← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الجمعة. فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها. ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة» (١). وروى مالك في «الموطأ» (٢) عن أبي هريرة مرفوعًا (٣): «خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبِط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة. وما من دابة إلا وهي مُصِيخة يوم الجمعة من حين تُصبح حتى تطلعَ الشمسُ شفقًا من الساعة إلا الجنَّ والإنسَ. وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه». قال كعب: ذلك في كلِّ سنةٍ يومٌ. فقلت: بل في (٤) كلِّ جمعة. فقرأ التوراة، فقال: صدق رسول الله ﷺ . قال أبو هريرة: ثم لقيتُ عبد الله بن سلام، فحدَّثته بمجلسي مع كعب. فقال: قد علمتُ أيَّة ساعة هي. قلت: فأخبِرني بها، قال: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. فقلت: كيف وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يصادفها عبد (٥) مسلم وهو يصلِّي» وتلك الساعة لا يصلَّى فيها؟ فقال ابن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : «مَن جلَس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة

стр. 597

حتى يصلِّي؟». وفي «صحيح ابن حِبَّان» (١) مرفوعًا: «لا تطلع الشمس على يومٍ خيرٍ من يوم الجمعة». وفي «مسند الشافعي» (٢) من حديث أنس بن مالك قال: أتى جبريل النبيَّ ﷺ بمرآة بيضاء فيها نكتة، فقال النبيُّ ﷺ : «ما هذه؟ فقال: هذه الجمعة، فضِّلتَ بها أنت وأمتك، والناس لكم فيها تَبَع: اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها (٣) ساعة لا يوافقها مؤمن (٤) يدعو الله بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد»، فقال النبي ﷺ : «يا جبريل! وما يوم المزيد؟ فقال: إنَّ ربَّك اتخذ في الفردوس واديًا أفيَحَ، فيه كُثُبٌ من مسك، فإذا كان يومُ الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابرُ من نور، عليها مقاعد النَّبيِّين، وحَفَّ تلك المنابرَ بمنابر من ذهب مكلَّلةٍ بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصدِّيقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكُثُب، فيقول الله : أنا ربُّكم، قد صدَقتُكم وعدي، فسَلُوني أُعْطِكم.

стр. 598

فيقولون: ربَّنا نسألك رضوانك. فيقول: قد رضيتُ عنكم، ولكم ما تمنَّيتم، ولديَّ مزيد. فهم يحبُّون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربُّهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربُّك (١) ﵎ على العرش، وفيه خُلِق آدم، وفيه تقوم الساعة». رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، حدَّثني موسى بن عبيدة قال: حدثني (٢) أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أنس (٣). ثم قال (٤): وأخبرنا إبراهيم قال: حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس شبيهًا به. وكان الشافعيُّ حسنَ الرأي في شيخه (٥) إبراهيم هذا (٦). ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع (٧)، ثنا صفوان قال: قال أنس: قال

стр. 599

رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل» فذكره. ورواه محمد بن شعيب (١)، عن عمر مولى غَفْرة، عن أنس. ورواه أبو طيبة (٢) عن عثمان بن عمير عن أنس (٣). وجمع أبو بكر بن أبي داود طرقه (٤). وفي «مسند أحمد» (٥) من حديث علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ : لأيِّ شيءٍ سمِّي يوم الجمعة؟ قال: «لأنَّ فيها طُبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة. وفيها البطشة. وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعةٌ مَن دعا الله فيها استجيب له». وقال الحسن بن سفيان النَّسَوي في «مسنده» (٦): ثنا أبو مروان هشام بن

стр. 600

خالد الأزرق، ثنا الحسن بن يحيى الخشني، ثنا عمر بن عبد الله مولى غَفْرة (١)، حدثني أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاني جبريل، وفي يده كهيئة المرآة البيضاء، فيها نكتة سوداء. فقلت: ما هذه يا جبريل؟ فقال: هذه الجمعة بُعِثَ بها إليك، تكون عيدًا لك ولأمتك من بعدك. فقلت: وما لنا (٢) فيها يا جبريل؟ فقال: لكم فيها خير كثير، أنتم الآخِرون السابقون يوم القيامة. وفيها ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ يصلِّي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه. قلت: فما هذه النكتة السوداء يا جبريل؟ قال: هذه الساعة تكون في (٣) يوم الجمعة، وهو سيِّد الأيام، ونحن نسمّيه عندنا يوم المزيد. قلت: وما يوم المزيد يا جبريل؟ قال: ذاك (٤) بأنَّ ربَّك اتخذ في الجنة واديًا أفيَحَ من مسك أبيض، فإذا كان يومُ الجمعة من أيام الآخرة هبط الرَّبُّ من عرشه إلى كرسيِّه، ويحُفُّ الكرسيَّ بمنابر من نور، فيجلس عليها النبيِّون. ويحُفُّ المنابرَ بكراسيَّ من ذهب، فيجلس عليها الصدِّيقون والشهداء. ويهبط أهل الغُرَف من غرفهم، فيجلسون على كُثْبان المسك، لا يرون لأهل المنابر والكراسيِّ فضلًا في المجلس. ثم يتبدَّى لهم ذو الجلال ﵎، فيقول: سَلُوني، فيقولون (٥) بأجمعهم: نسألك الرضى يا ربُّ، فيشهد لهم على الرضى. ثم يقول: سلوني، فيسألوه (٦) حتى تنتهي نَهْمةُ كلِّ

стр. 601

عبد منهم. قال: ثم يسعى عليهم بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم يرتفع الجبَّار عن كرسيِّه إلى عرشه، ويرتفع أهل الغرف إلى غرفهم. وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء أو ياقوتة حمراء أو زُمُرَّدة خضراء، ليس فيها قَصْم (١) ولا وَصْم، منوَّرةٌ فيها أنهارُها ــ أو قال: مطَّردة (٢) ــ متدلِّية فيها ثمارُها، فيها أزواجها وخدمها ومساكنها. قال: فأهل الجنَّة يتباشرون في الجنَّة بيوم الجمعة، كما يتباشر أهل الدنيا في الدنيا بالمطر». وقال ابن أبي الدنيا في كتاب «صفة الجنة» (٣): حدثني أزهر بن مروان الرَّقَاشي، ثنا عبد الله بن عَرَادة الشيباني، ثنا القاسم بن المطيَّب (٤)، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل وفي كفِّه مرآة كأحسن المرائي (٥) وأضوئه (٦)، وإذا في وسطها لُمْعة سوداء.

стр. 602

فقلت: ما هذه اللُّمعة التي أرى فيها؟ قال: هذه الجمعة. قلت: وما الجمعة؟ قال: يومٌ من أيام ربك عظيمٌ، وسأخبرك بشرفه وفضله في الدنيا، وما يُرجى فيه لأهله، وأخبرك باسمه في الآخرة. فأما شرفه وفضله في الدنيا (١)، فإنَّ الله جمَع فيه أمرَ الخلق. وأما ما يرجى فيه لأهله، فإنَّ فيه ساعةً لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاهما إياه. وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله ﵎ إذا صيَّر أهل الجنة إلى الجنة وأهلَ النار إلى النار جرَت عليهم هذه الأيامُ وهذه الليالي، ليس فيها ليل ولا نهار، فأعلَمَ (٢) الله مقدار ذلك وساعاته. فإذا كان يومُ الجمعة حين يخرج أهل الجمعة إلى جمعتهم نادى أهلَ الجنة منادٍ: يا أهل الجنة، اخرجوا إلى وادي المزيد. ووادي المزيد لا يعلم سعتَه وطوله (٣) وعرضه إلا الله، فيه (٤) كُثبانُ المسك رؤوسُها في السماء.

стр. 603

قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسيَّ من ياقوت، فإذا وُضِعت لهم وأخذ القومُ مجالسهم بعث الله عليهم ريحًا تُدعى «المثيرة» تثير (١) ذلك المسك، وتُدخلِه من تحت ثيابهم، وتُخرِجه في وجوههم وأشعارهم. تلك الريح أعلَمُ كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دُفع إليها كلُّ طيبٍ على وجه الأرض. قال: ثم يوحي الله ﵎ إلى حملة عرشه: ضعوه بين أظهرهم. فيكون أول ما يسمعون منه: إليَّ يا عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني، وصدَّقوا برسلي، واتَّبعوا أمري. سَلُوا، فهذا يوم المزيد. فيُجْمِعون كلمةً (٢) واحدة: رضينا (٣) عنك، فارضَ عنَّا. فيرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة، إنِّي لو لم أرضَ عنكم لم أُسْكِنكم داري، فسلوني، فهذا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة: ربَّنا، وجهَك ننظر إليه. فيكشف تلك الحُجُب فيتجلَّى لهم ، فيغشاهم من نوره شيءٌ لولا أنه (٤) قضى أن (٥) لا يحترقوا لاحترقوا لما يغشاهم من نوره. ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم. فيرجعون إلى منازلهم، وقد أعطى

стр. 604

كلَّ واحد منهم (١) الضِّعفَ على ما كانوا فيه. فيرجعون إلى أزواجهم، وقد خَفُوا عليهن وخَفِين عليهم ممَّا غشيهم من نوره. فإذا رجعوا ترادَّ النُّورُ حتى يرجعوا إلى صورهم (٢) التي كانوا عليها، فتقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها. فيقولون: ذلك أنَّ الله تجلَّى لنا، فنظرنا منه. قال: إنه والله ما أحاط به خلقٌ، ولكنه قد أراهم من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم. قال: فذلك قوله (٣): فنظرنا منه. قال: فهم يتقلَّبون في مسك الجنة ونعيمها في كلِّ سبعة أيامٍ الضِّعفَ على ما كانوا فيه». قال رسول الله ﷺ : «فذلك قوله تعالى: ﴿نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ﴾ [السجدة: ١٧]». ورواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (٤) من حديث عصمة بن محمد، ثنا موسى بن عُقْبة، عن أبي صالح، عن أنس شبيهًا به.

стр. 605

وذكر أبو نعيم في «صفة الجنة» (١) أيضًا من حديث المسعودي، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: «سارعوا إلى الجمعة في الدنيا، فإن الله ﵎ يبرز لأهل الجنة كلَّ جمعة على كثيب من كافور أبيض، فيكونون منه في القرب على قدر سرعتهم إلى الجمعة، ويُحدِث لهم من الكرامة شيئًا لم يكونوا رأوه قبل ذلك (٢)، فيرجعون إلى أهليهم وقد أحدث لهم». فصل في مبدأ الجمعة قال ابن إسحاق (٣): حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، قال: حدثني عبد الرحمن بن كعب (٤) بن مالك، قال: كنتُ قائدَ أبي حين

стр. 606

كُفَّ بصره. فإذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان بها، استغفر لأبي أمامة أسعد بن زُرارة. فكنتُ (١) حينًا أسمع ذلك منه. فقلت: إنَّ عجزًا أن لا أسأله عن هذا. فخرجت به كما كنت أخرج، فلما سمع الأذان بالجمعة استغفر له. فقلت: يا أبتاه! أرأيتَ استغفارك لأسعد بن زرارة كلَّما سمعت الأذان بالجمعة؟ قال: أي بنيَّ! كان أسعدُ أولَ من جمع بنا بالمدينة قبل مقدَم رسول الله ﷺ في هَزْمٍ (٢) من حَرَّة بني بَياضة، في نقيع يقال له: نقيع الخَضَمات. قلت: وكم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا. قال البيهقي (٣): ومحمد بن إسحاق إذا ذكر سماعه في الرواية، وكان الراوي ثقةً، استقام الإسناد. وهذا حديث حسن الإسناد صحيح، انتهى. قلت: وهذا كان مبدأ الجمعة. ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة، فأقام بقُباء في بني عمرو بن عوف ــ كما قال ابن إسحاق (٤) ــ يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم. ثم خرج يوم الجمعة, فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلَّاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت (٥) أول جمعة صلَّاها بالمدينة، وذلك قبل تأسيس مسجده.

стр. 607

قال ابن إسحاق (١): وكانت أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ــ ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل ــ أنه قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فقدِّموا لأنفسكم. تعلَّمُنَّ: والله لَيُصْعَقَنَّ أحدُكم، ثم لَيَدعَنَّ غنَمه ليس لها راعٍ، ثم لَيقولنَّ له ربُّه، ليس له ترجمانٌ ولا حاجبٌ يحجُبه دونه: ألم يأتِك رسولي فبلَّغَك، وآتيتُك مالًا، وأفضلتُ عليك؟ فما قدَّمتَ لنفسك؟ فَلَينظرَنَّ يمينًا وشمالًا، فلا يرى شيئًا. ثم لينظرَنَّ قُدَّامه، فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقي (٢) وجهه من النار، ولو بشِقٍّ من تمرة، فليفعل. ومن لم يجد فبكلمة طيِّبة، فإنَّ بها تُجزى الحسنةُ عشرَ (٣) أمثالها إلى سبعمائة ضعف. والسلام عليكم ورحمة الله (٤) وبركاته».

стр. 608

قال ابن إسحاق (١): ثم خطب رسول الله ﷺ مرةً أخرى، فقال: «إنَّ الحمد لله، أحمده وأستعينه. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إنَّ أحسنَ الحديث كتابُ الله. قد أفلح من زيَّنه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر، فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس. إنه أحسنُ الحديث وأبلغُه. أحِبُّوا ما أحبَّ الله (٢). أحِبُّوا الله من كلِّ قلوبكم. ولا تملُّوا كلام الله وذكره، ولا تقسُ عنه قلوبكم؛ فإنه [من كلِّ ما يخلُق الله يختار ويصطفي] قد سمَّاه خِيرَتَه من الأعمال [ومصطفاه من العباد] والصالحَ من الحديث، ومن كلِّ ما أوتي الناسُ من الحلال والحرام. فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتقوه حقَّ تقاته، واصدقوا الله صالحَ ما تقولون بأفواهكم. وتحابُّوا بروح الله بينكم. إنَّ الله يغضب أن يُنْكَث عهدُه. والسلام عليكم». وقد تقدَّم طرَفٌ من خطبه ﷺ عند ذكر هديه في الخطبة (٣). فصل وكان من هديه ﷺ تعظيم هذا اليوم، وتشريفه، وتخصيصه بعبادات يختصَّ بها عن غيره. وقد اختلف الفقهاء: هل هو أفضل أم يوم عرفة؟ على قولين، وهما

стр. 609

وجهان لأصحاب الشافعي (١). وكان ﷺ يقرأ في فجره بسورتي (الم تنزيل) و (هل أتى على الإنسان) (٢). ويظنُّ كثير ممن لا علم عنده أنَّ المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة، ويسمُّونها سجدة الجمعة. وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحبَّ قراءة سورة أخرى فيها سجدة. ولهذا كره من كره من الأئمة المداومةَ على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعًا لتوهُّم الجاهلين. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما كان النَّبيُّ ﷺ يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمَّنتا ما كان ويكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر الخليقة، وذلك يكون يوم الجمعة، فكان (٣) في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون. والسجدة جاءت تبعًا، ليست مقصودةً حتى يقصد المصلِّي قراءتها حيث اتفقت (٤). فهذه خاصَّة من خواصِّ يوم الجمعة.

стр. 610

الخاصَّة الثانية: استحباب كثرة الصلاة فيه على النبي ﷺ وفي ليلته، لقوله: «أكثِروا من الصلاة عليَّ يومَ الجمعة وليلةَ الجمعة» (١). ورسول الله ﷺ سيِّد الأنام، ويوم الجمعة سيِّد الأيام، فللصلاة (٢) عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى وهي أنَّ كلَّ خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده، فجمع الله لأمته به بين خير الدنيا والآخرة. وأعظمُ كرامة تحصل لهم فإنها تحصل يوم الجمعة، فإنَّ فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة. وهو عيدٌ لهم في الدنيا، ويومٌ فيه يُسعفهم (٣) الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يردُّ سائلهم. وهذا كلُّه إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمِن شكره وحمدِه وأداءِ القليل من حقِّه ﷺ أن يُكثَر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته. الخاصَّة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين. وهي أعظم من كلِّ مجمع يجتمعون فيه وأفرضه سوى مجمع عرفة. ومن تركها تهاونًا بها طبع الله على قلبه. وقربُ أهل الجنة يوم القيامة وسبقُهم إلى الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم إليها. الخاصَّة الرابعة: الأمر بالاغتسال في يومها (٤)، وهو أمر مؤكَّد جدًّا.

стр. 611

ووجوبه أقوى من وجوبِ الوتر وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوبِ الوضوء من مسِّ النساء، ووجوبِ الوضوء من مسِّ الذكر، ووجوبِ الوضوء من القهقهة في الصلاة، ووجوبِ الوضوء من الرُّعاف والحجامة والقيء، ووجوبِ الصلاة على النبي ﷺ في التشهُّد الأخير، ووجوبِ القراءة على المأموم. وللناس في وجوبه ثلاثة أقوال: النفي، والإثبات، والتفصيل بين من له رائحة يحتاج إلى إزالتها به (١)، فيجب عليه؛ ومن هو مستغنٍ عنه، فيستحَبُّ له. والثلاثة لأصحاب أحمد (٢). الخاصَّة الخامسة: التطيُّب فيه . وهو أفضل فيه (٣) من التطيُّب في غيره من أيام الأسبوع. الخاصَّة السادسة: السِّواك فيه . وله مزية على السِّواك في غيره. الخاصَّة السابعة: التبكير إلى الصلاة . الخاصَّة (٤) الثامنة: أن يشتغل بالصلاة والذكر والقراءة حتى يخرج الإمام. الخاصَّة (٥) التاسعة: الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبًا في أصحِّ

стр. 612

القولين، فإن تركه كان لاغيًا، ومَن لغا فلا جمعة له. وفي «المسند» (١) مرفوعًا: «والذي يقول لصاحبه: أنصِتْ، فلا جمعة له». الخاصَّة العاشرة: قراءة سورة الكهف في يومها. فقد روي عن النبي ﷺ : «من قرأ سورة الكهف في (٢) يوم الجمعة سطَع له نورٌ من تحت قدمه إلى عَنانِ السَّماء يضيء به يوم القيامة، وغُفِر له ما بين الجمعتين» (٣). وذكره سعيد بن منصور (٤) من قول أبي سعيد الخدري، وهو أشبه.

стр. 613

الحادية عشر (١): أنه لا يكره فعلُ الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي (٢) ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية. ولم يكن اعتماده على حديث ليث عن مجاهد عن أبي الخليل عن أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال: «إنَّ جهنَّم تُسْجَر إلا يوم الجمعة» (٣). وإنما كان اعتماده على أنَّ من جاء إلى الجمعة يستحَبُّ له أن يصلِّي حتى يخرج الإمام. وفي الحديث الصحيح: «لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة، ويتطهَّر (٤) ما استطاع من طُهرٍ، ويدَّهِن من دُهْنه، أو يمسُّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلِّي ما كُتِب له، ثم يُنْصِت إذا تكلَّم الإمامُ= إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». رواه البخاري (٥). فندَبه إلى صلاةِ ما كُتِب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام.

стр. 614

ولهذا قال غير واحد من السلف، منهم عمر بن الخطاب (١)، وتبعه (٢) عليه الإمام أحمد بن حنبل (٣): خروجُ الإمام يمنع الصلاة، وخطبتُه تمنع الكلام (٤). فجعلوا المانع من الصلاة خروجَ الإمام، لا انتصافَ النهار. وأيضًا فإنَّ النَّاس يكونون في المسجد تحت السُّقوف ولا يشعرون بوقت الزوال، والرجل يكون متشاغلًا بالصلاة، ولا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن يخرج، ويتخطَّى رقابَ الناس، وينظر إلى الشمس، ويرجع؛ ولا يشرع له ذلك. وحديث أبي قتادة هذا، قال أبو داود (٥): «هو مرسل، أبو الخليل (٦) لم يسمع من أبي قتادة». والمرسل إذا اتصل به العملُ وعضَده قياس أو قولُ صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك، مما يقتضي قوتَه= عُمِل به.

стр. 615

وأيضًا فقد عضَده شواهد أُخَر، منها: ما ذكره الشافعي في «كتابه» فقال: وروي عن إسحاق بن عبد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصفَ النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة. هكذا رواه في كتاب «اختلاف الحديث» (١). ورواه في «كتاب الجمعة» (٢): حدثنا إبراهيم بن محمد عن إسحاق. ورواه أبو خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله، عن سعيد (٣) المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٤). وقد رواه البيهقي في «المعرفة» (٥) من حديث عطاء بن عجلان، عن أبي نضرة عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: «كان رسول الله ﷺ ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة». ولكن إسناده فيه مَن لا يُحتَجُّ به، قاله البيهقي (٦). قال (٧): ولكن إذا انضمَّت هذه الأحاديث إلى رواية (٨) أبي قتادة أخذت (٩) بعض القوة.

стр. 616

قال الشافعي ﵀ (١): من شأن الناس: التهجيرُ إلى الجمعة والصلاةُ إلى خروج الإمام. قال البيهقي (٢): الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أنَّ النَّبيَّ (٣) ﷺ رغَّب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء. وذلك يوافق هذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاةُ نصفَ النهار يوم الجمعة. ورُوِّينا الرخصةَ في ذلك عن طاوس (٤) والحسن ومكحول (٥). قلت: اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس وقت كراهة بحال، وهذا مذهب مالك (٦). والثاني: أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيره. وهذا مذهب أبي حنيفة (٧) والمشهور من مذهب أحمد (٨). والثالث: أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة فليس وقتَ كراهة فيه. وهذا

стр. 617

مذهب الشافعي. والله أعلم (١). الثانية عشر: قراءة (سورة الجمعة) و (المنافقين) (٢) أو (سبح) و (الغاشية) في صلاة الجمعة. فقد كان رسول الله ﷺ يقرأ بهنَّ في الجمعة. ذكره مسلم في «صحيحه» (٣). وفيه أيضًا (٤): أنه ﷺ كان يقرأ فيها بـ (الجمعة) و (هل أتاك حديث الغاشية)، ثبت عنه ذلك كله. ولا يستحَبُّ أن يقرأ من كلِّ سورة بعضَها، أو يقرأ إحداهما في الركعتين، فإنه خلاف السنَّة. وجُهَّال الأئمة يداومون على ذلك (٥). الثالثة عشر: أنه يوم عيد متكرِّر في الأسبوع. وقد روى أبو عبد الله بن ماجه في «سننه» (٦) من حديث أبي لُبابة بن عبد المنذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ يوم الجمعة سيِّد الأيام وأعظمها عند الله. وهو أعظم عند الله من يوم

стр. 618

الأضحى ويوم الفطر. فيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبَط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفَّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبدُ شيئًا إلا أعطاه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة. وما من ملَك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا شجر (١) إلا هُنّ يُشْفِقن (٢) من يوم الجمعة». الرابعة عشر: أنه يستحَبُّ للرجل (٣) أن يلبس فيه أحسن ثيابه التي يقدر عليها. فقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (٤) من حديث أبي أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اغتسل يوم الجمعة، ومسَّ من طيبٍ إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد، فيركع إن بدا له، ولم يؤذِ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلِّي= كانت كفارةً لما بينهما». وفي «سنن أبي داود» (٥) عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله ﷺ

стр. 619

يقول على المنبر في يوم الجمعة: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبَين ليوم الجمعة سوى ثوبَي مَهْنته». وفي «سنن ابن ماجه» (١) عن عائشة أن النبي ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النِّمار، فقال رسول الله ﷺ : «ما على أحدكم إن وجد سعةً أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبَي مَهْنته (٢)». الخامسة عشر: أنه يستحَبُّ فيه تجمير المسجد. فقد ذكر سعيد بن

стр. 620

منصور (١) عن نُعَيم بن عبد الله المُجْمِر (٢) أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أن يُجْمِر المسجدَ مسجدَ المدينة كلَّ يوم جمعة حين ينتصف النهار. قلت: ولذلك سمِّي نُعيمًا (٣) المُجْمِر (٤). السادسة عشر: أنه لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها. وأما قبله ففيه ثلاثة أقوال للعلماء، وهي روايات منصوصات عن أحمد. إحداها (٥): لا يجوز أيضًا (٦). والثانية: يجوز. والثالثة: يجوز للجهاد خاصةً (٧). وأما مذهب الشافعي، فيحرم عنده إنشاء السفر يوم الجمعة بعد الزوال. ولهم في سفر الطاعة وجهان, أحدهما: تحريمه، وهو اختيار النواوي (٨)

стр. 621

وغيره. والثاني: جوازه، وهو اختيار الرافعي. وأما السفر قبل الزوال، فللشافعي فيه قولان, القديم: جوازه، والجديد: أنه كالسفر بعد الزوال (١). وأما مذهب مالك فقال صاحب «التفريع» (٢): «ولا يسافر أحد يوم الجمعة بعد الزوال حتى يصلي الجمعة، ولا بأس أن يسافر قبل الزوال، والاختيار: أن لا يسافر إذا طلع له (٣) الفجر وهو حاضر حتى يصلِّي الجمعة». وذهب أبو حنيفة إلى جواز السفر مطلقًا (٤). وقد روى الدارقطني في «الأفراد» (٥) من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «مَن سافر من دار إقامةٍ يومَ الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يُصْحَب في سفره». وهو من حديث ابن لهيعة. وفي «مسند الإمام أحمد» (٦) من حديث الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس

стр. 622

قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سريَّة، فوافق ذلك يوم الجمعة. قال: فغدا أصحابه، وقال: أتخلَّف، فأصلِّي مع النَّبيَّ ﷺ ، ثم ألحقُهم. فلما صلَّى النبيُّ ﷺ رآه، فقال: «ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟»، قال: أردت أن أصلِّي معك، ثم ألحقهم. فقال: «لو أنفقتَ ما في الأرض ما أدركتَ فضلَ غَدوتهم». وأُعِلَّ هذا الحديث أيضًا بأنَّ الحكمَ لم يسمعه من مِقْسَم (١). هذا إذا لم يخَف المسافر فوتَ رفقته. فإن خاف فوتَ رفقته وانقطاعَه بعدهم جاز له (٢) السفر مطلقًا، لأنَّ هذا عذرٌ يُسقِط الجمعة والجماعة. ولعل ما روي عن الأوزاعي أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرَج دابَّتَه، فقال: «لِيَمْضِ في سفره» (٣) = محمولٌ على هذا. وكذلك قول عمر (٤): «الجمعة لا تحبس عن سفر».

стр. 623

وإن كان مرادهم جواز السفر مطلقًا فهي مسألة نزاع، والدليل هو الفاصل؛ على أن عبد الرزاق قد روى في «مصنفه» (١) عن مَعْمر، عن خالد الحذَّاء، عن ابن سيرين أو غيره أنَّ عمر بن الخطاب رأى رجلًا عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنك؟ فقال (٢): أردت سفرًا، فكرهت أن أخرج حتى أصلِّي. فقال له عمر: «إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها». فهذا هو قول من يمنع السفر بعد الزوال، ولا يمنع منه قبله. وذكر عبد الرزاق (٣) أيضًا عن الثوري، عن الأسود بن قيس، عن أبيه قال: أبصر عمر بن الخطاب رجلًا عليه هيئة السفر، فقال الرجل: إنَّ اليوم يوم الجمعة، ولولا ذلك لخرجتُ. فقال عمر: إنَّ الجمعة لا تحبِس مسافرًا، فاخرُجْ ما لم يحِن الرَّواح. وذكر (٤) أيضًا عن الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن دينار (٥)، عن

стр. 624

الزهري قال: خرج رسول الله ﷺ مسافرًا يوم الجمعة ضحًى قبل الصلاة. وذكر (١) عن معمر قال: سألت يحيى بن أبي كثير: هل يخرج الرجل يوم الجمعة؟ فكرهه، فجعلت أحدِّثه بالرخصة فيه، فقال لي: قلَّما خرج رجل في يوم الجمعة إلا رأى ما يكره. لو نظرتَ في ذلك وجدته كذلك. وذكر ابن المبارك (٢) عن الأوزاعي عن حسان بن عطية (٣) قال: إذا سافر الرجل يوم الجمعة دعا عليه النهارُ أن لا يعان على حاجته ولا يصاحَب في سفره. وذكر الأوزاعي عن ابن المسيب أنه قال: السفر في يوم الجمعة بعد الصلاة. قال ابن جريج (٤): قلت لعطاء: أبَلَغَك أنه كان يقال: إذا أمسى في قريةٍ جامعةٍ من ليلة الجمعة فلا يذهب حتى يجمِّع؟ قال: إنَّ ذلك لَيُكْرَه. قلت: فمن يوم الخميس؟ قال: لا, ذلك النهار فلا يضرُّه. السابعة عشر: أنَّ للماشي إلى الجمعة بكلِّ خطوة أجرَ سنةٍ صيامِها

стр. 625

وقيامِها. قال عبد الرزاق (١): عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قِلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن غسّل واغتسل يوم الجمعة، وبكّر وابتكر، ودنا من الإمام فأنصت= كان له بكلِّ خطوة يخطوها صيامُ سنة وقيامُها، وذلك على الله يسير». قال الإمام أحمد: غسّل بالتشديد: جامع أهله. وكذلك فسّره وكيع (٢).

стр. 626

الثامنة عشر: أنه يوم تكفير السيئات. فقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (١) عن سلمان قال: قال لي النَّبيُّ (٢) ﷺ : «أتدري ما يوم الجمعة؟». قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال: «لكنِّي أدري ما يوم الجمعة. لا يتطهَّر الرجل، فيُحسِن طهوره، ثم يأتي الجمعة، فينصِت حتى يقضي الإمام صلاته= إلا كان كفارةً لما بينه وبين الجمعة المقبلة، ما اجتُنِبت المَقْتلة». وفي «المسند» (٣) أيضًا من حديث عطاء الخراساني عن نُبيشة الهُذَلي أنه كان يحدِّث عن رسول الله ﷺ : «إنَّ المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدًا، فإن لم يجد الإمام خرَج، صلّى ما بدا له. وإن وجد الإمام قد خرَج جلَس، فاستمع وأنصَت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه= إن لم يُغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلُّها، أن تكون كفارةً للجمعة التي تليها». وفي «صحيح البخاري» (٤) عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهَّر ما استطاع من طُهْرٍ، ويدَّهن من دهنه أو يمسُّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلِّي ما كُتِب له، ثم يُنْصِت إذا تكلَّم الإمام= إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى».

стр. 627

وفي «مسند أحمد» (١) من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة، ثم لبس ثيابه ومسَّ طيبًا إن كان عنده، ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة، ولم يتخطَّ أحدًا ولم يؤذه، وركع ما قُضي له، ثم انتظر حتى ينصرف الإمام= غُفِر له ما بين الجمعتين». التاسعة عشر: أنَّ جهنَّم تُسْجَر كلَّ يوم إلا يوم الجمعة. وقد تقدَّم حديث أبي قتادة في ذلك. وسرُّ ذلك ــ والله أعلم ــ أنه أفضل الأيام عند الله ويقع فيه من العبادات والطاعات والدعوات والابتهال إلى الله سبحانه ما يمنع من سَجْر جهنَّم فيه. ولذلك تكون معاصي أهل الإيمان فيه أقلَّ من معاصيهم في غيره، حتى إنَّ أهل الفجور ليمتنعون فيه مما لا يمتنعون منه في يوم السبت وغيره. وهذا الحديث، الظاهر أنَّ المراد منه سَجْر جهنَّم في الدنيا، وأنها توقد كلَّ يوم إلا يوم الجمعة. وأما يوم القيامة، فإنَّها لا يفتُر عذابها، ولا يخفَّف عن أهلها الذين هم أهلُها يومًا من الأيام. ولذلك يدعُون الخزَنةَ أن يدعوا ربَّهم، فيخفِّفَ (٢) عنهم يومًا من العذاب، فلا يجيبونهم إلى ذلك. العشرون: أن فيه ساعة الإجابة ، وهي الساعة التي لا يُسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه. ففي «الصحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ في الجمعة لساعةً لا يوافقها مسلمٌ وهو قائم يصلِّي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه» وقال بيده يقلِّلها.

стр. 628

وفي «المسند» (١) من حديث أبي لُبابة (٢) البدري (٣) عن النبي ﷺ قال: «سيِّد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى. وفيه خمس خِلال: خلق الله آدم فيه. وأهبط الله فيه آدم (٤) إلى الأرض. وفيه توفَّى الله آدم (٥). وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه، ما لم يسأل فيه حرامًا. وفيه تقوم الساعة. ما من ملك مقرَّب ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا شجر (٦) إلا هن يشفقن (٧) من يوم الجمعة». فصل وقد اختلف الناس في هذه الساعة: هل هي باقية أو قد رُفعت؟ على قولين حكاهما ابن عبد البر وغيره (٨). والذين قالوا: هي باقية ولم تُرفَع، اختلفوا هل هي في وقت من اليوم بعينه أو هي غير معيَّنة؟ على قولين. ثم اختلف من قال بعدم تعيُّنها (٩): هل هي تنتقل في ساعات اليوم أو لا؟ على

стр. 629

قولين أيضًا. والذين قالوا بتعيُّنها اختلفوا فيه على أحد عشر (١) قولًا. قال ابن المنذر (٢): روينا عن أبي هريرة أنه قال: هي من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. القول الثاني: أنها عند الزوال. ذكره ابن المنذر عن الحسن البصري وأبي العالية. الثالث: أنها إذا أذَّن المؤذن لصلاة الجمعة. قال ابن المنذر: روِّينا ذلك عن عائشة. الرابع: أنها إذا جلس الإمام على المنبر حتى يفرغ. قال ابن المنذر: روِّيناه عن الحسن البصري. الخامس قاله أبو بردة: هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة. السادس قاله أبو السَّوَّار (٣) العَدَوي. قال: كانوا يرون أنَّ الدعاء مستجابٌ ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة. السابع قاله أبو ذر: إنها ما بين أن تزيغ (٤) الشمس شبرًا إلى ذراع. الثامن: أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس. قاله أبو هريرة (٥) وعبد الله بن سلام وطاوس.

стр. 630

حكى ذلك كله ابن المنذر (١). التاسع: أنها آخر ساعة بعد العصر. وهو قول أحمد وجمهور الصحابة والتابعين (٢). العاشر: أنها من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة. حكاهما (٣) النواوي (٤) وغيره. الحادي عشر: أنها الساعة الثالثة من النهار. حكاه صاحب «المغني» (٥) فيه. وقال كعب: لو قسم إنسان جُمَعَهً في جُمَعٍ أتى على تلك الساعة (٦). وقال عمر (٧): إنَّ طلبَ حاجةٍ في يوم ليسيرٌ. وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمَّنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر. القول الأول: إنها ما بين جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة. وحجَّة هذا

стр. 631

القول ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث أبي بردة بن أبي موسى: أنَّ عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يحدِّث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة (٢)؟ قال: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة». وروى ابن ماجه والترمذي (٣) من حديث عمرو بن عوف المزَني عن النبي ﷺ قال: «إنَّ في الجمعة ساعةً لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه». قالوا: يا رسول الله، أية ساعة هي؟ قال: «حين تقام الصلاة إلى انصرافٍ منها». والقول الثاني: إنها بعد العصر. وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام وأبي هريرة والإمام أحمد (٤) وخلق. وحجة هذا القول ما روى أحمد في «مسنده» (٥) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي ﷺ

стр. 632

قال: «إنَّ في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر». وروى أبو داود والنسائي (١) عن جابر عن النبي ﷺ قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة (٢) ساعةً، فيها ساعة لا يوجد مسلمٌ يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه، فالتمِسوها آخرَ ساعة بعد العصر». وروى سعيد بن منصور في «سننه» (٣) عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرَّقوا، ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. وفي «سنن ابن ماجه» (٤) عن عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله ﷺ

стр. 633

جالس: إنَّا لَنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعةٌ لا يوافقها عبد مؤمن يصلِّي يسأل الله فيها شيئًا إلا قضى الله (١) له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليَّ رسولُ الله ﷺ : «أو بعضُ ساعة». فقلت: صدقتَ يا رسول الله (٢)، أو بعض ساعة. قلت: أيُّ ساعة هي؟ قال: «آخر ساعة من ساعات النهار». قلت: إنها ليست ساعة صلاة. قال: «بلى، إنَّ العبد المؤمن إذا صلّى ثم جلس لا يُجْلِسه (٣) إلا الصلاة فهو في صلاة». وفي «مسند أحمد» (٤) من حديث أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ : لأيِّ شيءٍ سمِّي يوم الجمعة؟ قال: «لأنَّ فيها طُبِعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة. وفي آخر ثلاث ساعاتٍ منها ساعةٌ مَن دعا الله فيها استجيب له». وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي (٥) من حديث أبي سلَمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خيرُ يومٍ طلعت فيه

стр. 634

الشمس يومُ الجمعة. فيه خُلِق آدم، وفيه أُهْبِط، وفيه تِيبَ عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة. وما من دابَّة إلا وهي مُصِيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجنَّ والإنسَ. وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي يسأل الله حاجةً إلا أعطاه إياها». قال كعب: ذلك في كلِّ سنة يومٌ؟ فقلت: بل في كلِّ جمعة. قال: فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله ﷺ . فقال أبو هريرة: ثم لقيتُ عبد الله بن سلام، فحدَّثته بمجلسي مع كعب، فقال عبد الله بن سلام: وقد علمتُ أية ساعة هي. قال أبو هريرة: فقلت: أخبِرني بها. فقال عبد الله بن سلام: هي آخرُ ساعةٍ من يوم الجمعة. فقلت: كيف هي آخرُ ساعةٍ من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي»، وتلك الساعة لا يصلَّى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : «من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلِّي»؟ قال: فقلت: بلى. قال (١): هو ذاك. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي «الصحيحين» (٢) بعضه. وأما من قال: إنها من حين يفتتح (٣) الخطبةَ إلى فراغه من الصلاة، فاحتجَّ بما روى مسلم في «صحيحه» (٤) عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال عبد الله بن عمر: أسمعتَ أباك يحدِّث عن رسول الله ﷺ

стр. 635

في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة». وأما من قال: هي ساعة الصلاة، فاحتجُّوا بما رواه الترمذي وابن ماجه (١) من حديث عمرو بن عوف المزَني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في الجمعة ساعةً لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه». قالوا: يا رسول الله، أية ساعة هي؟ قال: «حين تقام الصلاة إلى انصرافٍ منها». ولكن هذا الحديث ضعيف، قال أبو عمر بن عبد البر (٢): هو حديث لم يروه فيما علمتُ إلا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدِّه، وليس هو ممن يُحتجُّ به (٣). وقد روى رَوح بن عبادة (٤)، عن عوف، عن معاوية بن قرة، عن أبي بردة بن (٥) أبي موسى أنه قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن تُقضى الصلاة. فقال ابن عمر: أصاب الله بك! وروى عبد الرحمن بن حُجَيرة (٦) عن أبي ذرٍّ أنَّ امرأته سألته عن
следующие страницы →