← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

البيهقي في «سننه» (١): وقال إسحاق بن راهويه: قال لي أحمد بن حنبلٍ: ما تقول في الحامل ترى الدَّم؟ فقلت: تُصلِّي، واحتججتُ بخبر عطاء عن عائشة (٢). قال: فقال أحمد بن حنبلٍ: أين أنت عن خبرِ المدنيِّين خبرِ أمِّ علقمة مولاة عائشة؟ فإنَّه أصحُّ. قال إسحاق: فرجعتُ إلى قول أحمد. وهذا كالتَّصريح من أحمد بأنَّ دم الحامل دم حيضٍ، وهو الذي فهمه إسحاق عنه. والخبر الذي أشار إليه أحمد هو ما روِّيناه من طريق البيهقي (٣): أخبرنا الحاكم، أبنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا أحمد بن إبراهيم بن

стр. 3852

ملحان، ثنا ابن بُكَير، ثنا الليث، عن بُكَير بن عبد اللَّه، عن أم علقمة مولاة عائشة، أنَّ عائشة سُئِلتْ عن الحامل ترى الدَّم؟ فقالت: لا تصلِّي. قال البيهقي (١): ورُوِّيناه عن أنس بن مالكٍ، ورُوِّينا عن عمر بن الخطَّاب ما يدلُّ على ذلك (٢). ورُوِّينا عن عائشة أنَّها أنشدت لرسول الله ﷺ بيتَ أبي كبير (٣) الهذلي: ومُبرَّأٍ من كلِّ غُبَّرِ حيضةٍ ... وفسادِ مُرضعةٍ وداءٍ مُغْيِلِ (٤)

стр. 3853

قال (١): وفي هذا دليلٌ على ابتداء الحمل في حال الحيض حيث لم ينكر الشِّعر. قال (٢): وروِّينا عن مطر [عن عطاء] (٣) عن عائشة أنَّها قالت: الحُبلى لا تحيض، إذا رأتِ الدَّمَ صَلَّتْ. قال (٤): وكان يحيى القطَّان يُنكِر هذه الرِّواية، ويُضعِّف رواية ابن أبي ليلى ومطر عن عطاء. قال (٥): وروى محمَّد بن راشدٍ، عن سليمان بن موسى، عن عطاء، عن عائشة نحو رواية مطرٍ، فإن كانت محفوظةً فيُشِبه أن تكون عائشة كانت تراها لا تحيض، ثمَّ كانت تراها تحيض، فرجعتْ إلى ما رواه المدنيُّون، والله أعلم. قال المانعون من كون دمِ الحامل دمَ حيضٍ: قد قسَّم النَّبيُّ ﷺ الإماء قسمين: حاملًا وجعل عدَّتها وضْعَ الحمل، وحائلًا فجعل عدَّتها حيضةً، فكانت الحيضة عَلَمًا على براءة رحمها، فلو كان الحيض يجامع الحملَ لما كانت الحيضة عَلَمًا على عدمه. قالوا: وكذلك جُعِلت عدَّة المطلَّقة ثلاثة أقراءٍ ليكون دليلًا على عدم

стр. 3854

حملها، فلو جامع الحيضُ الحملَ لم يكن دليلًا على عدمه (١). قالوا: وقد ثبت في «الصَّحيح» (٢) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعمر بن الخطَّاب لمّا طلَّق ابنُه امرأتَه وهي حائضٌ: «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليمسِكْها حتَّى تطهر، ثمَّ تحيض، ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء أمسكها بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يَمَسَّ، فتلك العدَّة الَّتي أمر الله أن تُطلَّق لها النِّساء». ووجه الاستدلال به: أنَّ طلاق الحامل ليس ببدعةٍ في زمن الدَّم وغيره إجماعًا، فلو كانت تحيض لكان طلاقُها فيه وفي طهرِها بعد المَسِيسِ بدعةً عملًا بعموم الخبر. قالوا: وروى مسلم في «صحيحه» (٣) من حديث [ابن عمر] (٤): «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليطلِّقْها طاهرًا أو حاملًا»، وهذا يدلُّ على أنَّ ما تراه من الدَّم لا يكون حيضًا، فإنَّه جعل الطَّلاق في وقته نظيرَ الطَّلاق في وقت الطُّهر سواءً، فلو كان ما تراه (٥) حيضًا لكان لها حالان: حال طهرٍ، وحال (٦) حيضٍ، ولم يجز طلاقها في حال حيضها، فإنَّه يكون بدعةً. قالوا: وقد روى أحمد في «مسنده» (٧) من حديث رُوَيفِع عن النَّبيِّ ﷺ

стр. 3855

قال: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يَسقِيَ ماءه زرعَ غيرِه، ولا يقع على أَمَةٍ حتَّى تحيضَ أو يتبيَّنَ حملُها». فجعل وجود الحيض علمًا على براءة الرَّحم من الحمل. قالوا: وقد رُوي عن علي ﵁ أنَّه قال: إنَّ الله رفعَ الحيضَ عن الحبلى، وجعل الدَّمَ ممَّا تَغِيضُ الأرحام. وقال ابن عبَّاسٍ: إنَّ الله رفعَ الحيضَ عن الحبلى، وجعلَ الدَّم رزقًا للولد (١). رواهما أبو حفص بن شاهين. قالوا: وروى الأثرم (٢) والدَّارقطنيُّ (٣) بإسنادهما عن عائشة في الحامل ترى الدَّم، فقالت: الحامل لا تحيض، وتغتسلُ وتُصلِّي. وقولها: «تغتسل» بطريق النَّدب، لكونها مستحاضةً. قالوا: ولا يُعرف عن غيرهم خلافهم، لكنَّ عائشة قد ثبت عنها أنَّها قالت: الحامل لا تُصلِّي (٤). وهذا محمولٌ على ما تراه قريبًا من الولادة باليومين ونحوهما، وأنَّه نفاسٌ جمعًا بين قوليها. قالوا: ولأنَّه دمٌ لا تنقضي به العدَّة، فلم يكن حيضًا كالاستحاضة. وحديث عائشة يدلُّ على أنَّ الحائض قد تَحْبَلُ، ونحن نقول بذلك، لكنَّه يقطع حيضها ويرفعه.

стр. 3856

قالوا: ولأنَّ الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دمِ الطَّمْث لبنًا غذاءً للولد، فالخارج وقتَ الحملِ يكون غيرَه، فهو دم فسادٍ. قال المحيِّضون: لا نزاعَ أنَّ الحائض (١) قد ترى الدَّم على عادتها، ولا سيَّما في أوَّل حملها، وإنَّما النِّزاع في حكم هذا الدَّم لا في وجوده. وقد كان حيضًا قبل الحمل بالاتِّفاق، فنحن نستصحب حُكمَه حتَّى يأتي ما يرفعه بيقينٍ. قالوا: والحكم إذا ثبت في محلٍّ فالأصل بقاؤه حتَّى يأتي ما يرفعه، فالأوَّل استصحابٌ لحكم الإجماع في محلِّ النِّزاع، والثَّاني استصحابٌ للحكم الثَّابت في المحلِّ حتَّى يتحقَّق ما يرفعه، والفرق بينهما ظاهرٌ. قالوا: وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «إذا كان دم الحيض فإنَّه أسود يُعرَف» (٢). وهذا أسود يُعرَف، فكان حيضًا.

стр. 3857

قالوا: وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «أليست إحداكنَّ إذا حاضت لم تَصُمْ ولم تُصَلِّ؟» (١). وحيض المرأة خروج دمها في أوقاتٍ معلومةٍ من الشَّهر لغةً وشرعًا، وهذا كذلك لغةً، والأصل في الأسماء تقريرها لا تغييرها. قالوا: ولأنَّ الدَّم الخارج من الفرج الذي رتَّب الشَّارع عليه الأحكام قسمان: حيضٌ واستحاضةٌ، ولم يجعل لهما ثالثًا، وهذا ليس باستحاضةٍ، فإنَّ الاستحاضة الدَّم المُطْبِق (٢) أو الزَّائد على أكثر الحيض، أو الخارج عن العادة، وهذا ليس واحدًا منهما، فبطل أن يكون استحاضةً، فهو حيضٌ. قالوا: ولا يُمكِنكم إثباتُ قسمٍ ثالثٍ في هذا المحلِّ، وجعلُه دمَ فسادٍ، فإنَّ هذا لا يثبت إلا بنصٍّ أو إجماعٍ أو دليلٍ يجب المصير إليه، وهو منتفٍ. قالوا: وقد ردَّ النَّبيُّ ﷺ المستحاضة إلى عادتها، وقال: «اجلسي قدْرَ الأيَّام الَّتي كنتِ تحيضينَ» (٣). فدلَّ على أنَّ عادة النِّساء معتبرةٌ في وصف الدَّم وحكمه، فإذا جرى دم الحامل على عادتها المعتادة ووقتِها من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ ولا انتقالٍ، دلَّ عادتُها على أنَّه حيضٌ، ووجب تحكيمُ عادتِها وتقديمُها على الفساد الخارج عن العادة (٤). قالوا: وأعلم الأمَّة بهذه المسألة نساء النَّبيِّ ﷺ ، وأعلمهنَّ عائشة، وقد

стр. 3858

صحَّ عنها من رواية أهل المدينة عنها أنَّها لا تصلِّي، وقد شهد له الإمام أحمد بأنَّه أصحُّ من الرِّواية الأخرى عنها، ولذلك رجع إليه إسحاق، وأخبر أنَّه قول أحمد بن حنبلٍ. قالوا: ولا تُعرف صحَّة الآثار بخلاف ذلك عمَّن ذكرتم من الصَّحابة، ولو صحَّت فهي مسألة نزاعٍ بين الصَّحابة، ولا دليلَ يفصل. قالوا: ولأنَّ عدم مجامعة الحيض للحمل إمَّا أن يُعلَم بالحسِّ أو بالشَّرع، وكلاهما منتفٍ، أمَّا الأوَّل فظاهرٌ، وأمَّا الثَّاني فليس عن صاحب الشَّرع ما يدلُّ على أنَّهما لا (١) يجتمعان. وأمَّا قولكم: إنَّه جعله دليلًا على براءة الرَّحم من الحمل في العدَّة والاستبراء. قلنا: جعل دليلًا ظاهرًا أو قطعيًّا؟ الأوَّل صحيحٌ، والثَّاني باطلٌ، فإنَّه لو كان دليلًا قطعيًّا لما تخلَّف عنه مدلوله، ولكانت أوَّل مدَّة الحمل من حينِ انقطاعِ الحيض، وهذا لم يقله أحدٌ، بل أوَّل المدَّة من حين الوطء، ولو حاضت بعده عدَّة حِيَضٍ. فلو وطئها، ثمَّ جاءت بولدٍ لأكثرَ من ستَّة أشهرٍ من حين الوطء، ولأقلَّ منها من حينِ انقطاعِ الحيض= لحِقَه النَّسبُ اتِّفاقًا، فعُلِم أنَّه أمارةٌ ظاهرةٌ، قد يتخلَّف عنها مدلولُها تخلُّفَ المطرِ عن الغيم الرَّطْب. وبهذا يخرج الجواب عمَّا استدللتم به من السُّنَّة، فإنَّا بها قائلون، وإلى حكمها صائرون، وهي الحَكَمُ بين المتنازعين.

стр. 3859

والنَّبيُّ ﷺ قسَّم النِّساء إلى قسمين: حاملٌ فعدَّتها وضْعُ حملها، وحائلٌ فعدَّتها بالحيض، ونحن قائلون بموجب هذا غيرُ منازعين فيه، ولكن أين فيه ما يدلُّ على أنَّ ما تراه (١) الحامل من الدَّم على عادتها تصوم معه وتصلِّي؟ هذا أمرٌ آخر لا تعرُّضَ للحديث به، ولهذا يقول القائلون بأنَّ دمها دم حيضٍ هذه العبارةَ بعينها، ولا يُعَدُّ هذا تناقضًا ولا خللًا في العبارة. قالوا: وهكذا قوله في شأن عبد الله بن عمر: «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليطلِّقْها طاهرًا قبل أن يَمَسَّها»، إنَّما فيه إباحة الطَّلاق إذا كانت حائلًا بشرطين: الطُّهر وعدم المَسِيْس، فأين في هذا التَّعرُّضُ لحكم الدَّم الذي تراه على حملها؟ وقولكم: إنَّ الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدَّم بدعةً، وقد اتَّفق النَّاس على أنَّ طلاق الحامل ليس ببدعةٍ وإن رأت الدَّم؟ قلنا: النَّبيُّ ﷺ قسَّم أحوال المرأة الَّتي يريد طلاقها إلى حالِ حملٍ وحالِ خلوٍّ عنه، وجوَّز طلاق الحامل مطلقًا من غير استثناءٍ، وأمَّا غير ذات الحمل فإنَّما أباح طلاقها بالشَّرطين المذكورين، وليس في هذا ما يدلُّ على أنَّ دم الحامل دم فسادٍ، بل على (٢) أنَّ الحامل تخالف غيرَها في الطَّلاق، وأنَّ غيرها إنَّما تُطلَّق طاهرًا غيرَ مُصابةٍ، ولا يُشترط في الحامل شيءٌ من هذا، بل تُطلَّق عقيبَ الإصابة، وتُطلَّق وإن رأتِ الدَّم، فكما لا يحرم طلاقُها عقيبَ إصابتها، لا يحرم حالَ حيضها.

стр. 3860

وهذا الذي تقتضيه حكمةُ الشَّارع في وقت الطَّلاق إذنًا ومنعًا، فإنَّ المرأة متى استبان حملُها كان المطلِّق على بصيرةٍ من أمره، ولم يَعرِض له من النَّدم ما يَعرِض لمن طلَّق (١) بعد الجماع ولا يَشْعُر بحملِها، فليس ما مُنِع منه نظيرَ ما أُذِن فيه، لا شرعًا ولا واقعًا ولا اعتبارًا، ولا سيَّما من علَّل [المنعَ] (٢) من الطَّلاق في الحيض بتطويل العدَّة، فهذا لا أثرَ له في الحامل. قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّه لو كان حيضًا لانقضتْ به العدَّة، فهذا لا يلزم، لأنَّ الله سبحانه جعل عدَّة الحامل بوضع الحمل، وعدَّة الحائل بالأقراء، ولا يمكن انقضاء عدَّة الحامل بالأقراء، لإفضاء ذلك إلى أن يَملِكها الثَّاني أو يتزوَّجها وهي حاملٌ من غيره، فيسقي زرعه ماء غيره (٣). قالوا: وإذا كنتم سلَّمتم لنا أنَّ الحائض قد تَحْبَل، وحملتم على ذلك حديث عائشة، ولم يُمكِنْكم منعُ ذلك لشهادة الحسِّ به، فقد أعطيتم أنَّ الحيض والحبل يجتمعان، فبطل استدلالكم من رأسٍ (٤)، لأنَّ مداره على أنَّ الحيض لا يجامع الحبلَ. فإن قلتم: نحن إنَّما جوَّزنا ورود الحمل على الحيض، وكلامنا في عكسه، وهو ورود الحيض على الحمل، وبينهما فرقٌ.

стр. 3861

قيل: إذا كانا متنافيين لا يجتمعان، فأيُّ فرقٍ بينَ ورودِ هذا على هذا وعكسه؟ وأمَّا قولكم: إنَّ الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دم الطَّمْث لبنًا يتغذَّى به الولد، ولهذا لا تحيض المراضع. قلنا: وهذا من أكبر حجَّتنا عليكم؛ فإنَّ هذا الانقلاب والتَّغذية باللَّبن إنَّما يستحكم بعد الوضع، وهو دون (١) سلطانِ اللَّبن وارتضاعِ المولود، وقد أجرى الله العادة بأنَّ المرضع لا تحيض، ومع هذا فلو رأت دمًا في وقت عادتها لحُكِمَ له بحكم الحيض بالاتِّفاق، فلَأَنْ يُحكَم له بحكم الحيض في الحال الَّتي لم يستحكم فيها انقلابُه ولا تَغذِّي الطِّفلِ به= أولى وأحرى. قالوا (٢): وَهَبْ أنَّ هذا كما تقولون، فهذا إنَّما يكون عند احتياج الطِّفل إلى التَّغذية باللَّبن، وهذا بعدَ أن يُنفَخ فيه الرُّوح، فأمَّا قبل ذلك فإنَّه لا ينقلب لبنًا لعدم حاجة الحملِ إليه. وأيضًا، فإنَّه لا يستحيل كلُّه لبنًا، بل يستحيل بعضه ويخرج الباقي. وهذا القول هو الرَّاجح كما تراه نقلًا ودليلًا. والله المستعان. فإن قيل: فهل تمنعون من الاستمتاع بالمستبرأة بغير الوطء في الموضع الذي يجب فيه الاستبراء؟

стр. 3862

قيل: أمَّا إذا كانت صغيرةً لا يُوطأ مثلُها، فهذه لا تَحرم قُبلتُها ولا مباشرتُها، وهذا منصوص أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، اختارها أبو محمَّدٍ المقدسيُّ وشيخنا (١) وغيرهما، فإنَّه قال (٢): إن كانت صغيرةً بأيِّ شيءٍ تُستبرأ إذا كانت رضيعةً؟ وقال في روايةٍ أخرى: تُستبرأ بحيضةٍ إن كانت تحيض، وإلَّا ثلاثة أشهرٍ إن كانت ممَّن تُوطأ وتَحْبَل. قال أبو محمد (٣): فظاهر هذا أنَّه لا يجب استبراؤها، ولا تحرم مباشرتها. وهذا اختيار ابن أبي موسى، وقول مالك، وهو الصَّحيح، لأنَّ سبب الإباحة متحقِّقٌ، وليس على تحريمها دليلٌ، فإنَّه لا نصَّ فيها ولا معنى نصٍّ، فإنَّ تحريم مباشرة الكبيرة إنَّما كان لكونه داعيًا إلى الوطء المحرَّم، أو خشيةَ أن تكون أمَّ ولدٍ لغيره، ولا يُتوهَّم هذا في هذه، فوجب العمل بمقتضى الإباحة. انتهى كلامه. فصل وإن كانت ممَّن يُوطأ مثلُها، فإن كانت بكرًا وقلنا: لا يجب استبراؤها، فظاهرٌ، وإن قلنا: يجب استبراؤها، فقال أصحابنا: تحرم قُبلتُها ومباشرتها. وعندي أنَّه لا يَحرُم ولو قلنا بوجوب استبرائها؛ لأنَّه لا يلزم من تحريم الوطء تحريمُ دواعيه، كما في حقِّ الصَّائم، لا سيَّما وهم إنَّما حرَّموا تحريم (٤)

стр. 3863

مباشرتها لأنَّها قد تكون حاملًا، فيكون مستمتعًا بأمة الغير. هكذا علَّلوا تحريم المباشرة، ثمَّ قالوا: ولهذا (١) لا يحرم الاستمتاع بالمسبيَّة بغير الوطء قبل الاستبراء في إحدى الرِّوايتين؛ لأنَّها لا يُتوهَّم فيها انفساخُ الملك؛ لأنَّه قد استقرَّ بالسِّباء، فلم يبقَ لمنع الاستمتاع بالقبلة وغيرها من البكر معنًى. وإن كانت ثيِّبًا، فقال أصحاب أحمد والشَّافعيِّ وغيرهم: يحرم الاستمتاع بها قبل الاستبراء. قالوا: لأنَّه استبراءٌ يُحرِّم الوطء، فحرَّم الاستمتاع كالعدَّة، ولأنَّه لا يأمن كونَها حاملًا، فتكون أمَّ ولدٍ، والبيع باطلٌ، فيكون مستمتعًا بأمِّ ولدِ غيره. قالوا: وبهذا فارق تحريم وطء الحائض والصَّائم. وقال الحسن البصريُّ: لا يحرم من المستبرأة إلا فرجُها، وله أن يستمتع منها بما شاء ما لم يطأ (٢)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما منع من الوطء قبل الاستبراء، ولم يَمنع ممَّا دونه، ولا يلزم من تحريم الوطء تحريمُ ما دونه، كالحائض والصَّائمة، وقد قيل: ابنُ عمر [قبَّل] (٣) جاريتَه من السَّبي حين وقعت في سهمه قبل استبرائها (٤). ولمن نصَر هذا القول أن يقول: الفرق بين المشتراة (٥) والمعتدَّة: أنَّ

стр. 3864

المعتدَّة قد صارت أجنبيَّةً منه، فلا يحلُّ وطؤها ولا دواعيه، بخلاف المملوكة، فإنَّ وطْأَها إنَّما يحرم قبل الاستبراء خشيةَ اختلاط مائه بماء غيره، وهذا لا يوجب تحريمَ الدَّواعي، فهي أشبهُ بالحائض والصَّائمة. ونظير هذا أنَّه لو زنت امرأته أو جاريته حرم عليه وطؤها قبل الاستبراء، ولا يحرم دواعيه، وكذلك المَسْبيَّة كما سيأتي. وأكثر ما يُتوهَّم كونُها حاملًا من سيِّدها، فينفسخ البيع، فهذا بناءً على تحريم بيع أمَّهات الأولاد على عَلالتِه (١)، ولا يَلزم القائلَ به؛ لأنَّه لمَّا استمتع بها كانت مِلْكَه ظاهرًا، وذلك يكفي في جواز الاستمتاع، كما يخلو بها ويحدِّثها، وينظر منها ما لا يباح من الأجنبيَّة، وما كان جوابكم عن هذه الأمور فهو الجواب عن القبلة والاستمتاع. ولا يُعلم في جواز هذا نزاعٌ، فإنَّ المشتري لا يُمنع من قَبْضِ أمته وحَوْزِها (٢) إلى بيته، وإن كان وحده قبل الاستبراء، ولا يجب عليها أن تستر وجهها منه، ولا يحرم عليه النَّظر إليها، والخلوة بها، والأكل معها، واستخدامها، والانتفاع بمنافعها، وإن لم يجزْ له ذلك في ملك الغير. فصل وإن كانت مَسبيَّةً، ففي جواز الاستمتاع بغير الوطء قولان للفقهاء، وهما روايتان عن أحمد:

стр. 3865

إحداهما: أنَّها كغير المسبيَّة، فيحرم الاستمتاع منها بما دون الفرج، وهو (١) ظاهر كلام الخرقي، لأنَّه قال (٢): ومن ملكَ أمةً لم يُصِبْها ولم يُقبِّلها حتَّى يستبرئها بعد تمام مِلْكه لها. والثَّانية: لا تحرم، وهو قول ابن عمر (٣) ﵁. والفرق بينها وبين المملوكة بغير السَّبي أنَّ المسبيَّة لا يُتوهَّم فيها كونُها أمَّ ولدٍ، بل هي مملوكةٌ له على كلِّ حالٍ، بخلاف غيرها كما تقدَّم، والله أعلم. فإن قيل: فهل يكون أوَّل مدَّة الاستبراء من حين البيع أو من حين القبض؟ قيل: فيه قولان، وهما وجهان في مذهب أحمد، أحدهما: من حين البيع؛ لأنَّ الملك ينتقل به. والثَّاني: من حين القبض؛ لأنَّ القصد معرفة براءة رحمها من ماء البائع وغيره، ولا يحصل ذلك مع كونها في يده. وهذا على أصل الشَّافعيِّ وأحمد. أمَّا على أصل مالك، فيكفي عنده الاستبراء قبل البيع في المواضع الَّتي تقدَّمت. فإن قيل: فإن كان في البيع خيارٌ، فمتى يكون ابتداء مدَّة الاستبراء؟ قيل (٤): هذا ينبني على الخلاف في انتقال الملك في مدَّة الخيار، فمن

стр. 3866

قال: ينتقل، فابتداء المدَّة عنده من حين البيع، ومن قال: لا ينتقل، فابتداؤها عنده من حين انقطاع الخيار. فإن قيل: فما تقولون لو كان الخيار خيارَ عيبٍ؟ قيل: ابتداء المدَّة من حينِ البيع قولًا واحدًا؛ لأنَّ خيار العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلافٍ، والله أعلم. فصل فإن قيل: قد دلَّت السُّنَّة على استبراء الحامل بوضع الحمل، وعلى استبراء الحائل بحيضةٍ، فكيف سكتتْ عن استبراء الآيسة (١) والَّتي لم تحض، ولم تسكت عنهما في العدَّة؟ قيل: لم تسكتْ عنهما بحمد اللَّه، بل بيَّنتهما بطريق الإيماء والتَّنبيه، فإنَّ الله سبحانه جعل عدَّة الحرَّة ثلاثة قروءٍ، ثمَّ جعل عدَّة الآيسة (٢) والَّتي لم تَحِضْ ثلاثة أشهرٍ، فعُلِم أنَّه سبحانه جعل في مقابلة كلِّ قرءٍ شهرًا. وبهذا أجرى سبحانه عادته الغالبة في إمائه أنَّ المرأة تحيض في كلِّ شهرٍ حيضةً، وبيَّنت السُّنَّة أنَّ استبراء الأمة الحائض بحيضةٍ، فيكون الشَّهر قائمًا مقامَ الحيضة. وهذا إحدى الرِّوايات عن أحمد، وأحد قولي الشَّافعيِّ. وعن أحمد روايةٌ ثانيةٌ: أنَّها تُستبرأ بثلاثة أشهرٍ، وهي المشهورة عنه، وهو أحد قولي الشَّافعيِّ. ووجهُ هذا القول ما احتجَّ به أحمد في رواية

стр. 3867

أحمد بن القاسم، فإنَّه قال (١): قلت لأبي عبد الله: كيف جعلتَ ثلاثة أشهرٍ مكان حيضةٍ، وإنَّما جعل الله سبحانه في القرآن مكان كلِّ حيضةٍ شهرًا؟ فقال أحمد: إنَّما قلنا: ثلاثة أشهرٍ من أجل الحمل، فإنَّه لا يتبيَّن في أقلَّ من ذلك، فإنَّ عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك، وجمع أهل العلم والقوابلَ، فأخبروا أنَّ الحمل لا يتبيَّن في أقلَّ من ثلاثة أشهرٍ، فأعجبه ذلك (٢). ثمَّ قال: ألا تسمع قول ابن مسعودٍ: إنَّ النُّطفة (٣) أربعين يومًا علقةٌ، ثمَّ أربعين يومًا مضغةٌ بعد ذلك (٤)، فإذا خرجت الثَّمانون صارت بعدها مضغةً، وهي لحمٌ، فتبيَّن حينئذٍ. قال ابن القاسم: وقال لي: هذا معروفٌ عند النِّساء. فأمَّا شهرٌ فلا معنى فيه. انتهى كلامه. وعنه روايةٌ ثالثةٌ: أنَّها تُستبرأ بشهرٍ ونصفٍ، فإنَّه قال في رواية حنبل (٥): قال عطاء: إن كانت لا تحيض فخمسٌ وأربعون ليلةً. قال حنبل: قال عمِّي: كذلك (٦) أذهب؛ لأنَّ عدَّة المطلَّقة الآيسة كذلك. انتهى كلامه. ووجه هذا القول: أنَّها لو طُلِّقت وهي آيسةٌ اعتدَّتْ بشهرٍ ونصفٍ في

стр. 3868

روايةٍ، فلَأن تُستبرأ الأمة بهذا القدر أولى. وعن أحمد روايةٌ رابعةٌ: أنَّها تُستبرأ بشهرين، حكاها القاضي عنه، واستشكلها كثيرٌ من أصحابه، حتَّى قال صاحب «المغني» (١): ولم أرَ لذلك وجهًا. قال: ولو كان استبراؤها بشهرين لكان استبراءُ ذاتِ القرء بقرءين، ولم نعلم به قائلًا. ووجه هذه الرِّواية: أنَّها اعتُبِرت بالمطلَّقة، ولو طُلِّقت وهي أمةٌ لكانت عدَّتها شهرين، هذا هو المشهور عن أحمد، واحتجَّ فيه بقول عمر (٢) ﵁. وهو الصَّواب؛ لأنَّ الأشهر [قائمةٌ مقامَ] (٣) القروء، وعدَّة ذات القرء قرءانِ، فبَدَلُهما شهران، وإنَّما صرنا إلى استبراء ذات القرء بحيضةٍ؛ لأنَّها علمٌ ظاهرٌ على براءتها من الحمل، ولا يحصل ذلك بشهرٍ واحدٍ، فلا بدَّ من مدَّةٍ تظهر فيها براءتها، وهي إمَّا شهران أو ثلاثةٌ، فكانت الشَّهران أولى؛ لأنَّها جُعِلت عَلَمًا على البراءة في حقِّ المطلَّقة، ففي حقِّ المستبرأة أولى، فهذا وجه هذه الرِّواية. وبعد، فالرَّاجح من الدَّليل الاكتفاءُ بشهرٍ واحدٍ، وهو الذي دلَّ عليه إيماء النَّصِّ وتنبيهه، وفي جعْلِ مدَّة استبرائها ثلاثةَ أشهرٍ تسويةٌ بينها وبين الحرَّة، وجَعْلها بشهرين تسويةٌ بينها وبين المطلَّقة، فكان أولى المُدَدِ بها شهرًا؛ فإنَّه البدل التَّامُّ. والشَّارع قد اعتبرَ نظيرَ هذا البدل في نظير الأمة، وهي

стр. 3869

الحرَّة، واعتبره الصَّحابة في الأمة المطلَّقة، فصحَّ عن عمر بن الخطَّاب أنَّه قال: عدَّتها حيضتان، فإن لم تكن تحيض فشهران (١)، احتجَّ به أحمد. وقد نصَّ أحمد في أشهر الرِّوايات عنه على أنَّها إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفَعَه اعتدَّت بعشرة أشهرٍ، تسعةٍ للحمل وشهرٍ مكان الحيضة. وعنه روايةٌ ثانيةٌ: تعتدُّ بسنة، هذه طريقة الشَّيخ أبي محمد، قال (٢): وأحمد هاهنا جعل مكان الحيضة شهرًا؛ لأنَّ اعتبار تكرارها في الآيسة لِتُعلَم براءتها من الحمل، وقد عُلِم براءتها منه هاهنا بمُضيِّ غالب مدَّته، فجعل الشَّهر مكان الحيضة على وفق القياس. وهذا هو الذي ذكره الخرقي مفرِّقًا بين الآيسة وبين من ارتفع حيضها، فقال (٣): وإن كانت مُويسةً (٤) فبثلاثة أشهرٍ، وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفَعَه اعتدَّت بتسعة أشهرٍ للحمل، وشهرٍ مكان الحيضة. وأمَّا الشيخ أبو البركات فجعلَ الخلاف في التي ارتفع حيضها كالخلاف في الآيسة، وجعل فيها الرِّوايات الأربع بعد غالب مدَّة الحمل تسويةً بينها وبين الآيسة، فقال في «محرَّره» (٥): والآيسة والصَّغيرة بمُضِيِّ شهرٍ. وعنه: بمضيِّ ثلاثة أشهرٍ. وعنه: شهرين. وعنه: شهرٍ ونصفٍ. وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه، فبذلك بعد تسعة أشهرٍ.

стр. 3870

وطريقة الخِرَقي والشيخ أبي محمد أصحُّ، وهذا الذي اخترناه من الاكتفاء بشهرٍ هو الذي مال إليه الشَّيخ في «المغني»، فإنَّه قال (١): ووجهُ استبرائها بشهرٍ أنَّ الله جعل الشَّهر مكان الحِيضة، ولذلك اختلفت الشُّهور باختلاف الحيضات، فكانت عدَّة الحرَّة الآيسة ثلاثةَ أشهرٍ مكانَ الثَّلاثة قروءٍ، وعدَّة الأمة شهرين مكانَ القرءين، وللأمة المستبرأة الَّتي ارتفع حيضها عشرة أشهرٍ، تسعةٌ للحمل وشهرٌ مكان الحيضة، فيجب أن يكون مكان الحيضة هنا شهرٌ، كما في حقِّ من ارتفع حيضها. قال (٢): فإن قيل: فقد وجدتم ما دلَّ على البراءة، وهو تربُّص تسعة أشهرٍ. قلنا: وهاهنا ما يدلُّ على البراءة وهو الإياس، فاستويا. * * * *

стр. 3871

ذِكْر أحكامه ﷺ في البيوع ذِكْر حكمه فيما يحرم بيعه ثبت في «الصَّحيحين» (١) من حديث جابر بن عبد الله أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «إنَّ الله ورسوله حرَّم بيعَ الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام». فقيل: يا رسول الله، أرأيتَ شحومَ الميتة، فإنه يُطلى بها السُّفُن، ويُدهن بها الجلود، ويَستصبح بها النَّاس؟ فقال: «لا، هو حرامٌ». ثمَّ قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «قاتلَ الله اليهودَ! إنَّ الله لمَّا حرَّم عليهم الشُّحومَ جمَلُوه (٢)، ثمَّ باعوه فأكلوا ثمنَه». وفيهما (٣) أيضًا عن ابن عبَّاسٍ قال: بلغ عمرَ أنَّ سَمُرةَ باع خمرًا، فقال: قاتلَ الله سمرة! ألم يعلم أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لعنَ الله اليهودَ! حُرِّمت عليهم الشُّحوم، فجَمَلوها فباعوها». فهذا من مسند عمر، وقد رواه البيهقي (٤) والحاكم في «صحيحه» (٥)

стр. 3872

فجعلاه (١) من مسند ابن عبَّاسٍ، وفيه زيادةٌ، ولفظه: عن ابن عبَّاسٍ قال: كان النَّبيُّ ﷺ في المسجد ــ يعني الحرام ــ فرفع بصره إلى السَّماء فتبسَّم، وقال: «لعن الله اليهودَ، لعن الله اليهودَ، لعن الله اليهودَ! إنَّ الله حرَّم عليهم الشُّحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، إنَّ الله إذا حرَّم على قومٍ أكلَ شيءٍ حرَّم عليهم ثمنَه». وإسناده صحيحٌ، فإنَّ البيهقي رواه عن ابن عبدان، عن الصفّار، عن إسماعيل القاضي، حدَّثنا ابن منهال، حدَّثنا يزيد بن زُريع، حدَّثنا خالدٌ الحذَّاء، عن بَرَكةَ أبي الوليد، عن ابن عبَّاسٍ. وفي «الصَّحيحين» (٢) من حديث أبي هريرة نحوه، دون قوله: «إنَّ الله إذا حرَّم أكْلَ شيءٍ حرَّم ثمنَه». فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناسٍ: مشارب تُفسِد العقول، ومطاعم تُفسِد الطِّباع وتغذِّي غذاءً خبيثًا، وأعيانٍ تُفسِد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشِّرك. فصانَ بتحريم النَّوع الأوَّل العقولَ عمَّا يُزِيلها ويُفسِدها، وبالثَّاني: القلوبَ عمَّا يُفسِدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها، والغاذي شبيهٌ بالمغتذي، وبالثَّالث: الأديانَ عمَّا وُضِع لإفسادها. فتضمَّن هذا التَّحريمُ صيانةَ العقول والقلوب والأديان. ولكنَّ الشَّأن في معرفة حدود كلامه ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ وما يدخل فيه، وما لا يدخل فيه، ليستبين عمومُ كلماته وجمعُها، وتناولُها لجميع

стр. 3873

الأنواع الَّتي شَمِلَها (١) عمومُ لفظِه أو معناه، وهذه خاصِّيَّة الفهم عن الله ورسوله الذي تفاوتَتْ (٢) فيه العلماء، ويؤتيه الله من يشاء. فأمَّا تحريم بيع الخمر، فيدخل فيه تحريم بيع كلِّ مسكرٍ، مائعًا كان أو جامدًا، عصيرًا أو مطبوخًا، فيدخل فيه عصير العنب، وخمر الزَّبيب والتَّمرِ والذُّرَة والشَّعيرِ والعسل والحنطة، واللُّقَيمة الملعونة (٣) لُقَيمة الفسق والقلب الَّتي تُحرِّك القلبَ السَّاكن إلى أخبث الأماكن، فإنَّ هذا كلَّه خمرٌ بنصِّ رسول الله ﷺ الصَّحيح الصَّريح الذي لا مطعنَ في سنده، ولا إجمالَ في متنه، إذ صحَّ عنه قوله: «كلُّ مُسكرٍ خمرٌ» (٤)، وصحَّ عن أصحابه الذين هم أعلمُ الأمَّة بخطابه ومراده: أنَّ الخمر ما خامر العقلَ. فدخولُ هذه الأنواع تحت اسم «الخمر» كدخول جميع أنواع الذَّهب والفضَّة والبُرِّ والشَّعير والتَّمر والزَّبيب تحت قوله: «لا تبيعوا الذَّهب بالذَّهب، والفضَّة بالفضَّة، والبُرَّ بالبرِّ، والشَّعير بالشَّعير، والتَّمر بالتَّمر، والزبيب بالزبيب (٥)، إلا مثلًا بمثلٍ» (٦). فكما لا يجوز إخراج صنفٍ من هذه

стр. 3874

الأصناف عن تناول اسمه له، فهكذا لا يجوز إخراج صنفٍ من أصناف المسكر عن اسم الخمر، فإنَّه يتضمَّن محذورين: أحدهما: أن يُخرَج من كلامه ما قصد دخوله فيه. والثَّاني: أن يُشرَع لذلك النَّوع الذي أُخرِج حكمٌ غير حكمه، فيكون تغييرًا لألفاظ الشَّارع ومعانيه، فإنَّه إذا سمَّى ذلك النَّوع بغير الاسم الذي سمَّاه به الشَّارع أزال عنه حكمَ ذلك المسمَّى، وأعطاه حكمًا آخر. ولمَّا علم النَّبيُّ ﷺ من أمَّته من يُبتلى بهذا ــ كما قال: «ليشربنَّ ناسٌ من أمَّتي الخمرَ يُسمُّونها بغير اسمها» (١) ــ قضى قضيَّةً كلِّيَّةً عامَّةً لا يتطرَّق إليها إجمالٌ ولا احتمالٌ، بل هي شافيةٌ كافيةٌ، فقال: «كلُّ مسكرٍ خمرٌ». هذا، ولو أنَّ أبا عبيدة والخليل وأضرابهما من أئمَّة اللُّغة ذكروا هذه الكلمة هكذا لقالوا: قد نصَّ أئمَّة اللُّغة على أنَّ كلَّ مسكرٍ خمرٌ، وقولهم حجَّةٌ. وسيأتي إن شاء الله عند ذكر هديه في الأطعمة والأشربة مزيدُ تقريرٍ لهذا (٢)، وأنَّه لو لم يتناوله لفظه لكان القياس الصَّريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كلِّ وجهٍ حاكمًا بالتَّسوية بين أنواع المسكر في تحريم البيع والشُّرب، فالتَّفريق بين نوعٍ ونوعٍ تفريقٌ بين متماثلين من جميع الوجوه.

стр. 3875

فصل وأمَّا تحريم بيع الميتة، فيدخل فيه كلُّ ما يسمَّى ميتةً، سواءٌ مات حتْفَ أنفِه، أو ذُكِّي ذكاةً لا تفيد حلَّه، ويدخل فيه أبعاضُها أيضًا. ولهذا استشكل الصَّحابة تحريم بيع الشَّحم (١)، مع ما لهم فيه من المنفعة، فأخبرهم النَّبيُّ ﷺ أنَّه حرامٌ، وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة. وهذا موضعٌ اختلف النَّاس فيه؛ لاختلافهم في فهم مراده ﷺ ، وهو أنَّ قوله: «لا، هو حرامٌ» (٢) هل هو عائدٌ إلى البيع، أو عائدٌ إلى الأفعال الَّتي سألوا عنها؟ فقال شيخنا (٣): هو راجعٌ إلى البيع؛ فإنَّه ﷺ لمَّا أخبرهم أنَّ الله حرَّم بيع الميتة قالوا: إنَّ في شحومها من المنافع كذا وكذا، يَعْنُون: فهل ذلك مُسوِّغٌ لبيعها؟ فقال: «لا، هو حرامٌ». قلت: كأنَّهم طلبوا تخصيصَ الشُّحوم من جملة الميتة بالجواز، كما طلب العبَّاس تخصيصَ الإِذخِر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز (٤)، فلم يُجِبهم إلى ذلك، فقال: «لا، هو حرامٌ». وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم: التَّحريم عائدٌ إلى الأفعال المسؤول عنها، وقال: هو حرامٌ، ولم يقل: هي؛ لأنَّه أراد المذكور جميعه. ويرجِّح قولَهم عودُ الضَّمير إلى أقرب مذكورٍ، ويرجِّحه من جهة المعنى أنَّ

стр. 3876

إباحة هذه الأشياء ذريعةٌ إلى اقتناء الشُّحوم وبيعها. ويرجِّحه أيضًا أنَّ في بعض ألفاظ الحديث، فقال: «لا، هي حرامٌ» (١)، وهذا الضَّمير إمَّا أن يرجع إلى الشُّحوم، وإمَّا إلى هذه الأفعال، وعلى التَّقديرين فهو حجَّةٌ على تحريم الأفعال الَّتي سألوا عنها. ويرجِّحه أيضًا قولُه في حديث أبي هريرة في الفأرة الَّتي وقعت في السَّمْن: «إن كان جامدًا فأَلْقُوها وما حولَها وكُلُوه، وإن كان مائعًا فلا تَقْرَبوه» (٢). وفي الانتفاع به في الاستصباح وغيره قُربانٌ له. ومن رجَّح الأوَّل يقول: ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّما حَرُمَ من الميتة أكلُها» (٣)، وهذا صريحٌ في أنَّه لا يحرم الانتفاع بها في غير الأكل، كالوَقِيْد وسَدِّ البُثُوق ونحوهما. قالوا: والخبيث إنَّما يَحرُم ملابسته باطنًا وظاهرًا، كالأكل واللُّبس، وأمَّا الانتفاع به من غير ملابسةٍ فلأيِّ شيءٍ يحرم؟

стр. 3877

قالوا: ومن تأمَّل سياق حديث جابر عَلِم أنَّ السُّؤال إنَّما كان منهم عن البيع، وأنَّهم طلبوا منه أن يُرخِّص لهم في بيع الشُّحوم، لما فيها من المنافع، فأبى عليهم، وقال: «هو حرامٌ»، فإنَّهم لو سألوا عن حكم هذه الأفعال لقالوا: أرأيتَ شحومَ الميتة، هل يجوز أن يستصبح بها النَّاس، ويدهن بها الجلود؟ ولم يقولوا: فإنَّه يُفعل بها كذا وكذا، فإنَّ هذا إخبارٌ منهم لا سؤالٌ، وهم لم يخبروه بذلك عقيبَ تحريمِ هذه الأفعال عليهم؛ ليكون قوله: «لا، هو حرامٌ» صريحًا (١) في تحريمها، وإنَّما أخبروه به عقيبَ تحريم بيع الميتة، فكأنَّهم طلبوا منه أن يُرخِّص لهم في بيع الشُّحوم لهذه المنافع الَّتي ذكروها، فلم يفعل. ونهاية الأمر أنَّ الحديث يحتمل الأمرين، فلا يحرم ما لم يعلم أنَّ الله ورسوله حرَّمه. قالوا: وقد ثبت عنه [أنَّه] نهاهم عن الاستسقاء من آبار ثمود، وأباح لهم أن يُطْعِموا ما عَجَنوا منه (٢) من تلك الآبار للبهائم (٣). قالوا: ومعلومٌ أنَّ إيقاد النَّجاسة والاستصباح بها انتفاعٌ خالٍ عن هذه المفسدة وعن ملابستها ظاهرًا وباطنًا، فهو نفعٌ محضٌ لا مفسدةَ فيه. وما كان هكذا فالشَّريعة لا تُحرِّمه، فإنَّ الشَّريعة إنَّما تُحرِّم المفاسد الخالصة أو الرَّاجحة وطُرقَها وأسبابَها المُوصِلة (٤) إليها. قالوا: وقد أجاز أحمد في إحدى الرِّوايتين الاستصباحَ بشحوم الميتة إذا

стр. 3878

خالطت دهنًا طاهرًا، فإنَّه في أكثر الرِّوايات عنه يُجوِّز الاستصباحَ بالزَّيت النَّجس، وطَلْيَ السُّفُن به، وهو اختيار طائفةٍ من أصحابه، منهم: الشَّيخ أبو محمد (١) وغيره، واحتجَّ بأنَّ ابن عمر أمر أن يستصبح به (٢). وقال في رواية ابنَيه صالح وعبد الله (٣): ولا يُعجِبني بيعُ النَّجس، ويستصبح به إذا لم يَمَسُّوه، لأنَّه نجسٌ. وهذا يَعُمُّ النَّجسَ والمتنجِّسَ، ولو قُدِّر أنَّه إنَّما أراد به المتنجِّس فهو صريحٌ في القول بجواز الاستصباح بما خالطَتْه نجاسة ميتةٍ أو غيرها، وهذا مذهب الشَّافعيِّ. وأيُّ فرقٍ بين الاستصباح بشحم الميتة إذا كان مفردًا، وبين الاستصباح به إذا خالطَ دهنًا طاهرًا (٤) فنجَّسه؟ فإن قيل: إذا كان مفردًا فهو نجس العين، وإذا خالطَ غيرَه تنجَّس به، فأمكن تطهيرُه بالغسل، فصار كالثَّوب النَّجس، ولهذا يجوز بيع الدُّهن المتنجِّس على أحد القولين دون دهن الميتة. قيل: لا ريبَ أنَّ هذا هو الفرق الذي عَوَّل عليه المفرِّقون بينهما، ولكنَّه ضعيفٌ لوجهين: أحدهما: أنَّه لا يُعرف عن الإمام أحمد ولا عن الشَّافعيِّ البتَّةَ غَسْلُ الدُّهن النَّجس، وليس عنهم في ذلك كلمةٌ واحدةٌ، وإنَّما ذلك من فتوى بعض

стр. 3879

المنتسبين (١)، وقد رُوي عن مالك أنَّه يطهر بالغسل، هذه رواية ابن نافع وابن القاسم عنه. الثَّاني: أنَّ هذا الفرق وإن تأتَّى لأصحابه في الزَّيت والشَّيْرَج ونحوهما، فلا يتأتَّى لهم في جميع الأدهان، فإنَّ منها ما لا يمكن غَسْلُه، وأحمد والشَّافعيُّ قد أطلقا القول بجواز الاستصباح بالدُّهن النَّجس من غير تفريقٍ. وأيضًا فإنَّ هذا الفرق لا يفيد في رفع (٢) كونه مستعملًا للخبيث وللنَّجاسة، سواءٌ كانت عينيَّةً أو طارئةً، فإنَّه إن حُرِّم الاستصباح لما فيه من استعمال الخبيث فلا فرقَ، وإن حرِّم لأجل دخان النَّجاسة فلا فرق، وإن حُرِّم لكون الاستصباح به ذريعةً إلى اقتنائه فلا فرقَ، والفرقُ بين المذهبين في جواز الاستصباح بهذا دونَ هذا لا معنى له. وأيضًا فقد جوَّز جمهور العلماء الانتفاعَ بالسِّرْقِين (٣) النَّجِس في عمارة الأرض للزَّرع والبقل والثَّمر مع نجاسة عينه، وملابسة المستعمل له أكثر من ملابسة المُوقِد، وظهور أثرِه في البقول والزُّروع (٤) والثِّمار فوقَ ظهور أثر الوقيد، وإحالة النَّار أتمّ من إحالة الأرض والهواء والشَّمس للسِّرقين، فإن كان التَّحريم لأجل دخان النَّجاسة فمَنْ سَلَّم أنَّ دخان النَّجاسة نجسٌ؟ وبأيِّ كتابٍ أم بأيَّة سنَّةٍ ثبت ذلك؟ وانقلابُ النَّجاسة إلى الدُّخان أتمُّ من انقلاب

стр. 3880

عين (١) السِّرقين والماء النَّجس ثمرًا أو زرعًا، وهذا أمرٌ لا يُشَكُّ فيه، بل هو معلومٌ بالحسِّ والمشاهدة، حتَّى جوَّز بعض أصحاب مالك وأبي حنيفة بيعَه، فقال ابن الماجشون (٢): لا بأسَ ببيع العَذِرة؛ لأنَّ ذلك من منافع النَّاس. وقال ابن القاسم: لا بأسَ ببيع الزَّبل. قال اللخمي: وهذا يدلُّ من قوله على أنَّه يرى بيع العذرة. وقال أشهب في الزَّبل: المشتري أعذرُ فيه من البائع، يعني في اشترائه. وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله واحدًا منهما، وهما سِيَّانِ في الإثم. قلت: وهذا هو الصَّواب، وأنَّ بيع ذلك حرامٌ وإن جاز الانتفاع به. والمقصود أنَّه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريمُ الانتفاع بها في غير ما حرَّمه الله ورسوله منها، كالوقيد وإطعام الصُّقور والبُزَاة. وقد نصَّ مالك (٣) على جواز الاستصباح بالزَّيت النَّجِس في غير المساجد، وعلى جواز عمل الصَّابون منه. وينبغي أن يُعلَم أنَّ باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كلُّ ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، بل لا تلازمَ بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع. فصل ويدخل في تحريم بيع الميتة بيع جميع أجزائها الَّتي تَحُلُّها الحياة وتُفارِقها بالموت، كاللَّحم والشَّحم والعَصْب، وأمَّا الشَّعر والوَبَر والصُّوف فلا يدخل في ذلك؛ لأنَّه ليس بميتة، ولا تَحُلُّه الحياة. وكذلك قال جمهور

стр. 3881

أهل العلم: إنَّ شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرةٌ إذا كانت من حيوانٍ طاهرٍ، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبلٍ والليث والأوزاعيِّ والثَّوريِّ وداود وابن المنذر والمزني، ومن التَّابعين: الحسن (١)، وابن سيرين (٢)، وأصحاب عبد الله بن مسعودٍ (٣). وانفرد الشَّافعيُّ بالقول بنجاستها، واحتجَّ له بأنَّ اسم الميتة يتناولها كما يتناول سائرَ أجزائها بدليل الأثر والنَّظر: أمَّا الأثر، ففي «الكامل» (٤) لابن عديٍّ من حديث ابن عمر يرفعه: «ادْفِنوا الأظفارَ والدَّم والشَّعر، فإنَّها ميتةٌ». وأمَّا النَّظر، فلأنه متَّصلٌ بالحيوان ينمو بنمائه، فنَجِسَ (٥) بالموت كسائر أعضائه. وبأنَّه شعرٌ نابتٌ في محلٍّ نجسٍ فكان نجسًا كشعر الخنزير، وهذا لأنَّ ارتباطه بأصله خلقةً يقتضي أن يثبت له حكمه تبعًا، فإنَّه محسوبٌ منه عرفًا، والشَّارع أجرى الأحكام فيه على وفق ذلك، فأوجب غَسْلَه في

стр. 3882

الطَّهارة، وأوجب الجزاء بأخْذِه (١) من الصَّيد كالأعضاء، وألحقه بالمرأة في النِّكاح والطَّلاق حلًّا وحرمةً، فكذلك هاهنا. وبأنَّ الشَّارع له تشوُّفٌ (٢) إلى إصلاح الأموال وحفظِها وصيانتها وعدمِ إضاعتها. وقد قال لهم في شاة ميمونة: «هَلَّا أخذتم إهابَها؟ فدَبغتموه فانتفعتم به» (٣). ولو كان الشَّعر طاهرًا لكان إرشادهم إلى أخذه أولى؛ لأنَّه أقلُّ كلفةً، وأسهلُ تناولًا. قال المطهِّرون للشُّعور: قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى﴾ [النحل: ٨٠]، وهذا يعمُّ أحياءها وأمواتَها. وفي «مسند أحمد» (٤): عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاسٍ قال: مرَّ رسول الله ﷺ بشاةٍ لميمونةَ ميِّتةٍ، فقال: «ألَا اسْتمتعتم (٥) بإهابها؟»، قالوا: وكيف وهي ميتةٌ؟ قال: «إنَّما حُرِّم لحمُها». وهذا ظاهرٌ جدًّا في إباحة ما سوى اللَّحم، والشَّحمُ والكبِد والطِّحالُ والأَلْية كلُّها داخلةٌ في اللَّحم، كما دخلت في تحريم لحم الخنزير، ولا ينتقض هذا بالعَظْم والقَرْن، والظُّفر والحافر، فإنَّ الصَّحيح طهارة ذلك كما سنقرِّره عقيبَ هذه المسألة. قالوا: ولأنَّه لو أُخِذ حالَ الحياة لكان طاهرًا، فلم ينجس بالموت كالبيض، وعكسه الأعضاء.

стр. 3883

قالوا: ولأنَّه لمَّا لم ينجس بجَزِّه في حال حياة الحيوان بالإجماع، دلَّ على أنَّه ليس جزءًا من الحيوان وأنَّه لا روحَ فيه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أُبِينَ من حيٍّ فهو ميِّتٌ». رواه أهل السُّنن (١). ولأنَّه لا يتألَّم بأخذه، ولا يُحسُّ بمسِّه، وذلك دليل عدم الحياة فيه. وأمَّا النَّماء فلا يدلُّ على الحياة الحيوانيَّة الَّتي يتنجَّس الحيوان بمفارقتها، فإنَّ مجرَّد النَّماء لو دلَّ على الحياة ونَجِسَ المحلُّ بمفارقة هذه الحياة لتنجَّسَ الزَّرعُ بيُبْسِه، لمفارقة حياة النُّموِّ والاغتذاء له. قالوا: فالحياة نوعان: حياة حسٍّ وحركةٍ، وحياة نموٍّ واغتذاءٍ، فالأولى هي الَّتي يُؤثِّر فَقْدُها في طهارة الحيِّ دون الثَّانية. قالوا: واللَّحم إنَّما ينجس لاحتقان الرُّطوبات والفَضَلات الخبيثة فيه، والشُّعور والأصواف بريئةٌ من ذلك، ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره. قالوا: والأصل في الأعيان الطَّهارة، وإنَّما يطرأ عليها التَّنجيس باستحالتها، كالرَّجيع المستحيل عن الغذاء، وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها، والشُّعورُ في حال استحالتها كانت طاهرةً، ثمَّ لم يَعرِض لها ما

стр. 3884

يوجب نجاستها بخلاف أعضاء الحيوان، فإنَّها عَرَضَ لها ما يقتضي نجاستها، وهو احتقان الفضلات الخبيثة. قالوا: وأمَّا حديث ابن عمر، ففي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن أبي روَّاد. قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: أحاديثه منكرةٌ، ليس محلُّه عندي الصِّدق. وقال عليُّ بن الحسين بن الجنيد: لا يساوي فلسًا، يحدِّث بأحاديث كذبٍ (١). وأمَّا حديث الشَّاة الميتة وقوله: «ألا انتفعتم بإهابها»، ولم يتعرَّض للشَّعر، فعنه ثلاثة أجوبةٍ: أحدها: أنَّه أطلق الانتفاع بالإهاب، ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشَّعر، مع أنَّه لا بدَّ فيه من شعرٍ، وهو ﷺ لم يقيِّد الإهاب المنتفَع به بوجهٍ دون وجهٍ، فدلَّ على الانتفاع به فَرْوًا وغيره ممَّا لا يخلو من الشَّعر. الثَّاني: أنَّه ﷺ قد أرشدهم إلى الانتفاع بالشَّعر في الحديث نفسه حيث يقول: «إنَّما حُرِّم من الميتة أكلُها أو لحمُها». الثَّالث: أنَّ الشَّعر ليس من الميتة ليتعرَّض له في الحديث؛ لأنَّه لا يَحُلُّه الموت. وتعليلهم بالتَّبعيَّة يَبطُل بجلد الميتة إذا دُبِغ وعليه شعرٌ، فإنَّه يطهر دون الشَّعر عندهم. وتمسُّكهم بغسله في الطَّهارة يبطل بالجبيرة، وتمسُّكهم بضمانه من الصَّيد يبطل بالبيض وبالحمل. وأمَّا في النِّكاح فإنَّه تبع الجملة لاتِّصاله بها، وزالَ حكمه (٢) بانفصاله عنها، وهاهنا لو فارق الجملة بعد تَبَعِها في التنجيس (٣) لم يفارقها فيه عندهم، فعُلِم الفرق.

стр. 3885

فصل فإن قيل: فهل يدخل في تحريم بيعها تحريمُ بيع عظمها وقرنها وجلدها بعد الدِّباغ، لشمول اسم الميتة لذلك؟ قيل: الذي يحرم بيعُه منها هو الذي يحرم أكلُه واستعماله، كما أشار إليه ﷺ بقوله: «إنَّ الله إذا حَرَّم شيئًا حَرَّم ثمنَه» (١). وفي اللَّفظ الآخر: «إذا حرَّم أكلَ شيءٍ حرَّم ثمنَه» (٢). فنبَّه على أنَّ الذي يحرم بيعُه يحرم أكلُه. وأمَّا الجلد إذا دُبِغ فقد صار عينًا طاهرةً، يُنتفَع بها (٣) في اللُّبس والفرش وسائر وجوه الاستعمال، فلا يمتنع جواز بيعه. وقد نصَّ الشَّافعيُّ في كتابه القديم على أنَّه لا يجوز بيعه (٤)، واختلف أصحابه، فقال القفّال: لا يتَّجه هذا إلا بتقدير قولٍ يوافق مالكًا في أنَّه يطهر ظاهره دون باطنه، وقال بعضهم: لا يجوز بيعُه وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد؛ فإنَّه جزءٌ من الميتة حقيقةً، فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها. وقال بعضهم: بل يجوز بيعه بعد الدَّبغ؛ لأنَّه عينٌ طاهرةٌ مُنتفَعٌ بها، فجاز

стр. 3886

بيعها كالمُذكَّى، وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أنَّ الدَّبغ إزالةٌ أو إحالةٌ، فإن قلنا: إحالةٌ جاز بيعه؛ لأنَّه قد استحال من كونه جزءَ ميتةٍ إلى عينٍ أخرى، وإن قلنا: إزالةٌ لم يجز بيعه؛ لأنَّ وصف الميتة هو المحرِّم لبيعه، وذلك باقٍ لم يستحلَّ. وبَنَوا على هذا الخلاف جوازَ أكله، ولهم فيه ثلاثة أوجهٍ: أكله مطلقًا، وتحريمه مطلقًا (١)، والتَّفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول. فأصحاب الوجه الأوَّل غَلَّبوا حكم الإحالة، وأصحاب الوجه الثَّاني غَلَّبوا حكم الإزالة، وأصحاب الوجه الثَّالث أجْرَوا الدِّباغ مُجرى الذَّكاة، فأباحوا بها ما يباح أكلُه (٢) إذا ذُكِّي دون غيره. والقول بجواز أكله باطلٌ مخالفٌ لصريح السُّنَّة، ولهذا لم يُمكِن قائلَه القولُ به إلا بعد منعه كونَ الجلد بعد الدَّبغ ميتةً، وهذا منعٌ باطلٌ، فإنَّه جلد ميتةٍ حقيقةً وحسًّا وحكمًا، ولم يحدث له حياةٌ بالدَّبغ تَرفع عنه اسم الميتة. وكون الدَّبغ إحالةً باطلٌ حسًّا؛ فإنَّ الجلد لم تُستحلَّ ذاتُه وأجزاؤه وحقيقتُه بالدِّباغ، فدعوى أنَّ الدِّباغ إحالةٌ عن حقيقةٍ (٣) إلى حقيقةٍ أخرى، كما تُحيل النَّارُ الحطبَ إلى الرَّماد، والمَلَّاحةُ (٤) ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح= دعوى باطلةٌ.

стр. 3887

وأمَّا أصحاب مالك ففي «المدوَّنة» (١) لابن القاسم المنع من بيعها وإن دبغت، وهو الذي ذكره صاحب «التَّهذيب» (٢). وقال المازري (٣): هذا هو مقتضى القول بأنَّها لا تطهر بالدِّباغ. قال: وأمَّا إذا فرَّعنا على أنَّها تطهر بالدِّباغ طهارةً كاملةً، فإنَّا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها. قلت: عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان (٤)، إحداهما: يطهر ظاهره وباطنه، وبها قال ابن وهب (٥)، وعلى هذه الرِّواية جوَّز أصحابه بيعه. والثَّانية ــ وهي أشهر الرِّوايتين عنه ــ أنَّه يطهر طهارةً مخصوصةً يجوز معها استعماله في اليابسات، وفي الماء وحده دون سائر المائعات، قال أصحابه: وعلى هذه الرِّواية لا يجوز بيعه، ولا الصَّلاة فيه، ولا الصَّلاة عليه. وأمَّا مذهب الإمام أحمد، فإنَّه لا يصحُّ عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه. وعنه في جوازه بعد الدَّبغ روايتان (٦)، هكذا أطلقهما الأصحاب، وهما عندي مبنيَّتان على اختلاف الرِّواية عنه في طهارته بعد الدِّباغ. وأمَّا بيع الدُّهن النَّجس ففيه ثلاثة أوجهٍ في مذهبه (٧): أحدها: أنَّه لا يجوز بيعه.

стр. 3888

والثَّاني: يجوز بيعه لكافرٍ يعلم نجاسته، وهو المنصوص عنه. قلت: والمراد بعلم النَّجاسة العلمُ بالسَّبب المنجِّس، لا اعتقاد [الكافر] (١) في نجاسته. والثَّالث: يجوز بيعه لمسلمٍ وكافرٍ. وخُرِّج هذا الوجه من جواز إيقاده، وخرِّج أيضًا من طهارته بالغسل، فيكون كالثَّوب النَّجس. وخرَّج بعض أصحابه وجهًا ببيع السِّرقين النَّجس للوقيد من بيع الزَّيت النَّجس له، وهو تخريجٌ صحيحٌ. وأمَّا أصحاب أبي حنيفة (٢) فجوَّزوا بيع السِّرجين النَّجس إذا كان تبعًا لغيره، ومنعوه إذا كان مفردًا. فصل وأمَّا عظمها، فمن لم يُنجِّسه بالموت ــ كأبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، واختيار ابن وهب من أصحاب مالك ــ فيجوز بيعه عندهم، وإن اختلَف مأخذُ الطَّهارة: فأصحاب أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة، ولا يتناوله اسمها، ومنعوا كونَ الألم دليلَ حياته. قالوا: وإنَّما يألمه ما (٣) جاوره من اللَّحم لا ذات العظم، وحملوا قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] على حذف مضافٍ، أي أصحابها.

стр. 3889

وغيرهم ضعَّف هذا المأخذ جدًّا، وقال: العظم يَألَم حسًّا، وألمُه أشدُّ من ألم اللَّحم. ولا يصحُّ حمل الآية على حذف مضافٍ لوجهين، أحدهما: أنَّه تقدير ما لا دليل عليه، فلا سبيل إليه. الثَّاني: أنَّ هذا التَّقدير يستلزم الإضرابَ عن جواب سؤال السَّائل الذي استشكل حياة العظام، فإنَّ أُبيّ بن خَلَف أخذ عظمًا باليًا، ثمَّ جاء به إلى النَّبيِّ ﷺ ، ففتَّه في يده، وقال: يا محمَّد! أترى الله يُحِيي هذا بعدما رَمَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم، ويَبعثك، ويُدخِلك النَّار» (١). فمأخذ الطَّهارة أنَّ سبب تنجيس الميتة منتفٍ في العظام، فلم يحكم بنجاستها. ولا يصحُّ قياسها على اللَّحم؛ لأنَّ احتقان الرُّطوبات والفَضَلات الخبيثة يختصُّ به دون العظام، كما أنَّ ما لا نفسَ له سائلةً لا ينجس (٢) بالموت وهو حيوانٌ كاملٌ، لعدم سبب التَّنجيس (٣) فيه، فالعظم أولى. وهذا المأخذ أصحُّ وأقوى من الأوَّل، وعلى هذا فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوانٍ طاهر العين.

стр. 3890

وأمَّا من رأى نجاستها فإنَّه لا يجوِّز بيعها، إذ نجاستها عينيَّةٌ، قال ابن القاسم (١): قال مالك: لا أرى أن تُشترى عظام الميتة ولا تُباع، ولا أنياب الفيل، ولا يُتَّجر فيها، ولا يُمتشط بأمشاطها، ولا يُدَّهن بمداهنها. وكيف يجعل الدُّهن في الميتة، ويمشط لحيته بعظام الميتة وهي مبلولةٌ؟ وكره أن يطبخ بعظام الميتة. وأجاز مطرِّف وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقًا، وأجازه ابن وهب وأصبغ إذا أُغلِيت وصُلِقت، وجَعلا ذلك دِباغًا لها. فصل وأمَّا تحريم بيع الخنزير، فيتناول جملتَه وجميعَ أجزائه الظَّاهرة والباطنة. وتأمَّلْ كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل إشارةً إلى تحريم أكله ومعظمه اللَّحم، فذكر اللَّحم تنبيهًا على تحريم أكله دون قَتْله (٢)، بخلاف الصَّيد، فإنَّه لم يقل فيه: وحرّم عليكم لحم الصَّيد، بل حرّم نفس الصَّيد ليتناول ذلك أكلَه وقتْلَه. وهاهنا لمَّا حرَّم البيع ذكر جملته، ولم يخصَّ التَّحريم بلحمه، ليتناول بيعه حيًّا وميِّتًا. فصل وأمَّا تحريم بيع الأصنام، فيُستفاد منه تحريم بيع كلِّ آلةٍ متَّخذةٍ للشِّرك، على أيِّ وجهٍ كانت، ومن أيِّ نوعٍ كانت، صنمًا أو وثنًا أو صليبًا، وكذلك الكتب المشتملة على الشِّرك وعبادةِ غير اللَّه، فهذه كلُّها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعةٌ إلى اقتنائها واتِّخاذها، فهي أولى بتحريم البيع من
следующие страницы →