← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

القول ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث أبي بردة بن أبي موسى: أنَّ عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يحدِّث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة (٢)؟ قال: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة». وروى ابن ماجه والترمذي (٣) من حديث عمرو بن عوف المزَني عن النبي ﷺ قال: «إنَّ في الجمعة ساعةً لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه». قالوا: يا رسول الله، أية ساعة هي؟ قال: «حين تقام الصلاة إلى انصرافٍ منها». والقول الثاني: إنها بعد العصر. وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام وأبي هريرة والإمام أحمد (٤) وخلق. وحجة هذا القول ما روى أحمد في «مسنده» (٥) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي ﷺ

стр. 632

قال: «إنَّ في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر». وروى أبو داود والنسائي (١) عن جابر عن النبي ﷺ قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة (٢) ساعةً، فيها ساعة لا يوجد مسلمٌ يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه، فالتمِسوها آخرَ ساعة بعد العصر». وروى سعيد بن منصور في «سننه» (٣) عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرَّقوا، ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. وفي «سنن ابن ماجه» (٤) عن عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله ﷺ

стр. 633

جالس: إنَّا لَنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعةٌ لا يوافقها عبد مؤمن يصلِّي يسأل الله فيها شيئًا إلا قضى الله (١) له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليَّ رسولُ الله ﷺ : «أو بعضُ ساعة». فقلت: صدقتَ يا رسول الله (٢)، أو بعض ساعة. قلت: أيُّ ساعة هي؟ قال: «آخر ساعة من ساعات النهار». قلت: إنها ليست ساعة صلاة. قال: «بلى، إنَّ العبد المؤمن إذا صلّى ثم جلس لا يُجْلِسه (٣) إلا الصلاة فهو في صلاة». وفي «مسند أحمد» (٤) من حديث أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ : لأيِّ شيءٍ سمِّي يوم الجمعة؟ قال: «لأنَّ فيها طُبِعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة. وفي آخر ثلاث ساعاتٍ منها ساعةٌ مَن دعا الله فيها استجيب له». وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي (٥) من حديث أبي سلَمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خيرُ يومٍ طلعت فيه

стр. 634

الشمس يومُ الجمعة. فيه خُلِق آدم، وفيه أُهْبِط، وفيه تِيبَ عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة. وما من دابَّة إلا وهي مُصِيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجنَّ والإنسَ. وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي يسأل الله حاجةً إلا أعطاه إياها». قال كعب: ذلك في كلِّ سنة يومٌ؟ فقلت: بل في كلِّ جمعة. قال: فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله ﷺ . فقال أبو هريرة: ثم لقيتُ عبد الله بن سلام، فحدَّثته بمجلسي مع كعب، فقال عبد الله بن سلام: وقد علمتُ أية ساعة هي. قال أبو هريرة: فقلت: أخبِرني بها. فقال عبد الله بن سلام: هي آخرُ ساعةٍ من يوم الجمعة. فقلت: كيف هي آخرُ ساعةٍ من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي»، وتلك الساعة لا يصلَّى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : «من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلِّي»؟ قال: فقلت: بلى. قال (١): هو ذاك. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي «الصحيحين» (٢) بعضه. وأما من قال: إنها من حين يفتتح (٣) الخطبةَ إلى فراغه من الصلاة، فاحتجَّ بما روى مسلم في «صحيحه» (٤) عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال عبد الله بن عمر: أسمعتَ أباك يحدِّث عن رسول الله ﷺ

стр. 635

في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة». وأما من قال: هي ساعة الصلاة، فاحتجُّوا بما رواه الترمذي وابن ماجه (١) من حديث عمرو بن عوف المزَني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في الجمعة ساعةً لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه». قالوا: يا رسول الله، أية ساعة هي؟ قال: «حين تقام الصلاة إلى انصرافٍ منها». ولكن هذا الحديث ضعيف، قال أبو عمر بن عبد البر (٢): هو حديث لم يروه فيما علمتُ إلا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدِّه، وليس هو ممن يُحتجُّ به (٣). وقد روى رَوح بن عبادة (٤)، عن عوف، عن معاوية بن قرة، عن أبي بردة بن (٥) أبي موسى أنه قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن تُقضى الصلاة. فقال ابن عمر: أصاب الله بك! وروى عبد الرحمن بن حُجَيرة (٦) عن أبي ذرٍّ أنَّ امرأته سألته عن

стр. 636

الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن، فقال لها: مع زَيغ (١) الشمس بيسير (٢). فإن سألتني (٣) بعدها فأنت طالق! واحتجَّ هؤلاء أيضًا بقوله في حديث أبي هريرة: «وهو قائم يصلِّي»، وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت، والأخذُ بظاهر الحديث أولى. قال أبو عمر (٤): ويحتجُّ أيضًا مَن ذهب إلى هذا بحديث عليٍّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا زالت الشمس، وفاءت الأفياء، وراحت الأرواح؛ فاطلبوا إلى الله حوائجكم، فإنها ساعة الأوابين». ثم تلا: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الساعة التي تُذكَر يوم الجمعة: ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وكان سعيد بن جبير إذا صلَّى العصر لم يكلِّم أحدًا حتى تغرب الشمس (٥). وهذا القول هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث. ويليه القول بأنها ساعة الصلاة. وبقية الأقوال لا دليل عليها. وعندي أنَّ ساعةَ الصلاة

стр. 637

ساعةٌ ترجى فيها الإجابة أيضًا، فكلاهما ساعة إجابة. وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخرَ ساعة بعد العصر، فهي ساعة معيَّنة من اليوم، لا تتقدَّم ولا تتأخَّر. وأمَّا ساعة الصلاة فتابعة للصلاة، تقدَّمت أو تأخَّرت، لأنَّ لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرُّعهم وابتهالهم إلى الله تأثيرًا في الإجابة، فساعةُ اجتماعهم ساعةٌ ترجى فيها الإجابة. وعلى هذا، فتتفق الأحاديث كلُّها، ويكون النَّبيُّ ﷺ قد حضَّ أمَّتَه على الدعاء والابتهال إلى الله في هاتين الساعتين. ونظير هذا: قوله ﷺ وقد سئل عن المسجد الذي أُسِّس على التقوى فقال: «هو مسجدكم هذا»، وأشار إلى مسجد المدينة (١). وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسَّسًا على التقوى، بل كلٌّ منهما مؤسَّس على التقوى. فكذلك قوله في ساعة الجمعة: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة» (٢) لا ينافي قولَه في الحديث الآخر: «فالتمِسُوها آخرَ ساعة بعد العصر» (٣). ويشبه هذا في الأسماء قوله ﷺ : «ما تعدُّون الرَّقوب فيكم؟». قالوا: مَن لم يولد له. قال: «الرَّقوب مَن لم يقدِّم مِن ولده شيئًا» (٤). فأخبر أن هذا هو الرقوب، إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدَّم منهم فَرَطًا.

стр. 638

وهذا لا ينفي أن يسمَّى من لم يولد له رقوبًا. ومثله قوله ﷺ : «ما تعدُّون المفلس فيكم؟». قالوا: مَن لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي قد لطَم هذا، وضرَب هذا، وسفَك دم هذا؛ فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته ... » (١) الحديث. ومثله قوله: «ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تردُّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين: الذي لا يسأل الناس، ولا يُفطَن له فيُتصدَّقَ عليه» (٢). وهذه الساعة ــ وهي آخر ساعة بعد العصر ــ يعظِّمها جميع الملل (٣). وعند أهل الكتاب (٤) هي ساعة الإجابة، وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنوهم. وأما من قال بتنقُّلها، فرامَ الجمعَ بذلك بين الأحاديث، كما قيل ذلك في ليلة القدر. وهذا ليس بقوي، فإنَّ ليلة القدر قد قال فيها النبي ﷺ : «فالتمِسُوها في خامسةٍ تبقى، في سابعة تبقى، في تاسعة تبقى» (٥)، ولم يجئ

стр. 639

مثل ذلك في ساعة الجمعة. وأيضًا فالأحاديث التي في ليلة القدر ليس فيها حديث صريح بأنها ليلة كذا وكذا، بخلاف أحاديث ساعة الجمعة، فظهر الفرق بينهما. وأما قول من قال: رُفِعت (١)، فهو نظير قول من قال: رُفِعت ليلة القدر. وهذا القائل إن أراد أنها كانت معلومةً، فرُفِع علمُها عن الأمة؛ فيقال له: لم يُرفَع علمُها عن كلِّ الأمة، وإن رُفِع عن بعضهم. وإن أراد أنَّ حقيقتها وكونَها ساعةَ إجابة رُفِعت، فقول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا يعوَّل عليه. والله أعلم. الحادية والعشرون: أنَّ فيه (٢) صلاة الجمعة التي خُصَّت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها: من الاجتماع، والعدد المخصوص، واشتراط الإقامة (٣) والاستيطان، والجهر فيها بالقراءة. وقد جاء من التشديد فيها ما لم يأت نظيره إلا في صلاة العصر. ففي «السنن الأربعة» (٤) من حديث أبي الجَعْد الضَّمْري ــ وكانت له صحبة ــ أنَّ رسول

стр. 640

الله ﷺ قال: «من ترك ثلاثَ جُمَع تهاونًا طبع الله على قلبه». قال الترمذي: حديث حسن، وسألت محمدًا عن اسم أبي الجعد الضَّمْري فلم يعرف (١) اسمه، وقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث. وقد جاء في «السنن» عن النبي ﷺ الأمرُ لمن تركها أن يتصدَّق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار. رواه أبو داود والنسائي (٢) من رواية قُدامة بن وَبْرة عن سَمُرة بن جندب. ولكن قال أحمد (٣): قدامة بن وبرة لا يُعرف. وقال يحيى بن معين: ثقة (٤). وحكي عن البخاري: لا يصحُّ سماعه من سَمُرة بن جندب (٥). وأجمع المسلمون على أن الجمعة فرض عين إلا قولًا يحكى عن الشافعي إنها فرض كفاية. وهو غلط عليه، منشؤه أنه قال: وأما صلاة العيد فتجب على من تجب عليه صلاة الجمعة. فظنَّ هذا القائل أن العيد لما كانت

стр. 641

فرض كفاية كانت الجمعة كذلك (١). وهذا فاسد، بل هذا نصٌّ من الشافعي أنَّ العيد واجبة (٢) على الجميع. وهذا يحتمل أمرين: أن يكون فرضَ عين كالجمعة، وأن يكون فرض كفاية، فإنَّ فرض الكفاية يجب على الجميع كفرض الأعيان سواء، وإنما يختلفان في سقوطه عن البعض ــ بعد وجوبه ــ بفعل الآخرين. الثانية والعشرون: أنَّ فيه الخطبة التي مقصودها الثناء على الله وتمجيده، والشهادةُ له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، وتذكيرُ العباد بأيامه (٣)، وتحذيرُهم من بأسه ونِقَمه، ووصيَّتُهم بما يقرِّبهم إليه وإلى جنَّاته (٤)، ونهيهم عما يقرِّبهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود هذه الخطبة والاجتماع لها. الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يستحَبُّ التفرُّغُ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزيَّةٌ بأنواعٍ من العبادات واجبةٍ ومستحبَّةٍ. فالله سبحانه جعل لأهل كلِّ ملَّة يومًا يتفرَّغون فيه لعبادته، ويتخلَّون فيه عن أشغال الدنيا، فيومُ الجمعة يومُ عبادة. وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان. ولهذا من صحَّ له يومُ جمعته وسلِمَ سلِمَتْ له سائرُ جمعته. ومن صحَّ له رمضانُ وسَلِم صحَّت له سائرُ سَنته. ومن صحَّت له حجَّته وسلِمَتْ صحَّ له سائر عُمره. فيومُ الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضانُ ميزان العام، والحجُّ ميزان العمر. وبالله التوفيق.

стр. 642

الرابعة والعشرون: أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملًا (١) على صلاة وقربان، وكان يومُ الجمعة يومَ صلاة= جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلًا من القربان وقائمًا مقامه، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة والقربان، كما في «الصحيحين» (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدَنةً. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرةً. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا (٣)». وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعات (٤) على قولين: أحدهما: أنها من أول النهار. وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. والثاني: أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال. وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية. واحتجُّوا عليه بحجَّتين: إحداهما: أنَّ الرَّواح لا يكون إلا بعد الزَّوال، وهو مقابل الغُدوِّ الذي لا يكون إلا قبل الزَّوال. قال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. قال الجوهري (٥): ولا يكون (٦) إلا بعد الزوال.

стр. 643

الحجة الثانية: أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يغدُون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس. وأنكر مالكٌ التبكيرَ إليها في أول النهار، وقال: لم ندرك عليه أهل المدينة (١). واحتجَّ أصحاب القول الأول بحديث جابر عن النبي ﷺ : «يوم الجمعة اثنا عشر (٢) ساعةً» (٣). قالوا: والساعات المعهودة هي الساعات التي هي اثنا عشر (٤). وهي نوعان: ساعات معتدلة (٥) وساعات زمانية. قالوا: ويدل على هذا القول أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنما بلغ بالساعات إلى سِتٍّ لم يزد عليها. ولو كانت الساعات أجزاءً صغارًا من الساعة التي تُفعَل فيها الجمعة لم

стр. 644

تنحصر (١) في ستة أجزاء؛ بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة، فإن الساعة السادسة متى خرجت ودخلت السابعة خرج الإمام، وطُويت الصحف ولم يُكتَب لأحد قربانٌ بعد ذلك، كما جاء مصرَّحًا به في «سنن أبي داود» (٢) من حديث علي عن النبي ﷺ : «إذا كان يومُ الجمعة غدَتِ الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيرمُون الناس بالتَّرابيث (٣)، ويثبِّطونهم عن الجمعة. وتغدو الملائكة، فتجلس على أبواب المساجد، فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين، حتَّى يخرج الإمام». قال أبو عمر بن عبد البر (٤): اختلف أهل العلم في تلك الساعات. فقالت طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، وهو الأفضل عندهم: البكور في ذلك الوقت إلى الجمعة. وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأكثر العلماء، كلُّهم (٥) يستحِبُّ البكور إليها.

стр. 645

قال الشافعي: ولو بكَّر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس كان حسنًا. وذكر الأثرم قال: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرًا، فقال: هذا خلافُ حديث النبي ﷺ . وقال: سبحان الله! إلى أيِّ شيء ذهب في هذا، والنبيُّ ﷺ يقول: «كالمُهْدي جَزورًا»؟ قال: وأما مالك، فذكر يحيى بن عمر عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات: أهو الغدوُّ من أول ساعات النهار، أو إنما أراد بهذا القول ساعات الرَّواح؟ فقال ابن وهب: سألت مالكًا عن هذا، فقال: أما الذي يقع بقلبي فإنه إنما أراد ساعةً واحدةً تكون فيها هذه الساعاتُ، مَن راح في أول تلك الساعة أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة (١). ولو لم يكن كذلك ما صُلِّيت الجمعة حتى يكون النهار تسعَ ساعات، في وقت العصر أو قريبًا من ذلك. وكان ابن حبيب ينكر قول مالكٍ هذا، ويميل إلى القول الأول، وقال: قولُ مالك هذا تحريفٌ في تأويل الحديث، ومحالٌ من وجوه. قال: وذلك أنه لا تكون ساعات في ساعة واحدة. قال: والشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة. فدلَّ ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات. فبدأ بأول ساعات النهار، فقال: «مَن راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدَنةً». ثم قال في الخامسة: «بيضةً». ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان. قال: فشرحُ الحديث بيِّن في لفظه، ولكنه حُرِّف عن موضعه، وشُرِح بالخُلْف من القول

стр. 646

وما لا يتكوَّن (١). وزهَّد شارحُه الناسَ فيما رغَّبهم فيه رسول الله ﷺ من التهجير في أول النهار، وزعم أنَّ ذلك كلَّه إنما يجتمع في ساعة واحدة قربَ زوال الشمس. قال: وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سُقنا ذلك في موضعه من كتاب «واضح السنن» بما فيه بيان وكفاية. هذا كلُّه قول عبد الملك بن حبيب. ثم ردَّ عليه أبو عمر، فقال (٢): هذا منه تحاملٌ على مالك ﵀، فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خُلْفًا وتحريفًا من التأويل. والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصِّحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضًا العملُ بالمدينة عنده، وهذا مما يصحُّ فيه الاحتجاج بالعمل لأنه أمر متردِّد كلَّ جمعة لا يخفى على عامة العلماء. فمن الآثار التي يُحتجُّ بها لمالك (٣): ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يومُ الجمعة قام على كلِّ باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناسَ الأوّلَ فالأوّلَ. فالمهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدَنةً، ثم الذي يليه كالمُهْدي بقرةً، ثم الذي يليه كالمُهْدي كبشًا، حتى (٤) ذكر الدجاجة والبيضة. فإذا جلس الإمام طُويت الصُّحف، واستمعوا الخطبة» (٥).

стр. 647

قال: ألا ترى ما (١) في هذا الحديث أنَّه قال: «يكتبون الناس الأول فالأول. المهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدنةً، ثم الذي يليه» الحديث. فجعل الأول مهجِّرًا. وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والهَجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة. وليس ذلك وقت طلوع الشمس، لأنَّ ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا هَجير. وفي الحديث: «ثم الذي يليه، ثم الذي يليه» ولم يذكر الساعة. قال: والطرق بهذا اللفظ كثيرة مذكورة في «التمهيد» (٢). وفي بعضها: «المتعجِّل إلى الجمعة كالمُهْدي بدَنةً». وفي أكثرها: «المهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدَنة ... » الحديث. وفي بعضها ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمُهْدي بدنةً، وفي آخرها كذلك. وفي أول الساعة الثانية كالمُهْدي (٣) بقرةً، وفي آخرها كذلك. وقال بعض أصحاب الشافعي: لم يُرد النبي ﷺ بقوله: «المهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدنةً» الناهضَ إليها في الهجير والهاجرة، وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله من طلبِ الدنيا للنهوض إلى الجمعة كالمُهْدي بدنةً (٤).

стр. 648

وذلك مأخوذ من الهجرة، وهو تركُ الوطن (١) والنهوضُ إلى غيره، ومنه سمِّي المهاجرون. قال الشافعي: أحبُّ التبكير إلى الجمعة، ولا تُؤتى إلا مشيًا. هذا كلُّه كلام أبي عمر. قلت: ومدار إنكار التبكير أوَّلَ النَّهار على ثلاثة أمور، أحدها: على لفظة «الرَّواح»، وأنها لا تكون إلا بعد الزوال. والثاني: لفظة «التهجير»، وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدَّة الحرِّ. والثالث: عمل أهل المدينة، فإنَّهم لم يكونوا يأتون من أول النهار. فأما لفظة «الرَّواح»، فلا ريب أنَّها تُطلَق على المضيِّ بعد الزَّوال. وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرنت بالغُدوِّ، كقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]، وقوله ﷺ : «من غدا إلى المسجد وراح أعدَّ الله له نُزُلًا في الجنَّة كلمَّا غدا وراح» (٢)، وقول الشاعر (٣): نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجةُ مَن عاش لا تنقضي وقد يطلَق الرَّواحُ بمعنى الذهاب والمُضيِّ، وهذا إنما يجيء إذا كانت

стр. 649

مجرَّدةً عن الاقتران (١) بالغُدوِّ. قال (٢) الأزهري في «التهذيب» (٣): سمعت العرب تستعمل الرَّواحَ في السَّير كلَّ وقت. تقول: راح القوم، إذا ساروا وغدَوا. ويقول أحدهم لصاحبه: تروَّحْ. ويخاطب أصحابه، فيقول: رُوحوا أي سيروا. ويقول الآخر: ألا تروحون؟ ونحو ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضيِّ إلى الجمعة والخفَّة إليها، لا بمعنى الرَّواح بالعشي (٤). وأما لفظ التهجير والهجير (٥) والمهجِّر فمن الهَجْر (٦) والهاجرة. قال الجوهري (٧): هي نصف النهار عند اشتداد الحرِّ. تقول منه: هجَّر النَّهارُ. قال امرؤ القيس (٨): فدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عنها بجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذا صام النَّهارُ وهجَّرا

стр. 650

ويقال: أتينا أهلَنا مُهْجِرين، أي في وقت الهاجرة. والتهجير والتهجُّر (١): السَّير في الهاجرة. فهذا ما يقرَّر به قولُ أهل المدينة. قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرَّواح، فإنه يطلق ويراد به التبكير. قال الأزهري في «التهذيب» (٢): روى مالك (٣) عن سُمَيٍّ عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يعلم الناسُ ما في التهجير لَاسْتَبقُوا إليه». وفي حديث آخر مرفوع: «المهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدَنةً». قال: يذهب كثير من الناس إلى أنَّ التهجير في هذه الأحاديث من الهاجرة وقتَ الزَّوال، وهو غلط. والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النَّضْر بن شُمَيل أنه قال: التهجير (٤) إلى الجمعة وغيرها: التبكير. قال: وسمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث. قال الأزهري: وهذا صحيح. وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس. قال لبيد: راحَ القَطينُ بهَجْرٍ بعد ما ابتكروا (٥)

стр. 651

فقرَنَ الهَجْرَ بالابتكار. والرَّواحُ عندهم: الذهاب والمضي. يقال: راح القوم إذا خفُّوا ومرُّوا أيَّ وقت كان. وقوله ﷺ : «لو يعلم الناسُ ما في التهجير لَاسْتَبقُوا إليه» أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضيُّ إليها في أول أوقاتها. قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هجَّر الرجلُ، إذا خرج بالهاجرة. وروى أبو عبيد عن أبي زيد: هجَّر الرجلُ، إذا خرج بالهاجرة. قال: وهي نصف النهار. ثم قال الأزهري: أنشدني المنذري (١) فيما روى لثعلب عن ابن الأعرابي في «نوادره» قال: قال جِعْثِنَة (٢) بن جوَّاس الرَّبَعي في ناقته: هل تذكرين قسَمي ونَذْري ... أزمانَ أنتِ بعَرُوضِ الجَفْرِ (٣) إذ أنتِ مِضْرارٌ جوادُ الحُضْرِ ... عليَّ إن لم تنهَضي بوِقْرِ (٤) بأربعين قُدِّرتْ بقَدْرِ ... بالخالديِّ لا بصاعِ حَجْرِ (٥)

стр. 652

وتصحَبي أَيانِقًا في سَفْر ... يهجِّرون بهَجِير الفجر (١) ثُمَّتَ تَسْري (٢) ليلهم فتَسْري ... يطوُون أعراضَ الفِجَاج الغُبْر طيَّ أخي التَّجْرِ بُرودَ التَّجْرِ (٣) قال الأزهري: «يهجِّرون بهجير الفجر» أي يبكِّرون بوقت الفجر. وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أولَ النهار، فهذا غايته أنه عملهم في زمان مالك ﵀، وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجة، فإنَّ هذا ليس فيه إلا تركُ الرَّواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغالُ الرجل بمصالحه (٤) ومصالح أهله ومعايشه (٥) وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضلَ من رواحه إلى الجمعة من أول النهار. ولا ريب أنَّ انتظارَ الصلاة بعد الصلاة وجلوسَ الرجل في مصلَّاه حتى يصلِّي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه ورجوعه في وقت الثانية، كما قال النبي ﷺ : «والذي ينتظر الصلاة حتى يصلِّيها مع الإمام أفضل من الذي يصلِّي ثم يرجع إلى أهله» (٦). وأخبر أنَّ الملائكة لم تزل تصلِّي عليه ما دام

стр. 653

في مصلَّاه (١). وأخبر أنَّ انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات وأنه الرِّباط (٢). وأخبر أنَّ الله تعالى يباهي ملائكته بمن قضى فريضةً وجلس ينتظر أخرى (٣). وهذا يدل على أنَّ من صلّى الصبح ثم جلس ينتظر الجمعة فهو أفضل ممَّن يذهب ثم يجيء في وقتها. وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك لا يدل على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها والتبكير في أول النهار. والله أعلم. الرابعة والعشرون (٤): أنَّ للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام. والصدقةُ فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور. وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ من البيت ما وجد من خبز أو غيره، فيتصدَّق به في طريقه سِرًّا. وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرَنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسوله

стр. 654

فالصدقةُ بين يدي مناجاته أولى بالفضيلة. وقال أحمد بن زهير بن حرب (١): ثنا أبي (٢)، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فقال أبو هريرة: «إنَّ في الجمعة لساعةً لا يوافقها رجل مسلم في صلاة يسأل الله شيئًا إلا آتاه إياه». فقال كعب: أنا (٣) أحدِّثكم عن يوم الجمعة: إنه إذا كان يومُ الجمعة فزعت له السَّماوات والأرض والبَرّ والبحر والجبال والشجر والخلائق كلُّها إلا ابن آدم والشياطين، وحَفَّت الملائكة بأبواب المسجد فيكتبون مَن جاء: الأولَ فالأولَ حتى يخرج الإمام. فإذا خرج الإمام طوَوا صحفهم، فمَن جاء بعدُ جاء لحقِّ الله وما كتب عليه. وحقٌّ على كلِّ حالم أن يغتسل يومئذ كاغتساله من الجنابة. والصدقةُ فيه أعظم من الصدقة في سائر الأيام. ولم تطلع الشمس ولم تغرب على مثل يوم الجمعة. فقال ابن عباس: «هذا حديث كعب وأبي هريرة. وأنا أرى إن كان لأهله طيبٌ يمَسُّ (٤) منه». الخامسة والعشرون: أنه يومُ تجلِّي الله لأوليائه المؤمنين في الجنَّة وزيارتهم له، فيكون أقربُهم منه أقربَهم من الإمام، وأسبقُهم إلى الزيارة

стр. 655

أسبقَهم إلى الجمعة. روى يحيى بن يمان (١) عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أنس بن مالك في قوله : ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، قال: «يتجلَّى لهم في كل جمعة». وذكر الطبراني في «معجمه» (٢) من حديث أبي نعيم، ثنا (٣) المسعودي، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: «سارعوا إلى الجُمَع، فإن الله يبرز إلى أهل الجنَّة في كلِّ جمعة في كثيب من كافور، فيكونون منه من القرب (٤) على قدر تسارعهم إلى الجمعة، فيُحدِث الله لهم من الكرامة شيئًا لم يكونوا رأوه قبل ذلك. ثم يرجعون إلى أهليهم فيحدِّثونهم بما أحدث الله لهم». قال: ثم دخل عبد الله المسجد، فإذا هو برجلين. فقال عبد الله: «رجلان، وأنا الثالث. إن يشأ (٥) الله يبارك في الثالث». وذكر البيهقي في «الشُّعَب» (٦) عن علقمة بن قيس قال: رُحْت مع

стр. 656

عبد الله بن مسعود إلى جمعة، فوجد ثلاثةً قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابعُ أربعة ببعيد! ثم قال: إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رَواحهم إلى الجمعة: الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع». قال: «وما رابعُ أربعةٍ ببعيد». وقال الدارقطني (١): ثنا أحمد بن سلمان بن الحسن، ثنا محمد بن عثمان بن محمد، ثنا مروان بن جعفر (٢)، ثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم، ثنا عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يومُ القيامة رأى المؤمنون ربَّهم، فأحدثهم عهدًا بالنظر إليه (٣) في كلِّ جمعة، وتراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر». قال: و (٤) حدثنا محمد بن نوح، ثنا موسى (٥) بن سفيان السُّكَّري، ثنا

стр. 657

عبد الله بن الجهم الرازي، ثنا عمرو بن أبي قيس، عن أبي ظبية (١)، عن عاصم، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل ﵇، وفي يده كالمرآة البيضاء، فيها كالنكتة السوداء. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربُّك، لتكون لك عيدًا ولقومك من بعدك. قال (٢): وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها خير. أنت فيها الأول، واليهود والنصارى من بعدك. ولك فيها ساعة لا يسأل الله عبدٌ فيها شيئًا هو له قَسْمٌ إلا أعطاه، أو ليس له قَسْمٌ إلا أعطاه أفضل منه؛ وأعاذه الله من شرِّ ما هو مكتوب عليه، وإلا (٣) دفع عنه ما هو أعظم من ذلك. قال: قلت: ما هذه النكتة السوداء؟ قال: هي الساعة تقوم يوم الجمعة. وهو عندنا سيِّد الأيام، ويدعوه أهلُ الآخرة «يوم المزيد». قال: قلت يا جبريل، وما يوم المزيد؟ قال: ذلك أنَّ ربَّك أعَدَّ (٤) في الجنة واديًا أفيَحَ من مسك أبيض، فإذا كان يومُ الجمعة نزل على كرسيِّه، ثم حَفَّ الكرسيَّ بمنابر من نور، فيجيء النبيُّون حتى يجلسوا عليها. ثم حفَّ المنابر بمنابر من ذهب فيجيء الصدِّيقون والشهداء حتى يجلسوا عليها. ويجيء أهل الغرف حتى يجلسوا على الكُثُب. قال: ثم يتجلَّى لهم ربُّهم . قال: فينظرون إليه فيقول: أنا الذي صدَقتُكم وعدي، وأتممتُ عليكم نعمتي،

стр. 658

وهذا محلُّ كرامتي فسَلُوني (١). فيسألونه الرِّضى. قال: رضاي أنزَلَكم داري، وأنالَكم كرامتي؛ سَلُوني. فيسألونه الرِّضى. قال: فيُشْهِدهم بالرضى. ثم يسألونه حتى تنتهي رغبتهم. ثم يفتح لهم يوم الجمعة (٢) ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال: ثم يرتفع ربُّ العزَّة، ويرتفع معه النبيون والشهداء، ويجيء أهلُ الغرف إلى غرفهم. قال: كلُّ غرفة من لؤلؤة لا وصلَ فيها ولا فَصْمَ، ياقوتة حمراء، أو غرفة من زَبَرْجَدة خضراء، أبوابُها وعلاليُّها وسقائفُها وأغلاقُها منها. أنهارها مطَّردة، متدلِّية فيها ثمارُها. فيها أزواجها وخدمها. قال: فليسوا إلى شيء أحوجَ منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا من كرامة الله ونظرًا (٣) إلى وجهه. فذلك يوم المزيد» (٤). ولهذا الحديث عدَّة طرق ذكرها أبو الحسن الدارقطني في «كتاب الرؤية» (٥). السادسة والعشرون: أنه قد فُسِّر «الشاهد» الذي أقسم الله به في كتابه بيوم

стр. 659

الجمعة. قال حُمَيد بن زَنْجويه (١): ثنا عبيد الله بن موسى، أبنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة. ما طلعت شمس ولا غربت على أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها بخير إلا استجاب له، أو يستعيذه من شرٍّ إلا أعاذه منه». ورواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٢) عن رَوح عن موسى به. وله طرق عن موسى (٣) بن عبيدة. وفي «معجم الطبراني» (٤) من حديث [محمد بن] (٥) إسماعيل بن

стр. 660

عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زُرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، ويومُ الجمعة ذخره الله لنا، وصلاة الوسطى صلاة العصر». وقد روي من حديث جبير بن مطعم (١). قلت: والظاهر ــ والله أعلم ــ: أنه من تفسير أبي هريرة. فقد قال الإمام أحمد (٢): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن يونس، سمعت عمَّارًا مولى بني هاشم يحدِّث عن أبي هريرة (٣) أنه قال في هذه الآية ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] قال: الشاهدُ يوم الجمعة، والمشهودُ يوم عرفة، والموعود يوم القيامة.

стр. 661

السابعة والعشرون: أنه اليوم الذي تفزع فيه السماوات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلُّها إلَّا شياطين الإنس والجنّ. فروى أبو الجوَّاب [عن] (١) عمار بن رُزَيق (٢)، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اجتمع كعب وأبو هريرة، فقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ في الجمعة (٣) ساعةً لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه». قال كعب: ألا (٤) أحدِّثكم عن يوم الجمعة؟ إنه إذا كان يومُ الجمعة فزعت له (٥) السماوات والأرض والجبال والبحور (٦) والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين. وحَفَّت الملائكة بأبواب المسجد، فيكتبون الأول فالأول حتى يخرج الإمام. فإذا خرج الإمام طوَوا صحفهم، ومن جاء بعدُ جاء لحقِّ الله ولما (٧) كتب عليه. ويحِقُّ على كلِّ حالم أن يغتسل فيه كاغتساله من الجنابة. والصدقة فيه أفضل من الصدقة في سائر الأيام. ولم تطلع الشمس ولم تغرب على يوم كيوم الجمعة. قال ابن عباس: هذا حديث كعب وأبي هريرة، وأنا أرى مَن كان لأهله طيبٌ أن يمسَّ منه (٨) يومئذ.

стр. 662

وفي حديث أبي هريرة (١) عن النبي ﷺ : «لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة. وما من دابَّة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين من الجنِّ والإنس». وهو حديث صحيح. وذلك أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة، ويُطوى العالم، وتخرب فيه الدنيا، ويُبعث فيه النَّاسُ إلى منازلهم من الجنَّة والنَّار. الثامنة والعشرون: أنه اليوم الذي ادَّخَره الله لهذه الأمة، وأضلَّ عنه أهلَ الكتاب قبلهم، كما في «الصحيح» (٢) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما طلعت الشمس ولا غربت على يومٍ خيرٍ من يوم الجمعة. هدانا الله له وضلَّ الناسُ عنه، فالناس لنا فيه تَبَعٌ. هو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد». وفي حديث آخر (٣): «ذَخَره الله لنا» (٤). وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمر (٦) بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة

стр. 663

قالت: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ استأذن رجل من اليهود، فأذن له فقال: السَّام عليك. فقال النبي ﷺ : «وعليك». قالت (١): فهممت أن أتكلَّم. قالت: ثم دخل الثانية فقال مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : «وعليك» (٢). ثم دخل الثالثة فقال: السام عليكم، قالت: قلت (٣): بل السَّامُ عليكم وغضبُ الله إخوانَ القردة والخنازير! أتحيُّون (٤) رسولَ الله ﷺ بما لم يحيِّه به الله ؟ قالت: فنظر إليَّ، فقال: «مَهْ، إنَّ الله لا يحبُّ الفُحْشَ ولا التفحُّش. قالوا قولًا، فرددناه عليهم، فلم يضرَّنا شيئًا، ولزمهم إلى يوم القيامة. إنهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا (٥) على الجمعة التي هدانا الله لها وضلُّوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلُّوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين». وفي «الصحيحين» (٦) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له. فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غد».

стр. 664

وفي «بَيْد» لغتان: بَيد (١) بالباء وهي المشهورة، ومَيد بالميم حكاها أبو عبيد (٢). وفي هذه الكلمة قولان أحدهما: أنها بمعنى غير، وهو أشهر معنييها. والثاني: بمعنى على أنَّ، وأنشد أبو عبيد شاهدًا له (٣): عَمْدًا فعلتُ ذاك بَيْدَ أنِّي (٤) إخالُ (٥) لو هلكتُ لن تُرِنِّي (٦) تُرِنِّي: تُفْعِلي من الرنين.

стр. 665

التاسعة والعشرون: أنه خِيرة الله من أيام الأسبوع، كما أنَّ شهر رمضان خِيرته من شهور العام، وليلة القدر خِيرته من الليالي، ومكة خِيرته من الأرض، ومحمد ﷺ خِيرته من خلقه. قال آدم بن أبي إياس (١): ثنا شيبان (٢) أبو معاوية، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن كعب الأحبار قال: إنَّ الله اختار الشهور فاختار شهر رمضان، واختار الأيام فاختار يوم الجمعة، واختار الليالي فاختار ليلة القدر، واختار الساعات فاختار ساعات الصلوات. والجمعة تكفِّر ما بينها وبين الجمعة الأخرى وتزيد ثلاثًا. ورمضان يكفِّر ما بينه وبين رمضان. والحجُّ يكفِّر ما بينه وبين الحج. والعمرة تكفِّر ما بينها وبين العمرة. ويموت الرجل بين حسنتين: حسنة قضاها، وحسنة ينتظرها، يعني صلاتين. وتصفَّد الشياطين في رمضان، وتغلَق فيه أبوابُ النار، وتفتَح فيه أبوابُ الجنَّة ويقال فيه: يا باغيَ الخير هلمَّ، رمضانَ أجمعَ. وما من ليالٍ أحبُّ إلى الله فيهنَّ العملُ من ليالي العشر. الثلاثون: أنَّ الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتُوافيها في يوم الجمعة،

стр. 666

فيعرفون زُوَّارَهم ومن يمُرُّ بهم ويسلِّم عليهم ويلقاهم في ذلك اليوم أكثرَ من معرفتهم بهم (١) في غيره من الأيام، فهو يومٌ تلتقي فيه الأحياء والأموات. فإذا قامت فيه الساعة التقى فيه الأولون والآخرون، وأهلُ الأرض وأهلُ السماء، والرَّبُّ والعبدُ، والعاملُ وعملُه، والمظلومُ وظالمُه، والشمسُ والقمرُ ولم يلتقيا قبل ذلك قطُّ. وهو يوم الجمع واللقاء، ولهذا يلتقي الناس فيه في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره، فهو يوم التَّلاقِ. قال أبو التياح لاحق (٢) بن حميد: كان مطرِّف بن عبد الله يبدو (٣)، فيدخل كلَّ جمعة، فادَّلَجَ (٤) حتى إذا كان عند المقابر هوَّمَ (٥) قال: فرأيتُ كلَّ صاحبِ قبر (٦) جالسًا على قبره. فقالوا: هذا مطرِّف يأتي الجمعة. قال: فقلت لهم: وتعلمون عندكم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقول فيه الطير.

стр. 667

قلت: وما تقول فيه الطير؟ قالوا: تقول: ربِّ سلِّم سلِّم (١)، يوم صالح (٢). وذكر ابن أبي الدنيا في «كتاب المنامات» (٣) وغيره عن بعض أهل عاصم الجَحْدري قال: رأيت عاصمًا (٤) الجحدري في منامي بعد موته بسنتين فقلت: أليس قد متَّ؟ قال: بلى. قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ونفرٌ من أصحابي نجتمع كلَّ ليلةِ جمعة

стр. 668

وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المُزَني، فنتلاقَى (١) أخباركم. قال: قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات، بليت الأجسام! وإنما تتلاقى الأرواح. قال: فقلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم (٢)؟ قال: نعلم بها عشية الجمعة، ويوم الجمعة كلَّه، وليلة السَّبت (٣) إلى طلوع الشمس. قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلِّها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته. وذكر ابن أبي الدنيا (٤) أيضًا عن محمد بن واسع أنه كان يذهب كلَّ غداة سبت حتى يأتي الجبَّانَ (٥)، فيقف على القبور، فيسلِّم عليهم، ويدعو لهم، ثم ينصرف. فقيل له: لو صيَّرتَ هذا اليوم يوم الاثنين. فقال: بلغني أنَّ الموتى يعلمون بزوَّارهم يوم الجمعة، ويومًا قبلها ويومًا بعدها. وذكر (٦) عن سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرًا يوم السبت قبل طلوع الشمس علِمَ الميِّتُ بزيارته. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة.

стр. 669

الحادية والثلاثون: أنه (١) يُكرَه إفرادُ يوم الجمعة بالصوم. هذا منصوص أحمد. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديث النهي (٢) أن يفرد، ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه، وأمَّا أن يفرَد فلا. قلت: رجل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوقع فطرُه يومَ الخميس وصومُه يومَ الجمعة، وفطرُه يومَ السبت، فصار الجمعة مفردًا؟ فقال: هذا الآنَ لم يتعمَّد (٣) صومه خاصَّةً. إنما كره أن يتعمَّد الجمعة (٤). وأباح مالك وأبو حنيفة صومه كسائر الأيام (٥). قال مالك (٦): لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه وممَّن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة. وصيامُه حسَنٌ. وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأُراه كان يتحرَّاه. قال ابن عبد البر (٧): اختلفت الآثار عن النبي ﷺ في صيام يوم الجمعة. فروى ابن مسعود عن النبي ﷺ : كان يصوم ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وقال: «قلما رأيته مفطرًا يوم الجمعة» (٨). وهو حديث صحيح.

стр. 670

وقد روي عن ابن عمر أنه قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ مفطرًا يوم جمعةٍ قطُّ. ذكره ابن أبي شيبة (١)، عن حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، عن عمير بن أبي عمير، عن ابن عمر. وروى (٢) عن (٣) ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة ويواظب عليه (٤). وأما الذي ذكره مالك فيقولون: إنه محمد بن المنكدر (٥)، وقيل:
следующие страницы →