (٥)، وربما قال: «ربَّنا لك

стр. 398

الحمد» (١)، وربما قال (٢): «اللهمَّ ربَّنا لك الحمد» (٣)، صحَّ عنه ذلك كلُّه. وأما الجمع بين «اللهمَّ» و «الواو» فلم يصحَّ (٤). وكان من هديه إطالة هذا الركن بقدر الركوع والسجود. فصحَّ عنه أنه كان (٥) يقول فيه (٦): «سمع الله لمن حمده، اللهمَّ ربَّنا لك الحمد، مِلْءَ السماوات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئتَ من شيء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحَقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد. لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» (٧).

стр. 399

وصحَّ عنه أنه كان يقول فيه: «اللهمَّ اغسِلْني من خطايايَ بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّني من الذنوب والخطايا كما نقَّيتَ الثوب الأبيض من الدَّنَس، وباعِدْ بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بين المشرق والمغرب» (١). وصحَّ عنه أنه كررَّ (٢) فيه قولَ: «لربِّي الحمد، لربِّي الحمد»، حتى كان بقدر ركوعه (٣). وصحَّ عنه أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يمكُث حتى يقول القائل: قد نسي، من إطالته لهذا الركن. فذكر مسلم (٤) عن أنس: كان رسول الله ﷺ إذا

стр. 400

قال: «سمع الله لمن حمده» قام حتى نقول (١): قد أوهَمَ. ثم يسجد، ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهَمَ. وصح عنه أيضًا في صلاة الكسوف أنه أطال هذا الركن بعد الركوع حتى كان قريبًا من ركوعه، وكان ركوعه قريبًا من قيامه (٢). فهذا هديه المعلوم الذي لا معارض له بوجه. وأما حديث البراء بن عازب: «كان ركوع رسول الله ﷺ وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء»، رواه البخاري (٣)؛ فقد تشبَّث به من ظنَّ تقصير هذين الركنين، ولا متعلَّق له به، فإنَّ الحديث مصرَّح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان. فلو كان القيام والقعود المستثنى هو القيام بعد الركوع والقعود بين السجدتين لناقض الحديثُ الواحدُ بعضُه بعضًا، فيتعيَّن قطعًا أن يكون المراد بالقيام والقعود قيام القراءة وقعود التشهد. وهذا كان هديه فيهما ﷺ : إطالتهما على سائر الأركان، كما تقدَّم بيانه. وهذا بحمد الله واضح، وهو مما خفي من هدي رسول الله ﷺ في صلاته على من شاء الله أن يخفى عليه (٤).

стр. 401

قال شيخنا: وتقصير هذين الركنين مما تصرَّف فيه أمراء بني أمية في الصلاة وأحدثوا فيها، كما أحدثوا ترك إتمام (١) التكبير، وكما أحدثوا التأخير الشديد، وكما أحدثوا غير ذلك مما يخالف هديه ﷺ ، ورأى في ذلك من رأى (٢) حتَّى ظُنَّ أنه من السنة. فصل ثم كان يكبِّر ويخِرُّ ساجدًا، ولا يرفع يديه. وقد روي عنه أنه كان يرفعهما أيضًا، وصحَّحه بعض الحفاظ كابن حزم (٣). وهو وهم، فلم يصحَّ عنه (٤) ذلك البتة. والذي (٥) غرَّه أن الراوي غلط من قوله: «كان يكبِّر في كلِّ خفض ورفع» (٦)، إلى قوله: «كان يرفع يديه في كلِّ خفض ورفع» وهو ثقة (٧)؛ ولم

стр. 402

يتفطَّن لسبب غلطه ووهمه، فصحَّحه. والله أعلم. وكان يضع ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه. هذا هو الصحيح الذي رواه شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر: رأيتُ رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه (١). ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك (٢). وأما حديث أبي هريرة يرفعه: «إذا سجد أحدكم فلا يبرُكْ كما يبرُكُ البعير، وليضَعْ يديه قبل ركبتيه» (٣)، فالحديث ــ والله أعلم ــ قد وقع فيه وهمٌ

стр. 403

من بعض الرواة، فإن أوله يخالف آخره؛ فإنه إذا وضع (١) يديه قبل ركبتيه فقد برَك كما يبرُك البعير، فإنَّ البعير إنما يضع يديه أولًا. ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه؛ فهو إذا برَك وضع ركبتيه أولًا، فهذا هو المنهيُّ عنه، وهو فاسد لوجوه (٢): أحدها: أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولًا وتبقى رجلاه قائمتين (٣)، وإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولًا وتبقى يداه (٤) على الأرض، وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ ، وفعَل خلافَه. فكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب إليها فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى. فكان يضع ركبتيه أولًا، ثم يديه، ثم جبهته. وإذا رفع رفع رأسه أولًا، ثم يديه، ثم ركبتيه. وهذا عكس فعل البعير، وهو ﷺ نهى في الصلاة عن التَّشبُّه بالحيوانات، فنهى عن بروكٍ كبروك البعير، والتفاتٍ كالتفات الثعلب، وافتراشٍ كافتراش السَّبُع، وإقعاءٍ كإقعاء الكلب، ونَقْرٍ كنقر الغراب، ورفعِ الأيدي وقتَ السلام كأذناب الخيل الشُّمُس (٥). فهديُ المصلِّي مخالفٌ لهدي الحيوانات.

стр. 404

الثاني: أن قولهم: «ركبتا البعير في يديه» كلام لا يُعقَل ولا يعرفه أهل اللغة (١)، وإنما الرُّكبة في الرِّجلين، وإن أُطلق على اللتين في يديه اسمُ الركبة فعلى سبيل التغليب. الثالث: أنه لو كان كما قالوه لقال: فليبرُكْ كما يبرُك البعير، فإنَّ أول ما يمسُّ الأرض من البعير يداه. وسِرُّ المسألة أنَّ من تأمَّل بروكَ البعير وعَلِم نهيَ النبيِّ ﷺ عن بروكٍ كبروك البعير= علِمَ أنَّ حديث وائل بن حُجْر هو الصواب. والله أعلم. وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة مما انقلب على بعض الرواة متنه (٢)، ولعله: «وليضع ركبتيه قبل يديه»، كما انقلب على بعضهم حديث عائشة وابن عمر (٣): «إن بلالا يؤذِّن بليل, فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابنُ أم

стр. 405

مكتوم» (١)، فقال: «إنَّ (٢) ابن أم مكتوم يؤذِّن بليل, فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن بلال» (٣)؛ وكما انقلب على بعضهم حديث أبي هريرة: «لا يزال يلقى في النار وتقول: هل من مزيد»، إلى أن قال: «وأمَّا الجنَّة فينشئ الله لها خلقًا يُسكِنهم إياها» فقال: «وأما النار فينشئ الله لها خلقًا يسكنهم إياها» (٤). حتى رأيت أبا بكر بن أبي شيبة قد رواه كذلك، فقال ابن أبي شيبة (٥): حدثنا محمد بن

стр. 406

فضيل، عن عبد الله (١) بن سعيد، عن جدِّه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرُكْ بروكَ الفحل»، ورواه الأثرم في «سننه» (٢) عن أبي بكر كذلك. وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أيضًا ما يصدِّق ذلك ويوافق حديث وائل بن حُجْر. قال ابن أبي داود (٣): حدثنا يوسف بن عدي، حدَّثنا ابن فُضَيل، عن عبد الله (٤) بن سعيد، عن جدِّه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه.

стр. 407

وقد روى ابن خزيمة في «صحيحه» (١) من حديث مصعب بن سعد، عن أبيه قال: «كنَّا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمِرْنا بالركبتين قبل اليدين». وعلى هذا، فإن كان حديث أبي هريرة محفوظًا فإنه منسوخ. وهذه طريقة صاحب «المغني» (٢) وغيره. ولكن للحديث علَّتان: إحداهما: أنه من رواية يحيى بن سلَمة بن كُهَيل، وليس ممن يحتجُّ به، قال النسائي: هو (٣) متروك. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا لا يحتج به. وقال ابن معين: ليس بشيء (٤). الثانية: أن المحفوظ من رواية مصعب بن سعد عن أبيه في (٥) هذا، إنما هو قصةُ التطبيق، وقولُ سعد (٦): كنا نصنع هذا، فأُمِرْنا أن نضَع أيدينا على الرُّكَب. وأما قول صاحب «المغني»: «وروي عن أبي سعيد قال: كنا نضع اليدين

стр. 408

قبل الركبتين، فأُمِرنا بوضع الركبتين قبل اليدين»، فهذا ــ والله أعلم ــ وهمٌ في الاسم، وإنما هو عن سعد؛ وهو أيضًا وهمٌ في المتن كما تقدَّم، وإنما هو في قصة التطبيق. والله أعلم. وأما حديث أبي هريرة المتقدِّم (١)، فقد علَّله البخاري والترمذي والدارقطني. قال البخاري (٢): محمد بن عبد الله بن حسن لا يتابع عليه، وقال: لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ وقال الترمذي (٣): غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه. وقال الدارقطني (٤): تفرد به الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي، عن أبي الزناد. وقد ذكر النسائي (٥) عن قتيبة، حدثنا عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ : «يعمِدُ أحدكم في صلاته، فيبرُك كما يبرُك الجمل!»، ولم يزد. قال (٦)

стр. 409

أبو بكر بن أبي داود (١): هذه سنَّة تفرَّد بها أهل المدينة، ولهم فيها إسنادان، هذا أحدهما، والآخر عن عبيد الله (٢) عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . قلت: أراد الحديث الذي رواه أصبغ بن الفرج عن الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، ويقول: كان النبي ﷺ يفعل ذلك (٣). رواه الحاكم في «المستدرك» (٤) من طريق مُحْرِز بن سلَمة عن الدراوردي، وقال: على شرط مسلم. وقد روى الحاكم (٥) من حديث حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس: «رأيت رسول الله ﷺ انحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه».

стр. 410

قال (١) الحاكم: على شرطهما ولا أعلم له علَّةً. قلت: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢): سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث منكر. انتهى (٣). وإنما أنكره ــ والله أعلم (٤) ــ لأنه من رواية العلاء بن إسماعيل العطار عن حفص بن غياث، والعلاء هذا مجهول لا ذكر له في الكتب الستة. فهذه الأحاديث المرفوعة من الجانبين, كما ترى. وأما الآثار عن الصحابة, فالمحفوظ عن عمر بن الخطاب أنه كان يضع ركبتيه قبل يديه. ذكره عنه عبد الرزاق وابن المنذر (٥) وغيرهما. وهو المروي عن عبد الله بن مسعود ﵁. ذكره الطحاوي (٦) عن فهد عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أصحاب

стр. 411

عبد الله (١) علقمة والأسود قالا: حفظنا من عمر في صلاته أنه خرَّ بعد ركوعه على ركبتيه كما يخِرُّ البعير، ووضع ركبتيه قبل يديه. ثم ساق من طريق الحجاج بن أرطاة قال: قال إبراهيم النخعي: حُفِظ من عبد الله بن مسعود أن ركبتيه كانتا (٢) تقعان إلى الأرض قبل يديه. وذكر عن ابن مرزوق (٣)، عن وهب، عن شعبة، عن مغيرة (٤) قال: سألت إبراهيم عن الرجل يبدأ بيديه قبل ركبتيه إذا سجد؟ قال: أو يصنع ذلك إلا أحمق أو مجنون! قال ابن المنذر (٥): «وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فممن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه: عمر بن الخطاب. وبه قال النخعي، ومسلم بن يسار، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابه، وأهل الكوفة. وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه، قاله مالك. وقال الأوزاعي (٦): أدركتُ الناسَ يضعون أيديهم قبل ركبهم». قال ابن أبي داود (٧): وهو قول أصحاب الحديث. قلت: وقد روي حديث أبي هريرة بلفظ آخر ذكره البيهقي (٨)، وهو:

стр. 412

«إذا سجد أحدكم فلا يبرُكْ كما يبرُك البعير، وليضَعْ يديه على ركبتيه». قال البيهقي: فإن كان محفوظًا كان دليلًا على أنه يضع يديه على ركبتيه (١) عند الإهواء إلى السجود. وحديث وائل بن حجر أولى لوجوه: أحدها: أنه أثبَتُ من حديث أبي هريرة، قاله الخطابي (٢) وغيره. الثاني: أن حديث أبي هريرة مضطرب المتن كما تقدَّم. فمنهم من يقول فيه: «وليضَعْ يديه قبل ركبتيه»، ومنهم من يقول بالعكس، ومنهم من يقول: «وليضع يديه على ركبتيه»، ومنهم من يحذف هذه الجملة رأسًا. الثالث: ما تقدَّم من تعليل البخاري والدارقطني وغيرهما له. الرابع: أنه على تقدير ثبوته قد ادعى فيه جماعة من أهل العلم النسخ، قال ابن المنذر (٣): وقد زعم بعض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ، وقد تقدَّم ذلك. الخامس: أنه الموافق لنهي النبيِّ ﷺ عن بروك كبروك الجمل في الصلاة، بخلاف حديث وائل بن حُجْر (٤). السادس: أنه الموافق للمنقول عن الصحابة كعمر بن الخطاب، وابنه،

стр. 413

وعبد الله بن مسعود. ولم ينقل عن أحد منهم ما يوافق حديث أبي هريرة إلا عن ابن عمر (١) على اختلاف عنه (٢). السابع: أن له شواهد من حديث ابن عمر وأنس كما تقدم، وليس لحديث أبي هريرة شاهد (٣)؛ فلو تقاوَما لقُدِّم حديثُ وائل بن حُجْر من أجل شواهده، فكيف وحديث وائل أقوى كما تقدَّم؟ (٤). الثامن: أن أكثر الناس عليه، والقول الآخر إنما يُحفَظ عن الأوزاعي ومالك. وأما قول ابن أبي داود: إنه قول أهل الحديث، فإنما أراد به بعضهم، وإلا فأحمد وإسحاق والشافعي على خلافه. والله أعلم. التاسع: أنه حديث فيه قصَّة محكيَّة سبقت حكايةَ فعلِه (٥) ﷺ ، فهي أولى أن تكون محفوظة؛ لأن الحديث إذا كان فيه قصة دلَّ على أنه حُفِظ. العاشر: أنَّ الأفعال المحكية فيه كلَّها ثابتة صحيحة من رواية غيره، فهي أفعال معروفة صحيحة، وهذا واحد منها، فله حكمها. ومعارضُه ليس مقاومًا له، فيتعيَّن ترجيحُه (٦). والله أعلم.

стр. 414

وكان ﷺ يسجد على جبهته وأنفه، دون كَوْر العمامة. ولم يثبت عنه السجود على كَوْر العمامة في حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبد الرزاق في «المصنَّف» (١) عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ يسجد على كَوْر عمامته». وهو من رواية عبد الله بن محرَّر (٢)، وهو متروك. وذكره أبو أحمد (٣) من حديث جابر ولكنه من رواية عمرو بن شِمْر عن جابر الجعفي، متروك عن متروك. وقد ذكر أبو داود في «المراسيل» (٤) أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي يسجد (٥) بجبينه، وقد اعتمَّ على جبهته، فحسَر رسول الله ﷺ عن جبهته (٦).

стр. 415

وكان يسجد على الأرض كثيرًا، وعلى الماء والطين، وعلى الخُمْرة المتخذة من خُوص النخل، وعلى الحصير المتخذ منه، وعلى الفروة المدبوغة. وكان إذا سجد مكَّن جبهته وأنفه من الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، وجافى بهما حتى يُرى بياض إبطيه. ولو شاءت بَهْمة ــ وهي الشاة الصغيرة ــ أن تمرَّ تحتهما لمرَّتْ (١). وكان يضع يديه حذوَ منكبيه وأذنيه، وفي «صحيح مسلم» (٢) عن البراء أنه ﷺ قال: «إذا سجدتَ فضَعْ كفَّيك، وارفَعْ مرفقَيك». وكان يعتدل في سجوده ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة (٣). وكان يبسُط كفَّيه وأصابعه، لا يفرِّج بينها ولا يقبضها (٤). وفي «صحيح ابن حبان» (٥): «كان إذا ركع فرَّج أصابعه، وإذا سجد ضمَّ أصابعه». وكان يقول: «سبحان ربِّي الأعلى»، وأمر به (٦).

стр. 416

وكان يقول: «سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفر لي» (١). وكان يقول: «سُبُّوح قُدُّوس ربُّ الملائكة والروح» (٢). وكان يقول: «سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت» (٣). وكان يقول: «اللهمَّ إنِّي أعوذ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» (٤). وكان يقول: «اللهمَّ لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ. سجد وجهي للذي خلقه, وصوَّره, وشقَّ سَمْعَه وبصَرَه، تبارك الله أحسنُ الخالقين» (٥). وكان يقول: «اللهمَّ اغفِرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسِرَّه» (٦). وكان يقول: «اللهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما

стр. 417

أنت أعلم به منِّي. اللهم اغفر لي جِدِّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي. اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ. أنت إلهي (١)، لا إله إلا أنت» (٢). وكان يقول: «اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعل لي نورًا، أو (٣): واجعلني نورًا» (٤). وأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود وقال: «إنه قَمِنٌ أن يستجاب لكم» (٥). وهل هذا أمرٌ بأن يُكثِر من (٦) الدعاء في السجود، أو أمرٌ بأن الداعي إذا دعا في محلٍّ، فليكن (٧) في السجود؟ وفرقٌ بين الأمرين. وأحسن ما يحمل عليه الحديث أن الدعاء نوعان: دعاء ثناء، ودعاء مسألة؛ والنبيُّ ﷺ كان يكثر في

стр. 418

سجوده من النوعين، والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين. والاستجابة أيضًا نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سُؤْلَه، واستجابة دعاء المُثني بالثواب. وبكلِّ واحد من النوعين فُسِّر قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (١)﴾، والصحيح أنه يعُمُّ النوعين. فصل وقد اختلف الناس في القيام والسجود أيهما أفضل؟ فرجَّحت طائفة القيام لوجوه: أحدها: أن ذكره أفضل الأذكار، فكان ركنه أفضل الأركان. الثاني (٢): قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. الثالث: قوله ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت» (٣). وقالت طائفة: كثرة السجود أفضل. واحتجَّت بقول النبي ﷺ : «أقربُ ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد» (٤)، وبحديث معدان بن أبي طلحة (٥) قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: حدِّثني بحديثٍ عسى الله أن ينفعني به. فقال: عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يسجُد لله سجدةً إلا رفع الله له بها درجةً، وحطَّ عنه بها خطيئةً». قال

стр. 419

معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته، فقال لي مثل ذلك. وقال (١) ﷺ لربيعة بن كعب الأسلمي، وقد سأله مرافقته في الجنة، فقال: «أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» (٢). وأول سورة أنزلت على النبي ﷺ سورة (اقرأ) (٣) على الأصح (٤)، وختمها بقوله: ﴿تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. وبأن السجود لله يقع من المخلوقات كلِّها عُلويِّها وسُفليِّها، وبأن الساجد أذلُّ ما يكون لربِّه وأخضعُ له، وذلك أشرف حالات العبد، ولهذا (٥) كان أقرب ما يكون من ربّه في هذا الحال (٦). وبأن السجود هو سرُّ العبودية، فإن العبودية هي الذل والخضوع. يقال: طريق معبَّد، أي ذلَّلته الأقدام ووطَّأته، وأذلُّ ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدًا. وقالت طائفة: طول القيام بالليل أفضل، وكثرة الركوع والسجود بالنهار أفضل. واحتجَّت هذه الطائفة بأن صلاة الليل قد خُصَّت باسم القيام كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢]، وقول النبي ﷺ : «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا» (٧). ولهذا يقال: قيام الليل، ولا يقال: قيام النهار.

стр. 420

قالوا: وهذا كان هدي النبي ﷺ ، فإنه ما زاد في الليل على إحدى عشرة ركعةً أو ثلاث عشرة ركعةً. وكان يصلي الركعة في بعض قيامه بالبقرة والنساء وآل عمران (١). وأما بالنهار فلم يُحفَظ عنه شيء من ذلك، بل كان يخفِّف السنن. وقال شيخنا ﵁ (٢): الصواب أنهما سواء، والقيام فُضِّل (٣) بذكره وهو القراءة، والسجود فُضِّل بهيئته. فهيئةُ السجود أفضل من هيئة القيام، وذكرُ القيام أفضل من ذكر السجود. قال: وهكذا كان هدي النبي ﷺ ، فإنه كان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، كما فعل في صلاة الكسوف، وفي صلاة الليل. وكان إذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود. وكذلك كان يفعل في الفرض، كما قال البراء بن عازب: كان قيامه وركوعه وسجوده واعتداله قريبًا من السواء (٤). والله أعلم (٥). فصل ثم كان ﷺ يرفع رأسه مكبِّرًا غير رافع يديه، ويرتفع منه رأسُه قبل يديه (٦). ثم يجلس مفترشًا، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى.

стр. 421

وذكر النسائي (١) عن ابن عمر قال: «من سنَّة الصلاة: أن ينصب القدم (٢) اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى». ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الموضع جلسة غير هذه. وكان يضع يديه على فخذيه، ويجعل حدَّ مرفقه (٣) على فخذه، وطرفَ يده على ركبته. وقبَض ثنتين من أصابعه وحلَّق حلقةً، ثم رفع إصبعه يدعو بها ويحرِّكها. هكذا قال وائل بن حُجْر عنه (٤).

стр. 422

وأما حديث أبي داود (١) عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحرِّكها، فهذه الزيادة في صحتها نظر (٢). وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في «صحيحه» (٣) عنه، ولم يذكر هذه الزيادة، بل قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده (٤) اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه». وأيضًا فليس في حديث أبي داود عنه أن هذا كان في الصلاة (٥). وأيضًا فلو كان في الصلاة لكان نافيًا، وحديث وائل بن حجر مثبتًا وهو مقدَّم، وهو حديث صحيح، ذكره أبو حاتم في «صحيحه» (٦). ثم يقول: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبُرْني، واهدني، وارزقني» (٧).

стр. 423

هكذا ذكر ابن عباس عنه (١). وذكر حذيفة أنه كان يقول: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي» (٢). وكان هديه إطالة هذا الركن بقدر السجود. هكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث. وفي «الصحيح» (٣) عن أنس: «كان رسول الله ﷺ يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهَم». وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، ولهذا قال ثابت: «فكان (٤) أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه: يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو قد أوهَم» (٥). وأما من حكَّم السنَّةَ ولم يلتفت إلى ما خالفها، فإنه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي.

стр. 424

فصل ثم كان ﷺ ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدًا على فخذيه كما ذكره عنه: وائل (١) وأبو هريرة (٢)، ولا يعتمد على الأرض بيديه (٣). وقد ذكره عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا (٤). وهذه هي التي تسمَّى جلسة الاستراحة . واختلف الفقهاء فيها:

стр. 425

هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكلِّ أحد أن يفعلها، أو هي (١) ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد (٢). قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة (٣). وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله (٤) سئل عن النهوض فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة. وحديث (٥) ابن عجلان (٦) يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ . وسائرُ من وصف صلاة النبي ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذُكِرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث (٧). ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كلُّ من وصف صلاته ﷺ . ومجرَّدُ فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا عُلِم أنه
следующие страницы →