← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ثم كان يقبل على المأمومين بوجهه (١)، ولا يخُصُّ ناحيةً منهم دون ناحية. وكان إذا صلَّى الفجر، جلس في مصلَّاه حتى تطلع الشمس حسنًا (٢). وكان يقول في دبر كلِّ صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قديرٌ. اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (٣). وكان يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه. له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن. لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» (٤). وذكر أبو داود (٥) عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ كان إذا سلَّم من الصلاة قال: «اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به منِّي. أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت».

стр. 492

هذا قطعةٌ من حديث عليٍّ الطويل الذي رواه مسلم (١) في استفتاحه ﷺ ، وما كان يقوله (٢) في ركوعه وسجوده. ولمسلم فيه لفظان، أحدهما (٣): أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقوله بين التشهُّد والتسليم، وهذا هو الصواب. والثاني (٤): كان يقوله بعد السلام. ولعله كان يقوله في الموضعين. والله أعلم. وذكر الإمام أحمد (٥) عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كلِّ صلاة: «اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنَّك الرَّبُّ وحدك لا شريك لك. اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنَّ محمَّدًا عبدك ورسولك. اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنَّ العباد كلَّهم إخوةٌ. اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، اجعلني مخلصًا لك وأهلي في كلِّ ساعة من الدنيا والآخرة. يا ذا الجلال والإكرام، اسمَعْ واستَجِبْ. الله الأكبر الأكبر، الله نور السماوات والأرض، الله (٦) الأكبر الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله الأكبر الأكبر». ورواه أبو داود.

стр. 493

وندب أمَّتَه إلى أن يقولوا في دبر كلِّ صلاة: «سبحان الله» ثلاثًا وثلاثين و «الحمد لله» كذلك، و «الله أكبر» كذلك. وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ (١). وفي صفة أخرى: التكبير أربعًا وثلاثين فتتم به المائة (٢). وفي صفة أخرى: خمسًا وعشرين تسبيحةً، ومثلها تحميد، ومثلها تكبير (٣)، ومثلها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ (٤). وفي صفة أخرى: عشر تسبيحات، وعشر تحميدات، وعشر تكبيرات (٥). وفي صفة أخرى: إحدى عشرة كما في «صحيح مسلم» (٦) في بعض

стр. 494

روايات حديث أبي هريرة: «تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون (١) دبرَ كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة= فذلك ثلاثةٌ وثلاثون». والذي يظهر في هذه الصفة أنها من تصرُّف بعض الرواة وتفسيره، لأن لفظ الحديث: «تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون دبر كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين» (٢). وإنما مراده بهذا أن تكون الثلاث والثلاثون في كلِّ واحدة من (٣) كلمات التسبيح والتكبير والتحميد (٤). أي تقولوا (٥): سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، لأن راوي الحديث سميٌّ عن أبي صالح السَّمَّان، وبذلك فسَّره له أبو صالح فقال: تقول: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر»، حتى يكون منهن كلِّهن ثلاثٌ وثلاثون. وأما تخصيصه بإحدى عشرة فلا نظير له في شيء من الأذكار، بخلاف المائة، فإن لها نظائر، والعشرة لها نظائر أيضًا، كما في «السنن» (٦) من حديث

стр. 495

أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: «من قال في دبر صلاة الفجر، وهو ثانٍ رجليه، قبل أن يتكلَّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت, وهو على كلِّ شيء قديرٌ= عشر مرَّات، كُتِبت (١) له عشرُ حسنات، ومُحِي عنه عشرُ سيِّئات، ورُفِع له عشرُ درجات، وكان يومه ذلك كلَّه في حِرْزٍ من كلِّ مكروه، وحُرِس من الشيطان، ولم ينبغِ للذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله». قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ. وفي «مسند الإمام أحمد» (٢) من حديث أمِّ سلَمة أنه ﷺ علَّم ابنته فاطمة لما جاءته تسأله الخادم أن تسبِّح الله عند النوم ثلاثًا وثلاثين، وتحمِّده ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّره أربعًا وثلاثين (٣). وإذا صلَّت الصبح أن تقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد (٤)، وهو على كل شيء قديرٌ»، عشر مرات، وبعد صلاة المغرب عشر مرَّات. وفي «صحيح ابن حبان» (٥) عن أبي أيوب الأنصاري يرفعه: «من قال إذا

стр. 496

أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قديرٌ= عشرَ مرَّات، كُتِب له بهن عشرُ حسنات، ومُحِي عنه بهنَّ عشرُ سيِّئات، ورُفع له بهنَّ عشرُ درجات، وكُنَّ له عَدْلَ عَتاقةِ أربع رقاب، وكنَّ له حرَسًا من الشيطان حتى يمسي. ومن قالهن إذا صلَّى المغرب دبرَ صلاته فمثلُ ذلك حتى يصبح». وقد تقدَّم قول النَّبيِّ ﷺ في الاستفتاح: «الله أكبر عشرًا، والحمد لله عشرًا، وسبحان الله عشرًا، ولا إله إلا الله عشرًا، ويستغفر الله عشرًا، ويقول: اللهم اغفر لي، واهدني وارزقني عشرًا، ويتعوَّذ من ضيق يوم القيامة عشرًا». فالعشر في الأذكار والدعوات كثيرةٌ. وأما الإحدى عشرة فلم يجئ ذكرها في شيء من ذلك البتة، إلا في بعض طرق حديث أبي هريرة المتقدِّم، فالله (١) أعلم.

стр. 497

وقد ذكر أبو حاتم في «صحيحه» (١) أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول عند انصرافه من صلاته: «اللهمَّ أصلِحْ لي ديني الذي جعلتَه عِصْمةَ أمري، وأصلِحْ لي دنياي التي جعلتَ فيها معاشي، اللهمَّ إنِّي أعوذ برضاك من سَخَطك، وأعوذ بعفوك من نِقْمتك، وأعوذ بك منك، لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ». وذكر الحاكم في «مستدركه» (٢) عن أبي أيوب أنه قال: ما صلَّيتُ وراء نبيِّكم ﷺ إلا سمعتُه حين ينصرف من صلاته يقول: «اللهمَّ اغفر لي خطاياي وذنوبي كلَّها. اللهمَّ انعَشْني (٣) وأَحْيِني وارزقني، واهْدِني لصالح الأعمال

стр. 498

والأخلاق، إنه لا يهدي لصالحها ولا يَصْرف سيِّئَها (١) إلا أنت». وذكر ابن حِبَّان في «صحيحه» (٢) عن الحارث بن مسلم التميمي قال: قال لي النبي ﷺ : «إذا صلَّيتَ الصبح فقل قبل أن تتكلَّم: اللهمَّ أَجِرْني من النار، سبع مرَّات، فإنك إن متَّ من يومك كتب الله لك جوارًا من النار. وإذا صلَّيت المغرب، فقل قبل أن تتكلَّم: اللهمَّ أجِرْني من النار، سبع مرات؛ فإنك إن متَّ من ليلتك كتَب الله لك جوارًا من النار (٣)». وقد ذكر النَّسائي في «الكبير» (٤) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله

стр. 499

- ﷺ : «من قرأ آية الكرسي في دبر كلِّ صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت». هذا الحديث تفرَّد به محمد بن حِمْيَر عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة، رواه النسائي عن الحسين بن بشر، عن محمد بن حِمْيَر. وهذا الحديث من الناس من يصحِّحه (١)، ويقول: الحسين بن بشر (٢) قد قال فيه النسائي: لا بأس به، وفي موضع وثَّقه (٣). وأما المحمَّدان، فاحتجَّ بهما البخاري في «صحيحه». قالوا: فالحديث على رسمه. ومنهم من يقول: بل (٤) هو موضوعٌ. وأدخله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه في «الموضوعات» (٥)، وتعلَّق على محمَّد بن حِمْيَر، وأن أبا حاتم الرَّازي قال: لا يحتجُّ به، وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقويّ. فأنكر ذلك

стр. 500

عليه بعضُ الحفاظ (١)، ووثَّقوا محمدًا، وقالوا: هو أجلُّ من أن يكون له حديثٌ موضوعٌ، وقد احتجَّ به أجلُّ من صنَّف في الصحيح وهو البخاري، ووثَّقه أشدُّ الناس مقالةً في الرجال: يحيى بن معين. وقد رواه الطبراني في «معجمه» (٢) أيضًا من حديث عبد الله بن حسن بن حسن (٣) عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمَّة الله إلى الصلاة الأخرى». وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عُمَر (٤)، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك (٥). وفيها كلِّها

стр. 501

ضعفٌ، ولكن إذا انضمَّ بعضها إلى بعض، مع تباين (١) طرقها واختلاف مخارجها، دلَّت على أن الحديث له أصلٌ وليس بموضوع. وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدَّس الله روحه أنه قال: ما تركتُها عَقيبَ كلِّ صلاة (٢). وفي «المسند» و «السنن» (٣) عن عُقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله

стр. 502

- ﷺ : أن أقرأ بالمعوِّذات في دبر كلِّ صلاة. ورواه أبو حاتم ابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحٌ على شرط مسلم. ولفظ الترمذي: «بالمعوِّذتين». وفي «معجم الطبراني» و «مسند أبي يعلى الموصلي» (١) من حديث عمر بن نبهان ــ وقد تُكُلِّم فيه ــ عن جابر يرفعه: «ثلاثٌ مَن جاء بهن مع الإيمان، دخل من أيِّ أبواب الجنة شاء، وزُوِّج من الحُور العِين حيث شاء: من عفا عن قاتله، وأدَّى دَينًا خفيًّا، وقرأ في دبر كلِّ صلاة مكتوبة عشر مرَّات: قل هو الله أحد». فقال أبو بكر: أو إحداهنَّ يا رسول الله: قال: «أو إحداهنَّ». وأوصى معاذًا أن يقول في دبر كلِّ صلاة: «اللهمَّ أعنِّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» (٢). و «دبر الصلاة» هنا يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجِّح أن

стр. 503

يكون قبل السلام، فراجعتُه فيه، فقال: دبر الشيء منه، كدبر الحيوان (١). فصل وكان رسول الله ﷺ إذا صلَّى إلى الجدار جعل بينه وبينه قدر ممَرِّ الشاة (٢). ولم يكن يتباعد منه، بل أمَر بالقرب من السترة (٣). وكان إذا صلَّى إلى عود أو عمود أو شجرة جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يصمُد له صَمْدًا (٤). وكان يركُز الحَرْبة في السَّفر والبرِّيَّة، فيصلِّي إليها فتكون سترته (٥). وكان يعرِّض راحلته (٦)، فيصلِّي إليها. وكان يأخذ الرَّحْلَ فيعدِّله،

стр. 504

فيصلِّي إلى آخرته (١)، وأمر المصلِّيَ أن يستتر ولو بسهم أو عصًا، فإن لم يجد فليخُطَّ خطًّا بالأرض (٢). وقال أبو داود (٣): سمعت أحمد بن حنبل يقول: الخَطُّ عرضًا مثل الهلال. وقال عبد الله بن داود (٤): الخَطُّ بالطول. وأما العصا، فتُنْصَب نصبًا.

стр. 505

فإن لم تكن (١) سترةٌ فإنه صحَّ عنه أنه يقطع صلاته (٢) المرأة والحمار والكلب الأسود. ثبت ذلك عنه من رواية أبي ذرٍّ وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفَّل (٣). ومُعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيحٌ غير صريح، وصريحٌ غير صحيح، فلا يُترَك (٤) لمعارضٍ هذا شأنه. وكان يصلِّي وعائشة نائمةٌ في قبلته (٥)، وذلك ليس كالمارِّ، فإنَّ الرَّجل يحرم عليه المرورُ بين يدي المصلِّي، ولا يُكرَه له أن يكون لابثًا بين يديه. وهكذا المرأة يقطع مرورُها الصلاة، دون لبثها. والله أعلم.

стр. 506

فصل في هديه ﷺ في السنن الرواتب كان ﷺ يحافظ على عشر ركعات في الحضر (١) دائمًا، وهي التي قال فيها ابن عمر: حفظتُ من النَّبيِّ ﷺ عشرَ ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح (٢). فهذه لم يكن يدعها في الحضر أبدًا. ولما فاتته الركعتان (٣) بعد الظهر قضاهما بعد العصر، وداوم عليهما (٤)، لأنه كان إذا عمِل عملًا أثبته. فقضاءُ السُّنن الرواتب في أوقات النهي عامٌّ له ولأمته، وأمَّا المداومة على تلك الركعتين (٥) في وقت النهي، فخاصٌّ به، كما سيأتي تقرير ذلك في ذكر خصائصه إن شاء الله. وكان يصلِّي أحيانًا قبل الظهر أربعًا كما في «صحيح البخاري» (٦) عن عائشة أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة. فإما أن يقال: إنه ﷺ كان إذا صلَّى في بيته صلَّى أربعًا، وإذا صلَّى في المسجد صلَّى

стр. 507

ركعتين، وهذا أظهر. وإما أن يقال: كان يفعل هذا وهذا، فحكى كلٌّ من عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد منهما. وقد يقال: إنَّ هذه الأربع لم تكن سنَّة الظهر، بل هي صلاةٌ مستقلَّةٌ كان يصلِّيها بعد الزوال، كما ذكره الإمام أحمد (١) عن عبد الله بن السائب أن رسول الله ﷺ كان يصلِّي أربعًا بعد أن تزول الشمس، وقال: «إنَّها ساعةٌ تُفْتَح فيها أبوابُ السماء، وأُحِبُّ أن يصعَد لي فيها عملٌ صالحٌ». وفي «السنن» (٢) أيضًا عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا لم يصلِّ أربعًا قبل الظهر صلَّاهن بعدها. وقال ابن ماجه: كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلَّاها بعد الركعتين بعد العصر (٣).

стр. 508

وفي «الترمذي» (١) عن علي بن أبي طالب قال: كان النَّبيُّ ﷺ يصلِّي قبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين. وذكر ابن ماجه (٢) عن عائشة أيضًا: كان رسول الله ﷺ يصلِّي أربعًا قبل الظهر، يطيل فيهنَّ القيام، ويُحسِن فيهنَّ الركوع والسجود. فهذه ــ والله أعلم ــ هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدَعُهنَّ. وأما سنَّة الظُّهر، فالركعتان اللتان قال عبد الله بن عمر.

стр. 509

ويوضِّح هذا (١): أنَّ سائر الصلوات سُنَنُها (٢) ركعتان ركعتان. والفجر مع كونها ركعتين، والناس في وقتها أفرَغُ ما يكونون (٣)، ومع هذا سنَّتها ركعتان. وعلى هذا، فتكون هذه الأربع قبل الظهر وردًا مستقلًّا (٤) سببهُ (٥) انتصاف النهار وزوال الشمس. وكان عبد الله بن مسعود يصلِّي بعد الزوال ثمان ركعات، ويقول: إنَّهنَّ يُعْدَلن بمثلهنَّ من قيام الليل (٦). وسرُّ هذا ــ والله أعلم ــ أنَّ انتصافَ النهار مقابلٌ لانتصاف الليل، وأبوابُ السماء تُفْتَح بعد زوال الشمس، ويحصُل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل. فهما وقتا قرب ورحمة، هذا تُفْتَح فيه أبوابُ السماء، وهذا ينزل فيه الرَّبُّ ﵎ إلى سماء الدنيا. وقد روى مسلم في «صحيحه» (٧) من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلَّى اثنتي عشرة ركعةً في يوم وليلة بُنِي له (٨) بهنَّ بيتٌ في الجنة». زاد الترمذي والنسائي (٩) فيه: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين

стр. 510

بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر». قال النسائي: «وركعتين قبل العصر» بدل ركعتين بعد العشاء، وصحَّحه الترمذي. وذكر ابن ماجه (١) عن عائشة ترفعه: «من ثابر على ثنتي عشرة ركعةً من السُّنَّة، بُني له بيتٌ في الجنَّة: أربعٍ (٢) قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر (٣)، وركعتين بعد المغرب (٤)، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل

стр. 511

الفجر». وذكر أيضًا عن أبي هريرة (١) عن النبي ﷺ نحوه، وقال: «ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعده، وركعتين أظنُّه قال: قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، أظنُّه قال: وركعتين بعد عشاء الآخرة». وهذا التفسير يحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة مدرجًا في الحديث، ويحتمل أن يكون من كلام النبي ﷺ مرفوعًا. والله أعلم. وأما الأربع قبل العصر، فلم يصحَّ عنه ﷺ في فعلها شيءٌ إلا حديث عاصم بن ضَمْرة عن عليٍّ، الحديث الطويل أنه ﷺ كان يصلِّي بالنهار ستَّ عشرةَ ركعةً: يصلِّي إذا كانت الشَّمْسُ من هاهنا كهيئتها من هاهنا كصلاة الظهر أربع ركعات، وكان يصلِّي قبل الظهر أربع ركعات، وبعد الظهر ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات (٢). وفي لفظ (٣): «كان إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر، صلَّى ركعتين. وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلَّى أربعًا. ويصلِّي قبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعًا. ويفصل بين كلِّ ركعتين بالتسليم على الملائكة المقرَّبين [والنبيِّين] (٤) ومن تبعهم من المؤمنين والمرسلين (٥)». وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيمية يُنكِر هذا الحديث ويدفعه جدًّا ويقول: إنه موضوعٌ، ويَذكُر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره (٦).

стр. 512

وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي (١) من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا». وقد اختلف في هذا الحديث، فصححه (٢) ابن حبان، وعلَّله غيره. فقال ابن أبي حاتم (٣): «سمعت أبي يقول: سألتُ أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنَّى عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «رحم الله من صلَّى قبل العصر أربعًا»، فقال: دع ذا. فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال: قال أبو الوليد: كان ابن عمر يقول: «حفظتُ عن النبيِّ ﷺ عشرَ ركعات في اليوم والليلة»، فلو كان هذا لعدَّه. قال أبي: كان يقول: حفظت اثنتي عشرة ركعةً». وهذا ليس بعلَّة أصلًا، فإن ابن عمر إنما أخبر عمّا حفظه من فعل النبي ﷺ ، لم يُخبر عن غير ذلك، فلا تنافي بين الحديثين البتة (٤). وأما الركعتان قبل المغرب، فلم ينقل عنه ﷺ أنه كان يصلِّيهما، وصحَّ

стр. 513

عنه أنه أقرَّ الصحابةَ (١) عليهما. وكان يراهم يصلُّونهما، فلم يأمرهم، ولم ينههم. وفي «الصحيحين» (٢) عن عبد الله المُزَني عن النبي ﷺ أنه قال: «صلُّوا قبل المغرب»، قال في الثالثة: «لمن شاء» كراهةَ أن يتخذها الناس سنَّةً. وهذا هو الصواب في هاتين الركعتين: أنهما مستحبَّتان (٣) مندوبٌ إليهما، وليستا (٤) بسنَّة راتبة كسائر السنن الرواتب. وكان يصلِّي عامَّةَ السُّنن والتطوُّع الذي لا سبب له في بيته، ولا سيما سنَّة المغرب، فإنه لم يُنقل عنه فعلُها في المسجد البتَّة. قال الإمام أحمد في رواية حنبل (٥): السنَّة أن يصلِّي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيته. كذا روي عن النبي ﷺ وأصحابه. قال السائب بن يزيد (٦): لقد رأيت الناس في زمن عمر بن الخطاب، إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعًا، حتى لا يبقى في المسجد أحدٌ، كأنَّه (٧) لا يصلُّون بعد المغرب حتى يصيروا إلى أهليهم. انتهى كلامه. فإن صلَّى الركعتين في المسجد، فهل يجزئ عنه، وتقع موقعها؟

стр. 514

اختلف قوله، فروى عنه ابنه عبد الله (١) أنه قال: بلغني عن رجل سمَّاه أنه قال: لو أنَّ رجلًا صلَّى الركعتين بعد المغرب في المسجد ما أجزأه. فقال: ما أحسن ما قال هذا الرجل، وما أجود ما انتزع! قال أبو حفص: ووجُهه أمرُ النَّبيِّ ﷺ . يعني: بهذه الصلاة في البيوت. وقال له المرُّوذي (٢): من صلَّى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيًا؟ قال: ما أعرف هذا. قلتُ له: يُحكى عن أبي ثور أنه قال: هو عاصٍ. قال: لعله ذهب إلى قول النَّبيِّ ﷺ : «اجعلوها في بيوتكم» (٣). قال أبو حفص: ووجهُه أنه لو صلَّى الفرض في البيت وترك المسجد أجزأه، فكذلك السنَّة. انتهى كلامه. وليس هذا وجهه عند أحمد، وإنما وجهُه أنَّ السنن لا يشترط لها مكانٌ معيَّن ولا جماعة، فيجوز فعلها في البيت والمسجد. والله أعلم. وفي سنَّة المغرب سنَّتان، إحداهما: أن لا يُفصَل بينها وبين المغرب بكلام. قال أحمد في رواية الميموني والمرُّوذي: يُستحبُّ أن لا يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى أن يصلِّيهما كلام. وقال الحسن بن محمد: رأيت أحمد إذا سلَّم من صلاة المغرب قام ولم يتكلَّم، ولم يركع في المسجد قبل أن يدخل الدار. قال أبو حفص: ووجهُه قول مكحول: قال رسول الله ﷺ :

стр. 515

«من صلَّى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلَّم، رُفِعت صلاته في عِلِّيِّين» (١)؛ ولأنه يصِل النفلَ بالفرض (٢). انتهى كلامه. والسنَّة الثانية: أن تُفعَل في البيت. فقد روى النسائي وأبو داود والترمذي (٣) من حديث كعب بن عُجْرة أنَّ النبيَّ ﷺ أتى مسجد بني عبد الأشهل، فصلَّى فيه المغرب. فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبِّحون بعدها فقال: «هذه صلاة البيوت». ورواه ابن ماجه (٤) من حديث رافع بن خَديج وقال فيه: «اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم».

стр. 516

والمقصود أنَّ هديَ النبيِّ ﷺ فعلُ عامَّة السُّنَن والتطوُّع في بيته، كما في «الصحيحين» (١) عن ابن عمر: حفظتُ من النَّبيِّ ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، [وركعتين قبل صلاة الصبح] (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣) عن عائشة قالت: كان النَّبيُّ ﷺ يصلي في بيتي أربعًا قبل الظهر، ثم يخرج فيصلِّي بالناس. ثم يدخل، فيصلِّي ركعتين. وكان يصلِّي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلِّي ركعتين. ويصلِّي (٤) بالناس العشاء، ويدخل (٥) بيتي فيصلِّي ركعتين. وكذلك المحفوظ عنه في سنَّة الفجر، إنما كان يصلِّيها في بيته كما قالت حفصة (٦). وفي «الصحيحين» (٧) عن حفصة وابن عمر (٨) أنه ﷺ كان يصلِّي

стр. 517

ركعتين بعد الجمعة في بيته. وسيأتي الكلام على ذكر سنَّة الجمعة بعدها والصلاة قبلها عند ذكر هديه في الجمعة إن شاء الله. وهذا موافقٌ لقوله ﷺ : «أيها النَّاسُ صلُّوا في بيوتكم، فإنَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (١). وكان هديه ﷺ فعل السُّنن والتطوُّع في البيت إلا لعارض، كما أنَّ هديه كان فعل الفرائض في المسجد إلا لعارض من سفر أو مرض أو غيره مما يمنعه من المسجد. وكان تعاهده ومحافظته على سنَّة الفجر أشدَّ من جميع النوافل. ولذلك لم يكن يدَعها هي والوتر حضرًا ولا سفرًا، وكان في السفر يواظب على سنَّة الفجر والوتر (٢) دون سائر السنن (٣)، ولم يُنقل عنه في السفر أنه ﷺ صلَّى سنَّةً راتبةً غيرهما. وكذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين، ويقول: سافرتُ مع رسول الله (٤) ﷺ وأبي بكر وعمر، فكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين (٥). وهذا وإن احتمل أنهم لم يكونوا يربِّعون، لا أنهم (٦) لم يصلُّوا السنَّة؛ لكن قد

стр. 518

ثبت عن ابن عمر أنه سئل عن سنَّة الظهر في السفر فقال: لو كنت مسبِّحًا لأتممتُ (١). وهذا من فقهه ﵁، فإن الله سبحانه خفَّف عن المسافر (٢) من الرباعية (٣) شطرها، فلو شُرع له الركعتان قبلها وبعدها كان الإتمام أولى له. وقد اختلف الفقهاء: أيُّ الصلاتين آكد: سنَّة الفجر أو الوتر؟ على قولين: ولا يمكن الترجيح باختلاف الناس في وجوب الوتر، فقد اختلفوا أيضًا في وجوب سنَّة الفجر. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سنَّة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته. ولذلك كان يصلِّي سنَّة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص (٤)، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد. انتهى. فسورة (قل هو الله أحدٌ) متضمنةٌ لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرَّبِّ تعالى من الأحديَّة المنافية لمطلق الشَّرِكة (٥) بوجه من الوجوه، والصَّمديَّة المثبِتة له جميعَ صفات الكمال الذي لا يلحقه نقصٌ بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم صمديَّته (٦) وغناه وأحديَّته، ونفي الكُفْء المتضمِّن لنفي التشبيه والتمثيل والنظير. فتضمَّنت السورةُّ إثباتَ كلِّ كمال له، ونفيَ كلِّ نقص عنه، ونفيَ إثبات شبيه له أو مثل في

стр. 519

كماله، ونفيَ مطلق الشريك عنه. وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي (١) الذي يباين صاحبُه جميعَ فِرَق الضلال والشرك. ولذلك كانت تعدِل ثلثَ القرآن، فإنَّ القرآن مداره على الخبر والإنشاء. والإنشاء ثلاثةٌ: أمرٌ، ونهيٌ، وإباحةٌ. والخبر نوعان: خبرٌ عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبرٌ عن خلقه. فأُخلِصت سورة الإخلاص للخبر عنه، وعن أسمائه، وصفاته، فعدَلت ثلثَ القرآن، وخلَّصت قارئها المؤمنَ بها من الشرك العلمي، كما خلَّصته سورة (قل ياأيها الكافرون) من الشرك العملي الإرادي القصدي. ولما كان العلم قبل العمل، وهو إمامه، وقائده وسائقه، والحاكم عليه، ومُنزِلُه منازلَه، كانت سورة (قل هو الله أحدٌ) تعدِل ثلثَ القرآن. والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر. وسورة (قل ياأيها الكافرون) تعدِل ربعَ القرآن، والحديث بذلك في الترمذي (٢) من رواية ابن عباس يرفعه: «(إذا زلزلت) تعدل نصف القرآن و (قل هو الله أحدٌ) تعدل ثلث القرآن، و (قل ياأيها الكافرون) تعدل ربع القرآن». ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد. ولما كان الشركُ العمليُّ الإراديُّ أغلبَ على النفوس لأجل متابعتها هواها، وكثيرٌ منها ترتكبه (٣) مع علمها بمضرَّته وبطلانه، لما لها فيه من نيل الأغراض، وإزالتُه وقلعُه منها أصعب وأشدُّ من قلعِ الشرك العلمي وإزالته،

стр. 520

لأنَّ هذا يزول بالعلم والحجَّة، ولا يمكن صاحبَه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه؛ بخلاف شرك الإرادة والقصد، فإنَّ صاحبه يرتكب ما يدلُّه العلم على بطلانه وضرره، لأجل غلبة هواه، واستيلاء سلطان (١) الشهوة والغضب على نفسه. فجاء من التأكيد (٢) والتكرير في سورة (قل ياأيها الكافرون) المتضمِّنة لإزالة الشرك العملي، ما لم يجئ مثله في سورة (قل هو الله أحدٌ). ولما كان القرآن شطرين: شطرًا في الدنيا وأحكامها، ومتعلِّقاتها، والأمور الواقعة فيها من أفعال المكلَّفين وغيرها؛ وشطرًا في الآخرة وما يقع فيها، وكانت سورة (إذا زلزلت) قد أُخلِصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، فلم يذكر فيها إلا الآخرة وما يكون فيها من أحوال الأرض وسُكَّانها= كانت تعدل نصفَ القرآن، فأَحْرِ (٣) بهذا الحديث أن يكون صحيحًا. والله أعلم. ولهذا كان يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف (٤) , لأنهما سورتا الإخلاص والتوحيد، وكان (٥) يفتتِح بهما عملَ النهار، ويختمه (٦) بهما

стр. 521

(١)، ويقرأ بهما في الحجِّ الذي هو شعار التوحيد. فصل وكان ﷺ يضطجع بعد سنَّة الفجر على شِقِّه الأيمن. هذا الذي ثبت عنه في «الصحيحين» (٢) من حديث عائشة. وذكر الترمذي (٣) من حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: «إذا صلَّى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصُّبح، فليضطجع على جنبه الأيمن». قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. وسمعت (٤) شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: هذا باطلٌ، وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعلُ لا الأمرُ بها، وهذا انفرد به عبد الواحد بن زياد، وغلِط فيه (٥). انتهى. وذكر ابن أبي شيبة (٦) عن أبي الصدِّيق الناجي أنَّ ابن عمر رأى قومًا

стр. 522

اضطجعوا بعد ركعتي الفجر، فأرسل إليهم، فنهاهم. فقالوا: نريد بذلك السنَّة. فقال ابن عمر: ارجع إليهم، فأخبِرهم أنها بدعةٌ. وقال أبو مِجْلَز (١): سألتُ ابن عمر عنها، فقال: يتلعَّب (٢) بكم الشيطان. وقال ابن مسعود (٣): ما بالُ الرجل إذا صلَّى الركعتين يتمعَّكُ كما يتمعَّكُ الحمار! إذا [سلَّم فقد] فَصَل (٤). وأما ابن حزم ومن تابعه فإنَّهم يوجبون هذه الضِّجعة، ويُبطل ابنُ حزم صلاة من لم يضطجعها لهذا الحديث؛ وهذا مما انفرد به عن الأمة. ورأيتُ فيها (٥) مجلَّدًا لبعض أصحابه قد نصَر فيه هذا المذهب. وقد ذكر عبد الرزاق في «المصنف» (٦) عن معمَر، عن أيوب، عن

стр. 523

ابن سيرين، أن أبا موسى ورافع بن خَديج وأنس بن مالك كانوا يضطجعون عند ركعتي الفجر، ويأمرون بذلك. وذكر (١) عن معمر، عن أيوب، عن نافع أن ابن عمر كان لا يفعله، ويقول: كفى بالتسليم. وذكر (٢) عن ابن جريج: أخبرني من أصدِّق أن عائشة كانت تقول: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يضطجع لسنَّة، ولكنه كان يدأَب ليلته فيستريح، قال: وكان ابن عمر يَحْصِبهم إذا رآهم يضطجعون على أيمانهم (٣). وقد غلا في هذه الضِّجعة طائفتان، وتوسَّطت فيها ثالثة (٤). فأوجبها جماعةٌ من أهل الظاهر، وأبطلوا الصلاة بتركها كابن حزم ومَن وافقه (٥). وكرهها جماعةٌ من الفقهاء، وسمَّوها بدعةً. وتوسَّط فيها مالك وغيره، فلم يروا بها بأسًا لمن فعلها راحةً، وكرهوها لمن فعلها استنانًا. واستحبَّها طائفةٌ على الإطلاق، سواءٌ استراح بها أو لا، واحتجُّوا بحديث أبي هريرة. والذين كرهوها، منهم من احتجَّ بآثار الصحابة كابن عمر وغيره، حيث

стр. 524

كان يحصِبُ مَن يفعلها (١). ومنهم من أنكر فعلَ النَّبيِّ ﷺ لها، وقال: الصحيح أن اضطجاعه كان بعد الوتر وقبل ركعتي الفجر، كما هو مصرَّحٌ به في حديث ابن عباس. قال (٢): وأما حديث عائشة فاختُلِف على ابن شهاب فيه، فقال مالك (٣) عنه: «فإذا فرغ ــ يعني من قيام الليل ــ اضطجع على شِقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذِّن، فيصلِّي ركعتين خفيفتين». فهذا صريحٌ أنَّ الضِّجعة قبل سنَّة الفجر. وقال غيره (٤) عن ابن شهاب: «فإذا سكت المؤذِّن من أذان الفجر، وتبيَّن له الفجر، وجاءه المؤذِّن= قام، فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شِقِّه الأيمن». قالوا: وإذا اختلف أصحاب ابن شهاب، فالقول ما قال مالك، لأنه أثبتهم فيه وأحفظهم. قال الآخرون: بل الصواب في هذا مع من خالف مالكًا. قال أبو بكر الخطيب (٥): روى مالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «كان النبي ﷺ يصلِّي من الليل إحدى عشرة ركعةً، يوتر منها بواحدة. فإذا فرغ منها اضطجع على شِقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذِّن، فيصلِّي ركعتين خفيفتين». وخالف مالكًا عقيلٌ ويونس وشعيب وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم، فرووا عن

стр. 525

الزهري أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يركع الركعتين للفجر، ثم يضطجع على شِقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذِّن، فيخرج معه. فذكر مالك أنَّ اضطجاعه (١) قبل ركعتي الفجر، وفي حديث الجماعة أنه يضطجع بعدهما، فحكَم العلماء أنَّ مالكًا أخطأ وأصاب غيره. انتهى كلامه (٢). وقال أبو طالب: قلت لأحمد: حدثنا (٣) أبو الصَّلْت، عن أبي كُدَينة، عن سهيل [بن أبي صالح عن أبيه] (٤) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه اضطجع بعد ركعتي الفجر. قال: شعبة لا يرفعه. قلت: فإن لم يضطجع، عليه شيءٌ؟ قال: لا، عائشة ترويه وابن عمر ينكره. قال الخلال: وأنبأنا المرُّوذي (٥) أن أبا عبد الله قال: حديث أبي هريرة ليس بذاك. قلت: إن الأعمش يحدِّث به عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: عبد الواحد وحده يحدِّث به. وقال إبراهيم بن الحارث: إن أبا عبد الله سئل عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قال: ما أفعله. وإن فعله رجلٌ فحسنٌ. انتهى (٦). فلو كان حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح

стр. 526

صحيحًا عنده، لكان أدنى درجاته عنده الاستحباب. وقد يقال: إن عائشة روت هذا وهذا، فكان يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، فليس في ذلك اختلاف (١)، فإنه من المباح، والله أعلم. وفي اضطجاعه على شقِّه الأيمن سرٌّ، وهو أنَّ القلب معلَّقٌ في الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر استثقل نومًا، لأنه يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه. فإذا نام على الشِّقِّ الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق القلب، وطلب مستقَرِّه من الصدر (٢)، وميله إليه. ولهذا تستحبُّ الأطِبَّاءُ النومَ على الجانب الأيسر، لكمال الراحة وطيب المنام (٣). وصاحبُ الشرع يستحِبُّ النوم على الجانب الأيمن، لئلا يثقل في نومه، فينامَ عن قيام الليل. فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب، وعلى الأيسر أنفع للبدن. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في قيام الليل وقد اختلف السلف والخلف في أنه: هل كان فرضًا عليه أم لا؟ والطائفتان احتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. قالوا: فهذا صريحٌ في عدم الوجوب. قال الآخرون: أمَره بالتهجُّد في هذه السورة، كما أمَره به في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 527

الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ١ ــ ٢]، ولم يجئ ما ينسخه عنه. وأما قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ فلو كان المراد به التطوُّع، لم يخصَّه بكونه نافلةً له. وإنما المراد بالنافلة: الزيادة، ومطلق الزيادة لا يدل على التطوُّع. قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، أي زيادةً على الولد. وكذلك النافلة في تهجُّد النَّبيِّ ﷺ زيادةٌ في درجاته وفي أجره، ولهذا خصَّه بها؛ فإنَّ قيام الليل في حقِّ غيره ماحٍ (١) ومكفِّرٌ للسيئات. وأما النَّبيُّ ﷺ فقد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلوِّ المراتب، وغيرُه يعمل في التكفير. قال مجاهد: إنما كان نافلةً للنَّبيِّ ﷺ لأنه قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فكانت طاعاته (٢) نافلةً أي زيادةً في الثواب، ولغيره كفَّارةً لذنوبه. قال ابن المنذر في «تفسيره» (٣): حدثنا (٤) علي، عن أبي عبيد (٥)، حدثنا حجاج،

стр. 528

عن ابن جريج، عن ابن كثير (١)، عن مجاهد قال: ما سوى المكتوبة، فهو نافلةٌ له من أجل أنه لا يعمل في كفارة الذنوب. وليست للناس نوافل، إنما هي للنَّبي ﷺ خاصَّةً، والناس جميعًا يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفَّاراتها. حدثنا (٢) محمد، حدثنا نصر (٣)، حدثنا عبد (٤)، حدثنا عمر بن سعد (٥) وقَبيصة، عن سفيان، عن أبي عثمان، عن الحسن في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: لا يكون نافلةً إلا للنَّبيِّ ﷺ . وذُكِر عن الضحاك قال: نافلةً للنبي ﷺ خاصَّةً (٦). وذكَر سليمان بن حيَّان (٧) قال: حدثنا أبو غالب، حدَّثني أبو أمامة، قال:

стр. 529

إذا وضعتَ الطَّهورَ مواضعه قمتَ مغفورًا لك. فإن قمت تصلِّي كانت لك فضيلةً وأجرًا. فقال له رجلٌ: يا أبا أمامة، أرأيت إن قام يصلِّي تكون له نافلةً؟ قال: لا، إنما النافلة للنبي ﷺ . كيف تكون له نافلةً، وهو يسعى في الذنوب والخطايا؟ تكون له فضيلةً وأجرًا. قلت: والمقصود أن النافلة في الآية، لم يُرد بها ما يجوز فعله وتركه كالمستحَبِّ والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدرٌ مشتركٌ بين الفرض والمستحَبِّ، فلا يكون قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ نافيًا لما دلَّ عليه الأمر من الوجوب. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة إن شاء الله عند ذكر خصائص النبي ﷺ . ولم يكن ﷺ يدَع قيام الليل حضرًا ولا سفرًا. وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعةً (١). فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليلٌ على أن الوتر لا يُقضى لفوات محلِّه، فهو كتحيَّة المسجد وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، لأنَّ المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترًا، كما أن المغرب آخر صلاة النهار. فإذا انقضى الليل وصليت الصبح، لم يقع الوتر موقعه. هذا معنى كلامه (٢).

стр. 530

وقد روى أبو داود وابن ماجه (١) من حديث أبي سعيد الخدري عن النَّبيِّ ﷺ : «من نام عن الوتر أو نسيه فليصلِّ إذا أصبح أو ذكر»، ولكن لهذا الحديث عدَّة علل: أحدها: أنَّه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيفٌ. الثاني: أنَّ الصحيح فيه أنه مرسلٌ عن أبيه عن النبي ﷺ ، قال الترمذي: هذا أصحُّ، يعني المرسل (٢). الثالث: أنَّ ابن ماجه (٣) حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبي سعيد الصحيح أن النبي ﷺ قال: «أوتِرُوا قبل أن تُصْبحوا» (٤)، قال: هذا الحديث دليلٌ على أنَّ حديث عبد الرحمن واهٍ (٥).
следующие страницы →