← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أُسَيد (١) بن عاصم، ثنا الحسين (٢) بن حفص، عن سفيان، عن عمر (٣) بن ذر، عن مجاهد أنّ رسول الله ﷺ صلّى الضُّحى ركعتين وأربعًا وستًّا وثمانيًا (٤). وقال الإمام أحمد (٥): ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا عثمان بن عبد الملك العُمَري، حدثتنا عائشة بنت سعد، عن أم درّة (٦) قالت: رأيت عائشة تصلِّي الضُّحى، وتقول: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي إلا أربع ركعات.

стр. 562

وقال الحاكم (١) أيضًا: أخبرنا أبو أحمد بكر (٢) بن محمد المروزي، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو الوليد (٣)، ثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرة، عن عُمَارة بن عمير (٤)، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه رأى رسول الله ﷺ يصلِّي صلاة الضُّحى. وقال الحاكم (٥) أيضًا: ثنا إسماعيل بن نُجَيد (٦)، ثنا محمد بن

стр. 563

عدي بن كامل، ثنا وهب بن بقية الواسطي، ثنا خالد بن عبد الله، عن محمد بن قيس، عن جابر بن عبد الله أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلّى الضُّحى سِتَّ ركعات. ثم روى الحاكم (١) من طريق إسحاق بن بِشْر البخاري (٢)، ثنا عيسى بن موسى غنجار (٣)، عن عمر بن صبح، عن مقاتل بن حيان، عن مسلم بن صُبَيح، عن مسروق، عن عائشة وأم سلمة قالتا: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعةً». وذكر حديثًا طويلًا. قال الحاكم (٤): ثنا أبو أحمد بكر (٥) بن محمد الصيرفي، ثنا أبو قِلابة الرقاشي، ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة عن علي أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي الضُّحى. وبه إلى أبي الوليد، ثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مُرَّة، عن عُمَارة بن عُمير العبدي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه

стр. 564

أنه رأى رسول الله ﷺ يصلِّي الضُّحى (١). قال الحاكم: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، وأبي ذرٍّ الغفاري، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن أبي أوفى، وعِتْبان بن مالك، وأنس بن مالك، وعُتبة بن عبد (٢) السُّلَمي، ونُعَيم بن همَّار الغطفاني (٣)، وأبي أمامة الباهلي؛ ومن النساء: عائشة بنت أبي بكر، وأم هانئ، وأم سلمة= كلُّهم شهدوا أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّيها (٤). وذكر الطبري (٥) من حديث علي وأنس وعائشة وجابر أن النبي ﷺ كان يصلِّي الضُّحى ستَّ ركعات. فاختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق: فمنهم من رجَّح روايةَ الفعل على الترك بأنها مثبِتة تتضمَّن زيادة علم

стр. 565

خفيت على النافي (١). قالوا: وقد يجوز أن يذهب علمُ مثلِ هذا على كثير من الناس ويوجد عند الأقل. قالوا: وقد أخبرت عائشة وأنس وجابر وأمُّ هانئ وعلي بن أبي طالب أنه صلَّاها. قالوا: ويؤيِّد هذا الأحاديث الصحيحة المتضمِّنة للوصيةِ (٢) بها، والمحافظةِ عليها، ومدحِ فاعلها والثناء عليه. ففي «الصحيحين» (٣) عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتِرَ قبل أن أرقُدَ (٤). وفي «صحيح مسلم» (٥) نحوه عن أبي الدرداء. وفي «صحيح مسلم» (٦) عن أبي ذر يرفعه قال: «يُصْبح على كلِّ سُلامى من أحدكم صدقة. فكلُّ تسبيحة صدقة، وكلُّ تحميدة صدقة، وكلُّ تهليلة صدقة، وكلُّ تكبيرة صدقة. وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة. ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضُّحى». وفي «مسند الإمام أحمد» (٧) عن معاذ بن أنس الجُهَني أنَّ رسول الله (٨)

стр. 566

- ﷺ قال: «مَن قعد في مُصلّاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبِّح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرًا= غُفِر (١) له خطاياه، وإن (٢) كانت مثل زبد البحر». وفي «الترمذي» و «سنن ابن ماجه» (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن حَافَظ على شُفْعَة الضحى غُفِر له ذنوبُه وإن كانت مثل زَبَد البحر». وفي «المسند» و «السنن» (٤) عن نعيم بن همَّار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : ابنَ آدم، لا تُعْجِزْني من (٥) أربع ركعات في أول النهار أَكفِك آخرَه». ورواه الترمذي (٦) من حديث أبي الدَّرداء وأبي ذَرٍّ.

стр. 567

وفي «جامع الترمذي» و «سنن ابن ماجه» (١) عن أنس (٢) مرفوعًا: «من صلّى الضُّحى ثنتي عشرة ركعةً بنى الله له قصرًا في الجنَّة من ذهب». وفي «صحيح مسلم» (٣) عن زيد بن أرقم أنه رأى قومًا يصلُّون من الضُّحى في مسجد قُباء، فقال: أمَا، لقد علموا أنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضَلُ. إنَّ رسول الله ﷺ قال: «صلاة الأوَّابين حين تَرْمَضُ الفِصَالُ». وقوله: «ترمض الفصال» أي: يشتدُّ حَرُّ النهار، فتجد الفِصالُ حَرَّ الرَّمضاء. وفي «الصحيح» (٤) أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلّى الضُّحى في بيت عِتبان بن مالك ركعتين. وفي «مستدرك الحاكم» (٥) من حديث خالد بن عبد الله الواسطي، عن

стр. 568

محمد بن عمرو، عن أبي سلَمة، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يحافظ على صلاة الضُّحى إلا أوَّاب»، وقال: هذا إسناد قد احتجَّ بمثله مسلم بن الحجَّاج (١)، فإنه حدث عن شيوخه (٢) عن محمد بن عمرو عن أبي سلَمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «ما أذِن اللهُ لشيءٍ أَذَنَه (٣) لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن». قال: ولعلَّ قائلًا يقول (٤): قد أرسله حماد بن سلَمة وعبد العزيز بن محمد الدَّراوردي عن محمد بن عمرو، فيقال له: خالد بن عبد الله ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة. ثم روى الحاكم (٥): ثنا عبدان بن يزيد، ثنا محمد بن المغيرة السُّكَّري، ثنا القاسم بن الحكم العُرَني (٦)، ثنا سليمان بن داود اليمامي (٧)،

стр. 569

حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ للجنَّة بابًا يقال له: باب الضُّحى، فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى، هذا بابكم، فادخلوه برحمة الله». وقال الترمذي في «الجامع» (١): ثنا أبو كريب محمد بن العلاء، ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني موسى بن فلان، عن عمه ثمامة بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلَّى الضُّحى ثنتي عشرة ركعةً بنى الله له قصرًا في الجنة من ذهب (٢)». قال (٣): «حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وكأنَّ أحمد يرى (٤) أصحَّ شيء في هذا الباب حديث أم هانئ» (٥). قلت: موسى ابن فلان هذا هو موسى بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك (٦).

стр. 570

وفي «جامعه» (١) أيضًا من حديث عطية (٢) العوفي عن أبي سعيد (٣) قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الضحى حتى نقول: لا يدَعُها، ويدَعُها حتى نقول: لا يصلِّيها». قال: هذا حديث حسن غريب. وقال الإمام أحمد في «مسنده» (٤): ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن الحارث الذِّمَاري، عن القاسم، عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «مَن مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهِّر كان له كأجر الحاجِّ المُحْرِم، ومَن مشى إلى سُبحة الضُّحى كان له كأجر المعتمِر، وصلاةٌ على إثر صلاة لا لغوَ بينهما كتابٌ في علّيّين». قال أبو أمامة: الغدوُّ والرَّواحُ إلى هذه المساجد من الجهاد في سبيل الله . وقال الحاكم (٥): ثنا

стр. 571

أبو العباس، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني (١)، ثنا أبو المورِّع محاضر بن المورِّع، ثنا أبو الأحوص (٢) بن حكيم، حدثني عبد الله بن عامر (٣) الأَلْهاني، عن منيب، عن عُتبة بن عبد (٤) السُّلَمي وعن أبي أمامة (٥) عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: «من صلَّى الصبح في مسجد جماعة، ثم ثبَت فيه حتى يُسبِّح فيه سُبْحة (٦) الضُّحى، ثم صلَّى (٧) سبحة الضحى= كان له كأجر حاجٍّ أو معتمرٍ تامٍّ له حجُّه وعمرتُه». وقال ابن أبي شيبة (٨): حدثني حاتم بن إسماعيل، عن حُميد بن صخر،

стр. 572

عن المقبُري (١)، عن أبي هريرة قال: بعث النَّبيُّ ﷺ جيشًا فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة، فقال رجل: يا رسول الله، ما رأينا بعثًا قطُّ أسرعَ كرَّةً ولا أعظمَ غنيمةً من هذا البعث. فقال: «ألا أُخبِركم بأسرعَ كرَّةً وأعظمَ غنيمةً؟ رجلٌ توضَّأ في بيته, فأحسن وضوءه, ثم عمَد إلى المسجد, فصلَّى فيه صلاة الغداة، ثم أعقب بصلاة الضحى= فقد أسرعَ الكرَّة, وأعظمَ الغنيمة». وفي الباب أحاديث سوى هذه لكن هذه أمثلها. قال الحاكم: صحبتُ جماعةً من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات، فوجدتهم يختارون هذا العدد ــ يعني أربع ركعات ــ ويصلُّون هذه الصلاة أربعًا لتواتر الأخبار الصحيحة فيه. وإليه أذهب وإليه أدعو اتِّباعًا للأخبار المأثورة، واقتداءً بمشايخ الحديث فيه. قال ابن جرير الطبري (٢) ــ وقد ذكر الآثار المرفوعة في صلاة الضحى واختلاف عددها ــ: وليس من هذه الأحاديث حديث يُدفَع صاحبُه، وذلك لأنَّ (٣) من حكى الضُّحى أربعًا جائزٌ أن يكون رآه في حال فعله ذلك، ورآه غيرُه في حال أخرى صلَّى ركعتين، ورآه آخَر في حال أخرى صلَّاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحُثُّ على أن يصلِّي سِتًّا، وآخر يحُثُّ على ركعتين، وآخر على

стр. 573

عشر، وآخر على ثنتي عشرة= فأخبر كلُّ واحد منهم عمَّا رأى وسمِع. قال: والدليل على صحة قولنا ما روي عن زيد بن أسلم. قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول لأبي ذرٍّ: أوصِني يا عمِّ. قال: سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «مَن صلّى الضُّحى ركعتَين لم يُكتَب من الغافلين، ومن صلّى أربعًا كُتِب من العابدين، ومَن صلّى ستًّا لم يلحقه ذلك اليومَ ذنبٌ، ومن صلّى ثمانيًا كُتِب من القانتين، ومن صلّى عشرًا بنى الله له بيتًا في الجنة» (١). وقال مجاهد (٢): صلَّى رسول الله ﷺ يومًا الضُّحى ركعتين، ثم يومًا أربعًا، ثم يومًا ستًّا، ثم يومًا ثمانيًا، ثم ترك. فأبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا من احتمال خبر كلِّ مُخْبِر ممَّن تقدَّم قولُه (٣) أن يكون إخباره بما أخبر عنه في صلاة الضُّحى على قدر ما شاهده وعاينه.

стр. 574

فالصواب إذا كان الأمر كذلك: أن يصليها مَن أراد على ما شاء من العدد. وقد روي هذا عن قوم من السلف: ثنا ابن حميد (١)، ثنا جرير، عن إبراهيم: سأل رجلٌ الأسودَ: كم أصلّي الضُّحى؟ قال: كم شئت (٢). وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك ورجَّحتها من جهة صحة إسنادها وعمل الصحابة بموجَبها. فروى البخاري (٣) عن ابن عمر أنه لم يكن يصلِّيها ولا أبو بكر ولا عمر. قلت (٤): فالنبي ﷺ ؟ قال: لا إخاله. وقال وكيع (٥): ثنا سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلَّى صلاة الضُّحى إلا يومًا واحدًا. وقال علي بن المديني (٦): ثنا معاذ بن معاذ، ثنا شعبة، ثنا فُضيل (٧) بن

стр. 575

فَضالة، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: رأى أبو بكرة ناسًا يصلُّون الضَّحى، فقال: إنَّكم لَتصلُّون صلاةً ما صلَّاها رسول الله ﷺ ولا عامة أصحابه. وفي «موطأ مالك (١)» (٢) عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت (٣): ما سبَّح رسول الله ﷺ سُبحة الضحى قطُّ، وإني لأستحبُّها (٤). وإن كان رسولُ الله ﷺ لَيدَعُ العملَ وهو يحبُّ أن يَعمَل به خشيةَ أن يُعمَل به (٥)، فيُفتَرض (٦) عليهم. قال أبو الحسن علي بن بطال (٧): فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى. وقال بعضهم: إنها بدعة. روى الشعبي عن قيس بن عبد (٨) قال: كنت أختلف إلى ابن مسعود السَّنة كلَّها، فما رأيته مصلِّيًا الضُّحى. وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أنَّ عبد الرحمن بن

стр. 576

عوف كان لا يصلِّي الضحى. وعن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجدَ، فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة، وإذا الناس يصلُّون في المسجد صلاة الضحى. فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة. وقال مرّةً: ونعمت البدعة. وقال الشعبي: سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى. وسئل أنس عن صلاة الضحى فقال: الصلوات خمس. وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب (١) فعلها غِبًّا، فتصلَّى في بعض الأيام دون بعض. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد (٢). وحكاه الطبري عن جماعة قال (٣): واحتجُّوا بما روى الجُريري عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصلِّي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه (٤). ثم ذكر حديث أبي سعيد: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الضحى حتى نقول: لا يدَعُها، ويدَعُها حتى نقول: لا يصلِّيها» وقد تقدَّم. ثم قال: ذكرُ (٥) من كان يفعل ذلك من السلف: روى شعبة عن حبيب بن الشهيد عن عكرمة قال: كان ابن عباس يصلِّيها يومًا، ويدعها عشرة أيام يعني صلاة الضحى (٦).

стр. 577

وشعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان لا يصلِّي الضحى، فإذا أتى مسجد قباء صلّى، وكان يأتيه كلَّ سبت (١). وسفيان عن منصور (٢) قال: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة. ويصلُّون، ويدَعون، يعني صلاة الضحى (٣). وعن سعيد بن جبير: إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها مخافةَ أن أراها حتمًا عليَّ (٤). وقال مسروق: كنَّا نُقرئ (٥) في المسجد، فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلِّي الضحى. فبلغ ابن مسعود ذلك فقال: لِمَ تحمِّلون عبادَ الله ما لم يحمِّلهم الله؟! إن كنتم لا بدَّ فاعلين ففي بيوتكم (٦).

стр. 578

وكان أبو مِجْلَز يصلِّي الضحى في منزله (١). قال هؤلاء: وهذا أولى، لئلا يتوهَّم متوهِّم وجوبَها بالمحافظة عليها أو كونَها سنَّةً راتبةً. ولهذا قالت عائشة: «لو نُشِر لي أبوَيَّ (٢) ما تركتُها (٣)» (٤)، فإنها كانت تصلِّيها في البيت حيث لا يراها الناس. وذهبت طائفة رابعة إلى أنها إنما تُفعَل لسبب من الأسباب وأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنما فعلها لسبب. قالوا (٥): وصلاته ﷺ يوم الفتح ثمان ركعاتٍ ضحًى إنما كانت (٦) من أجل الفتح، وإن سنَّة الفتح أن يصلَّى عنده ثمان ركعات،

стр. 579

وكان (١) الأمراء يسمُّونها «صلاة الفتح». وذكر الطبري في «تاريخه» (٢) عن الشعبي قال: لما فتح خالد بن الوليد الحِيرَة صلَّى صلاة الفتح ثمان ركعات لم يسلِّم فيهن، ثم انصرف. قالوا: وقول أم هانئ: «وذلك ضحًى» تريد أن فعله لهذه الصلاة كان ضحًى، لا أنَّ الضُّحى اسم لتلك الصلاة. قالوا: وأما صلاته في بيت عِتبان بن مالك فإنما كانت لسبب أيضًا، فإنَّ عتبان قال له: إنِّي أنكرتُ بصري وإنَّ السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددتُ أنَّك جئت فصلَّيت في بيتي مكانًا أتخذه مسجدًا، فقال: «أفعل إن شاء الله». فغدا (٣) عليَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر معه بعدما اشتدّ النهار، فاستأذن النَّبيُّ ﷺ ، فأذنتُ له، فلم يجلس حتى قال: «أين تحبُ أن أصلِّي من بيتك؟». فأشار إليه من المكان الذي أحبَّ أن يصلِّي فيه. فقام وصففنا (٤) خلفه، ثم سلّم وسلَّمنا حين سلَّم. متفق عليه. فهذا أصل هذه الصلاة وقصَّتها ولفظ البخاري (٥) فيها، فاختصره بعض الرواة عن عِتبان فقال: إن رسول الله ﷺ صلّى في بيته سبحة الضحى، فقاموا وراءه، فصلَّوا (٦).

стр. 580

وأما قول عائشة: «لم يكن رسول الله ﷺ يصلِّي الضحى إلا أن يقدَم من مغيبه» فهذا من أبين الأمور أنَّ صلاته لها إنما كانت لسبب، فإنه ﷺ كان إذا قدِم من سفر بدأ بالمسجد، فصلَّى فيه ركعتين. فهذا كان هديه، وعائشة أخبرت بهذا وهذا، وهي القائلة: ما صلَّى رسول الله ﷺ صلاة الضحى قطُّ. فالذي أثبتَتْه فعلُها لسببٍ كقدومه من سفر، وفتحه، وزيارته لقوم ونحوه. وكذلك إتيانه مسجدَ قباء للصلاة فيه. وكذلك ما رواه يوسف بن يعقوب (١): ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا سلمة بن رجاء، حدثتنا الشعثاء قالت: رأيت ابن أبي أوفى صلَّى الضحى ركعتين يوم بُشِّر برأس أبي جهل. فهذا إن صحَّ فهو صلاة شكر وقعت وقتَ الضحى كشكر الفتح. والذي نفته هو ما كان يفعله الناس: يصلُّونها (٢) لغير سبب، وهي لم تقل: إن ذلك مكروه ولا مخالف لسنَّته، ولكن لم يكن من هديه فعلُها لغير سبب. وقد أوصى بها، وندب إليها، وحضّ عليها. وكان يستغني عنها بقيام الليل فإنَّ فيه غُنيةً عنها، وهي كالبدل منه. قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً

стр. 581

لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢]، قال ابن عباس والحسن وقتادة (١): عوضًا وخلفًا يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن فاته عملٌ في أحدهما قضاه في الآخر. قال قتادة: فأدُّوا (٢) الله من أعمالكم خيرًا في هذا الليل والنهار، فإنهما مطيتان، يُقحِمان (٣) الناس إلى آجالهم، ويقرِّبان كلَّ بعيد، ويُبليان كلَّ جديد، ويجيئان بكلِّ موعود إلى يوم القيامة. وقال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: فاتتني الصلاة الليلة. فقال: أَدرِك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر (٤). قالوا: وفعلُ الصحابة على هذا يدل، فإن ابن عباس كان يصلِّيها يومًا، ويدعها عشرةً. وكان ابن عمر لا يصلِّيها، فإذا أتى مسجدَ قباء صلَّاها، وكان يأتيه كلَّ سبت. وقال سفيان عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلُّون ويدَعُون (٥).

стр. 582

قالوا: ومن هذا أيضًا الحديث الصحيح عن أنس أنَّ رجلًا من الأنصار كان ضخمًا، قال (١) للنبي ﷺ : إنِّي لا أستطيع أن أصلي معك، فصنع للنبي ﷺ طعامًا، ودعاه إلى بيته، ونضَح له طرَفَ حصيرٍ بماء، فصلَّى عليه ركعتين. قال أنس: ما رأيته صلَّى الضُّحى غير ذلك اليوم. رواه البخاري (٢). ومن تأمَّل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة وجدها لا تدل إلا على هذا القول. وأما أحاديث الترغيب فيها والوصية بها، فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدل على أنها سنَّة راتبة لكلِّ أحد. وإنما أوصى أبا هريرة بذلك، لأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة (٣)، فأمَره بالضحى بدلًا من قيام الليل. ولهذا أمره أن لا ينام حتى يوتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة. وعامَّةُ أحاديث الباب في أسانيدها مقال. وبعضُها منقطع، وبعضها موضوع لا يحِلُّ الاحتجاج به كحديثٍ يروى عن أنس مرفوعًا: «من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلا من علَّةٍ كنتُ أنا وهو في زَورقٍ من نور في بحر من نور» (٤)، وضعه زكريا بن دويد (٥) الكندي عن حميد. وحديثِ (٦)

стр. 583

يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد عن النبي ﷺ : «من صلَّى منكم صلاة الضحى فليصلِّها متعبِّدًا، فإنَّ الرجل لَيصلِّيها السَّنة من الدهر، ثم ينساها ويدعها (١)، فتحِنُّ إليه كما تحِنُّ الناقة إلى (٢) ولدها إذا فقدته» (٣). ويا عجبًا للحاكم كيف يحتجُّ بهذا وأمثاله! فإنه يروي هذا الحديث في كتاب أفرده للضحى. وهذه نسخة موضوعة على رسول الله ﷺ ، أعني نسخة يعلى بن الأشدق. قال ابن عدي (٤): روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جُراد عن النبي ﷺ أحاديثَ كثيرةً منكرةً، وهو وعمه غير معروفين. وبلغني عن أبي مُسْهِر قال: قلت ليعلى بن الأشدق: ما سمع عمُّك من رسول الله ﷺ ؟ فقال: «جامع سفيان» و «موطأ مالك» وشيئًا من الفوائد! وقال أبو حاتم بن حِبَّان (٥): لقي يعلى عبدَ الله بن جراد، فلما كبر اجتمع عليه مَن لا دِين له، فوضعوا له شبيهًا بمائتي حديث، فجعل يحدِّث بها وهو لا يدري. وقد قال له بعض مشايخ أصحابنا: أيُّ شيء سمعته من عبد الله بن جراد؟ فقال: هذه النسخة و «جامع سفيان». لا تحِلُّ الرواية عنه بحال.

стр. 584

وكذلك حديث عمر بن صبح عن مقاتل بن حيان: حديث عائشة المتقدم: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعةً». وهو حديث طويل ذكره الحاكم في «صلاة الضحى»، وهو حديث موضوع، المتَّهَمُ به عمر بن صبح. قال البخاري (١): حدثني يحيى بن علي بن جرير (٢)، قال: سمعت عمر بن صبح يقول: أنا وضعت خطبة النبي ﷺ . وقال ابن عدي (٣): منكر الحديث. وقال ابن حبان (٤): يضع الحديث على الثقات، لا يحِلُّ كَتْبُ حديثِه إلا على جهة التعجُّب منه. وقال الدارقطني (٥): متروك. وقال الأزدي (٦): كذاب. وكذلك حديث عبد العزيز بن أبان، عن الثوري، عن حجاج بن فُرَافِصَة، عن مكحول، عن أبي هريرة مرفوعًا: «من حافظ على شفعة الضُّحى غُفِرت له ذنوبه، ولو كانت بعدد الجَراد، وأكثر من زَبَد البحر». ذكره

стр. 585

الحاكم أيضًا. وعبد العزيز هذا قال ابن نمير: هو كذاب. وقال يحيى: ليس بشيء، كذاب خبيث، يضع الحديث. وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك الحديث (١). وكذلك حديث النَّهَّاس بن قَهْم، عن شداد، عن أبي هريرة يرفعه: «من حافظ على شفعة الضحى غُفِرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زَبَد البحر». والنهَّاس هذا قال يحيى: ليس بشيء، ضعيف، كان يروي عن عطاء عن ابن عباس أشياء منكرةً. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: لا يساوي شيئًا. وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير ويخالف الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: مضطرب الحديث، تركه يحيى القطان (٢). وأما حديث حميد بن صخر عن المقبري عن أبي هريرة: «بعث رسول الله ﷺ بعثًا ... » الحديث، وقد تقدم. فحميد هذا قد ضعَّفه النسائي ويحيى بن معين، ووثَّقه آخرون، وأُنكِر عليه بعضُ حديثه، وهو ممن لا

стр. 586

يُحتَجُّ به إذا انفرد (١). والله أعلم. وأما حديث محمد بن إسحاق، عن موسى بن (٢) عبد الله بن المثنى بن (٣) أنس، عن عمِّه ثمامة عن أنس (٤) يرفعه: «من صلَّى الضحى بنى الله له قصرًا في الجنة من ذهب»، فمن الأحاديث الغرائب قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأما حديث نعيم بن همَّار: «ابنَ آدم لا تُعْجِزْني عن أربع ركعات في أول النهار أَكْفِكَ آخرَه»، وكذلك حديث أبي الدرداء وأبي ذر، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الأربع عندي هي الفجر وسنتها. والله أعلم. فصل وكان من هديه ﷺ وهدي أصحابه: سجود الشكر عند تجدُّد نعمةٍ تسُرُّ واندفاع نقمة، كما في «المسند» (٥) عن أبي بكرة أنَّ النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر

стр. 587

يسُرُّه خرَّ لله ساجدًا شكرًا لله ﵎. وذكر ابن ماجه (١) عن أنس أن النبي ﷺ بُشِّر بحاجةٍ، فخرَّ (٢) ساجدًا. وذكر البيهقي (٣) بإسناد (٤) على شرط البخاري أن عليًّا لما كتب إلى النبي ﷺ بإسلام همدان خرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: «السلام على هَمْدان، السلام على همدان». وصدرُ الحديث في «صحيح البخاري»، وهذا تمامه بإسناده عند البيهقي. وفي «المسند» (٥) من حديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ

стр. 588

سجد لله (١) شكرًا لمَّا جاءه البشير من ربِّه أنه: «مَن صلّى عليك صلّيتُ عليه، ومَن سلّم عليك سلّمتُ عليه». وفي «سنن أبي داود» (٢) من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ رفع يديه، فدعا الله ساعةً، ثم خرّ ساجدًا ثلاث مرات. ثم قال: «إنِّي سألت ربِّي وشفعتُ لأمتي، فأعطاني ثُلُثَ أمتي، فخررتُ ساجدًا شكرًا لربِّي. ثم رفعتُ رأسي، فسألتُ ربِّي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدًا شكرًا لربِّي. ثم رفعتُ رأسي، فسألتُ ربِّي لأمتي (٣)، فأعطاني الثلث الآخِر، فخررتُ ساجدًا لربِّي». وسجد كعب بن مالك لما جاءته (٤) البشرى بتوبة الله عليه. ذكره البخاري (٥).

стр. 589

وذكر أحمد (١) عن علي أنه سجد حين وجد ذا الثُّدَيَّة في قتلى الخوارج. وذكر سعيد بن منصور (٢) أن أبا بكر الصديق سجد حين جاءه قتل مُسَيلَمة. فصل في هديه في سجود القرآن كان ﷺ إذا مرَّ بالسجدة كبّر وسجد. وربما قال في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته» (٣). وربما قال: «اللهمَّ

стр. 590

احطُطْ عنِّي بها وزرًا، واكتب لي بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذُخرًا، وتقبَّلْها منِّي كما تقبَّلتَها (١) من عبدك داود» (٢). ذكرهما (٣) أهل «السنن». ولم ينقَل عنه أنه كان يكبِّر للرفع من هذا السجود، ولذلك لم يذكره الخِرَقي ومتقدِّمو الأصحاب. ولا نُقِل عنه فيه تشهُّد ولا سلام البتة. وأنكر أحمد والشافعي السلام فيه، فالمنصوص عن الشافعي: أنه لا تشهُّد فيه ولا تسليم (٤). وقال أحمد: أما التسليم فلا أدري ما هو (٥). وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره. وصحَّ عنه ﷺ أنه سجد (٦) في (الم تنزيل) وفي (ص) وفي (النجم) وفي

стр. 591

(إذا السماء انشقت) وفي (اقرأ باسم ربك الذي خلق). وذكر أبو داود (١) عن عمرو بن العاص أنَّ رسول الله ﷺ أقرأه خمسَ عشرةَ سجدةً، منها ثلاث في المفصَّل، وفي سورة الحج سجدتين (٢). وأما حديث أبي الدرداء (٣): «سجدت مع رسول الله (٤) ﷺ إحدى عشرة سجدةً ليس فيها من المفصَّل شيء: (الأعراف) و (الرعد) و (النحل) و (بني إسرائيل) و (مريم) و (الحج) و (سجدة الفرقان) و (النمل)

стр. 592

و (السجدة) و (ص) و (سجدة الحواميم)»، فقال أبو داود (١): روي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ إحدى عشرة سجدةً، وإسناده واه. وأما حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ «لم يسجد في المفصَّل منذ تحوَّل إلى المدينة»، رواه أبو داود (٢) = فهو (٣) حديث ضعيف. في إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد، لا يحتَجُّ بحديثه. قال الإمام أحمد: أبو قدامة مضطرب الحديث. وقال يحيى بن معين: ضعيف. وقال النسائي (٤): صدوق، عنده مناكير. وقال أبو حاتم البُسْتي: كان شيخًا صالحًا ممن كثُر وهمه. وعلَّله ابن القطان (٥) بمطر الوراق وقال: كان يشبه (٦) في سوء الحفظ محمدَ بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعِيب على مسلم إخراج حديثه. انتهى كلامه.

стр. 593

ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه، لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضَّرب ما يعلم أنه حفِظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلِط فيه. فيغلط في هذا المقام من استدرك عليه (١) إخراجَ جميع حديث ذلك الثقة (٢)، ومن ضعَّف جميع حديث ذلك السيئ الحفظ (٣). فالأُولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة ابن حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة (٤) هذا الشأن. والله المستعان. وقد صحَّ عن أبي هريرة (٥) أنه سجد مع النبي ﷺ في (اقرأ باسم ربك) وفي (إذا السماء انشقت)، وهو إنما أسلم بعد مقدم النبي ﷺ المدينةَ بستِّ سنين أو سبع. فلو تعارض الحديثان من كلِّ وجه وتقاوما في الصحة لتعيَّن تقديمُ حديث أبي هريرة، لأنه مُثبِت، معه زيادةُ علم خفيت على ابن عباس؛ فكيف وحديث أبي هريرة في غاية الصحة متفق على صحته، وحديث ابن عباس فيه من الضعف ما فيه؟ والله الموفِّق (٦).

стр. 594

فصل في هديه ﷺ في الجمعة وذكر خصائص يومها ثبت في «الصحيحين» (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «نحن الآخرون (٢) السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب مِن قبلنا. ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له؛ فالناسُ لنا فيه (٣) تَبَع: اليهود غدًا والنصارى بعد غد». وفي «صحيح مسلم» (٤) عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : «أضلَّ الله عن الجمعة مَن كان قبلنا. وكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة. فجعل الجمعة، والسبت، والأحد. وكذلك هم تَبَع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضيُّ لهم قبل الخلائق». وفي «المسند» و «السنن» (٥) من حديث أوس بن أوس عن النبي ﷺ :

стр. 595

«من أفضل أيامكم يوم الجمعة. فيه خُلِق آدم، وفيه قُبِض، وفيه النَّفخة، وفيه الصَّعقة. فأَكثِروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ». قالوا: يا رسول الله، وكيف تُعرَض صلاتُنا عليك، وقد أرَمْتَ؟ (يعني: قد بليتَ)، قال: «إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادَ الأنبياء». ورواه الحاكم وابن حبان في «صحيحيهما» (١). وفي «جامع الترمذي» (٢) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة. فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها. ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة». قال: حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم (٣). وفي «صحيحه» (٤) أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا: «سيِّدُ الأيام يومُ

стр. 596

الجمعة. فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها. ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة» (١). وروى مالك في «الموطأ» (٢) عن أبي هريرة مرفوعًا (٣): «خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبِط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة. وما من دابة إلا وهي مُصِيخة يوم الجمعة من حين تُصبح حتى تطلعَ الشمسُ شفقًا من الساعة إلا الجنَّ والإنسَ. وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه». قال كعب: ذلك في كلِّ سنةٍ يومٌ. فقلت: بل في (٤) كلِّ جمعة. فقرأ التوراة، فقال: صدق رسول الله ﷺ . قال أبو هريرة: ثم لقيتُ عبد الله بن سلام، فحدَّثته بمجلسي مع كعب. فقال: قد علمتُ أيَّة ساعة هي. قلت: فأخبِرني بها، قال: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. فقلت: كيف وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يصادفها عبد (٥) مسلم وهو يصلِّي» وتلك الساعة لا يصلَّى فيها؟ فقال ابن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : «مَن جلَس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة

стр. 597

حتى يصلِّي؟». وفي «صحيح ابن حِبَّان» (١) مرفوعًا: «لا تطلع الشمس على يومٍ خيرٍ من يوم الجمعة». وفي «مسند الشافعي» (٢) من حديث أنس بن مالك قال: أتى جبريل النبيَّ ﷺ بمرآة بيضاء فيها نكتة، فقال النبيُّ ﷺ : «ما هذه؟ فقال: هذه الجمعة، فضِّلتَ بها أنت وأمتك، والناس لكم فيها تَبَع: اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها (٣) ساعة لا يوافقها مؤمن (٤) يدعو الله بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد»، فقال النبي ﷺ : «يا جبريل! وما يوم المزيد؟ فقال: إنَّ ربَّك اتخذ في الفردوس واديًا أفيَحَ، فيه كُثُبٌ من مسك، فإذا كان يومُ الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابرُ من نور، عليها مقاعد النَّبيِّين، وحَفَّ تلك المنابرَ بمنابر من ذهب مكلَّلةٍ بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصدِّيقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكُثُب، فيقول الله : أنا ربُّكم، قد صدَقتُكم وعدي، فسَلُوني أُعْطِكم.

стр. 598

فيقولون: ربَّنا نسألك رضوانك. فيقول: قد رضيتُ عنكم، ولكم ما تمنَّيتم، ولديَّ مزيد. فهم يحبُّون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربُّهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربُّك (١) ﵎ على العرش، وفيه خُلِق آدم، وفيه تقوم الساعة». رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، حدَّثني موسى بن عبيدة قال: حدثني (٢) أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أنس (٣). ثم قال (٤): وأخبرنا إبراهيم قال: حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس شبيهًا به. وكان الشافعيُّ حسنَ الرأي في شيخه (٥) إبراهيم هذا (٦). ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع (٧)، ثنا صفوان قال: قال أنس: قال

стр. 599

رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل» فذكره. ورواه محمد بن شعيب (١)، عن عمر مولى غَفْرة، عن أنس. ورواه أبو طيبة (٢) عن عثمان بن عمير عن أنس (٣). وجمع أبو بكر بن أبي داود طرقه (٤). وفي «مسند أحمد» (٥) من حديث علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ : لأيِّ شيءٍ سمِّي يوم الجمعة؟ قال: «لأنَّ فيها طُبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة. وفيها البطشة. وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعةٌ مَن دعا الله فيها استجيب له». وقال الحسن بن سفيان النَّسَوي في «مسنده» (٦): ثنا أبو مروان هشام بن

стр. 600

خالد الأزرق، ثنا الحسن بن يحيى الخشني، ثنا عمر بن عبد الله مولى غَفْرة (١)، حدثني أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاني جبريل، وفي يده كهيئة المرآة البيضاء، فيها نكتة سوداء. فقلت: ما هذه يا جبريل؟ فقال: هذه الجمعة بُعِثَ بها إليك، تكون عيدًا لك ولأمتك من بعدك. فقلت: وما لنا (٢) فيها يا جبريل؟ فقال: لكم فيها خير كثير، أنتم الآخِرون السابقون يوم القيامة. وفيها ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ يصلِّي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه. قلت: فما هذه النكتة السوداء يا جبريل؟ قال: هذه الساعة تكون في (٣) يوم الجمعة، وهو سيِّد الأيام، ونحن نسمّيه عندنا يوم المزيد. قلت: وما يوم المزيد يا جبريل؟ قال: ذاك (٤) بأنَّ ربَّك اتخذ في الجنة واديًا أفيَحَ من مسك أبيض، فإذا كان يومُ الجمعة من أيام الآخرة هبط الرَّبُّ من عرشه إلى كرسيِّه، ويحُفُّ الكرسيَّ بمنابر من نور، فيجلس عليها النبيِّون. ويحُفُّ المنابرَ بكراسيَّ من ذهب، فيجلس عليها الصدِّيقون والشهداء. ويهبط أهل الغُرَف من غرفهم، فيجلسون على كُثْبان المسك، لا يرون لأهل المنابر والكراسيِّ فضلًا في المجلس. ثم يتبدَّى لهم ذو الجلال ﵎، فيقول: سَلُوني، فيقولون (٥) بأجمعهم: نسألك الرضى يا ربُّ، فيشهد لهم على الرضى. ثم يقول: سلوني، فيسألوه (٦) حتى تنتهي نَهْمةُ كلِّ
следующие страницы →