← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

وقال حرب في «مسائله» (١): سألت أحمد قلت: المتوفَّى عنها زوجها والمطلَّقة هل تلبسانِ البُردَ ليس بحريرٍ؟ فقال: لا تتطيَّب (٢) المتوفَّى عنها، ولا تتزيَّنُ (٣) بزينةٍ، وشدَّد في الطِّيب إلا أن يكون قليلًا عند طهرها. ثمَّ قال: وشبِّهت المطلَّقة ثلاثًا بالمتوفَّى عنها لأنَّه ليس لزوجها عليها رجعةٌ. ثمَّ ساق حرب بإسناده إلى أم سلمة قالت: المتوفَّى عنها لا تلبس المعصفر من الثِّياب، ولا تختضب، ولا تكتحل، ولا تتطيَّب (٤)، ولا تمتشط بطيبٍ (٥). وقال إبراهيم بن هانئٍ النَّيسابوريُّ في «مسائله» (٦): سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدَّتها أو تَدَّهن في عدَّتها؟ قال: لا بأس به، وإنَّما كُرِه للمتوفَّى عنها زوجها أن تتزيَّن. وقال أبو عبد الله: كلُّ دهنٍ فيه طيبٌ فلا تَدَّهِن به. فقد دار كلام الإمام أحمد والشَّافعيِّ وأبي حنيفة على أنَّ الممنوع منه من الثِّياب ما كان من لباس الزِّينة من أيِّ نوعٍ كان. وهذا هو الصَّواب قطعًا، فإنَّ المعنى الذي مُنِعت من المعصفر والممشَّق لأجله مفهومٌ، والنَّبيُّ ﷺ خصَّه بالذِّكر مع المصبوغ تنبيهًا على ما هو مثله وأولى بالمنع، فإذا كان الأبيض والبرود المحرَّرة (٧) الرَّفيعة الغالية الأثمان ممَّا يراد للزِّينة

стр. 3817

لارتفاعهما وتَناهِي جودتهما كانا (١) أولى بالمنع من الثَّوب المصبوغ. وكلُّ من عقَلَ عن الله ورسوله لم يسترِبْ في ذلك، لا كما قال أبو محمَّد بن حزمٍ (٢): إنَّها تجتنب الثِّياب المصبَّغة فقط، ومباحٌ لها أن تلبس بعدُ ما شاءت من حريرٍ أبيض وأصفر من لونه الذي لم يُصبغ، وصوف البحر الذي هو لونه، وغير ذلك. ومباحٌ لها أن تلبس المنسوج بالذَّهب والحليِّ كلّه من الذَّهب والفضَّة والجوهر والياقوت والزُّمرُّد وغير ذلك. فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط، وهي الكحلُ كلُّه لضرورةٍ أو لغير ضرورةٍ، ولو ذهبت عيناها، لا ليلًا ولا نهارًا. وتجتنب فرضًا كلَّ ثوبٍ مصبوغٍ ممَّا يُلبس في الرَّأس أو على الجسد أو على شيءٍ منه، سواءٌ في ذلك السَّواد والخضرة والحمرة والصُّفرة وغير ذلك، إلا العَصب وحده، وهي (٣) ثيابٌ موشَّاةٌ تُعمل باليمن، فهو مباحٌ لها. وتجتنب أيضًا فرضًا الخضابَ كلَّه جملةً. وتجتنب الامتشاطَ حاشا التَّسريح بالمُشْط فقط فهو حلالٌ لها. وتجتنب أيضًا فرضًا الطِّيبَ كلَّه ولا تقربه، حاشا شيئًا من قُسْطٍ أو أظفارٍ عند طهرها فقط. فهذه الخمسة الَّتي ذكرها، حكينا كلامه فيها بنصِّه. وليس بعجيبٍ منه تحريمُ لبسِ ثوبٍ أسودَ عليها ليس (٤) من الزِّينة في شيءٍ، وإباحةُ ثوبٍ يتَّقد ذهبًا ولؤلؤًا وجواهرَ، ولا تحريمُ (٥) المصبوغِ

стр. 3818

الغليظ لحمل الوسخ، وإباحةُ الحرير الذي هو يأخذ بالعيون حسنُه وبهاؤه ورُواؤه، وإنَّما العجب منه أن [يقول] (١): هذا دين الله في نفس الأمر وأنَّه لا يحلُّ لأحدٍ خلافه. وأعجبُ من هذا إقدامُه على خلاف الحديث الصَّحيح في نهيه ﷺ لها عن لباس الحُليِّ. وأعجبُ من هذا أنَّه ذكر الخبر بذلك، ثمَّ قال (٢): ولا يصحُّ لأنَّه من رواية إبراهيم بن طَهْمان، وهو ضعيفٌ، ولو صحَّ لقلنا به. فللَّه ما لقي إبراهيم بن طهمان من أبي محمَّد بن حزمٍ! وهو من الحفَّاظ الأثبات الثِّقات الذين اتَّفق الأئمَّة السِّتَّة على إخراج حديثه، واتَّفق أصحاب الصَّحيح ــ وفيهم الشَّيخان ــ على الاحتجاج بحديثه، وشهدَ له الأئمَّة بالثِّقة والصِّدق، ولم يُحفظ عن أحدٍ منهم فيه جرحٌ ولا خَدْشٌ، ولا يُحفظ عن أحدٍ من المحدِّثين قطُّ تعليلُ حديثٍ رواه، ولا تضعيفُه به. وقرئ على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في «التَّهذيب» وأنا أسمع قال (٣): إبراهيم بن طهمان بن سعيد (٤) الخراساني أبو سعيدٍ الهرويُّ، ولد بهراةَ، وسكن نيسابور، وقدم بغداد وحدَّث بها، ثمَّ سكن بمكَّة حتَّى مات بها.

стр. 3819

ثمَّ ذكر عمَّن روى ومن روى عنه، ثمَّ قال: قال نوح أبو عمرو المروزي (١) عن سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك: صحيح الحديث. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ عن أبيه وأبو (٢) حاتم: ثقةٌ. وقال عبد الله بن أحمد عن يحيى بن معينٍ: لا بأس به. وكذلك قال العجلي. وقال أبو حاتم: صدوقٌ حسن الحديث. وقال عثمان بن سعيدٍ الدَّارميُّ: كان ثقةً في الحديث، لم يزل الأئمَّة يشتهون حديثه ويرغبون فيه ويوثِّقونه. وقال أبو داود: ثقةٌ. وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرِّواية، كثير السَّماع، ما كان بخراسان أكثر حديثًا منه، وهو ثقةٌ. روى له الجماعة. وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبلِ من حدَّث بخراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم، وأوسعهم علمًا. وقال المسعودي: سمعت مالك بن سليمان يقول: مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمانٍ وستِّين ومائةٍ بمكَّة، ولم يخلف مثله. وقد أفتى الصَّحابة ﵃ بما هو مطابقٌ لهذه النُّصوص وكاشفٌ عن معناها ومقصودها، فصحَّ عن ابن عمر أنَّه قال: لا تكتحل، ولا تطيَّبُ، ولا تختضب، ولا تلبس المعصفر ولا ثوبًا مصبوغًا إلّا (٣) بردًا، ولا تتزيَّن بحليٍّ، ولا تلبس شيئًا تريد به الزِّينة، ولا تكتحل بكُحلٍ تريد به الزِّينة إلا أن تشتكي عينَها (٤).

стр. 3820

وصحَّ عنه (١) من طريق عبد الرزاق (٢) عن سفيان الثَّوريِّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: لا تمسُّ المتوفَّى عنها طيبًا، ولا تختضب، ولا تكتحل، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عَصْبٍ (٣) تتجلببُ به. وصحَّ عن أم عطية: لا تلبس الثِّياب المصبَّغة إلا العَصْب، ولا تمسُّ طيبًا إلا أدنى الطِّيب بالقُسْط والأظفار، ولا تكتحل بكُحلِ زينةٍ (٤). وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: تجتنب الطِّيب والزِّينة (٥). وصحَّ عن أم سلمة: لا تلبس من الثِّياب المصبَّغة شيئًا، ولا تكتحل، ولا تلبس حُليًّا، ولا تختضب، ولا تتطيَّب (٦).

стр. 3821

وقالت عائشة أمُّ المؤمنين: لا تلبس معصفرًا، ولا تقرب طيبًا، ولا تكتحل، ولا تلبس حليًّا، وتلبس إن شاءت ثيابَ العَصْب (١). فصل وأمَّا النِّقاب فقال الخِرَقي في «مختصره» (٢): وتجتنب الزَّوجة المتوفَّى عنها زوجُها الطِّيبَ والزِّينة، والبيتوتةَ في غير منزلها، والكحلَ بالإثمد، والنِّقابَ. ولم أجد بهذا نصًّا عن أحمد، وقد قال إسحاق بن هانئ في «مسائله» (٣): سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدَّتها أو تدَّهن في عدَّتها؟ قال لا بأسَ به، وإنَّما كره للمتوفَّى عنها زوجها أن تتزيَّن. ولكن قد قال أبو داود في «مسائله» (٤): قال أحمد: المتوفَّى عنها زوجها والمطلَّقة ثلاثًا والمُحرِمة يجتنبنَ (٥) الطِّيبَ والزِّينة. فجعل المتوفَّى عنها بمنزلة المُحرِمة فيما تجتنبه، فظاهر هذا أنَّها تجتنب النِّقاب، فلعلَّ أبا القاسم أخذ من نصِّه هذا، فالله أعلم. وبهذا علَّله أبو محمد في

стр. 3822

«المغني» فقال (١): فصل، الثَّالث مما (٢) تجتنبه الحادَّة النِّقاب وما في معناه مثل البرقع ونحوه؛ لأنَّ المعتدَّة مشبَّهةٌ بالمحرِمة، والمحرمة تُمنَع من ذلك. وإذا احتاجت إلى سَتْر وجهها سَدَلتْ عليه كما تفعل المحرمة. فصل فإن قيل: فما تقولون في الثَّوب إذا صُبِغ غَزْلُه، ثمَّ نُسِجَ، هل لها لُبْسُه؟ قيل: فيه وجهان، وهما احتمالان في «المغني» (٣): أحدهما: يحرم لبسه؛ لأنَّه أحسن وأرفع، ولأنَّه مصبوغٌ للحسن فأشبهَ ما صُبِغ بعد نسجه. والثَّاني: لا يحرم، لقول رسول الله ﷺ في حديث أم سلمة: «إلَّا ثوبَ عَصْبٍ»، وهو ما صُبِغ غزله قبل نسجه. ذكره القاضي. قال الشَّيخ (٤): والأوَّل أصحُّ، وأمَّا العَصْب فالصَّحيح أنَّه نبتٌ تُصْبَغ به الثِّياب. قال السهيلي (٥): الورس والعَصْب نبتانِ باليمن لا ينبتان إلا به. فأرخص النَّبيُّ ﷺ للحادَّة في لبس ما يُصْبغ بالعَصْب، لأنَّه في معنى ما يُصبغ لغير التحسين كالأحمر والأصفر، فلا معنى لتجويز لُبسه مع حصول الزِّينة بصبغه، كحصولها بما صُبِغ بعد نسجه. والله أعلم.

стр. 3823

ذِكر حكم رسول الله ﷺ في الاستبراء ثبت في «صحيح مسلم» (١) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ يوم حنينٍ بعث جيشًا إلى أوطاسٍ، فلقي عدوًّا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا سبايا، فكأنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا من غشيانهنَّ (٢) من أجل أزواجهنَّ من المشركين، فأنزل الله في ذلك ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّساء ٢٤]، أي فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضت عدَّتهنَّ. وفي «صحيحه» (٣) أيضًا من حديث أبي الدَّرداء: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ (٤) على باب فُسْطاطٍ، فقال: «لعلَّه يريد (٥) أن يُلِمَّ بها» (٦). فقالوا: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «لقد هممتُ أن ألعنَه لعنًا يَدخلُ معه قبرَه، كيف يُورِّثه وهو لا يحلُّ له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحلُّ له؟». وفي «الترمذي» (٧): من حديث عِرباض بن سارية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ حرَّم

стр. 3824

وطء السَّبايا حتَّى يضعن ما في بطونهنَّ. وفي «المسند» و «سنن أبي داود» (١) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في سبايا أوطاسٍ: «لا تُوطَأ حاملٌ حتى تضع، ولا غيرُ ذاتِ حملٍ حتَّى تحيض حيضةً». وفي «الترمذي» (٢) من حديث رُوَيفِع بن ثابتٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَسقِي ماءه ولدَ غيرِه». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. ولأبي داود (٣) من حديثه أيضًا: «لا يحلُّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأةٍ من السَّبْي حتَّى يَستبرئها».

стр. 3825

ولأحمد (١): «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحنَّ ثيِّبًا من السَّبايا حتَّى تحيض». وذكر البخاريُّ في «صحيحه» (٢): قال ابن عمر: إذا وُهِبت الوليدةُ الَّتي تُوطأ أو بِيعتْ أو عُتِقتْ فلتُستَبرأْ بحيضةٍ، ولا تُستبرأ العذراء. وذكر عبد الرزاق (٣) عن معمر، [عن عمرو بن مسلم] (٤)، عن طاوسٍ: أرسل رسول الله ﷺ مناديًا في بعض مغازيه: «لا يقعنَّ رجلٌ على حاملٍ ولا حائلٍ حتَّى تحيض». وذكر (٥) عن سفيان الثَّوريِّ، عن زكريا، عن الشَّعبيِّ قال: أصاب المسلمون سبايا يومَ أوطاسٍ، فأمرهم رسول الله ﷺ أن لا يقعوا على حاملٍ حتَّى تضع، ولا على غير حاملٍ حتَّى تحيض. فصل فتضمَّنت هذه السُّنن أحكامًا عديدةً: أحدها (٦): أنَّه لا يجوز وطء المَسْبِيَّة حتَّى تُعلم براءةُ رحمِها، فإن كانت

стр. 3826

حاملًا فبوضع حَمْلِها، وإن كانت حائلًا فبأن تحيض حيضةً، فإن لم تكن من ذوات الحيض فلا نصَّ فيها. واختُلِف فيها (١) وفي البكر، وفي الَّتي تُعلم براءة رحمها بأن حاضت عند البائع، ثمَّ باعها عقيب الحيضة ولم يطأها، ولم يُخرِجها عن مِلكه، أو كانت عند امرأةٍ وهي مصونةٌ فانتقلت عنها إلى رجلٍ. فأوجب الشَّافعيُّ وأبو حنيفة وأحمد الاستبراء في ذلك كلِّه، أخذًا بعموم الأحاديث، واعتبارًا بالعدَّة حيث تجب مع العلم ببراءة الرَّحم، واحتجاجًا بآثار الصَّحابة، كما ذكر عبد الرزاق (٢): حدَّثنا ابن جريجٍ قال: قال عطاء: تداولَ ثلاثةٌ من التُّجَّار جاريةً فولدتْ، فدعا عمر بن الخطَّاب القافةَ، فألحقوا ولدها بأحدهم، ثمَّ قال عمر: من ابتاع جاريةً قد بلغت المحيض، فليتربَّصْ بها حتَّى تحيض، فإن كانت لم تَحِضْ فليتربَّص بها خمسًا وأربعين ليلةً. قالوا: وقد أوجب الله سبحانه العدَّةَ على من يئست من المحيض وعلى من لم تبلغ سنَّ المحيض، وجعلها ثلاثة أشهرٍ، والاستبراء عدَّة الأمة، فيجب على الآيسة ومن لم تبلغ سنَّ المحيض. وقال آخرون: المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرَّحم، فحيث تيقَّن (٣) المالك براءةَ رحم الأمة فله وطؤها، ولا استبراءَ (٤) عليه، كما روى

стр. 3827

عبد الرزاق (١) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء. وذكره البخاريُّ في «صحيحه» (٢) عنه. وذكر حمَّاد بن سلمة: ثنا عليُّ بن زيدٍ، عن أيوب بن عبد الله اللخمي، عن ابن عمر قال: وقعت في سهمي جاريةٌ يوم جَلُولاءَ كأنَّ عنقها إبريق فضَّةٍ، قال ابن عمر: فما ملكتُ نفسي أن جعلتُ أقبِّلها والنَّاس ينظرون (٣). ومذهب مالك إلى هذا يرجع، وهاك قاعدته وفروعها: قال أبو عبد الله المازريُّ، وقد عقد قاعدةً لباب الاستبراء، فنذكرها بلفظها (٤): والقول الجامع في ذلك أنَّ كلَّ أمةٍ أُمِنَ عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء. وكلُّ من غلب على الظَّنِّ كونها حاملًا، أو شُكَّ في حملها، أو تُردِّد فيه= فالاستبراء لازمٌ فيها، وكلُّ من غلب على الظَّنِّ براءةُ رحمها، لكنَّه مع الظَّنِّ الغالب يجوز حصوله، فإنَّ المذهب على قولين في ثبوت الاستبراء وسقوطه.

стр. 3828

ثمَّ خرَّج على ذلك الفروع المختلَف فيها، كاستبراء الصَّغيرة الَّتي تُطيق الوطء، واليائسة، وفيه روايتان عن مالك. قال صاحب «الجواهر» (١): ويجب في الصَّغيرة إذا كانت ممَّن قارب سنَّ (٢) الحمل، كبنت ثلاث عشرة وأربع عشرة. وفي إيجاب الاستبراء إذا كانت ممَّن تُطيق الوطء ولا (٣) يَحمِل مثلُها ــ كبنت تسعٍ وعشرٍ ــ روايتان: أثبته في رواية ابن القاسم، ونفاه في رواية ابن عبد الحكم. وإن كانت ممَّن لا تُطيق الوطء فلا استبراء فيها. قال (٤): ويجب الاستبراء فيمن جاوزت سنَّ الحيض، ولم تبلغ سنَّ اليائسة، مثل ابنة الأربعين والخمسين. وأمَّا الَّتي قعدتْ عن المحيض ويئستْ عنه، فهل يجب فيها الاستبراء أو لا يجب؟ روايتان لابن القاسم وابن عبد الحكم. قال المازري (٥): ووجه استبراء الصَّغيرة الَّتي تطيق الوطء والآيسة أنَّه يمكن فيهما ــ يعني الحمل ــ على النُّدور، أو لحماية الذَّريعة، لئلَّا يُدَّعى في مواضع الإمكان أن لا إمكانَ. قال (٦): ومن ذلك: استبراء الأمة خوفًا أن تكون زنتْ، وهو المعبَّر عنه بالاستبراء لسوء الظَّنِّ، وفيه قولان. والنَّفي لأشهب.

стр. 3829

قال: ومن ذلك: استبراء الأمة الوَخْشِ (١)، فيه قولان، لأنّ الغالب عدم وطء السَّادات لهنَّ، وإن كان يقع في النَّادر. ومن ذلك: استبراء من باعها مجبوبٌ أو امرأةٌ أو ذو محرمٍ، ففي وجوبه روايتان عن مالك. ومن ذلك: استبراء المكاتبة إذا كانت تتصرَّف ثمَّ عجزت، فرجعت إلى سيِّدها، فابن القاسم يثبت الاستبراء، وأشهب ينفيه. ومن ذلك: استبراء البكر، قال أبو الحسن اللخمي (٢): هو مستحبٌّ على وجه الاحتياط غير واجبٍ، وقال غيره من أصحاب مالك: هو واجبٌ. ومن ذلك: إذا استبرأ البائع الأمة، وعلم المشتري أنَّه قد استبرأها، فإنَّه يُجزِئ استبراء البائع عن استبراء المشتري. ومن ذلك: إذا أودعه أمةً، فحاضت عند المودع حيضةً، ثمَّ اشتراها (٣)، لم يحتج إلى استبراءٍ ثانٍ، وأجزأت تلك الحيضة عن استبرائها، وهذا بشرط أن لا تخرج، ولا يكون سيِّدها يدخل عليها. ومن ذلك: أن يشتريها من زوجته أو ولدٍ له صغيرٍ في عياله، وقد حاضت عند البائع، فابن القاسم يقول: إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك، وأشهب يقول:

стр. 3830

إن كانت مع المشتري في دارٍ، وهو الذَّابُّ عنها والنَّاظر في أمرها، أجزأه ذلك، سواءٌ كانت تخرج أو لا تخرج. ومن ذلك: إذا كان سيِّد الأمة غائبًا، فحين قدِمَ اشتراها منه رجلٌ قبل أن تخرج، أو خرجت وهي حائضٌ، فاشتراها قبل أن تطهر، فلا استبراء عليه. ومن ذلك: إذا بيعت وهي حائضٌ في أوَّل حيضها، فالمشهور من مذهبه أنَّ ذلك يكون استبراءً لها، لا يحتاج إلى حيضةٍ مستأنفةٍ. ومن ذلك: الشَّريك يشتري نصيبَ شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما، وقد حاضت في يده، فلا استبراء عليه. وهذه الفروع كلُّها من مذهبه تُنبِئك عن مأخذه في الاستبراء، وأنَّه إنَّما يجب حيث لا تُعلم ولا تُظنُّ براءة الرَّحم، فإن عُلِمتْ أو ظُنَّت فلا استبراء. وقد قال أبو العبَّاس ابن سُريجٍ (١) وأبو العباس ابن تيمية (٢): إنَّه لا يجب استبراء البكر، كما صحَّ عن ابن عمر (٣). وبقولهم نقول، وليس عن النَّبيِّ ﷺ نصٌّ عامٌّ في وجوب استبراء كلِّ من تجدَّد له عليها ملكٌ على أيِّ حالةٍ كانت، وإنَّما نهى عن وطء السَّبايا حتَّى تضع حواملُهنَّ، ويحِضن (٤) حوائلُهنَّ.

стр. 3831

فإن قيل: فعمومه يقتضي تحريم وطء أبكارهنَّ قبل الاستبراء، كما يمنع وطء الثَّيِّب؟ قيل: نعم، وغايته أنَّه (١) عمومٌ أو إطلاقٌ ظهر القصد منه، فيُخَصُّ أو يُقيَّد عند انتفاء موجب الاستبراء، ويُخَصُّ أيضًا بمفهوم قوله ﷺ في حديث رُوَيفِع: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح ثيِّبًا من السَّبايا حتَّى تحيض» (٢)، ويُخَصُّ أيضًا بمذهب الصَّحابيِّ، ولا يُعلَم له مخالفٌ. وفي «صحيح البخاريِّ» (٣) من حديث بُريدة قال: بعث رسول الله ﷺ عليًّا إلى خالد ــ يعني باليمن (٤) ــ ليقبض الخُمس، فاصطفى عليٌّ منها صبيَّةً (٥)، فأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: أما ترى إلى هذا؟ وفي روايةٍ (٦): فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا؟ قال بريدة: وكنت أُبغِض عليًّا، فلمَّا قدمنا إلى النَّبيِّ ﷺ ذكرت له ذلك، فقال: «يا بريدة، أتبغض عليًّا؟»، قلت: نعم، قال: «لا تُبغِضْه، فإنَّ له في الخمسِ أكثرَ من ذلك». فهذه الجارية إمَّا أن تكون بِكرًا فلم يرَ عليٌّ وجوب استبرائها، وإمَّا أن تكون في آخر حيضها، فاكتفى بالحيضة قبلَ تملُّكه لها. وبكلِّ حالٍ، فلا بدَّ أن

стр. 3832

يكون تحقَّقَ براءةَ رحمِها بحيث أغناه عن الاستبراء. وإذا تأمَّلتَ قول النَّبيِّ ﷺ حقَّ التَّأمُّل وجدتَ قوله: «لا تُوطأ حاملٌ حتَّى تضع، ولا غيرُ ذاتِ حملٍ حتى تحيض»، ظهر لك منه أنَّ المراد بغير ذات الحمل من يجوز أن تكون حاملًا وأن لا تكون، فيُمسِك عن وطئها مخافةَ الحمل، لأنَّه لا علم له بما اشتمل عليه رحمها، وهذا قاله في المَسْبِيَّات لعدم علم السَّابي بحالهنَّ. وعلى هذا فكلُّ من ملك أمةً لا يعلم حالها قبل الملك، هل اشتمل رَحِمُها على حملٍ أم لا؟ لم يطأها حتَّى يستبرئها بحيضةٍ. هذا أمرٌ معقولٌ، وليس بتعبد محضٍ لا معنى له، فلا معنى لاستبراء العذراء والصَّغيرة الَّتي لا يحمل مثلها، والَّتي اشتراها من امرأته وهي في بيته لا تخرج أصلًا، ونحوها ممَّن يعلم براءة رحمها. وكذلك إذا زنت المرأة فأرادت أن تتزوَّج استبرأت (١) بحيضةٍ ثمَّ تزوَّجت، وكذلك إذا زنت وهي مزوَّجةٌ أمسك زوجها عنها حتَّى تحيض حيضةً، وكذلك أمُّ الولد إذا مات عنها سيِّدها، اعتدَّت بحيضةٍ. قال عبد الله بن أحمد (٢): سألت أبي، كم عدَّة أمِّ الولد إذا توفِّي عنها مولاها أو أعتقها؟ قال: عدَّتها حيضةٌ، وإنَّما هي أمةٌ في كلِّ أحوالها، إن جَنَتْ فعلى سيِّدها قيمتها، وإن جُنِي عليها فعلى الجاني ما نقص من قيمتها، وإن ماتت فما تركت من شيءٍ فلسيِّدها، وإن أصابت حدًّا فحدُّ أمةٍ، وإن زوَّجها سيِّدها فما ولدت فهم بمنزلتها يَعتِقون بعتقها، ويَرِقُّون برقِّها.

стр. 3833

وقد (١) اختلف النَّاس في عدَّتها، فقال بعض النَّاس: أربعة أشهرٍ وعشرًا، فهذه عدَّة الحرَّة، وهذه عدَّة أمةٍ خرجت من الرِّقِّ إلى الحرِّيَّة، فيلزم من قال: أربعة أشهرٍ وعشرًا أن يُورِّثها، وأن يجعل حكمها أحكام الحرَّة؛ لأنَّه قد أقامها في العدَّة مقام الحرَّة. وقال بعض النَّاس: عدَّتها ثلاث حيضٍ. وهذا قولٌ ليس له وجهٌ، إنَّما تعتدُّ ثلاث حيضٍ المطلَّقةُ، وليست هي بمطلَّقةٍ ولا حرَّةٍ، وإنَّما ذكر الله العدَّة فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وليست أمُّ الولد بحرَّةٍ ولا زوجةٍ، فتعتدُّ بأربعة أشهرٍ وعشرًا (٢). قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وإنَّما هي أمةٌ خرجت من الرِّقِّ إلى الحرِّيَّة. وهذا لفظ أحمد. وكذلك قال في رواية صالح (٣): تُحِدُّ (٤) أمُّ الولد إذا توفِّي عنها مولاها أو أعتقها حيضةً، وإنَّما هي أمةٌ في كلِّ أحوالها. وقال في رواية محمد بن العباس: عدَّة أمِّ الولد أربعة أشهرٍ وعشرًا (٥) إذا توفِّي عنها سيِّدها.

стр. 3834

وقال الشَّيخ في «المغني» (١): وحكى أبو الخطاب روايةً ثالثةً عن أحمد أنَّها تعتدُّ بشهرين وخمسة أيَّامٍ. قال: ولم أجد هذه الرِّواية عن أحمد في «الجامع»، ولا أظنُّها صحيحةً عن أحمد. وروي ذلك عن عطاء وطاوس وقتادة؛ لأنَّها حينَ الموت أمةٌ، فكانت عدَّتها عدَّة الأمة، كما لو مات رجلٌ عن زوجته الأمة، فعتقتْ بعد موته. فليست هذه رواية إسحاق بن منصورٍ عن أحمد. قال أبو بكر عبد العزيز في «زاد المسافر» (٢): باب القول في عدَّة أمِّ الولد من الطَّلاق والوفاة. قال أبو عبد الله في رواية ابن القاسم: إذا مات السَّيِّد وهي عند زوجٍ فلا عدَّةَ عليها، كيف تعتدُّ وهي مع زوجها؟ وقال في رواية مهنَّا: إذا أعتق أمَّ الولد فلا يتزوَّج أختَها حتَّى تخرج من عدَّتها. وقال في رواية إسحاق بن منصورٍ: وعدَّة أمِّ الولد عدَّة الأمة في الوفاة والطَّلاق والفرقة. انتهى كلامه. وحجَّة من قال: عدَّتها أربعة أشهرٍ وعشرًا (٣)، ما رواه أبو داود (٤) عن

стр. 3835

عمرو بن العاص أنَّه قال: لا تُفسِدوا (١) علينا سنَّة نبيِّنا ﷺ ، عدَّة أمِّ الولد إذا توفِّي عنها سيِّدها أربعة أشهرٍ وعشرًا. وهذا قول السَّعيدين (٢)، ومحمَّد بن سيرين (٣)، ومجاهد (٤)، وعمر بن عبد العزيز (٥)، وخِلاس بن عمرٍو (٦)، والزُّهريِّ (٧)، والأوزاعيِّ (٨)، وإسحاق (٩). قالوا: ولأنَّها حرَّةٌ تعتدُّ للوفاة، فكانت عدَّتها أربعة أشهرٍ وعشرًا، كالزَّوجة الحرَّة.

стр. 3836

وقال عطاء (١)، والنخعي (٢)، والثَّوريُّ، وأبو حنيفة وأصحابه: تعتدُّ بثلاث حِيَضٍ، وحكي عن علي (٣)، وابن مسعودٍ (٤). قالوا: لأنَّها لا بدَّ لها من عدَّةٍ، وليست زوجةً فتدخل في آية الأزواج المتوفَّى عنهنَّ، ولا أمةً فتدخل في نصوص استبراء الإماء بحيضةٍ، فهي أشبه شيءٍ بالمطلَّقة فتعتدُّ بثلاثة أقراءٍ. والصَّواب من هذه الأقوال: أنَّها تُستبرأ بحيضةٍ، وهو قول عثمان بن عفَّان (٥)، وعائشة (٦)، وعبد الله بن عمر (٧)، والحسن (٨)، والشَّعبيِّ (٩)، والقاسم بن محمَّدٍ (١٠)، وأبي قلابة (١١)، ومكحول (١٢)، ومالك،

стр. 3837

والشَّافعيِّ، وأحمد بن حنبل في أشهر الرِّوايات عنه، وهو (١) قول أبي عبيد وأبي ثورٍ وابن المنذر، فإنَّ هذا إنَّما هو لمجرَّد الاستبراء لزوال المِلك عن الرَّقبة، فكان حيضةً واحدةً في حقِّ من تحيض، كسائر استبراءات المُعتَقات والمملوكات والمَسْبِيَّات. وأمَّا حديث عمرو بن العاص، فقال ابن المنذر (٢): ضعَّف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص. وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص (٣)، فقال لا يصحُّ. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا، ثمَّ قال: أين (٤) سنَّة النبي ﷺ في هذا؟ وقال: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إنَّما هي عدَّة الحرَّة من النِّكاح، وإنَّما هذه أمةٌ خرجت من الرِّقِّ إلى الحرِّيَّة. ويلزم من قال بهذا أن يُورِّثها، وليس لقول من قال: تعتدُّ ثلاث حيضٍ وجهٌ، إنَّما تعتدُّ بذلك المطلَّقة. انتهى كلامه (٥). وقال المنذري (٦): في إسناد حديث عمرٍو مَطَرُ بن طهمان أبو رجاءٍ الورَّاق، وقد ضعَّفه غير واحدٍ.

стр. 3838

وأخبرنا شيخنا أبو الحجاج الحافظ في كتاب «التَّهذيب» (١): قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبلٍ عن مطرٍ الورَّاق، فقال: كان يحيى بن سعيدٍ يضعِّف حديثه عن عطاء. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ: سألت أبي عن مطرٍ الورَّاق، قال: كان يحيى بن سعيدٍ يُشبِّه حديث مطرٍ الورَّاق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ. قال عبد الله: فسألت أبي عنه، فقال: ما أَقربَه من ابن أبي ليلى في عطاء خاصَّةً، وقال: مطر في عطاء، ضعيف الحديث. قال عبد الله: قلت ليحيى بن معينٍ: مطرٌ الورَّاق؟ فقال: ضعيفٌ في حديث عطاء بن أبي رباحٍ. وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ. وبعد، فهو ثقةٌ، قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: صالح الحديث، وذكره ابن حبَّان في كتاب «الثِّقات» (٢)، واحتجَّ به مسلم، فلا وجه لضعف الحديث به. وإنَّما علَّة الحديث (٣) أنَّه من رواية قَبيصة بن ذُؤيبٍ، عن عمرو بن العاص، ولم يسمع منه، قاله الدَّارقطنيُّ (٤). وله علَّةٌ أخرى، وهي أنَّه موقوفٌ، لم يقل: «لا تلبسوا علينا سنَّة نبيِّنا». قال الدَّارقطنيُّ (٥): والصَّواب: «لا تلبسوا علينا ديننا». موقوفٌ. وله علَّةٌ أخرى، وهي اضطراب الحديث، واختلافه عن عمرو على ثلاثة أوجهٍ:

стр. 3839

أحدها: هذا. والثَّاني: عدَّة أمِّ الولد عدَّة الحرَّة. والثَّالث: عدَّتها إذا توفِّي عنها سيِّدها أربعة أشهرٍ وعشرًا، فإذا عَتَقَتْ فعدَّتها ثلاث حيضٍ. والأقاويل الثَّلاثة عنه ذكرها البيهقي (١). قال الإمام أحمد: هذا حديثٌ منكرٌ، حكاه البيهقي عنه (٢). وقد روى خِلاس عن علي مثل رواية قَبِيصة عن عمرو، أنَّ عدَّة أمِّ الولد أربعة أشهرٍ وعشرًا (٣). ولكنَّ خِلاس بن عمرٍو قد تُكلِّم في حديثه (٤)، فقال أيوب: لا تَرْوِ عنه؛ فإنَّه صحفيٌّ، وكان مغيرة لا يعبأ بحديثه. وقال أحمد: روايته عن علي يقال: إنَّه كتابٌ، وقال البيهقي (٥): روايات خِلاس عن علي ضعيفةٌ عند أهل العلم بالحديث، يقال: هي من صحيفةٍ. ومع ذلك فقد روى مالك (٦) عن نافع عن ابن عمر في أمِّ الولد يتوفَّى عنها سيِّدها، قال: تعتدُّ بحيضةٍ.

стр. 3840

فإن ثبت عن علي وعمرو ما رُوي عنهما فهي مسألة نزاعٍ بين الصَّحابة، والدَّليل هو الحاكم، وليس مع من جعلها أربعة أشهرٍ وعشرًا إلا التَّعلُّقُ بعموم المعنى، إذ لم يكن معهم لفظٌ عامٌّ، ولكنَّ شرط عموم المعنى تَساوي الأفراد في المعنى الذي ثبت الحكم لأجله، فما لم يُعلم ذلك لم يتحقَّق الإلحاق. والَّذين ألحقوا أمَّ الولد بالزَّوجة رأوا أنَّ الشَّبَه الذي بين أمِّ الولد وبين الزَّوجة أقوى من الشَّبَه الذي بينها وبين الأمة، من جهةِ أنَّها بالموت صارت حرَّةً، فلزمتْها العدَّة مع حرِّيَّتها، بخلاف الأمة. ولأنَّ المعنى الذي جُعِلت له عدَّة الزَّوجة أربعة أشهرٍ وعشرًا موجودٌ في أمِّ الولد، وهو أدنى الأوقات الذي يتيقَّن فيها خلق الولد، وهذا لا يفترق الحال فيه بين الزَّوجة وأمِّ الولد، والشَّريعة لا تُفرِّق بين متماثلين. ومنازعوهم يقولون: أمُّ الولد أحكامها أحكام الإماء، لا أحكام الزَّوجات، ولهذا لم تدخل في قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وغيرها، فكيف تدخل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؟ قالوا: والعدَّة لم تُجعل أربعة أشهرٍ وعشرًا لأجل مجرَّد براءة الرَّحم، فإنَّها تجب على من يتيقَّن براءة رحمها، وتجب قبل الدُّخول والخلوة، فهي من حريمِ عقد النِّكاح وتمامِه. وأمَّا استبراء الأمة فالمقصود منه العلم ببراءة رحمها، وهذا يكفي فيه حيضةٌ، ولهذا لم يُجعل استبراؤها ثلاثة قروءٍ، كما جُعلت عدَّة الحرَّة كذلك تطويلًا لزمان الرَّجعة ونظرًا للزَّوج. وهذا المعنى مقصودٌ في المستبرأة، فلا نصَّ يقتضي إلحاقَها بالزَّوجات ولا معنى، فأولى

стр. 3841

الأمور بها أن يُشرع لها ما شرعه صاحب الشَّرع في المَسْبيَّات والمملوكات، ولا يتعدَّاه، وباللَّه التَّوفيق. فصل الحكم الثَّاني: أنَّه لا يحصل الاستبراء بطهرٍ البتَّةَ، بل لا بدَّ من حيضةٍ. وهذا قول الجمهور، وهو الصَّواب. وقال أصحاب مالك، والشَّافعيُّ في قولٍ له: يحصل بطهر كاملٍ، ومتى طعنتْ في الحيضة تمَّ استبراؤها، بناءً على قولهما: إنَّ الأقراء الأطهار. ولكن يردُّ هذا قولُ رسول الله ﷺ : «لا تُوطَأ حاملٌ حتَّى تَضعَ، ولا حائلٌ حتَّى تُستبرأ بحيضةٍ» (١). وقال رُوَيفع بن ثابتٍ: سمعت رسول الله ﷺ يقول يومَ حنين: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جاريةً من السَّبي حتَّى يستبرئها بحيضةٍ». رواه الإمام أحمد (٢)، وعنده فيه ثلاثة ألفاظٍ، [هذا أحدها] (٣). الثَّاني: «نهى رسول الله ﷺ أن تُوطَأ (٤) الأمة حتَّى تحيض، وعن الحبالى حتَّى يضعن» (٥).

стр. 3842

الثَّالث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحنَّ ثيِّبًا من السَّبايا حتَّى تحيض» (١). فعلَّق الحِلَّ في ذلك كلِّه بالحيض وحده لا بالطُّهر، فلا يجوز إلغاء ما اعتبره واعتبارُ ما ألغاه، ولا تعويلَ على ما خالف نصَّه، وهو مقتضى القياس المحض، فإنَّ الواجب هو الاستبراء، والَّذي يدلُّ على البراءة هو الحيض، فأمَّا الطُّهر فلا دلالة فيه على البراءة، فلا يجوز أن يُعَوَّل (٢) في الاستبراء على ما لا دلالةَ له فيه عليه دون ما يدلُّ عليه. وبناؤهم هذا على أنَّ الأقراء هي الأطهار بناءٌ للخلاف على الخلاف، وليس بحجَّة ولا شبهةٍ. ثمَّ لم يُمكِنهم بناءُ هذا على ذاك حتَّى خالفوه، فجعلوا الطُّهر الذي طلَّقها فيه قرءًا، ولم يجعلوا طهر المستبرأة الَّتي تجدَّد عليها المِلكُ فيه أو مات سيِّدها فيه قرءًا، وحتَّى خالفوا الحديثَ أيضًا كما تبيَّن، وحتَّى خالفوا المعنى كما بيَّنَّاه، فلم يمكنهم هذا البناء إلا بعد هذه الأنواع الثَّلاثة من المخالفة. وعامة (٣) ما قالوا: أنَّ بعض الحيضة المقترن بالطُّهر يدلُّ على البراءة، فيقال لهم: فيكون الاعتماد حينئذٍ على بعض الحيضة، وليس ذلك قرءًا عند أحدٍ. فإن قالوا: هو اعتمادٌ على بعض حيضةٍ وطهرٍ.

стр. 3843

قلنا: هذا قولٌ ثالثٌ في مسمَّى القرء، ولا يُعرف، وهو أن تكون حقيقته مركَّبةً من حيضٍ وطهرٍ. فإن قالوا: بل هو اسمٌ للطُّهر بشرط الحيض، فإذا انتفى الشَّرط انتفى المشروط. قلنا: هذا إنَّما يمكن أن لو علَّق الشَّارع الاستبراء بقرءٍ، فأمَّا مع تصريحه على التَّعليق بحيضةٍ فلا. والله أعلم. فصل الحكم الثَّالث: أنَّه لا يحصل ببعض حيضةٍ في يد المشتري (١) اكتفاءً (٢) بها. قال صاحب «الجواهر» (٣): فإن بيعت الأمة في آخر أيَّام محيضها لم يكن ما بقي من حيضها استبراءً لها من غير خلافٍ، وإن بيعت وهي في أوَّل [حيضتها] (٤) فالمشهور من المذهب أنَّ ذلك يكون (٥) استبراءً لها. وقد احتجَّ من نازع مالكًا رحمة الله عليه بهذا الحديث، فإنَّه علَّق الحلَّ بحيضةٍ، فلا بدَّ من تمامها. ولا دليلَ فيه على بطلان قوله، فإنَّه لا بدَّ من الحيضة بالاتِّفاق، ولكنَّ النِّزاع في أمرٍ آخر، وهو أنَّه هل يُشترط أن يكون جميع الحيضة وهي في مِلكه، أو يكفي أن يكون معظمها في ملكه؟ فهذا لا

стр. 3844

ينفيه الحديث ولا يُثبته. لكن لمنازعيه أن يقولوا: لمَّا اتَّفقنا على أنَّه لا يكفي أن يكون بعضها في مِلك المشتري وبعضها في مِلك البائع، إذا كان أكثرها عند البائع، عُلِم أنَّ الحيضة المعتبرة أن تكون وهي عند المشتري، ولهذا لو حاضت عند البائع لم يكن ذلك [كافيًا] (١) في الاستبراء. ومن قال بقول مالك يجيب عن هذا: بأنَّها إذا حاضت قبل البيع وهي مُودَعةٌ عند المشتري، ثمَّ باعها عقيبَ الحيضة، ولم تخرج من بيته= اكتفَى بتلك الحيضة، ولم يجب على المشتري استبراءٌ ثانٍ. وهذا أحد القولين في مذهب مالك كما تقدَّم، فهو يُجوِّز أن يكون الاستبراء واقعًا قبل البيع في صورٍ، منها هذه، ومنها إذا وُضِعت للاستبراء عند ثالثٍ، فاستبرأها، ثمَّ بيعت بعده. قال في «الجواهر» (٢): ولا يُجزئ الاستبراء قبل البيع إلا في حالاتٍ: منها: أن تكون تحت يده للاستبراء أو بالوديعة، فتحيض عنده، ثمَّ يشتريها (٣) حينئذٍ أو بعد أيَّامٍ، وهي لا تخرج، ولا يدخل عليها سيِّدها. ومنها: أن يشتريها ممَّن هو ساكنٌ معه من زوجته أو ولدٍ له صغيرٍ في عِياله، وقد حاضت، فابن القاسم يقول: إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك. وقال أشهب: إن كانت معه في دارٍ وهو الذَّابُّ عنها والنَّاظر في أمرها فهو استبراءٌ، كانت تخرج أو لا تخرج.

стр. 3845

ومنها: إذا كان سيِّدها غائبًا، فحين قدِمَ اشتراها (١) قبل أن تخرج، أو خرجت وهي حائضٌ فاشتراها منه قبل أن تطهر. ومنها: الشَّريك يشتري نصيبَ شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما، وقد حاضت في يده. وقد تقدَّمت هذه المسائل (٢)، فهذه وما في معناها تضمَّنت الاستبراء قبل البيع، واكتفى به مالك عن استبراءٍ ثانٍ. فإن قيل: فكيف يجتمع قوله هذا وقوله: إنَّ الحيضة إذا وُجِد معظمها عند البائع لم يكن استبراءً؟ قيل: لا تناقضَ بينهما، وهذه لها موضعٌ، وهذه لها موضعٌ، فكلُّ موضعٍ يحتاج فيه المشتري إلى استبراءٍ مستقلٍّ لا يُجزئ إلا حيضةٌ، لم يوجد معظمها عند البائع، وكلُّ موضعٍ لا يحتاج فيه إلى استبراءٍ مستقلٍّ لا يحتاج فيه إلى حيضةٍ ولا بعضها، والاعتبار (٣) بالاستبراء قبلَ البيع كهذه الصُّور ونحوها. فصل الحكم الرَّابع: أنَّها إذا كانت حاملًا فاستبراؤها بوضع الحمل، وهذا كما أنَّه حكمُ النَّصِّ فهو مجمعٌ عليه بين الأمَّة.

стр. 3846

فصل الحكم الخامس: أنَّه لا يجوز وطؤها قبل وضع حملها، أيَّ حملٍ كان، سواءٌ كان يلحق بالواطئ، كحمل الزَّوجة والمملوكة والموطوءة بشبهة، أو لا يلحق به، كحمل الزَّانية، فلا يحلُّ وطء حاملٍ من غير الواطئ البتَّةَ، كما صرَّح به النَّصُّ، وكذلك قوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَسقِي ماءه زَرْعَ غيرِه» (١)، وهذا يعمُّ الزَّرعَ الطَّيِّب والخبيثَ. ولأنَّ صيانة ماء الواطئ عن الماء الخبيث حتَّى لا يختلط به أولى من صيانته عن الماء الطَّيِّب. ولأنَّ حمْلَ الزَّاني وإن كان لا حرمة له ولا لمائه، فحملُ هذا الواطئ وماؤه محترمٌ، فلا يجوز له خلطه بغيره. ولأنَّ هذا مخالفٌ لسنَّة الله في تمييز الخبيث من الطَّيِّب، وتخليصِه منه، وإلحاقِ كلِّ قسمٍ بمجانسه ومشاكله. والَّذي يُقضى منه العجب تجويزُ من جوَّز من الفقهاء الأربعة العقدَ على الزَّانية قبل استبرائها ووَطْأَها عقيبَ العقد، فتكون اللَّيلةَ عند الزَّاني وقد عَلِقَتْ منه، واللَّيلة الَّتي تليها فراشًا للزَّوج. ومن تأمَّل كمال هذه الشَّريعة علم أنَّها تأبى ذلك كلَّ الإباء، وتمنع منه كلَّ المنع. ومن محاسن مذهب الإمام أحمد قدَّس الله روحه أن حرَّم نكاحها بالكلِّيَّة حتَّى تتوب، ويرتفع عنها اسم الزَّانية والبغيِّ والفاجرة، فهو ﵀ لا يُجوِّز أن يكون الرَّجل زوجَ بغيٍّ. ومنازعوه يُجوِّزون ذلك. وهو أسعدُ منهم في هذه المسألة بالأدلَّة نصًّا كلِّها، من النُّصوص والآثار، والمعاني والقياس، والمصلحة والحكمة، وتحريم ما رآه المسلمون قبيحًا. والنَّاس إذا بالغوا في

стр. 3847

سبِّ الرَّجل صرَّحوا له بالزَّاي والقاف (١). فكيف تُجوِّز الشَّريعة مثلَ هذا، مع ما فيه من تعرُّضِه لإفساد فراشه، وتعليقِ أولادٍ عليه من غيره، وتعرُّضِه للاسم المذموم عند جميع الأمم؟ وقياسُ قول من جوَّز العقدَ على الزَّانية ووطْأَها قبل استبرائها حتَّى لو كانت حاملًا: أن لا يُوجِب استبراء الأمة إذا كانت حاملًا من الزِّنا، بل يطؤها عقيبَ مِلكها، وهو مخالفٌ لصريح السُّنَّة. فإن أوجبَ استبراءها نقضَ قولَه بجواز وطء الزَّانية قبل استبرائها، وإن لم يُوجِب استبراءها خالف النُّصوص، ولا ينفعه الفرقُ بينهما بأنَّ الزَّوج لا استبراءَ عليه بخلاف السَّيِّد، فإنَّ الزَّوج إنَّما لم يجب عليه الاستبراء؛ لأنَّه لا يَعقِد على معتدَّةٍ ولا حاملٍ من غيره، بخلاف السَّيِّد. ثمَّ إنَّ الشَّارع إنَّما حرَّم الوطء بل العقدَ في العدَّة خشيةَ إمكان الحمل، فيكون واطئًا حاملًا من غيره، وساقيًا ماءه لزرع غيرِه مع احتمال أن لا يكون كذلك، فكيف إذا تحقَّق حملُها؟ وغاية ما يقال: إنَّ ولد الزَّانية ليس لاحقًا بالواطئ الأوَّل، فإنَّ الولد للفراش، وهذا لا يُجوِّز إقدامَه على خلْطِ مائِه ونسبِه بغيره، وإن لم يلحق بالواطئ الأوَّل (٢)، فصيانةُ مائه ونسبِه عن نسبٍ لا يلحق بواضعه لصيانته عن نسبٍ يلحق به. والمقصود: أنَّ الشَّرع حرَّم وطء الأمة الحامل حتَّى تضع، سواءٌ كان حملُها محرَّمًا أو غيرَ محرَّمٍ. وقد فرَّق النَّبيُّ ﷺ بين الرَّجل وبين المرأة الَّتي

стр. 3848

تزوَّجَ بها فوجدها حُبلى، وجلَدَها الحدَّ، وقضى لها بالصَّداق (١). وهذا صريحٌ في بطلان العقد على الحامل من الزِّنا. وصحَّ عنه أنَّه مرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسطاطٍ فقال: «لعلَّ سيِّدها يريد أن يُلِمَّ بها؟»، قالوا: نعم. قال: «لقد هَممتُ أن ألعنَه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يَستخدِمه وهو لا يحلُّ له؟ كيف يُورِّثه وهو لا يحلُّ له؟» (٢). فجعلَ سببَ همِّه بلعنته وَطْأَه للأمة الحامل، ولم يَستفصل عن حَمْلِها هل هو لاحقٌ بالواطئ أم غير لاحقٍ به؟ وقوله: «كيف يستخدمه وهو لا يحلُّ له»، أن يجعله عبدًا له يستخدمه، وذلك لا يحلُّ له، فإنَّ ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل، فيكون بعضه منه، قال الإمام أحمد: يزيد وطؤه في سَمْعه وبصره. وقوله: «كيف يُورِّثه وهو لا يحلُّ له»، سمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٣) يقول فيه (٤): أي كيف يجعله تركةً موروثةً عنه؟ فإنَّه يعتقده عبدَه، فيجعله تركةً تُورَث عنه، ولا يحلُّ له ذلك؛ لأنَّ ماءه زاد في خلقه، ففيه جزءٌ منه.

стр. 3849

وقال غيره (١): المعنى: كيف يُورِّثه على أنَّه ابنه؟ ولا يحلُّ له ذلك لأنَّ الحمل من غيره، وهو بوطئه يريد أن يجعله منه، فيورِّثه ماله. وهذا يردُّه (٢) أوَّلُ الحديث، وهو قوله: «كيف يستعبده؟»، أي: كيف يجعله عبدَه؟ وهذا إنَّما يدلُّ على المعنى الأوَّل. وعلى القولين فهو صريحٌ في تحريم وطء الحامل من غيره، سواءٌ كان الحمل من زنًا أو من غيره، وأنَّ فاعل ذلك جديرٌ باللَّعن. بل قد صرَّح جماعةٌ من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: بأنَّ الرَّجل إذا ملك زوجتَه الأمةَ لم يطأها حتَّى يستبرئها، خشيةَ أن تكون حاملًا منه في صلب النِّكاح، فيكون على ولده الولاءُ لموالي أمِّه، بخلاف ما عَلِقَتْ به في مِلكه فإنَّه لا ولاءَ عليه. وهذا كلُّه احتياطٌ لولده: هل هو صريح الحرِّيَّة لا ولاءَ عليه، أو عليه ولاءٌ؟ فكيف إذا كانت حاملًا من غيره؟ فصل الحكم السَّادس: استنبط من قوله: «لا تُوطأ حاملٌ حتى تضعَ، ولا حائلٌ حتَّى تُستبرأ بحيضةٍ» أنَّ الحامل لا تحيض، وأنَّ ما تراه من الدَّم يكون دمَ فسادٍ بمنزلة الاستحاضة، تصوم معه وتصلِّي، وتطوف بالبيت، وتقرأ القرآن. وهذه مسألةٌ اختلف فيها الفقهاء:

стр. 3850

فذهب عطاء (١)، والحسن (٢)، وعكرمة (٣)، ومكحول (٤)، وجابر بن زيدٍ (٥)، ومحمَّد بن المنكدر (٦)، والشَّعبيُّ (٧)، والنخعي (٨)، والحكم (٩)، وحمَّاد (١٠)، والزُّهريُّ (١١)، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعيُّ، وأبو عبيد، وأبو ثورٍ، وابن المنذر، والإمام أحمد في المشهور من مذهبه، والشَّافعيُّ في أحد قوليه [إلى أنَّه ليس دم حيضٍ] (١٢). وقال قتادة (١٣)، وربيعة (١٤)، ومالك، واللَّيث بن سعدٍ، وعبد الرَّحمن بن مهديٍّ، وإسحاق بن راهويه: إنَّه دم حيضٍ وقد ذكر

стр. 3851

البيهقي في «سننه» (١): وقال إسحاق بن راهويه: قال لي أحمد بن حنبلٍ: ما تقول في الحامل ترى الدَّم؟ فقلت: تُصلِّي، واحتججتُ بخبر عطاء عن عائشة (٢). قال: فقال أحمد بن حنبلٍ: أين أنت عن خبرِ المدنيِّين خبرِ أمِّ علقمة مولاة عائشة؟ فإنَّه أصحُّ. قال إسحاق: فرجعتُ إلى قول أحمد. وهذا كالتَّصريح من أحمد بأنَّ دم الحامل دم حيضٍ، وهو الذي فهمه إسحاق عنه. والخبر الذي أشار إليه أحمد هو ما روِّيناه من طريق البيهقي (٣): أخبرنا الحاكم، أبنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا أحمد بن إبراهيم بن

стр. 3852

ملحان، ثنا ابن بُكَير، ثنا الليث، عن بُكَير بن عبد اللَّه، عن أم علقمة مولاة عائشة، أنَّ عائشة سُئِلتْ عن الحامل ترى الدَّم؟ فقالت: لا تصلِّي. قال البيهقي (١): ورُوِّيناه عن أنس بن مالكٍ، ورُوِّينا عن عمر بن الخطَّاب ما يدلُّ على ذلك (٢). ورُوِّينا عن عائشة أنَّها أنشدت لرسول الله ﷺ بيتَ أبي كبير (٣) الهذلي: ومُبرَّأٍ من كلِّ غُبَّرِ حيضةٍ ... وفسادِ مُرضعةٍ وداءٍ مُغْيِلِ (٤)

стр. 3853

قال (١): وفي هذا دليلٌ على ابتداء الحمل في حال الحيض حيث لم ينكر الشِّعر. قال (٢): وروِّينا عن مطر [عن عطاء] (٣) عن عائشة أنَّها قالت: الحُبلى لا تحيض، إذا رأتِ الدَّمَ صَلَّتْ. قال (٤): وكان يحيى القطَّان يُنكِر هذه الرِّواية، ويُضعِّف رواية ابن أبي ليلى ومطر عن عطاء. قال (٥): وروى محمَّد بن راشدٍ، عن سليمان بن موسى، عن عطاء، عن عائشة نحو رواية مطرٍ، فإن كانت محفوظةً فيُشِبه أن تكون عائشة كانت تراها لا تحيض، ثمَّ كانت تراها تحيض، فرجعتْ إلى ما رواه المدنيُّون، والله أعلم. قال المانعون من كون دمِ الحامل دمَ حيضٍ: قد قسَّم النَّبيُّ ﷺ الإماء قسمين: حاملًا وجعل عدَّتها وضْعَ الحمل، وحائلًا فجعل عدَّتها حيضةً، فكانت الحيضة عَلَمًا على براءة رحمها، فلو كان الحيض يجامع الحملَ لما كانت الحيضة عَلَمًا على عدمه. قالوا: وكذلك جُعِلت عدَّة المطلَّقة ثلاثة أقراءٍ ليكون دليلًا على عدم

стр. 3854

حملها، فلو جامع الحيضُ الحملَ لم يكن دليلًا على عدمه (١). قالوا: وقد ثبت في «الصَّحيح» (٢) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعمر بن الخطَّاب لمّا طلَّق ابنُه امرأتَه وهي حائضٌ: «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليمسِكْها حتَّى تطهر، ثمَّ تحيض، ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء أمسكها بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يَمَسَّ، فتلك العدَّة الَّتي أمر الله أن تُطلَّق لها النِّساء». ووجه الاستدلال به: أنَّ طلاق الحامل ليس ببدعةٍ في زمن الدَّم وغيره إجماعًا، فلو كانت تحيض لكان طلاقُها فيه وفي طهرِها بعد المَسِيسِ بدعةً عملًا بعموم الخبر. قالوا: وروى مسلم في «صحيحه» (٣) من حديث [ابن عمر] (٤): «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليطلِّقْها طاهرًا أو حاملًا»، وهذا يدلُّ على أنَّ ما تراه من الدَّم لا يكون حيضًا، فإنَّه جعل الطَّلاق في وقته نظيرَ الطَّلاق في وقت الطُّهر سواءً، فلو كان ما تراه (٥) حيضًا لكان لها حالان: حال طهرٍ، وحال (٦) حيضٍ، ولم يجز طلاقها في حال حيضها، فإنَّه يكون بدعةً. قالوا: وقد روى أحمد في «مسنده» (٧) من حديث رُوَيفِع عن النَّبيِّ ﷺ

стр. 3855

قال: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يَسقِيَ ماءه زرعَ غيرِه، ولا يقع على أَمَةٍ حتَّى تحيضَ أو يتبيَّنَ حملُها». فجعل وجود الحيض علمًا على براءة الرَّحم من الحمل. قالوا: وقد رُوي عن علي ﵁ أنَّه قال: إنَّ الله رفعَ الحيضَ عن الحبلى، وجعل الدَّمَ ممَّا تَغِيضُ الأرحام. وقال ابن عبَّاسٍ: إنَّ الله رفعَ الحيضَ عن الحبلى، وجعلَ الدَّم رزقًا للولد (١). رواهما أبو حفص بن شاهين. قالوا: وروى الأثرم (٢) والدَّارقطنيُّ (٣) بإسنادهما عن عائشة في الحامل ترى الدَّم، فقالت: الحامل لا تحيض، وتغتسلُ وتُصلِّي. وقولها: «تغتسل» بطريق النَّدب، لكونها مستحاضةً. قالوا: ولا يُعرف عن غيرهم خلافهم، لكنَّ عائشة قد ثبت عنها أنَّها قالت: الحامل لا تُصلِّي (٤). وهذا محمولٌ على ما تراه قريبًا من الولادة باليومين ونحوهما، وأنَّه نفاسٌ جمعًا بين قوليها. قالوا: ولأنَّه دمٌ لا تنقضي به العدَّة، فلم يكن حيضًا كالاستحاضة. وحديث عائشة يدلُّ على أنَّ الحائض قد تَحْبَلُ، ونحن نقول بذلك، لكنَّه يقطع حيضها ويرفعه.
следующие страницы →