← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وذكر النسائي (١) عن ابن عمر قال: «من سنَّة الصلاة: أن ينصب القدم (٢) اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى». ولم يحفظ عنه ﷺ في هذا الموضع جلسة غير هذه. وكان يضع يديه على فخذيه، ويجعل حدَّ مرفقه (٣) على فخذه، وطرفَ يده على ركبته. وقبَض ثنتين من أصابعه وحلَّق حلقةً، ثم رفع إصبعه يدعو بها ويحرِّكها. هكذا قال وائل بن حُجْر عنه (٤).

стр. 422

وأما حديث أبي داود (١) عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحرِّكها، فهذه الزيادة في صحتها نظر (٢). وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في «صحيحه» (٣) عنه، ولم يذكر هذه الزيادة، بل قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده (٤) اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه». وأيضًا فليس في حديث أبي داود عنه أن هذا كان في الصلاة (٥). وأيضًا فلو كان في الصلاة لكان نافيًا، وحديث وائل بن حجر مثبتًا وهو مقدَّم، وهو حديث صحيح، ذكره أبو حاتم في «صحيحه» (٦). ثم يقول: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبُرْني، واهدني، وارزقني» (٧).

стр. 423

هكذا ذكر ابن عباس عنه (١). وذكر حذيفة أنه كان يقول: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي» (٢). وكان هديه إطالة هذا الركن بقدر السجود. هكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث. وفي «الصحيح» (٣) عن أنس: «كان رسول الله ﷺ يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهَم». وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، ولهذا قال ثابت: «فكان (٤) أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه: يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو قد أوهَم» (٥). وأما من حكَّم السنَّةَ ولم يلتفت إلى ما خالفها، فإنه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي.

стр. 424

فصل ثم كان ﷺ ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدًا على فخذيه كما ذكره عنه: وائل (١) وأبو هريرة (٢)، ولا يعتمد على الأرض بيديه (٣). وقد ذكره عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا (٤). وهذه هي التي تسمَّى جلسة الاستراحة . واختلف الفقهاء فيها:

стр. 425

هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكلِّ أحد أن يفعلها، أو هي (١) ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد (٢). قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة (٣). وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله (٤) سئل عن النهوض فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة. وحديث (٥) ابن عجلان (٦) يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ . وسائرُ من وصف صلاة النبي ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذُكِرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث (٧). ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كلُّ من وصف صلاته ﷺ . ومجرَّدُ فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا عُلِم أنه

стр. 426

فَعَلها سنَّةً يقتدى به فيها. وأما إذا قُدِّر أنه فَعَلها للحاجة لم يدل ذلك على كونها سنَّةً من سنن الصلاة. فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة (١). وكان إذا نهض افتتح القراءة، ولم يسكت كما كان يسكت عند افتتاح الصلاة، فاختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أو لا، بعد اتفاقهم أنه ليس موضع استفتاح. وفي ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كلِّ ركعة مستقلة بنفسها؟ ولا نزاع بينهم أن الاستفتاح لمجموع الصلاة. والاكتفاءُ باستعاذة واحدة أظهر، للحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت (٢)، وكما يكفي افتتاح واحد، ولأنه لم يتخلَّل القراءتين سكوت، بل تخلَّلهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخلَّلها حمدٌ لله (٣) أو تسبيح أو تهليل أو صلاة على النبي ﷺ ، ونحو ذلك. ثم كان يصلِّي الثانية كالأولى سواءً، إلا في أربعة أشياء: السكوت، والاستفتاح، وتكبيرة الإحرام، وتطويلها كالأولى؛ فإنه ﷺ كان لا يستفتح، ولا يسكت، ولا يكبِّر للإحرام فيها، ويقصِّرها عن الأولى، فتكون الأولى أطول منها في كلِّ صلاة، كما تقدَّم. فإذا جلس للتشهُّد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده

стр. 427

اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه السَّبَّابة. وكان لا ينصبها نصبًا، ولا يُنيمها، بل يَحنيها شيئًا، ويحرِّكها (١)، كما تقدَّم في حديث وائل بن حجر. وكان يقبض إصبعين من أصابعه، وهما الخنصر والبنصر، ويحلِّق حلقةً وهي الوسطى مع الإبهام، ويرفع السبَّابة يدعو بها، ويرمي ببصره إليها، ويبسط الكفَّ اليسرى على الفخذ اليسرى، ويتحامل عليها. وأما صفة جلوسه فكما تقدَّم بين السجدتين سواء، يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى. ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة. وأما حديث عبد الله بن الزبير الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٢) أنه ﷺ كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرَشَ قدمه اليمنى؛ فهذا في التشهد الأخير كما يأتي، وهو إحدى الصفتين اللتين رُوِيت (٣) عنه فيه (٤). ففي «الصحيحين» (٥) من حديث أبي حُميد في صفة صلاته ﷺ : «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصَب الأخرى. وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدَّم رجله اليسرى، ونصب (٦) اليمنى، وقعد على مقعدته». فذكر أبو حميد أنه كان ينصب اليمنى، وذكر ابن الزبير أنه كان يفرشها؛ ولم يقل أحد عنه ﷺ : إن هذا كان صفة (٧) جلوسه في

стр. 428

التشهد الأول، ولا أعلم أحدًا قال به. بل من الناس من قال: يتورَّك في التشهدين، وهذا مذهب مالك. ومنهم من قال: يفترش فيهما، فينصب اليمنى، ويفترش اليسرى ويجلس عليها، وهو قول أبي حنيفة. ومنهم من قال: يتورَّك في كلِّ تشهُّد يلي السلام، ويفترش في غيره، وهو قول الشافعي. ومنهم من قال: يتورَّك في كلِّ صلاة فيها تشهُّدان في الأخير (١) منهما فرقًا بين الجلوسين، وهو قول الإمام أحمد (٢). ومعنى حديث ابن الزبير أنَّه فرَش قدمه اليمنى: أنه كان في هذا الجلوس يجلس على مقعدته، فتكون قدمه اليمنى مفروشةً، وقدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ومقعدته على الأرض، فوقع الاختلاف في قدمه اليمنى في هذا الجلوس، هل كانت مفروشةً أو منصوبةً؟ وهذا ــ والله أعلم ــ ليس باختلاف في الحقيقة، فإنه كان لا يجلس على قدمه، بل يُخرجها عن يمينه، فتكون بين المنصوبة والمفروشة، فإنها تكون على باطنها الأيمن. فهي مفروشة بمعنى أنه ليس ناصبًا لها جالسًا على عقبه، ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالسًا على باطنها، وظهرها إلى الأرض. فصحَّ قول أبي حميد ومن معه وعبد الله بن الزبير. أو يقال: إنه ﷺ كان يفعل هذا وهذا، فكان ينصب قدمه، وربما فرشها أحيانًا، وهو أروح لها. والله أعلم. ثم كان ﷺ يتشهَّد دائمًا في هذه الجلسة، ويعلِّم أصحابه أن يقولوا:

стр. 429

«التحيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله» (١). وقد ذكر النسائي (٢) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التشهُّدَ، كما يعلِّمنا السورة من القرآن: «بسم الله وبالله، التحيَّات لله والصلوات والطيِّبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٣). أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار». ولم يجئ ذكر التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث. وله علَّة غير عنعنة أبي الزبير (٤).

стр. 430

وكان ﷺ يخفِّف هذا التشهد جدًّا حتى كأنه على الرَّضْف ــ وهو الحجارة المُحْماة ــ ولم ينقل عنه في حديث قط أنه كان يصلِّي عليه وعلى آله في هذا التشهد، ولا كان أيضًا يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجَّال. ومن استحبَّ ذلك فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات قد صحَّ تبيينُ موضعها وتقييدُها بالتشهد الأخير (١). ثم كان ينهض مكبِّرًا على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدًا على فخذيه كما تقدَّم. وقد ذكر مسلم في «صحيحه» (٢) في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع، وهي في بعض طرق البخاري (٣) أيضًا، على أن هذه الزيادة ليست متفقًا عليها في حديث عبد الله بن عمر، وأكثر رواته لا يذكرونها. وقد جاء ذكرها مصرَّحًا به في حديث أبي حميد الساعدي قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبَّر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويقيم كلَّ عَظْمٍ (٤) في موضعه، ثم يقرأ (٥). ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه (٦)، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه معتدلًا، لا يصوِّب رأسه ولا

стр. 431

يقنَع به. ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، حتى يقِرَّ كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يهوي إلى الأرض، ويجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله (١) فيقعد عليها، ويفتخ (٢) أصابع رجليه إذا سجد. ثم يسجد (٣)، ثم يكبِّر ويجلس على رجله اليسرى، حتى يرجع كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يقوم، فيصنع في الأخرى مثل ذلك. ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنَع عند افتتاح الصلاة. ثم يصلِّي بقية صلاته هكذا، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجليه وجلس على شقِّه الأيسر متورِّكًا». هذا سياق أبي حاتم في «صحيحه» (٤)، وهو في «صحيح مسلم» (٥) أيضًا.

стр. 432

وقد ذكره الترمذي (١) مصحِّحًا له من حديث علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه في هذا الموطن أيضًا. ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الآخرتين (٢) بعد الفاتحة شيئًا. وقد ذهب الشافعيُّ في أحد قوليه وغيرُه إلى استحباب القراءة بما زاد على الفاتحة في الآخرتين (٣)، واحتجَّ لهذا القول بحديث أبي سعيد الذي في «الصحيح» (٤): «حزَرنا قيام رسول الله ﷺ في الظهر في الركعتين الأوليين (٥) قدر قراءة (الم تنزيل) السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك. وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك». وحديثُ أبي قتادة (٦) المتَّفقُ عليه ظاهرٌ في الاقتصار على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين. قال أبو قتادة: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا». زاد مسلم: «ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب»، والحديثان غير صريحين في محلِّ النزاع. أما حديث أبي سعيد، فإنما هو حزرٌ منهم وتخمينٌ، ليس إخبارًا عن

стр. 433

نفس (١) فعله ﷺ . وأما حديث أبي قتادة، فيمكن أن يراد به أنه كان (٢) يقتصر على الفاتحة، وأن يراد به أنه لم يكن يُخِلُّ بها في الركعتين الأخريين، بل كان يقرؤها فيهما كما كان يقرؤها في الأوليين، فكان يقرأ الفاتحة في كلِّ ركعة؛ وإن كان حديث أبي قتادة في الاقتصار أظهر، فإنه في معرض التقسيم. فإذا قال: كان يقرأ في الأوليين بالفاتحة وسورة، وفي الأخريين بالفاتحة، كان كالصريح (٣) في اختصاص كلِّ قِسم بما ذُكر فيه. وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن هذا كان أكثر فعله، وربما قرأ في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد. وهذا كما أنَّ هديَه ﷺ تطويلُ القراءة في الفجر وكان يخفِّفها أحيانًا، وتخفيفُ القراءة في المغرب وكان يطيلها أحيانًا، وتركُ القنوت في الفجر وكان يقنت فيها أحيانًا، والإسرارُ في الظهر والعصر بالقراءة وكان يُسمِع الصحابةَ فيها الآيةَ أحيانًا (٤)، وتركُ الجهر بالبسملة (٥) وكان يجهر بها أحيانًا (٦). والله أعلم.

стр. 434

والمقصود أنه كان يفعل في الصلاة أحيانًا شيئًا لعارضٍ لم يكن من فعله الراتب. ومن هذا لما بعث (١) ﷺ فارسًا طليعةً، ثم قام إلى الصلاة وجعل (٢) يلتفت في الصلاة إلى الشِّعب الذي يجيء منه الطليعة (٣). ولم يكن من هديه الالتفات في الصلاة . وفي «صحيح البخاري» (٤) عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ قال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». وفي الترمذي (٥) من حديث سعيد بن المسيِّب عن أنس قال: قال

стр. 435

رسول الله ﷺ : «يا بُنيَّ، إياك والالتفاتَ في الصلاة، فإنَّ الالتفات في الصلاة هَلَكة. فإن كان لا بدَّ ففي التطوُّع، لا في الفريضة»، ولكن للحديث علَّتان. إحداهما: أنَّ رواية سعيد عن أنس لا تعرف. الثانية: أنَّ على طريقه (١) علي بن زيد بن جُدعان. وقد ذكر البزار في غير (٢) «مسنده» (٣) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : «لا صلاة للملتفت».

стр. 436

وأما حديث ابن عباس (١): «إن رسول الله ﷺ كان يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عنقَه خلفَ ظهره»، فهذا حديث لا يثبت. قال الترمذي فيه: «حديث غريب»، ولم يزد. وقال الخلال: أخبرني الميموني أن أبا عبد الله قيل له: إن بعض الناس أسند أن النبي ﷺ كان يلاحظ في الصلاة، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا حتى تغيَّر وجهه، وتغيَّر لونه، وتحرَّك بدنه، ورأيته في حالٍ ما رأيته في حالٍ قطُّ سواها (٢)، وقال: النبيُّ ﷺ كان يلاحظ في الصلاة؟! يعني أنه أنكر ذلك، وأحسبه قال: ليس له إسناد. وقال: مَن روى هذا؟ إنما هذا (٣) عن سعيد بن المسيِّب (٤). ثم قال لي بعض أصحابنا: إن أبا عبد الله وهَّن حديثَ سعيد

стр. 437

هذا، وضعَّف إسناده، وقال: إنما هو عن رجل عن سعيد. وقال عبد الله بن أحمد (١): حدَّثتُ أبي بحديث حسَّان بن إبراهيم عن عبد الملك الكوفي قال: سمعت العلاء قال: سمعت مكحولًا يحدِّث عن أبي أمامة وواثلة: «كان النبيُّ ﷺ إذا قام في الصلاة لم يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ورمى ببصره في موضع سجوده»، فأنكره جدًّا، وقال: اضرب عليه. فأحمد ﵀ أنكر هذا وهذا، وكان إنكاره للأول أشدَّ لأنه باطل سندًا ومتنًا؛ والثاني إنما أنكر سندَه، وإلا فمتنه غير منكر. والله أعلم. ولو ثبت الأول (٢) لكان حكايةَ فعلٍ، لعله كان لمصلحة تتعلَّق بالصلاة ككلامه ﷺ هو وأبو بكر وعمر وذو اليدين (٣) في الصلاة لمصلحتها، أو لمصلحة المسلمين كالحديث الذي رواه أبو داود (٤) عن أبي كبشة (٥) السَّلُولي عن سهل ابن الحنظليَّة قال: «ثُوِّب بالصلاة ــ يعني صلاة الصبح ــ

стр. 438

فجعل رسولُ الله ﷺ يصلِّي وهو يلتفت إلى الشِّعب». قال أبو داود: يعني: وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من الليل يحرُس. فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في تداخُل العبادات كصلاة الخوف. وقريب منه قول عمر ﵁: «إني لأجهِّز جيشي وأنا في الصلاة» (١)، فهذا جمعٌ بين الجهاد والصلاة (٢). ونظيره التفكُّر (٣) في معاني القرآن واستخراجُ كنوز العلم منه في الصلاة، فهذا جمعٌ بين الصلاة والعلم. فهذا لون، والتفات الغافلين اللاهين وأفكارهم لون آخر. وبالله التوفيق. فهديه الراتب ﷺ إطالة الركعتين الأوليين من الرُّباعيَّة على الأخريين، وإطالة الأولى من الأوليين على الثانية. ولهذا قال سعد لعمر: «أما أنا فأطيل في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ » (٤). وكذلك كان هديه ﷺ إطالة صلاة الفجر على سائر الصلوات كما تقدم. قالت عائشة: «فرض الله الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله ﷺ زيد في صلاة الحضر إلا الفجرَ، فإنها أُقِرَّت على حالها من أجل طول القراءة، والمغربَ لأنها وتر النهار». رواه أبو حاتم ابن حبان في

стр. 439

«صحيحه» (١)، وأصله في «صحيح البخاري» (٢). وهذا كان هديه ﷺ في سائر صلواته: إطالة أولها على آخرها، كما فعل في الكسوف، وفي قيام الليل لما صلَّى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، حتى أتمَّ صلاته. ولا يناقض هذا افتتاحه ﷺ صلاة الليل بركعتين خفيفتين وأمره بذلك (٣)، لأن هاتين الركعتين مفتاح قيام الليل، فهي (٤) بمنزلة سنة الفجر وغيرها. وكذلك الركعتان اللتان كان يصلِّيهما أحيانًا بعد وتره تارةً جالسًا وتارةً قائمًا مع قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (٥)، فإن هاتين الركعتين لا تنافي (٦) هذا

стр. 440

الأمر؛ كما أن المغرب وتر للنهار، وصلاة السنة شفعًا بعدها لا تُخرجها عن كونها وتر النهار. كذلك الوتر لما كان عبادةً مستقلَّةً، وهو وتر الليل، كانت الركعتان بعده جاريةً (١) مجرى سنة المغرب من المغرب. ولما كانت المغرب فرضًا كانت محافظة النبي (٢) ﷺ على سنتها آكد من محافظته على سنة الوتر. وهذا على أصل من يقول بوجوب الوتر ظاهر جدًّا. وسيأتي مزيد كلام في هاتين الركعتين إن شاء الله، وهي مسألة شريفة لعلك لا تراها في مصنَّف. وبالله التوفيق. فصل وكان ﷺ إذا جلس في التشهد الأخير جلس متورِّكًا، فكان يفضي بوركه إلى الأرض ويخرج قدميه من ناحية واحدة. فهذا (٣) أحد الوجوه الثلاثة التي رويت عنه ﷺ في التورُّك. ذكرها أبو داود (٤) في حديث أبي حُمَيد من طريق عبد الله بن لهيعة. وقد ذكر أبو حاتم في «صحيحه» هذه الصفة في حديث أبي حُمَيد من غير طريق ابن لهيعة، وقد تقدَّم حديثه.

стр. 441

الوجه الثاني: ذكره البخاري في «صحيحه» (١) من (٢) حديث أبي حُمَيد أيضًا قال: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة (٣) قدَّم رجله اليسرى ونصَب اليمنى، وقعد على مقعدته». فهذا موافق للأول في الجلوس على الورك، وفيه زيادة وصف في هيئة القدمين لم تتعرَّض الرواية الأولى لها. الوجه الثالث: ما ذكره مسلم في «صحيحه» (٤) من حديث عبد الله بن الزبير: أنه ﷺ كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرُش قدمه اليمنى. وهذه هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخِرَقي في «مختصره» (٥). وهذا مخالف للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه، وفي نصب اليمنى، فلعله (٦) كان يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، وهذا أظهر. ويحتمل أن يكون من اختلاف الرواة. ولم يذكر عنه ﷺ هذا التورُّك إلا في التشهد الذي يلي السلام. ثم قال الإمام أحمد ومن وافقه: هذا مخصوص بالصلاة التي فيها تشهُّدان. وهذا التورُّك فيها جُعِل فرقًا بين الجلوس في التشهد الأول الذي يُسَنُّ (٧) تخفيفه،

стр. 442

ويكون الجالس (١) فيه متهيِّئًا للقيام، وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس فيه مطمئنًّا. وأيضًا فتكون هيئة الجلوسين فارقةً بين التشهُّدين مذكِّرةً للمصلِّي حالَه فيهما. وأيضًا فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه ﷺ في الجلسة في التشهد الثاني، فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وأنه كان يجلس مفترشًا ثم قال: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة (٢)»، وفي لفظ (٣): «فإذا (٤) جلس في الركعة الرابعة». وأما قوله في بعض ألفاظه (٥): «حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجليه (٦)، وجلس على شقِّه متورِّكًا»، فهذا قد احتجَّ (٧) به من يرى التورُّك يُشرَع في كلِّ تشهُّد يليه السلام، فيتورَّك في الثنائيَّة (٨)، وهذا قول الشافعي. وليس بصريح في الدلالة، بل سياق الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد الذي يلي السَّلامَ من الرباعية والثلاثية؛ فإنه ذكر صفة جلوسه في

стр. 443

التشهد الأول وقيامه منه، ثم قال: «حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم جلس متورِّكًا» (١). فهذا السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني. والله أعلم. فصل وكان ﷺ إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وضمَّ أصابعه الثلاثة (٢) ونصَب السبَّابة (٣). وفي لفظ: «وقبض أصابعه الثلاث، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى»، ذكره مسلم (٤) عن ابن عمر. وقال وائل بن حجر: «جعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلَّق حلقةً، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحرِّكها يدعو بها»، وهو في «السنن» (٥). وفي حديث ابن عمر في «صحيح مسلم» (٦): «وعقد ثلاثًا وخمسين».

стр. 444

وهذه الروايات كلُّها واحدة، فإن من قال: «قبض أصابعه الثلاث» أراد به أن الوسطى كانت مضمومةً لم تكن منشورةً كالسَّبَّابة. ومن قال: «وقبض (١) ثنتين من أصابعه» أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضةً (٢) مع البِنْصِر، بل الخِنْصِر والبِنْصِر متساويتان في القبض دون الوسطى. وقد صرَّح بذلك من قال: «وعقد ثلاثًا وخمسين»، فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومةً، ولا تكون مقبوضةً مع البنصر. وقد استشكل كثير من الفضلاء هذا، إذ عقدُ ثلاثة (٣) وخمسين لا يلائم واحدةً من الصفتين المذكورتين، فإن الخنصر لا بد أن تركب البنصر في هذا العقد (٤). وقد أجاب عن هذا بعض الفضلاء بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: قديمةٌ، وهي التي ذُكِرت في حديث ابن عمر، تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومةً مع تحليق الإبهام مع الوسطى. وحديثةٌ، وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب. والله أعلم. وكان يبسط ذراعه على فخذه ولا يجافيها، فيكون حدُّ مرفقه عند آخر فخذه، وأما اليسرى فمبسوطة (٥) الأصابع على الفخذ اليسرى.

стр. 445

وكان يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه، وفي ركوعه، وفي سجوده، وفي تشهُّده. ويستقبل أيضًا بأصابع رجليه القبلة في سجوده. وكان يقول في كلِّ ركعتين: التحية. وأما المواضع التي كان يدعو فيها في الصلاة فسبعة مواطن. أحدها: بعد تكبيرة الإحرام في محلِّ الاستفتاح. الثاني: قبل الركوع وبعد الفراغ من القراءة في الوتر، والقنوت العارض (١) في الصبح، إن صحَّ عنه ذلك, فإنَّ فيه نظرًا (٢). الثالث: بعد الاعتدال من الركوع, كما ثبت ذلك في «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن أبي أوفى: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربَّنا لك الحمد، ملءُ السماوات وملءُ الأرض، وملءُ ما شئت من شيء بعد. اللهمَّ طهِّرني بالثلج والبرد والماء البارد. اللهمَّ طهِّرني من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الوسخ» (٣). الرابع: في ركوعه كان يقول: «سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك. اللهمَّ اغفر لي» (٤). الخامس: في سجوده، وفيه كان غالب دعائه.

стр. 446

السادس: بين السجدتين. السابع: بعد التشهُّد وقبل السلام. وبذلك أمَر في حديث أبي هريرة وحديث فَضالة بن عبيد (١)، وأمَر أيضًا بالدعاء في السجود. وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبلَ القبلة أو المأمومين (٢)، فلم يكن ذلك من هديه أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن (٣). وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعله هو ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته؛ وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السنة بعدهما. والله أعلم. وعامَّة الأدعية المتعلِّقة بالصلاة إنما فعَلها فيها وأمرَ بها فيها. وهذا هو اللائق بحال المصلِّي، فإنه مقبل على ربِّه، يناجيه ما دام في الصلاة. فإذا سلَّم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه. فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا (٤) الحال هو الأولى بالمصلي، إلا أن هاهنا نكتةً لطيفةً، وهي أنَّ المصلِّي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلَّله وسبَّحه وحمِده وكبَّره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استُحِبَّ له أن

стр. 447

يصلِّي على النبي ﷺ بعد ذلك، ويدعو بما شاء. ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة (١)؛ فإنَّ كلَّ من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلَّى على رسوله ﷺ استُحِبَّ له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فَضالة بن عبيد (٢): «إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبيِّ ﷺ ، ثم ليدعُ بعدُ ما شاء»، قال الترمذي: حديث صحيح. فصل ثم كان ﷺ يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك (٣). هذا كان فعله الرَّاتب رواه عنه خمسة عشر صحابيًّا، وهم (٤):

стр. 448

عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقَّاص، وسهل بن سعد الساعدي، ووائل بن حُجْر، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وعمَّار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمُرة، والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشعري، وطَلْق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رِمْثة، وعدي بن عُمَيرة (١). وقد روي عنه أنه كان يسلِّم تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه (٢)، لكن لم يثبت

стр. 449

ذلك عنه من وجه صحيح. وأجود ما فيه حديث عائشة أنه ﷺ كان يسلِّم تسليمةً واحدةً: «السلام عليكم» يرفع بها صوته حتى يوقظنا. وهو حديثٌ معلولٌ (١)، وهو في «السنن» (٢) لكنه كان في قيام الليل. والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض والنفل؛ على أن حديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على التسليمة الواحدة، بل أخبرت أنه كان يسلِّم تسليمةً (٣) يوقظهم بها، ولم تَنْفِ الأخرى، بل سكتت عنها. وليس سكوتها عنها مقدَّمًا على رواية من حفظها وضبطها. وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصحُّ، وكثيرٌ من أحاديثهم صحيحة، والباقي حسانٌ. قال أبو عمر بن عبد البرِّ (٤): روي عن النبي ﷺ أنه كان يسلِّم تسليمةً واحدةً من حديث سعد بن أبي وقَّاص، ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس؛ إلا أنها معلولةٌ لا يصحِّحها (٥) أهل العلم بالحديث. ثم ذكر علَّة حديث سعد أنَّ النبيَّ ﷺ كان يسلِّم في الصلاة تسليمةً واحدةً (٦)، وقال: هذا

стр. 450

وهمٌ وغلطٌ، وإنما الحديث: «كان رسول الله ﷺ يسلِّم عن يمينه وعن يساره» (١). ثم ساق من طريق ابن المبارك (٢)، عن مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يسلِّم عن يمينه وعن شماله (٣)، كأني أنظر إلى صفحة خدِّه»، فقال الزُّهريُّ: ما سمعنا هذا من حديث رسول الله ﷺ . فقال له إسماعيل بن محمد: أكُلَّ حديث رسول الله ﷺ قد سمعتَه؟ قال: لا. قال: فنصفه؟ قال: لا. قال: فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع! (٤). قال: وأما حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يسلم تسليمةً واحدةً فلم يرفعه أحدٌ إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره. وزهير بن محمد ضعيفٌ عند الجميع،

стр. 451

كثير الخطأ لا يُحتجُّ به. وذُكِر ليحيى بن معين هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما. قال: وأما حديث أنس (١)، فلم يأت إلا من طريق أيوب السَّختياني عن أنس، ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئًا (٢). قال: وقد روي [من] (٣) مرسل الحسن (٤) أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يسلِّمون تسليمةً واحدةً. وليس مع القائلين بالتسليمة غير عمل أهل المدينة. قالوا (٥): وهو عملٌ قد توارثوه كابرًا عن كابر، ومثله يصحُّ الاحتجاج به، لأنه لا يخفى لوقوعه في كلِّ يوم مرارًا. وهذه طريقةٌ قد خالفهم فيها سائر الفقهاء، والصواب معهم. والسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ لا تُدفَع ولا تُرَدُّ لعمل أحد (٦) كائنًا من كان. وقد

стр. 452

أحدث الأمراء بالمدينة وغيرها في الصلاة أمورًا استمرَّ عليها العمل، ولم يُلتفَت إلى استمراره. وعملُ أهل المدينة الذي يُحْتَجَّ به ما كان في زمن الخلفاء الراشدين. وأما عملهم بعد موتهم وبعد انقراض عصر من بها من الصحابة، فلا فرق بينه وبين عمل غيرهم. والسُّنَّةُ تحكم بين الناس، لا عملُ أحدٍ بعد رسول الله ﷺ وخلفائه. وبالله التوفيق. فصل وكان ﷺ يدعو في صلاته فيقول: «اللهمَّ إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجَّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. اللهمَّ إني أعوذ بك من المغرم والمأثم» (١). وكان يقول في صلاته أيضًا: «اللهمَّ اغفر لي ذنبي، ووسِّع لي في ذاتي (٢)، وبارك لي فيما رزقتني» (٣).

стр. 453

وكان يقول: «اللهمَّ إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد. وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك. وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا. وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم» (١). وكان يقول في سجوده: «ربِّ أعطِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها» (٢). وقد تقدَّم ذكرُ بعض ما كان يقوله في ركوعه وسجوده وجلوسه واعتداله في الركوع.

стр. 454

فصل والمحفوظ في أدعيته ﷺ في الصلاة كلِّها بلفظ الإفراد كقوله: «ربِّ اغفر لي، وارحَمْني، واهدِني» (١). وسائر الأدعية المحفوظة عنه فيها (٢). ومنها قوله في دعاء الاستفتاح: «اللهمَّ اغسلني من خطاياي بالثلج والماء البارد (٣)، اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي ... » الحديث (٤). وروى الإمام أحمد وأهل «السنن» (٥) من حديث ثوبان عن النبي ﷺ : «لا يؤمَّ عبدٌ قومًا فيخُصَّ نفسَه بدعوة، فإن فعَل فقد خانهم»، فقال ابن خزيمة في «صحيحه» (٦)، وقد ذكر حديث «اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي ... » الحديث، قال: في هذا دليلٌ على ردِّ الحديث الموضوع «لا يؤمَّ عبدٌ قومًا فيخُصَّ نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم». وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام

стр. 455

لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه، كدعاء القنوت ونحوه (١). والله أعلم. فصل وكان ﷺ إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه. ذكره الإمام أحمد (٢). وكان في التشهُّد لا يجاوز بصرُه إشارتَه، وقد تقدَّم. وكان قد جعل الله تعالى قرَّة عينه ونعيمه وسروره وروحه في الصلاة، فكان (٣) يقول: «يا بلال، أَرِحْنا بالصلاة» (٤). وكان يقول: «جُعِلَتْ قرَّةُ عيني في الصلاة» (٥). ومع هذا، فلم يكن يشغله ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال

стр. 456

المأمومين وغيرهم، مع كمال إقباله، وقربه من الله، وحضور قلبه بين يديه، واجتماعه عليه. فكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي، فيخفِّفها مخافةَ أن يشُقَّ على أمِّه (١). وأرسل مرةً فارسًا طليعةً له، فقام يصلِّي وجعل يلتفت إلى الشعب الذي يجيء منه الفارس (٢)، ولم يشغله ما هو فيه عن مراعاة حال فارسه. وكذلك كان يصلِّي الفرض وهو حاملٌ أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنة ابنته على عاتقه، إذا قام حملها، وإذا ركع وسجد وضعها (٣). وكان يصلِّي، فيجيء الحسن أو الحسين (٤)، فيركب ظهره، فيطيل السجدة كراهة (٥) أن يلقيه عن ظهره (٦). وكان يصلِّي، فتجيء عائشة من حاجتها والباب مغلقٌ، فيمشي فيفتح لها الباب، ثم يرجع إلى مصلَّاه (٧) (٨).

стр. 457

وكان يردُّ السلام بالإشارة على من يسلِّم عليه وهو في الصلاة، فقال جابر: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، ثم أدركتُه وهو يصلِّي، فسلَّمت عليه (١)، فأشار إليَّ. ذكره مسلم في «صحيحه» (٢). وقال أنس: كان النبيُّ ﷺ يشير في الصلاة. ذكره أحمد (٣). وقال صهيب: مررتُ برسول الله ﷺ وهو يصلِّي، فسلَّمتُ عليه، فردَّ إشارةً. قال الراوي: لا أعلم (٤) إلا قال: إشارةً بإصبعه. وهو في «السنن» و «المسند» (٥).

стр. 458

وقال عبد الله بن عمر: خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلِّي فيه. قال: فجاءته الأنصار، فسلَّموا عليه وهو يصلِّي. قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يردُّ عليهم حين كانوا يسلِّمون عليه وهو يصلِّي؟ قال: يقول هكذا. وبسط جعفر بن عون كفَّه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. وهو في «السنن» و «المسند» (١). وصححه الترمذي ولفظه: كان يشير بيده. وقال عبد الله بن مسعود: لما قدِمتُ من الحبشة أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو يصلي، فسلَّمتُ عليه، فأومأ برأسه. ذكره البيهقي (٢). وأما حديث أبي غطفان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أشار في صلاته إشارةً تُفْهَم عنه فَلْيُعِدْ صلاته» فحديثٌ باطلٌ، ذكره الدارقطني (٣)

стр. 459

وقال: قال لنا ابن أبي داود: «أبو غطفان هذا رجلٌ مجهولٌ (١)، والصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يشير في الصلاة رواه أنس وجابر وغيرهما». والله أعلم. وكان ﷺ يصلِّي، وعائشةُ معترضةٌ بينه وبين القبلة، فإذا سجد غمَزها بيده فقبضت رجليها، فإذا (٢) قام بسطتهما (٣). وكان ﷺ يصلي، فجاءه الشيطان ليقطع عليه صلاته، فأخذه، فخنَقَه حتى سال لعابه على يده (٤). وكان يصلِّي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة نزل القهقرى، فسجد على الأرض، ثم صعد عليه (٥). وكان يصلِّي إلى جدار، فجاءت بَهْمَةٌ تمرُّ بين يديه (٦)، فما زال يدارئها

стр. 460

حتى لصِق بطنه بالجدار، ومرَّت من ورائه (١). يدارئها: يفاعلها من المدارأة وهي المدافعة. وكان يصلِّي، فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما بيديه، فنزع إحداهما من الأخرى، وهو في الصلاة (٢). ولفظ أحمد (٣) فيه: فأخذتا بركبتي النبي ﷺ ، ففرَّع (٤) بينهما ــ أو فرَّق بينهما ــ ولم ينصرف. وكان يصلِّي، فمرَّ بين يديه غلامٌ، فقال بيده هكذا، فرجع. فمرَّت بين يديه جاريةٌ، فقال بيده هكذا، فمضت. فلما صلَّى رسول الله ﷺ قال: «هنَّ أغلب». ذكره الإمام أحمد (٥). وكان ينفخ في صلاته. ذكره الإمام أحمد، وهو في «السنن» (٦). وأما
следующие страницы →