← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فيعرفون زُوَّارَهم ومن يمُرُّ بهم ويسلِّم عليهم ويلقاهم في ذلك اليوم أكثرَ من معرفتهم بهم (١) في غيره من الأيام، فهو يومٌ تلتقي فيه الأحياء والأموات. فإذا قامت فيه الساعة التقى فيه الأولون والآخرون، وأهلُ الأرض وأهلُ السماء، والرَّبُّ والعبدُ، والعاملُ وعملُه، والمظلومُ وظالمُه، والشمسُ والقمرُ ولم يلتقيا قبل ذلك قطُّ. وهو يوم الجمع واللقاء، ولهذا يلتقي الناس فيه في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره، فهو يوم التَّلاقِ. قال أبو التياح لاحق (٢) بن حميد: كان مطرِّف بن عبد الله يبدو (٣)، فيدخل كلَّ جمعة، فادَّلَجَ (٤) حتى إذا كان عند المقابر هوَّمَ (٥) قال: فرأيتُ كلَّ صاحبِ قبر (٦) جالسًا على قبره. فقالوا: هذا مطرِّف يأتي الجمعة. قال: فقلت لهم: وتعلمون عندكم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقول فيه الطير.

стр. 667

قلت: وما تقول فيه الطير؟ قالوا: تقول: ربِّ سلِّم سلِّم (١)، يوم صالح (٢). وذكر ابن أبي الدنيا في «كتاب المنامات» (٣) وغيره عن بعض أهل عاصم الجَحْدري قال: رأيت عاصمًا (٤) الجحدري في منامي بعد موته بسنتين فقلت: أليس قد متَّ؟ قال: بلى. قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ونفرٌ من أصحابي نجتمع كلَّ ليلةِ جمعة

стр. 668

وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المُزَني، فنتلاقَى (١) أخباركم. قال: قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات، بليت الأجسام! وإنما تتلاقى الأرواح. قال: فقلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم (٢)؟ قال: نعلم بها عشية الجمعة، ويوم الجمعة كلَّه، وليلة السَّبت (٣) إلى طلوع الشمس. قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلِّها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته. وذكر ابن أبي الدنيا (٤) أيضًا عن محمد بن واسع أنه كان يذهب كلَّ غداة سبت حتى يأتي الجبَّانَ (٥)، فيقف على القبور، فيسلِّم عليهم، ويدعو لهم، ثم ينصرف. فقيل له: لو صيَّرتَ هذا اليوم يوم الاثنين. فقال: بلغني أنَّ الموتى يعلمون بزوَّارهم يوم الجمعة، ويومًا قبلها ويومًا بعدها. وذكر (٦) عن سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرًا يوم السبت قبل طلوع الشمس علِمَ الميِّتُ بزيارته. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة.

стр. 669

الحادية والثلاثون: أنه (١) يُكرَه إفرادُ يوم الجمعة بالصوم. هذا منصوص أحمد. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديث النهي (٢) أن يفرد، ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه، وأمَّا أن يفرَد فلا. قلت: رجل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوقع فطرُه يومَ الخميس وصومُه يومَ الجمعة، وفطرُه يومَ السبت، فصار الجمعة مفردًا؟ فقال: هذا الآنَ لم يتعمَّد (٣) صومه خاصَّةً. إنما كره أن يتعمَّد الجمعة (٤). وأباح مالك وأبو حنيفة صومه كسائر الأيام (٥). قال مالك (٦): لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه وممَّن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة. وصيامُه حسَنٌ. وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأُراه كان يتحرَّاه. قال ابن عبد البر (٧): اختلفت الآثار عن النبي ﷺ في صيام يوم الجمعة. فروى ابن مسعود عن النبي ﷺ : كان يصوم ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وقال: «قلما رأيته مفطرًا يوم الجمعة» (٨). وهو حديث صحيح.

стр. 670

وقد روي عن ابن عمر أنه قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ مفطرًا يوم جمعةٍ قطُّ. ذكره ابن أبي شيبة (١)، عن حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، عن عمير بن أبي عمير، عن ابن عمر. وروى (٢) عن (٣) ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة ويواظب عليه (٤). وأما الذي ذكره مالك فيقولون: إنه محمد بن المنكدر (٥)، وقيل:

стр. 671

صفوان بن سُلَيم. وروى الدَّراوردي (١) عن صفوان بن سُلَيم عن رجل من بني جُشَم أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «من صام يومَ الجمعة كُتِب له عشرةُ أيامٍ غُرٍّ زُهْرٍ (٢) من أيام الآخرة لا يشاكلهن (٣) أيام الدنيا» (٤). والأصل في صوم (٥) يوم الجمعة أنه عملُ برٍّ، لا يمنع منه إلا بدليل لا معارض له (٦). قلت: قد صحَّ المعارضُ صحَّةً لا مطعن فيها البتة. ففي «الصحيحين» (٧) عن محمد بن عباد قال: سألت جابرًا: أنَهى النَّبيُّ ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: «نعم». وفي «صحيح مسلم» (٨) عن محمد بن عباد (٩) قال: سألت جابر بن

стр. 672

عبد الله وهو يطوف بالبيت: أنَهى رسولُ الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ قال: «نعم، وربِّ هذه البنيَّة (١)». وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: «لا يصومنَّ أحدُكم يومَ الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده (٣)». واللفظ للبخاري. وفي «صحيح مسلم» (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تختصُّوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي، ولا تختصُّوا (٥) يوم الجمعة بصيام من بين الأيام (٦) إلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم». وفي «صحيح البخاري» (٧) عن جويرية بنت الحارث أنَّ النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصُمْتِ أمسِ؟». قالت: لا. قال: «تريدين أن تصومي غدًا؟». قالت: لا. قال: «فأفطِري». وفي «مسند الإمام أحمد» (٨) عن ابن عباس أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده».

стр. 673

وفي «مسنده» (١) أيضًا عن جُنادة الأزدي قال: دخلت على رسول الله ﷺ في يوم جمعة، في سبعةٍ من الأزد أنا ثامنهم، وهو يتغدَّى، فقال: «هلمُّوا إلى الغداء». فقلنا: يا رسول الله، إنَّا صيام. قال: «أصمتم أمس؟». قلنا: لا. قال: «فتصومون غدًا؟». قلنا: لا. قال: «فأفطِروا». قال: فأكلنا مع رسول الله ﷺ . قال: فلما خرج وجلس على المنبر دعا بإناء من ماء، فشرب وهو على المنبر، والناس ينظرون، يُريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة. وفي «مسنده» (٢) أيضًا عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده». وذكر ابن أبي شيبة (٣) عن سفيان بن عيينة، عن عمران بن ظَبيان، عن حكيم بن سعد، عن علي بن أبي طالب قال: من كان منكم متطوِّعًا من الشهر أيامًا، فليكن في صومه يوم الخميس. ولا يصُمْ يومَ الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر، فيجمع لله يومين (٤) صالحَين: يوم صيامه ويوم نسكه

стр. 674

مع المسلمين. وذكر جرير (١) عن مغيرة عن إبراهيم أنهم كرهوا صوم الجمعة ليتقَوَّوْا على الصلاة (٢). قلت: المآخذ (٣) في كراهته ثلاثة، هذا أحدها. ولكن يشكل عليه زوال الكراهية بضمِّ يوم قبله أو يوم (٤) بعده إليه. والثاني: أنه يوم عيد، وهو الذي أشار إليه النبي ﷺ . وقد أُورِد على هذا التعليل إشكالان، أحدهما: أنَّ صومه ليس بحرام، وصوم يوم العيد حرام. الثاني: أن الكراهة تزول بعدم إفراده. وأجيب عن الإشكالين بأنه ليس عيد العام، بل عيد الأسبوع، والتحريم إنما هو لصوم يوم (٥) عيد العام. وأما إذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده فلا يكون قد صامه لأجل كونه يوم جمعة وعيد (٦)، فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه، بل يكون داخلًا في صيامه تبعًا. وعلى هذا يحمل ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» والنسائي

стр. 675

والترمذي (١) من حديث عبد الله بن مسعود ــ إن صحّ ــ قال: قلما رأيت رسول الله ﷺ يفطر يوم جمعة. فإن صحَّ هذا تعيَّن حملُه على أنه كان يدخل في صيامه (٢)، لا أنه (٣) كان يفرده، لصحة النهي عنه. وأين أحاديث النهي الثابتة في «الصحيحين» من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح، وقد حكم الترمذي بغرابته؛ فكيف يعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة (٤)، ثم يقدَّم عليها؟ والمأخذ الثالث: حماية الذريعة (٥) من أن يُلحق بالدِّين ما ليس منه ويُوجِب التشبُّه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرُّد عن الأعمال الدنيوية. وينضمُّ إلى هذا المعنى: أنَّ هذا اليوم لما كان ظاهر الفضل على الأيام كان الداعي إلى صومه قويًّا، فهو في مظِنَّةِ تتابعِ الناس في صومه واحتفالهم به ما لا يحتفلون بصوم يومٍ غيره. وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه. ولهذا المعنى ــ والله أعلم ــ نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي، لأنها من أفضل الليالي حتى فضَّلها بعضُهم على ليلة القدر، وحكيت رواية عن أحمد. فهي في مظنَّة تخصيصها بالعبادة، فحمَى (٦) الشارع الذريعة، وسدَّها بالنهي عن تخصيصها بالقيام. والله أعلم.

стр. 676

فإن قيل: فما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام؟ قيل: أما تخصيص ما خصَّصه الشارع كيوم الاثنين ويوم عرفة ويوم عاشوراء، فسنَّة. وأما تخصيص غيره كيوم السَّبت والثلاثاء والأحد والأربعاء، فمكروه. وما كان منها أقرب إلى التشبُّه بالكفار لَتخصيص أيام أعيادهم بالتعظيم والصيام، فأشدُّ كراهةً وأقربُ إلى التحريم. الثانية والثلاثون (١): إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد. وقد شرع الله سبحانه لكلِّ أمة في الأسبوع يومًا، يتفرَّغون فيه للعبادة، ويجتمعون فيه لتذكُّر المبدأ والمعاد والثواب والعقاب، ويتذكَّرون به (٢) اجتماعهم يوم الجمع الأكبر (٣) قيامًا بين يدي ربِّ العالمين. وكان أحقَّ الأيام بهذا الغرض المطلوب اليومُ الذي يجمع الله فيه الخلائق، وذلك يوم الجمعة. فذخَره الله لهذه الأمة لفضلها وشرفها، فشرع اجتماعها في هذا اليوم لطاعته، وقدَّر اجتماعها فيه مع الأمم لنيل كرامته. فهو يوم الاجتماع شرعًا وقدرًا (٤). وفي مقدار انتصافه وقتَ الخطبة والصلاة يكون أهلُ الجنة في منازلهم، وأهلُ النار في منازلهم، كما ثبت عن ابن مسعود من غير وجه أنه قال: لا ينتصف النهارُ يومَ القيامة حتى يَقيل (٥) أهلُ الجنة في منازلهم وأهلُ النار في

стр. 677

منازلهم (١). وقرأ: (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم) (٢). وكذلك هي في قراءته. ولهذا كون الأيام سبعةً إنما يعرفه (٣) الأمم التي (٤) لها كتاب. فأمَّا أمّةٌ لا كتاب لها فلا تعرف ذلك إلا من تلقَّاه منهم عن أمم الأنبياء، فإنه ليس (٥) هنا علامة حسِّيَّة يُعرَف بها كونُ الأيام سبعةً، بخلاف الشهر والسنة وفصولها. ولما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وتعرَّف إلى عباده بذلك على ألسنة رسله، شرع لهم في الأسبوع يومًا يذكِّرهم (٦) بذلك، وبحكمة الخلق وما خُلِقوا له، وبأجل العالم وطيِّ السموات والأرض، وعود الأمر كما بدأه سبحانه وعدًا عليه حقًّا وقولًا صدقًا. ولهذا كان ﷺ يقرأ في فجر يوم الجمعة (٧) بسورتي (الم تنزيل السجدة (٨))

стр. 678

و (هل أتى على الإنسان) (١)، لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون يوم الجمعة من المبدأ والمعاد وحشر الخلائق وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار، لا لأجل السجدة كما يظنُّه مَن نقَص علمه ومعرفته، فيأتي بسجدة من سورة أخرى، ويعتقد أنَّ فجر الجمعة فُضِّل بسجدة، وينكر على من لم يفعلها. وهكذا كانت قراءته ﷺ في المجامع الكبار كالأعياد ونحوها بالسُّوَر المشتملة على التوحيد، والمبدأ والمعاد، وقصص الأنبياء مع أممهم وما عامل (٢) به من كذَّبهم وكفَر بهم من الهلاك والشقاء، ومن آمن بهم وصدَّقهم من النجاة والعافية. كما كان يقرأ في العيدين بسورتي (ق والقرآن المجيد) و (اقتربت الساعة وانشق القمر)، وتارةً: بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية). وتارةً يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة لما تضمَّنته من الأمر بهذه الصلاة وإيجاب السعي إليها، وترك العمل العائق عنها، والأمر بإكثار ذكره (٣) ليحصل لهم الفلاح في الدارين، فإنَّ في نسيان ذكره العطبَ والهلاكَ في الدارين. ويقرأ في الثانية بسورة (إذا جاءك المنافقون) تحذيرًا للأمة من النفاق المُرْدي، وتحذيرًا لهم (٤) أن يشغلهم (٥) أموالهم وأولادهم عن صلاة الجمعة وعن ذكره (٦)، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ولا بدَّ، وحضًّا لهم على

стр. 679

الإنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم (١)، وتحذيرًا لهم من هجوم الموت وهم على حالةٍ يطلبون الإقالة ويتمنَّون الرَّجعة فلا يُجابون إليها (٢). وكذلك كان ﷺ يفعل عند قدوم وفدٍ يريد أن (٣) يُسْمِعهم القرآن (٤). وكان يطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك، كما صلى في (٥) المغرب بـ (الأعراف) وبـ (الطور) و (ق). وكان يصلي في الفجر بنحو مائة آية (٦). وكذلك كانت خطبه ﷺ . إنما هي تقرير لأصول الإيمان، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته. فتمتلئ القلوب من خطبه إيمانًا وتوحيدًا ومعرفةً بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد (٧) أمرًا مشتركًا بين الخلائق، وهو (٨) النَّوحُ على الحياة والتخويفُ بالموت، فإنَّ هذا أمر لا يحصِّل في القلوب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا له (٩)، ولا معرفةً خاصَّةً به (١٠)، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه؛ فيخرج

стр. 680

السامعون ولم يستفيدوا فائدةً غير أنهم يموتون، وتُقسَّم أموالهم، ويُبلي الترابُ أجسامهم. فيا ليت شعري أيُّ إيمان حصل بهذا؟ وأيُّ توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟ ومن تأمَّل خُطَبَ النَّبيِّ ﷺ وخُطَب أصحابه وجدها كفيلةً ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الربِّ ﷻ وأصول الإيمان الكلِّيّة، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه التي تحبِّبه إلى خلقه، وأيامه التي تخوِّفهم من بأسه، والأمرِ بذكره وشكره الذي يحبِّبهم إليه. فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحبِّبه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحبِّبهم إليه؛ فينصرف السامعون وقد أحبُّوه وأحبَّهم. ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسومًا تقام، من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها. فأعطوها صورها، وزيَّنوها بما زيَّنوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننًا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلُّوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها. فرصَّعوا (١) الخطب بالتسجيع والفِقَر وعلم البديع، فنقص بل عُدِم حظُّ القلوب منها، وفات المقصود بها. فمما حُفِظ من خطبه ﷺ أنه كان يُكثِر أن يخطب بالقرآن وبسورة (ق). قالت أم هشام (٢) بنت الحارث بن النعمان: ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله ﷺ مما يخطُب بها على المنبر (٣).

стр. 681

وحُفِظ من خطبه ﷺ من رواية علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف: «يا أيها الناس (١)، توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة، وصِلُوا الذي بينكم وبين ربِّكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السِّرِّ والعلانية= تؤجَروا وتُحْمَدوا وتُرزَقوا. واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة فريضةً مكتوبةً في مقامي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، مَن وجد إليها سبيلًا. فمن تركها في حياتي أو بعدي جحودًا بها واستخفافًا بها، وله إمام جائر أو عادل؛ فلا جَمع الله له شملَه، ولا بارك له في أمره. ألا ولا صلاة له، ألا ولا وضوء له، ألا ولا صوم له (٢)، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حجَّ له، ألا ولا برَّ (٣) له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه. ألا ولا تؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا، ألا ولا يؤُمَّنَّ أعرابيٌّ مهاجرًا، ألا ولا يؤُمَّنَّ فاجرٌ مؤمنًا، إلا أن يقهره سلطانٌ يخاف سيفه وسوطه» (٤). وحفظ من خطبه أيضًا: «الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله

стр. 682

بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة. من يُطع الله ورسوله فقد رشَد، ومن يعصهما فإنه لا يضُرُّ إلا نفسَه، ولا يضُرُّ الله شيئًا». رواه أبو داود (١) وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر خطبته في الحج. فصل في هديه ﷺ في خطبه كان ﷺ إذا خطب احمَّرت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه حتى كأنه مُنذِر جيش؛ يقول: «صبَّحكم ومسَّاكم». ويقول: «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين» ويقرُن بين إصبعيه السَّبَّابة والوسطى. ويقول: «أما بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرُ الهُدَى هُدَى محمَّد، وشرُّ الأمور محدَثاتُها، وكلُّ بدعة ضلالة». ثم يقول: «أنا أولى بكلِّ مؤمن من نفسه. مَن تَرك مالًا فلأهله، ومَن ترَك دَينًا أو ضَياعًا فإليَّ وعليَّ». رواه مسلم (٢). وفي لفظ له (٣) (٤): كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة، يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته. فذكره. وفي لفظ (٥): يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: «مَن يهده الله فلا مضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له. وخيرُ الحديث كتابُ الله».

стр. 683

وفي لفظ للنسائي (١): «وكلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار». وكان يقول في خُطَبه بعد التحميد والثناء والتشهد: «أما بعد» (٢). وكان يقصِّر الخطبة ويطيل الصلاة، ويُكثِر الذكر، ويقصد الكلمات الجوامع. وكان يقول: «إنَّ طولَ صلاة الرجل وقِصَرَ خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه» (٣). وكان يعلِّم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرَض له أمرٌ أو نهيٌ، كما أمر الداخلَ وهو يخطب أن يصلِّي ركعتين (٤)، ونهى المتخطِّيَ لرقاب الناس عن ذلك، وأمَره بالجلوس (٥). وكان يقطع خطبته للحاجة تَعْرِض له (٦)، أو السؤال لأحد من أصحابه فيجيبه، ثم يعود إلى خطبته، فيُتِمُّها (٧).

стр. 684

وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعود فيُتِمُّها، كما نزل لأجل (١) الحسن والحسين، فأخذهما، ثم رقي (٢) بهما المنبرَ، فأتمَّ الخطبة (٣).

стр. 685

وكان يدعو الرجل في خطبته: «تعال يا فلان»، «اجلس يا فلان»، «صلِّ يا فلان» (١). وكان يأمرهم في خطبته (٢) بمقتضى الحال. فإذا رأى بينهم ذا فاقة وحاجةٍ (٣) أمَرهم بالصدقة، وحضَّهم عليها (٤). وكان يشير بإصبعه السَّبَّابة في خطبته عند ذكر الله ودعائه (٥). وكان يستسقي بهم إذا قحَط المطر في خطبته (٦). وكان يُمهِل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس، فإذا اجتمعوا خرَج إليهم

стр. 686

وحده من غير شاويشٍ يصيح بين يديه، ولا لُبْسِ طَيلَسان ولا طَرْحَة ولا سَواد (١). فإذا دخل المسجدَ سلَّم عليهم. فإذا صعِد المنبرَ استقبل الناسَ بوجهه وسلَّم عليهم. ولم يدعُ مستقبلَ القبلة. ثم يجلس، ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام النبيُّ ﷺ ، فخطَب من غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبرٍ ولا غيره. ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره. وإنما كان يعتمد على قوس أو عصًا قبل أن يتخذ المنبر (٢). وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصًا. ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف. وما يظنُّه بعض الجهَّال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأنَّ ذلك إشارة إلى أنَّ الدِّين قام بالسيف= فمِن فرط جهله (٣). فإنه لا يُحفَظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه كان يأخذ بيده سيفًا البتة. وإنما كان يعتمد على عصًا أو قوس.

стр. 687

وكان منبره ثلاث درجات (١). وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جِذْعٍ يستند إليه، فلما تحوَّل إلى المنبر حنَّ الجِذعُ حنينًا سمعه أهل المسجد، فنزل إليه النَّبيُّ ﷺ وضمَّه. قال أنس (٢): حنَّ لِما فقَد ما كان يسمع من الوحي (٣). ولم يوضع المنبر في وسط المسجد، وإنما وُضِع في جانبه الغربي قريبًا من الحائط، وكان بينه وبين الحائط مقدار ممرِّ الشاة (٤). وكان إذا جلس عليه في غير الجمعة، أو خطب قائمًا في الجمعة، استدار أصحابه إليه بوجوههم، فكان وجهه قبلتهم وقتَ الخطبة (٥). وكان يقوم فيخطب، ثم يجلس جلسةً خفيفةً، ثم يقوم فيخطب

стр. 688

الثانية (١). فإذا فرغ منها أخذ بلال في الإقامة. وكان يأمر الناسَ بالدنوِّ منه، ويأمرهم بالإنصات، ويخبرهم أنَّ الرجل إذا قال لصاحبه: أنصِتْ، فقد لغا. ويقول: «من لغا فلا جمعة له». وكان يقول: «من تكلَّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا. والذي يقول: أنصِتْ، ليست له جمعة». رواه الإمام أحمد (٢). وقال أبيُّ بن كعب: قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكَّرَنا بأيام الله، وأبو الدَّرداء أو أبو ذَرٍّ يغمِزني، فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ إنّي لم أسمعها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكُتْ. فلما انصرفوا قال: سألتُك متى أُنزلت هذه السورة؟ فلم تخبرني. فقال أبيٌّ (٣): ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت. فذهب إلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، وأخبره الذي قال أبيٌّ، فقال رسول الله ﷺ : «صدق أُبَيّ». ذكره ابن ماجه وسعيد بن منصور (٤)، وأصله في «مسند أحمد» (٥).

стр. 689

وقال ﷺ : «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجلٌ حضَرها بلغْوٍ، وهو حظُّه منها. ورجل حضَرها بدعاءٍ، فهو رجل دعا الله ، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه. ورجل حضَرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطَّ رقبةَ مسلم، ولم يؤذِ أحدًا فهي كفَّارةٌ إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام. وذلك أنَّ الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]». ذكره أحمد وأبو داود (١). وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النبيُّ ﷺ في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن إلا أذان واحد. وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد لا سنَّة لها قبلها . وهذا أصحُّ قولَي العلماء، وعليه تدل السنَّة، فإنَّ النبي ﷺ كان يخرج من بيته، فإذا رقي المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبيُّ ﷺ في الخطبة من غير فصل. وهذا كأنَّه (٢) رأيُ عين، فمتى كانوا يصلُّون السنَّة؟ ومن ظنَّ أنهم كانوا إذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلُّهم،

стр. 690

فركعوا ركعتين، فهو من (١) أجهل الناس بالسنَّة. وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنَّة لها قبلها هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه, وأحدُ الوجهين لأصحاب الشافعي (٢). والذين قالوا: لها (٣) سنة، منهم من احتجَّ بأنها ظهرٌ مقصورةٌ, فيثبت (٤) لها أحكام الظهر. وهذه حجَّة ضعيفة جدًّا، فإنَّ الجمعة صلاة مستقلَّة بنفسها تُخالِف الظهرَ في الصفة (٥) والعدد والخطبة والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت. وليس إلحاق مسألة النزاع بمورد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق، بل إلحاقُها بموارد الافتراق أولى لأنها أكثر مما اتفقا (٦) فيه. ومنهم من أثبت السنَّة لها بالقياس على الظهر. وهذا أيضًا قياس فاسد، فإن السنَّة ما كان ثابتًا عن النبي ﷺ من قوله أو فعله أو سنَّة خلفائه الراشدين، وليس في مسألتنا شيء من ذلك. ولا يجوز إثبات السُّنن في مثل هذا بالقياس، لأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النبي ﷺ ، فإذا لم يفعله ولم يشرعه كان تركه هو السنة. ونظير هذا أن يُشرَع لصلاة العيد سنَّةٌ قبلها أو بعدها بالقياس. ولذلك كان الصحيح أنه لا يُسَنّ الغسلُ للمبيت بمزدلفة ولا لرمي الجمار ولا

стр. 691

للطواف ولا للكسوف ولا للاستسقاء (١)، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات. ومنهم من احتجَّ بما ذكره البخاري في «صحيحه» (٢) فقال: «باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها. ثنا عبد الله بن يوسف، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ كان يصلِّي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وقبل العشاء ركعتين. وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلِّي ركعتين». وهذا لا حجَّة. فيه ولم يُرِد به البخاري إثبات السنَّة قبل الجمعة، وإنما مراده أنه هل ورد في الصلاة قبلها وبعدها (٣) شيء؟ ثم ذكر هذا الحديث، أي: أنه لم يَرِد (٤) عنه فعلُ السنة (٥) إلا بعدها، ولم يَرِد قبلها شيء. وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين (٦) فإنه قال: «باب الصلاة قبل العيد (٧) وبعدها. وقال أبو المعلَّى (٨): سمعتُ سعيدًا عن ابن عباس: كره الصلاة قبل العيد». ثم ذكر حديث سعيد بن جبير «عن ابن عباس أن النبي

стр. 692

- ﷺ خرج يوم الفطر، فصلَّى ركعتين، لم يصلِّ قبلها ولا بعدها ومعه بلال» الحديث. فترجَم للعيد مثل ما ترجَم للجمعة، وذكر للعيد حديثًا دالًّا على أنه لا تُشرَع (١) الصلاة قبلها ولا بعدها، فدلَّ على أن مراده من الجمعة ذلك. وقد ظنَّ بعضهم أن الجمعة لما كانت بدلًا عن الظهر، وقد ذكر في الحديث السنَّة قبل الظهر وبعدها، دلَّ على أنَّ الجمعة كذلك. وإنما قال: «وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف» بيانًا لموضع صلاة السنَّة بعد الجمعة، وأنه بعد الانصراف. وهذا الظنُّ غلط منه، لأن البخاري قد ذكر في باب التطوُّع بعد المكتوبة حديث ابن عمر (٢): «صلَّيتُ مع النبي (٣) ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة». فهذا صريح في أنَّ الجمعة عند الصحابة صلاة مستقلَّة بنفسها غير الظهر، وإلا لم يحتَجْ إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر. فلمَّا لم يذكر لها سنةً إلا بعدها عُلِم أنه لا سنةَ لها قبلها. ومنهم من احتجَّ بما رواه ابن ماجه في «سننه» (٤) عن أبي هريرة وجابر

стр. 693

قالا: جاء سُلَيك الغطفاني، ورسولُ الله ﷺ يخطب، فقال له: «أصلَّيتَ ركعتين قبل أن تجيء؟». قال لا. قال: «فصلِّ ركعتين، وتجوَّزْ فيهما». وإسناده ثقات. قال أبو البركات ابن تيمية (١): وقوله «قبل أن تجيء» يدل عن أنَّ هاتين الركعتين سنة للجمعة، وليست تحية للمسجد. قال شيخنا حفيده (٢) أبو العباس ابن تيمية (٣): وهذا غلط، والحديث المعروف في «الصحيحين» (٤) عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال: «صلَّيتَ؟». قال: لا. قال: «فصلِّ ركعتين». وقال: «إذا جاء أحدكم يومَ الجمعةِ، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّز فيهما». فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في الغالب غير صحيحة. هذا معنى كلامه. وقال شيخنا أبو الحجَّاج الحافظ المِزِّي: هذا تصحيف من الرواة، وإنما هو «أصلَّيتَ قبل أن تجلس»، فغلط فيها الناسخ. قال: وكتاب ابن ماجه إنما تداوله شيوخٌ لم يعتنوا به، بخلاف «صحيح (٥) البخاري ومسلم»، فإنَّ

стр. 694

الحفاظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما. قال: ولذلك يقع فيه أغلاط وتصحيف (١). قلت (٢): ويدل على صحة هذا أنَّ الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها وصنَّفوا في ذلك من أهل السنن والأحكام وغيرها، لم يذكر أحد منهم هذا الحديث في سنة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحيَّة المسجد والإمامُ على المنبر، واحتجُّوا به على مَن منع فعلَها (٣) في هذه الحال. فلو كانت هذه هي سنَّة الجمعة لكان ذكرُها هناك والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد. ويدل عليه أيضًا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخلَ لأجل أنهما تحية المسجد. ولو كانت سنَّةً للجمعة لأمرَ بها القاعدين أيضًا ولم يخُصَّ بالأمر بها الداخلَ (٤) وحده. ومنهم من احتجَّ بما رواه أبو داود في «سننه» (٥): حدثنا مسدَّد، ثنا

стр. 695

إسماعيل، ثنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته. وحدّث أنَّ رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. وهذا لا حجَّة فيه على أنَّ للجمعة سنَّةً قبلها، وإنما أراد بقوله: «إنَّ رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك» أنه كان يصلِّي الركعتين بعد الجمعة في بيته، ولا يصلِّيهما في المسجد. وهذا هو الأفضل فيهما، كما ثبت في «الصحيحين» (١) عن ابن عمر أنَّ النبي ﷺ كان يصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته. وفي «السنن» (٢) عن ابن عمر أنه إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدَّم فصلَّى ركعتين، ثم تقدَّم فصلَّى أربعًا. وإذا كان بالمدينة صلَّى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلَّى ركعتين، ولم يصلِّ في المسجد. فقيل له، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك. وأما إطالة ابن عمر الصلاةَ قبل الجمعة فإنه تطوُّع مطلَق. وهذا هو الأولى لمن جاء إلى الجمعة: أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام، كما تقدَّم من حديث أبي هريرة ونُبَيشة الهذلي عن النبي ﷺ : قال أبو هريرة (٣): «من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعةَ (٤) فصلَّى ما

стр. 696

قُدِّر له، ثم أنصَت حتى يفرغَ الإمام من خطبته، ثم يصلِّي معه= غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضلُ ثلاثة أيام» (١). وفي حديث نُبَيشة الهذلي: «إنَّ المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدًا، فإن لم يجد الإمامَ خرَجَ صلّى ما بدا له، وإن وجد الإمام خرَج جلَس، واستمَع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه= إن لم يُغفَر له في جمعته تلك ذنوبُه كلُّها أن تكون كفارةً للجمعة التي تليها» (٢). وهكذا كان هدي الصحابة ﵃ (٣). قال ابن المنذر (٤): رُوِّينا عن ابن عمر أنه كان يصلِّي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعةً. وعن ابن عباس أنه كان يصلِّي ثمان ركعات. وهذا دليل على أن ذلك منهم كان من باب التطوُّع المطلق، ولذلك اختلف العدد المرويّ عنهم في ذلك. وقال الترمذي في «الجامع» (٥): وروي عن ابن مسعود أنه كان يصلِّي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا. وإليه ذهب ابن المبارك والثوري.

стр. 697

وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري (١): رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلِّي إلى أن يعلم أنَّ الشمس قد قاربت أن تزول. فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذِّن المؤذن. فإذا أخذ في الأذان قام فصلَّى ركعتين أو أربعًا يفصل بينهما بالسلام. فإذا صلَّى الفريضة انتظر في المسجد، ثم يخرج منه فيأتي بعضَ المساجد التي بحضرة الجامع، فيصلِّي فيه ركعتين، ثم يجلس. وربما صلَّى أربعًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيصلِّي ركعتين أخريين. فتلك ستُّ ركعات على حديث علي. وربما صلَّى بعد الستِّ ستًّا أُخَر أو أقلَّ أو أكثر. وقد أخذ من هذا بعضُ أصحابه روايةً عنه: أنَّ للجمعة قبلها سنَّةً ركعتين أو أربعًا. وليس هذا بصريح، بل ولا ظاهر؛ فإنَّ أحمد كان يمسك عن الصلاة في وقت النهي، فإذا زال وقتُ النهي قام فأتمَّ تطوُّعَه إلى خروج الإمام، فربما أدرك أربعًا، وربما لم يدرك إلا ركعتين. ومنهم من احتجَّ على ثبوت السنَّة قبلها بما رواه ابن ماجه في «سننه» (٢): ثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن عبد ربِّه، ثنا بقية، عن مبشِّر بن عبيد، عن حجَّاج بن أرطاة، عن عطية العوفي، عن ابن عباس قال: «كان النبي ﷺ يركع من قبل الجمعة أربعًا، لا يفصل في شيء منهنَّ». قال ابن ماجه: باب الصلاة قبل الجمعة، فذكره. وهذا الحديث فيه عدة بلايا:

стр. 698

أحدها (١): بقية بن الوليد، إمام المدلِّسين، وقد عنعنه ولم يصرِّح بالسماع. الثانية: مبشِّر بن عبيد، المنكرَ الحديث. الثالثة: الحجاج بن أرطاة، الضعيف المدلِّس. الرابعة: عطية العوفي، قال البخاري (٢): كان هُشَيم يتكلَّم فيه، وضعَّفه أحمد وغيره (٣). قال عبد الله بن الإمام أحمد (٤): سمعت أبي يقول: شيخ يقال له: مبشِّر بن عبيد، كان يكون بحمص، أظنُّه كوفيًّا، روى عنه بقية وأبو المغيرة، أحاديثه أحاديث موضوعة كذب. وقال الدارقطني (٥): مبشِّر بن عُبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها (٦). وقال البيهقي (٧): عطية العوفي لا يحتجُّ به. ومبشِّر بن عبيد الحمصي

стр. 699

منسوب إلى وضع الحديث. والحجَّاج بن أرطاة لا يحتجُّ به. قال بعضهم (١): ولعل الحديث انقلب على أحد (٢) هؤلاء (٣) الضعفاء لعدم (٤) ضبطهم وإتقانهم، فقال: «قبل الجمعة أربعًا». وإنما هو «بعد الجمعة»، فيكون موافقًا لما ثبت في «الصحيح». قال: ونظير هذا قول الشافعي في رواية عبد الله بن عمر العمري: «للفارس سهمَين وللراجل سهمًا (٥)». قال الشافعي (٦): كأنه سمع نافعًا يقول: «للفرس سهمين، وللراجل سهمًا»، فقال: «للفارس سهمين، وللراجل سهمًا» (٧). يعني: فيكون موافقًا لرواية أخيه عبيد الله. قال: وليس يشكُّ أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ (٨). قلت: ونظير هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي

стр. 700

هريرة (١): «لا تزال جهنَّم يُلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه، فينزوي بعضُها إلى بعض، وتقول (٢): قَطْ قَطْ. وأما الجنة: فينشئ الله لها خلقًا آخرين»، فانقلب على بعض الرواة فقال: «وأما النار فينشئ الله لها خلقًا آخرين». قلت: ونظيره أيضًا حديث عائشة: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» وهو في «الصحيحين» (٣)، فانقلب على بعض الرواة فقال: «ابنُ أم مكتوم يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ بلال». ونظيره أيضًا عندي حديث أبي هريرة: «إذا صلَّى أحدكم فلا يبرُكْ كما يبرُك البعير، وليضَعْ يديه قبل ركبتيه». وأظنُّه (٤) ــ والله أعلم بما (٥) قاله رسوله الصادق المصدوق ــ: «وليضع ركبتيه قبل يديه» كما قال وائل بن حُجْر: «كان رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه»، قال الخطابي

стр. 701

وغيره: وحديثُ وائل أصحُّ من حديث أبي هريرة. وقد سبقت المسألة مستوفاةً في هذا الكتاب، والحمد لله. وكان ﷺ إذا صلَّى الجمعة دخل إلى منزله، فصلَّى ركعتين سنَّتها، وأمر من صلَّاها أن يصلِّي بعدها أربعًا. فقال شيخنا أبو العباس ابن تيمية ﵀: إن صلَّى في المسجد صلَّى أربعًا، وإن صلَّى في بيته صلَّى ركعتين (١). قلت: وعلى هذا تدل الأحاديث. وقد ذكر أبو داود (٢) عن ابن عمر أنه كان إذا صلّى في المسجد صلَّى أربعًا، وإذا صلَّى في بيته صلَّى ركعتين. وفي «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته. وفي «صحيح مسلم» (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إذا صلَّى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربع ركعات». فصل في هديه ﷺ في العيدين كان ﷺ يصلِّي العيدين في المصلَّى، وهو المصلَّى الذي على باب المدينة الشرقي، يوضع فيه محمِلُ الحاجِّ. ولم يصلِّ العيد بمسجده إلا مرةً واحدةً، أصابهم مطر فصلَّى بهم العيد في المسجد، إن ثبت الحديث، وهو في

стр. 702

سنن أبي داود وابن ماجه (١). وهديه كان فعلها في المصلَّى دائمًا. وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه، فكان له حُلَّة يلبسها للعيدين والجمعة (٢). ومرةً كان يلبس بُردين أخضرين (٣)، ومرةً بردًا أحمر (٤). وليس هذا أحمر مُصْمَتًا كما يظنُّه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم

стр. 703

يكن بردًا، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك. وقد صحَّ عنه من غير معارض النهيُ عن لبس المعصفَر والأحمر (١). وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما (٢). فلم يكن ليكره الأحمر هذه (٣) الكراهة الشديدة، ثم يلبسه. والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهته (٤) كراهةً شديدةً. وكان يأكل قبل خروجه في عيد الفطر تمراتٍ، ويأكلهن وترًا (٥). وأما في عيد الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلَّى، فيأكل من أضحيته (٦). وكان يغتسل للعيد إن (٧) صحَّ الحديث فيه (٨). وفيه حديثان ضعيفان:

стр. 704

حديث ابن عباس من رواية جُبارة بن مغلِّس (١)، وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد السَّمْتي (٢). ولكن ثبت عن ابن عمر مع شدَّة اتباعه للسنَّة أنه كان يغتسل يوم العيد قبل الخروج (٣). وكان ﷺ يخرج ماشيًا، والعَنَزة تُحمَل بين يديه. فإذا وصل إلى المصلَّى نُصِبت بين يديه ليصلِّي إليها (٤)، فإنَّ المصلَّى كان إذ ذاك فضاءً لم يكن فيه بناء ولا حائط، وكانت الحَرْبة سُترته. وكان يؤخِّر صلاة عيد الفطر، ويعجِّل الأضحى (٥). وكان ابن عمر مع

стр. 705

شدَّة اتباعه للسُّنَّة لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويكبِّر من بيته إلى المصلَّى (١). وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلَّى أخذ في الصلاة، من غير أذان ولا إقامة (٢)، ولا قول: الصلاة جامعة. فالسُّنَّة أن لا يُفعَل شيء من ذلك. ولم يكن هو ولا أصحابه يصلُّون إذا انتهوا إلى المصلَّى شيئًا قبل الصلاة ولا بعدها (٣). وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلِّي ركعتين. يكبِّر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح، بين كلِّ تكبيرتين سكتةٌ يسيرةٌ. ولم يُحفَظ عنه ذكرٌ معيَّن بين التكبيرات، ولكن ذُكِر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله، ويثني عليه، ويصلِّي على النبي ﷺ . ذكره الخلال (٤). وكان ابن عمر مع
следующие страницы →