← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وغيره: وحديثُ وائل أصحُّ من حديث أبي هريرة. وقد سبقت المسألة مستوفاةً في هذا الكتاب، والحمد لله. وكان ﷺ إذا صلَّى الجمعة دخل إلى منزله، فصلَّى ركعتين سنَّتها، وأمر من صلَّاها أن يصلِّي بعدها أربعًا. فقال شيخنا أبو العباس ابن تيمية ﵀: إن صلَّى في المسجد صلَّى أربعًا، وإن صلَّى في بيته صلَّى ركعتين (١). قلت: وعلى هذا تدل الأحاديث. وقد ذكر أبو داود (٢) عن ابن عمر أنه كان إذا صلّى في المسجد صلَّى أربعًا، وإذا صلَّى في بيته صلَّى ركعتين. وفي «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته. وفي «صحيح مسلم» (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إذا صلَّى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربع ركعات». فصل في هديه ﷺ في العيدين كان ﷺ يصلِّي العيدين في المصلَّى، وهو المصلَّى الذي على باب المدينة الشرقي، يوضع فيه محمِلُ الحاجِّ. ولم يصلِّ العيد بمسجده إلا مرةً واحدةً، أصابهم مطر فصلَّى بهم العيد في المسجد، إن ثبت الحديث، وهو في

стр. 702

سنن أبي داود وابن ماجه (١). وهديه كان فعلها في المصلَّى دائمًا. وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه، فكان له حُلَّة يلبسها للعيدين والجمعة (٢). ومرةً كان يلبس بُردين أخضرين (٣)، ومرةً بردًا أحمر (٤). وليس هذا أحمر مُصْمَتًا كما يظنُّه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم

стр. 703

يكن بردًا، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك. وقد صحَّ عنه من غير معارض النهيُ عن لبس المعصفَر والأحمر (١). وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما (٢). فلم يكن ليكره الأحمر هذه (٣) الكراهة الشديدة، ثم يلبسه. والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهته (٤) كراهةً شديدةً. وكان يأكل قبل خروجه في عيد الفطر تمراتٍ، ويأكلهن وترًا (٥). وأما في عيد الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلَّى، فيأكل من أضحيته (٦). وكان يغتسل للعيد إن (٧) صحَّ الحديث فيه (٨). وفيه حديثان ضعيفان:

стр. 704

حديث ابن عباس من رواية جُبارة بن مغلِّس (١)، وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد السَّمْتي (٢). ولكن ثبت عن ابن عمر مع شدَّة اتباعه للسنَّة أنه كان يغتسل يوم العيد قبل الخروج (٣). وكان ﷺ يخرج ماشيًا، والعَنَزة تُحمَل بين يديه. فإذا وصل إلى المصلَّى نُصِبت بين يديه ليصلِّي إليها (٤)، فإنَّ المصلَّى كان إذ ذاك فضاءً لم يكن فيه بناء ولا حائط، وكانت الحَرْبة سُترته. وكان يؤخِّر صلاة عيد الفطر، ويعجِّل الأضحى (٥). وكان ابن عمر مع

стр. 705

شدَّة اتباعه للسُّنَّة لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويكبِّر من بيته إلى المصلَّى (١). وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلَّى أخذ في الصلاة، من غير أذان ولا إقامة (٢)، ولا قول: الصلاة جامعة. فالسُّنَّة أن لا يُفعَل شيء من ذلك. ولم يكن هو ولا أصحابه يصلُّون إذا انتهوا إلى المصلَّى شيئًا قبل الصلاة ولا بعدها (٣). وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلِّي ركعتين. يكبِّر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح، بين كلِّ تكبيرتين سكتةٌ يسيرةٌ. ولم يُحفَظ عنه ذكرٌ معيَّن بين التكبيرات، ولكن ذُكِر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله، ويثني عليه، ويصلِّي على النبي ﷺ . ذكره الخلال (٤). وكان ابن عمر مع

стр. 706

تحرِّيه للاتباع يرفع يديه مع كلِّ تكبيرة (١). وكان ﷺ إذا أتمَّ التكبيرَ أخذ في القراءة. فقرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ بعدها (ق والقرآن المجيد) في إحدى الركعتين، وفي الأخرى (اقتربت الساعة وانشق القمر) (٢). وربما قرأ فيهما بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية) (٣). صحَّ عنه هذا وهذا، ولم يصحَّ عنه غير ذلك. فإذا فرغ من القراءة كبَّر وركَع. ثم إذا أكمل الركعة وقام من السجود كبَّر خمسًا متواليةً. فإذا أكمل التكبير أخذ في القراءة، فيكون التكبير أول ما يبدأ به في الركعتين، والقراءة تلي الركوعَ (٤). وقد روي عنه ﷺ أنه والى بين القراءتين، فكبَّر أولًا، ثم قرأ وركع. فلما قام في الثانية قرأ، وجعل التكبير بعد القراءة. ولكن لا يثبت هذا عنه، فإنه من رواية محمد بن معاوية النيسابوري، قال البيهقي (٥): رماه غير واحد بالكذب.

стр. 707

وقد روى الترمذي (١) من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ كبَّر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة. قال الترمذي (٢): سألت محمدًا ــ يعني البخاريَّ ــ عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب شيء أصحُّ من هذا، وبه أقول. قال: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه في هذا الباب هو صحيح أيضًا. قلت: يريد به حديثه أنَّ النبي ﷺ كبَّر في عيد ثنتي عشرة تكبيرةً: سبعًا في الأولى وخمسًا في الآخرة، ولم يصلِّ قبلها ولا بعدها (٣). قال أحمد (٤): أنا أذهب إلى هذا.

стр. 708

قلت: وكثير بن عبد الله بن عمرو هذا ضَرَب أحمد على حديثه في «المسند»، وقال: لا يساوي حديثه شيئًا (١). والترمذي تارةً يصحِّح حديثه وتارةً يحسِّنه. وقد صرَّح البخاري بأنه أصحُّ شيء في الباب مع حكمه بصحة حديث عمرو بن شعيب، وأخبر أنه يذهب إليه. فالله أعلم. وكان ﷺ إذا أكمل الصلاة انصرف، فقامَ مقابلَ الناس، والناسُ جلوسٌ على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم. وإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمَر به. ولم يكن هنالك منبر يرقى عليه، ولم يكن يُخرَج منبرُ (٢) المدينة، وإنما كان يخطبهم قائمًا على الأرض. قال جابر بن عبد الله: «شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة. ثم قام متوكِّئًا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ الناسَ، وذكَّرهم (٣). ثم مضى حتى أتى النساءَ، فوعَظَهن وذكَّرهن». متفق عليه (٤). وقال أبو سعيد الخُدريُّ: «كان النبي ﷺ يخرج يومَ الفطر والأضحى إلى المصلَّى، فأوَّلُ ما يبدأ به الصلاةُ. ثم ينصرف، فيقوم مقابلَ الناس، والناسُ جلوسٌ على صفوفهم» الحديث. رواه مسلم (٥).

стр. 709

وقد (١) ذكر أبو سعيد الخُدريُّ (٢) أنه ﷺ كان يخرج يوم العيد، فيصلِّي بالناس ركعتين, ثم يسلِّم، فيقف على راحلته، فيستقبل الناسَ وهم (٣) جلوس، فيقول: «تصدَّقوا»، فأكثرُ مَن يتصدَّق النساءُ بالقرط والخاتم والشيء. فإن كانت له حاجةٌ يريد أن يبعث بعثًا يذكُره لهم, وإلَّا انصرف. وقد كان يقع لي أنّ هذا وهم، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ إنما كان يخرج إلى العيد ماشيًا, والعنَزةُ بين يديه، وإنما خطب على راحلته يومَ النَّحر بمنًى، إلى أن رأيت بقيَّ بن مخلد الحافظ قد ذكر هذا الحديث في «مسنده» (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن نمير، ثنا داود بن قيس، ثنا عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخُدري قال: كان رسول الله ﷺ يخرج يوم العيد ويوم الفطر (٥)، فيصلِّي بالناس تينك الركعتين (٦)، ثم

стр. 710

يسلِّم، فيستقبل الناس فيقول: «تصدَّقوا»، فكان أكثرَ من يتصدَّق النِّساءُ. فذكر الحديث. ثم قال (١): ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا أبو عامر، ثنا داود، عن عياض، عن أبي سعيد: كان النبي ﷺ يخرج في يوم الفطر، فيصلِّي بالناس، فيبدأ بالركعتين ثم يستقبلهم وهم جلوس، فيقول: «تصدَّقوا»، فذكر مثله. وهذا إسناد ابن ماجه (٢) إلا أنه رواه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن داود. فلعله: «ثم يقوم على رجليه (٣)» كما قال جابر: «قام متوكِّئًا على بلال»، فتصحَّفت على الكاتب بـ «راحلته» (٤)، فالله أعلم. فإن قيل: فقد أخرجا في «الصحيحين» (٥) عن ابن عباس قال: «شهدت صلاة الفطر مع نبي الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكلُّهم يصلِّيها قبل الخطبة، ثم يخطب. قال: فنزل نبيُّ الله ﷺ ، كأنِّي أنظر إليه حين يُجلِس الرِّجالَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء النِّساءَ، ومعه بلال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، فتلا الآية

стр. 711

حتى فرغ منها» الحديث. وفي «الصحيحين» (١) أيضًا (٢) عن جابر «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام، فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناسَ بعدُ. فلما فرغ نبيُّ الله ﷺ نزَل، فأتى النساءَ فذكَّرهن» الحديث. وهذا يدل على أنه كان يخطب على منبر أو راحلته، ولعله كان قد بني له منبر من لَبِن وطين أو نحوه؟ قيل: لا ريب في صحَّة هذين الحديثين، ولا ريب أنَّ المنبر لم يكن يُخرَج من المسجد. وأولُ من أخرجه مروان بن الحكم، فأُنكِرَ عليه. وأمَّا منبر اللَّبِن والطين فأوَّلُ من بناه كَثير بن الصَّلْت في إمارة مروان على المدينة كما هو في «الصحيحين» (٣). فلعله ﷺ كان يقوم في المصلَّى على مكان مرتفع، أو دُكَّان ــ وهي التي تُسمَّى المِصْطَبَّة ــ ثم ينحدر منه إلى النساء، فيقف عليهن، ويخطبهن، فيعظهن ويذكِّرهن. والله أعلم. وكان يفتتح خطبه كلَّها بالحمد لله. ولم يُحفَظ عنه في حديث واحد أنه افتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في «سننه» (٤) عن سعد (٥) مؤذِّن النبي ﷺ أنَّ النبي ﷺ كان يكثر التكبير (٦) بين أضعاف

стр. 712

الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين. وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به. وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيد والاستسقاء، فقيل: تُفتتحان (١) بالتكبير. وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار. وقيل: تفتتحان بالحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): وهو الصواب فإنَّ النبي ﷺ قال: «كلُّ أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أجذَم» (٣). وكان يفتتح خطبه كلَّها بالحمد (٤). ورخَّص (٥) ﷺ لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة وأن يذهب (٦)،

стр. 713

ورخَّص لهم إذا وقع العيدُ يوم الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن حضور الجمعة (١). وكان ﷺ يخالف الطريق يوم العيد، فيذهب في طريق ويرجع في أخرى (٢)، فقيل: ليسلِّم على أهل الطريقين، وقيل: لينال بركته الفريقان (٣)، وقيل: ليقضي حاجةَ من له حاجة منهما، وقيل: ليُظهِر شعائرَ الإسلام في سائر الفِجاج والطرق. وقيل: ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزَّةَ الإسلام وأهله وقيامَ شعائره. وقيل: لتكثر شهادة البقاع له، فإنَّ الذاهب إلى المسجد أو المصلَّى إحدى خطوتيه ترفع درجةً، والأخرى تحُطُّ خطيئةً، حتَّى يرجع إلى منزله. وقيل ــ وهو الأصح ــ: إنَّه (٤) لذلك كلِّه ولغيره من الحِكم التي لا يخلو فعلُه عنها. وروي عنه أنه كان يكبِّر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد» (٥).

стр. 714

فصل فيه هديه ﷺ في صلاة الكسوف لما كسفت الشمس خرج ﷺ إلى المسجد مسرعًا فزعًا يجُرُّ رداءه. وكان كسوفها في أول النهار على مقدار رمحين أو ثلاثة من طلوعها. فتقدَّم وصلَّى ركعتين، قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة طويلة، وجهر بالقراءة. ثم ركع، فأطال الركوع. ثم رفع رأسه من الركوع، فأطال القيام، وهو دون القيام الأول. وقال لما رفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد». ثم أخذ في القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول (١). ثم سجد فأطال السجود. ثم فعل في الأخرى (٢) مثل ما فعل في الأولى. فكان في كلِّ ركعة ركوعان وسجودان، فاستكمل في الركعتين أربع ركوعات (٣) وأربع سجودات (٤). ورأى في صلاته تلك الجنة والنار، وهَمَّ أن يأخذ عنقودًا من الجنة، فيُريهم إياه. ورأى أهل العذاب في النار، فرأى امرأةً تخدِشها هرَّةٌ ربطتها حتى ماتت جوعًا وعطشًا، ورأى عمرو بن مالك يجُرّ أمعاءه في النار، وكان أول من غيَّر دين إبراهيم (٥). ورأى فيها سارق الحاجِّ يعذَّب (٦).

стр. 715

ثم انصرف، فخطب بهم خطبةً بليغةً، حُفِظ منها قوله: «إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبِّروا، وصلُّوا، وتصدَّقوا. يا أمة محمد، والله ما أحدٌ أغيَرَ من الله أن يزني عبدُه أو تزني أمتُه. يا أمةَ محمَّد، والله لو تعلمون ما أعلم لَضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (١). وقال (٢): «لقد رأيتُ في مقامي هذا كلَّ شيء وُعدِتم (٣)، حتى لقد رأيتُني أريد أن آخذَ قطفًا من الجنَّة حين رأيتموني أتقدَّم. ولقد رأيت جهنَّم يَحْطِمُ بعضُها بعضًا حين رأيتموني تأخَّرتُ» (٤). وفي لفظ: «رأيتُ النار، فلم أرَ كاليوم منظرًا قطُّ أفظعَ (٥)، ورأيت أكثر أهلها النساء». قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن». قيل: أيكفُرن بالله؟ قال: «يكفُرن العشيرَ، ويكفُرن الإحسان، لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ كلَّه ثم رأت منك شيئًا. قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ» (٦). ومنها: «ولقد أُوحيَّ إليَّ أنكم تُفتنون في القبور مثلَ ــ أو قريبًا من ــ فتنة الدَّجَّال. يؤتى أحدكم، فيقال له: ما علمُك بهذا الرَّجل؟ فأما المؤمن ــ أو

стр. 716

قال: الموقن ــ فيقول: محمَّد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنَّا واتَّبعنا. فيقال له: نَمْ صالحًا، فقد علِمنا إنْ كنتَ لَمؤمنًا. وأما المنافق ــ أو قال: المرتاب ــ فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلته» (١). وفي طريق أخرى لأحمد بن حنبل (٢) أنه لمَّا سلَّم حمِد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أنه عبد الله ورسوله. ثم قال: «أيها الناس أنشُدكم بالله، إن كنتم تعلمون أني قصَّرتُ عن شيءٍ من تبليغ رسالات ربِّي لَمَا أخبرتموني ذلك؟». فقام رجالٌ فقالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغتَ رسالاتِ ربِّك، ونصحتَ لأمتك، وقضيتَ الذي عليك. ثم قال: «أمَّا بعد، فإنَّ رجالًا يزعمون أنَّ كسوفَ هذه الشمس وكسوفَ هذا القمر وزوالَ هذه النجوم عن مطالعها لِموتِ رجالٍ عُظَماءَ من أهل الأرض. وإنهم قد كذَبوا، ولكنها آياتٌ من آيات الله ﵎، يعتبر بها عبادَه، فينظر من يُحْدِثُ له منهم توبةً. وَايْمُ الله، لقد رأيتُ منذ قمتُ أصلِّي ما أنتم لاقوه في أمر دنياكم وآخرتكم. وإنه واللهِ لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذَّابًا آخرُهم الأعورُ الدَّجَّالُ ممسوُح العين اليسرى، كأنها عينُ أبي يحيى (٣) ــ لشيخ حينئذ من الأنصار

стр. 717

بينه وبين حجرة عائشة ــ، وإنه متى يخرج فسوف يزعم أنه الله. فمَن آمن به وصدَّقه واتَّبعه لم ينفعه صالحٌ من عمله سَلَفَ. ومَن كفر به وكذَّبه لم يعاقَب بشيءٍ من عمله سلَفَ. وإنَّه سيظهر على الأرض كلِّها إلا الحرمَ وبيتَ المقدس، وإنه يحصُر المؤمنين في بيت المقدس، فيُزَلزَلون زلزالًا شديدًا، ثم يُهلِكه الله وجنودَه حتَّى إنَّ جِذْمَ الحائط ــ أو قال: أصلَ الحائط ــ وأصلَ الشجرة لَينادي: يا مؤمنُ، يا مسلمُ، هذا يهوديٌّ ــ أو قال: هذا كافرٌ ــ فتعالَ فاقتله». قال: «ولن يكون ذلك حتى ترَوا أمورًا يتفاقم شأنُها في أنفسكم وتسَّاءلون (١) بينكم: هل كان نبيُّكم ذكَر لكم منها ذكرًا، وحتى تزول جبالٌ عن مراتبها. ثم على أثَر ذلك القبضُ». فهذا الذي صح عنه من صفة صلاة الكسوف وخطبتها. وقد روي عنه أنه صلَّاها على صفات أُخَر. منها: كلُّ ركعة بثلاث ركوعات (٢). ومنها: كلُّ ركعة بأربع ركوعات (٣). ومنها: أنها كأحدَثِ (٤) صلاةٍ صُلِّيت، كلُّ ركعة بركوع واحد (٥). ولكنَّ

стр. 718

كبار الأئمة لا يصحِّحون ذلك كالإمام أحمد والبخاري والشافعي، ويرونه غلطًا. قال الشافعي وقد سأله سائل، فقال: روى بعضكم أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى ثلاث ركعات في كلِّ ركعة. قال الشافعي: فقلت له: أتقول به أنت؟ قال: لا، ولكن لِمَ لم تقل به أنت، وهو زيادة على حديثكم؟ يعني حديث الركوعين في الركعة. قال: فقلت: هو من وجهٍ منقطعٍ، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد، ووجهٍ نراه ــ والله أعلم ــ غلطًا (١). قال البيهقي (٢): أراد بالمنقطع قول عبيد بن عمير: «حدَّثني من أصدِّق قال عطاء: حَسِبتُه يريد عائشة» الحديث. وفيه: فركع في كلِّ ركعة ثلاث ركوعات وأربع سجدات. وقال قتادة: عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عنها: «ستَّ ركعات في أربع سجدات». فعطاءٌ إنما أسنده عن عائشة بالظنِّ والحُسْبان لا باليقين. وكيف يكون ذلك محفوظًا عن عائشة، وقد ثبت عن عروة وعَمْرة عن عائشة خلافُه، وعروة وعَمرة أخصُّ بعائشة وألزم لها من عبيد بن عمير؟ وهما اثنان، فروايتهما أولى أن تكون هي المحفوظة. قال (٣): وأما الذي يراه الشافعيُّ غلطًا، فأحسَبه حديث عطاء عن جابر:

стр. 719

«انكسفت الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: إنما انكسفت الشمس لموت إبراهيم. فقام النبيُّ ﷺ ، فصلَّى بالناس ستَّ ركعات في أربع سجدات» الحديث. قال البيهقي (١): ومن نظر في قصّة هذا الحديث وقصّة حديث أبي الزبير علِمَ أنها قصَّة واحدة، وأنَّ الصلاة التي أخبر عنها إنما فعَلها مرَّةً واحدةً، وذلك في يوم توفِّي ابنُه إبراهيم. قال (٢): ثم وقع الخلاف بين عبد الملك ــ يعني ابن أبي سليمان ــ عن عطاء عن جابر، وبين هشام الدَّسْتَوائي عن أبي الزبير عن جابر في عدد الركوع في كلِّ ركعة، فوجدنا رواية هشام أولى ــ يعني أنَّ في كلِّ ركعة ركوعين فقط ــ لكونه مع أبي الزبير أحفظَ من عبد الملك، ولموافقة روايته في عدد الركوع روايةَ عروة وعمرة (٣) عن عائشة، وروايةَ كثير بن عباس (٤) وعطاء بن يسار عن ابن عباس، وروايةَ أبي سلَمة عن عبد الله بن عمرو، ثم روايةَ يحيى بن سُلَيم وغيره. وقد خولف عبدُ الملك في روايته عن عطاء، فرواه ابن جريج وقتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير: ستَّ ركعات في أربع سجدات. فروايةُ هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم يقع فيها الخلاف، ويوافقها عدد كثير= أولى من روايتي عطاء اللتين إنما أسند إحداهما

стр. 720

بالتوهُّم، والأخرى ينفرد (١) بها عنه عبدُ الملك بن أبي سليمان الذي قد أُخِذ عليه الغلطُ في غير حديث. قال (٢): وأما حديث حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه: «صلَّى في كسوف، فقرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، [ثم قرأ ثم ركع] (٣)، والأخرى مثلها» = فرواه مسلم في «صحيحه» (٤). وهو مما ينفرد (٥) به حبيب بن أبي ثابت، وحبيب وإن كان ثقةً فكان يدلِّس، ولم يتبيَّن سماعه فيه من طاوس، فيشبه أن يكون حمَلَه عن غير موثوقٍ به (٦)، فقد خالفه في رفعه ومتنه سليمان الأحول، فرواه عن طاوس عن ابن عباس من فعله ثلاث ركعات في ركعة. وقد خولف سليمان أيضًا في عدد الركوع، فرواه جماعة عن ابن عباس من فعله، كما رواه عطاء بن يسار وغيره عنه عن النبي ﷺ ، يعني في كلِّ ركعة ركوعان. قال (٧): وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن هذه الروايات الثلاث (٨) فلم يُخرج شيئًا منهن في «الصحيح» لمخالفتهن ما هو أصحُّ

стр. 721

إسنادًا، وأكثرُ عددًا، وأوثَقُ رجالًا. وقال البخاري في رواية أبي عيسى الترمذي عنه (١): أصحُّ الروايات عندي في صلاة الكسوف أربعُ ركعات في أربع سجدات. قال البيهقي (٢): وروي عن حذيفة مرفوعًا: «أربع ركعات في كلِّ ركعة» (٣)، وإسناده ضعيف. وروي عن أُبَيّ بن كعب مرفوعًا: «خمسَ ركعات (٤) في كلِّ ركعة (٥)» (٦)، وصاحبا «الصحيح» لم يحتجَّا بمثل إسناد حديثه (٧). قال (٨): وذهب جماعة من أهل الحديث إلى تصحيح الروايات في عدد

стр. 722

الركعات، وحملوها على أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلها مرَّاتٍ، وأنَّ الجميع جائز. فممن ذهب إليه إسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر بن إسحاق الضُّبَعي، وأبو سليمان الخطَّابي؛ واستحسنه ابن المنذر. والذي ذهب إليه الشافعي ثم محمد بن إسماعيل البخاري (١) من ترجيح الأخبار أولى، لما ذكرنا (٢) من رجوع الأخبار (٣) إلى حكاية صلاته يومَ توفِّي ابنه ﷺ . قلت: والمنصوص عن أحمد أيضًا أخذُه بحديث عائشة وحده: في كلِّ ركعة ركوعان وسجودان. قال في رواية المرُّوذي (٤): وأذهب إلى صلاةِ الكسوف أربعَ ركعات وأربعَ سجدات: في كلِّ ركعة ركعتان وسجدتان، وأذهب إلى حديث عائشة. أكثرُ الأحاديث على هذا. وهذا اختيار أبي بكر وقدماء الأصحاب وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية. وكان يُضعِّف كلَّ ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط، وإنما صلَّى النبي ﷺ الكسوف مرةً واحدةً يوم مات ابنه إبراهيم (٥). والله أعلم. وأمرَ ﷺ في الكسوف بذكر الله والصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتاقة (٦).

стр. 723

فصل في هديه ﷺ في الاستسقاء ثبت عنه أنه استسقى على وجوه: أحدها: يوم الجمعة على المنبر في أثناء خطبته، وقال: «اللهمَّ أغِثْنا، اللهم أغِثْنا (١)» (٢)، «اللهمَّ اسْقِنا، اللهمَّ اسْقِنا» (٣). الوجه الثاني: أنه وعد الناسَ يومًا يخرجون فيه إلى المصلَّى، فخرج لما طلعت الشمس متواضعًا متبذِّلًا (٤) متخشِّعًا مترسِّلًا (٥) متضرِّعًا (٦)، فلما

стр. 724

وافى المصلَّى صعِد المنبر ــ إن صحَّ (١)، ففي القلب منه شيء ــ، فحمد الله، وأثنى عليه، وكبَّره (٢). وكان مما حُفِظ من خطبته ودعائه: «الحمد لله ربِّ العالمين، الرَّحمن الرَّحيم، مالك يوم الدين. لا إله إلا الله، يفعل ما يريد. اللهمَّ أنت الله لا إله إلا أنت، تفعل ما تريد. اللهمَّ أنت الله، لا إله إلا أنت. أنتَ الغنيُّ، ونحن الفقراء. أَنزِلْ علينا الغيثَ، واجعل ما أنزلتَ لنا قوَّةً وبلاغًا إلى حين» (٣). ثم رفع يديه وأخذ في التضرُّع والابتهال والدعاء، وبالغ في الرفع حتى بدا بياضُ إبطيه. ثم حوَّل إلى الناس ظهرَه، واستقبل القبلة. وحوَّل إذ ذاك رداءه وهو مستقبلُ القبلة، فجعل الأيمنَ على الأيسر، والأيسرَ على الأيمن، وظهرَ الرداء لبطنه، وبطنَه لظهره؛ وكان الرِّداء خميصةً سوداء. وأخذ في الدعاء مستقبلَ القبلة والناسُ كذلك. ثم نزل، فصلَّى بهم ركعتين كصلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا نداء البتة، جهَر فيهما بالقراءة، وقرأ في الأولى بعد الفاتحة (سبح اسم ربك الأعلى) وفي الثانية: (هل أتاك حديث الغاشية).

стр. 725

الوجه الثالث: أنَّه استسقى على منبر المدينة استسقاءً مجرَّدًا في غير يوم جمعة (١)، ولم يُحفَظ عنه في هذا الاستسقاء صلاة (٢). الوجه الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد، فرفع يديه، ودعا الله ، فحُفِظ من دعائه حينئذ: «اللهم اسقِنا غيثًا (٣) مَريعًا طَبَقًا، عاجلًا غيرَ رائثٍ، نافعًا غير ضار» (٤).

стр. 726

الوجه الخامس: أنه استسقى عند أحجار الزَّيت قريبًا من الزوراء (١)، وهي خارجَ باب المسجد الذي يُدعى اليوم «بابَ السلام» نحو قَذْفةٍ بحجرٍ ينعطف (٢) عن يمين الخارج من المسجد. الوجه السادس: أنه استسقى في بعض غزواته لمَّا سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمين العطشُ، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، وقال بعض المنافقين: لو كان نبيًّا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ ، فقال: «أوَقد قالوها؟ عسى ربُّكم أن يسقيكم. ثم بسَط يديه، ودعا». فما ردَّ يديه من دعائه حتى أظلَّهم السَّحابُ وأُمطِروا، فأفعَمَ السَّيلُ الوادي فشِرب الناس، وارتوَوْا (٣).

стр. 727

وحُفِظ من دعائه في الاستسقاء: «اللهمَّ اسقِ عبادك وبهائمك، وانشُرْ رحمتَك، وأحيِ بلدَك الميِّت» (١)، «اللهمَّ اسقِنا غيثًا مغيثًا، مريئًا (٢) مريعًا، نافعًا غيرَ ضارٍّ، عاجلًا غيرَ آجل» (٣). وأُغِيثَ ﷺ في كلِّ مرَّة استسقى فيها.

стр. 728

واستسقى مرةً، فقام إليه أبو لُبابة، فقال: يا رسول الله، إنَّ التَّمر في المرابد. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمَّ اسْقِنا حتى يقوم أبو لبابة عريانًا، فيسُدَّ ثعلبَ (١) مربدِه بإزاره». فأمطرت، فاجتمعوا إلى أبي لبابة، فقالوا: إنها لن تُقلِع حتى تقوم عريانًا، فتسُدَّ ثعلبَ مربدك بإزارك، كما قال رسول الله ﷺ ، ففعل. فاستهلَّت السماء (٢). ولما كثر المطر سألوه الاستصحاء، فاستصحى لهم، وقال: «اللهمَّ حوالَينا، ولا علينا. اللهمَّ على الآكام والجِبال والظِّراب (٣) وبطون الأودية ومنابت الشجر» (٤).

стр. 729

وكان ﷺ إذا رأى مطرًا قال: «اللهمَّ صيِّبًا نافعًا» (١). وكان يحسِرُ ثوبه حتى يصيبه من المطر، فسئل عن ذلك، فقال: «لأنَّه حديثُ عهدٍ بربِّه» (٢). قال الشافعي (٣): أخبرنا من لا أتَّهم عن يزيد بن الهاد أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سالَ السَّيلُ قال: «اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طَهورًا فنتطهَّرَ منه، ونحمدَ (٤) الله عليه». وأخبرنا (٥) من لا أتَّهم عن إسحاق بن عبد الله أنَّ عمر كان إذا سالَ السَّيلُ ذهب بأصحابه إليه وقال: ما كان ليجيء من مجيئه أحدٌ إلا تمسَّحنا به. وكان ﷺ إذا رأى الغيمَ والرِّيحَ عُرِف ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر. فإذا أمطرت سُرِّيَ عنه وذهب عنه ذلك، وكان يخشى أن يكون فيه العذاب (٦).

стр. 730

قال الشافعي (١): وروي عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعًا أنه كان إذا استسقى قال: «اللهمَّ اسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا مريئًا (٢) مريعًا غدَقًا، مجلِّلًا عامًّا طبَقًا، سَحًّا دائمًا. اللهمَّ اسقنا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين. اللهمَّ إنَّ بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللَّأْواء والجَهْد والضَّنْك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهمَّ أنبِتْ لنا الزرعَ، وأدِرَّ لنا الضَّرعَ، واسقنا من بركات السماء، وأنبِتْ لنا من بركات الأرض. اللهمَّ ارفَعْ عنا الجَهْدَ والجوعَ والعُرْيَ، واكشف عنَّا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهمَّ إنَّا نستغفرك، إنَّك كنت غفّارًا، فأرسلِ السَّماءَ علينا مدرارًا». قال الشافعي: وأُحِبُّ أن يدعو الإمام بهذا. قال (٣): وبلغنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دعا في الاستسقاء رفَع يديه. وبلغنا (٤) أن النبي ﷺ كان يتمطَّر في أول مطرِه (٥) حتى يصيب جسدَه.

стр. 731

قال (١): وبلغني أنَّ بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ كان إذا أصبح وقد مُطِرَ الناسُ قال: «مُطِرنا بنوء الفتح»، ثم يقرأ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. قال (٢): وأخبرني من لا أتَّهم عن عبد العزيز بن عمر، عن مكحول، عن النبي ﷺ أنه قال: «اطلبوا استجابةَ الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث». قال: وقد حفظتُ عن غير واحد طلبَ الإجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة. قال البيهقي (٣): وقد رُوِّينا في حديث موصول عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ في الدُّعاء: «لا يُرَدُّ عند النداء (٤)، وعند البأس، وتحت المطر» (٥).

стр. 732

ورُوي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «تُفتَح أبواب السماء، ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة» (١). فصل في هديه ﷺ في سفره وعبادته فيه كانت أسفاره ﷺ دائرةً بين أربعة أسفار: سفر لهجرته، وسفر للجهاد وهو أكثرها، وسفر للعمرة، وسفر للحج. وكان إذا أراد سفرًا أقرَعَ بين نسائه، فأيَّتُهن خرج سهمُها سافر بها معه (٢). ولما حجَّ سافر بهنَّ جميعًا (٣). وكان إذا سافر خرج من أول النهار (٤). وكان يستحِبُّ الخروجَ يوم

стр. 733

الخميس (١). ودعا الله أن يبارك لأمته في بكورها (٢). وكان إذا بعث سريَّةً أو جيشًا بعثهم من أول النهار (٣). وأمر المسافرين إذا كانوا ثلاثةً أن يؤمِّروا أحدهم (٤). ونهى أن يسافر الرجل وحده (٥). وأخبر أنَّ الراكب شيطان،

стр. 734

والراكبان (١) شيطانان، والثلاثة ركب (٢). وذُكِر عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر: «اللهمَّ إليك توجَّهتُ، وبك اعتصمت. اللهمَّ اكْفِني ما أهمَّني وما لا أهتَمُّ له (٣). اللهمَّ زوِّدني التقوى، واغفِرْ لي ذنبي، ووجِّهني للخير أينما توجَّهتُ» (٤). وكان إذا قدِّمَتْ إليه دابَّتُه ليركبها يقول: «بسم الله» حين يضع رجله في الرِّكاب. فإذا استوى على ظهرها قال: «الحمد لله الذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مُقْرِنين وإنَّا إلى ربِّنا لَمنقلبون». ثم يقول: «الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله». ثم يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر»، ثم يقول: «سبحانك إنِّي ظلمتُ نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت» (٥).

стр. 735

وكان يقول: «اللهمَّ إنَّا نسألك في سفرنا هذا البرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهمَّ هوِّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عنَّا بعده. اللهمَّ أنتَ الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال». وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: «آئبون تائبون عابدون لربِّنا حامدون» (١). وكان هو وأصحابه إذا علَوا الثَّنايا كبَّروا (٢)، وإذا هبطوا الأودية سبَّحوا (٣).

стр. 736

وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: «اللهمَّ ربَّ السَّماوات السَّبع وما أظللن، وربَّ الأرَضين السَّبع وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللن، وربَّ الرياح وما ذرَين، أسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها» (١). وذُكِر عنه أنه كان يقول: «اللهمَّ إني أسألك من خير هذه (٢) وخيرِ ما جمعتَ فيها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما جمعتَ فيها. اللهمَّ ارزقنا جَناها، وأعِذْنا من وباها، وحبِّبنا إلى أهلها، وحبِّب صالحي أهلها إلينا» (٣). وكان يقصُر الرُّباعيَّة، فيصلِّيها ركعتين من حين يخرج مسافرًا إلى أن يرجع إلى المدينة. ولم يثبت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في السفر البتة. وأما حديث

стр. 737

عائشة: أنَّ النبي ﷺ كان يقصُر في السفر ويُتِمُّ، ويفطر ويصوم (١)، فلا يصح. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول (٢): هو كذب على رسول الله ﷺ ، انتهى. وقد روي: «كان يقصُر وتُتِمُّ»، الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق. وكذلك: «يفطر وتصوم». أي تأخذ هي بالعزيمة (٣) في الموضعين. قال شيخنا (٤): وهذا (٥) باطل، ما كانت أمُّ المؤمنين لِتُخالفَ رسولَ الله ﷺ وجميعَ أصحابه فتصلِّي خلاف صلاتهم. كيف والصحيح عنها: أنَّ الله فرض الصلاة ركعتين، فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة زيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر (٦). فكيف يُظَنُّ بها مع ذلك أن تصلِّي بخلاف صلاة النبي (٧) ﷺ والمسلمين معه. قلت: قد أتمَّت عائشة بعد موت النبي ﷺ ، قال ابن عباس أو غيره: «إنَّها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان (٨)، والنَّبيُّ ﷺ كان يقصُر دائمًا». فركَّب بعضُ الرواة من الحديثين حديثًا، وقال: كان رسول الله ﷺ يقصُر وتُتِمُّ هي، فغلِط

стр. 738

فيه بعض الرواة، فقال: كان يقصُر ويُتِمُّ، أي هو. والتأويل الذي تأولته قد اختُلِف فيه، فقيل: ظنَّت أن القصر مشروط بالخوف والسفر، فإذا زال الخوف زال سبب القصر. وهذا التأويل غير صحيح، فإنَّ النبيَّ ﷺ سافر آمَنَ ما كان (١) يقصر الصلاة. والآية قد أشكلت على عمر بن الخطاب وغيره فسأل عنها رسول الله ﷺ ، فأجابه بالشفاء وأنَّ هذا (٢) صدقة من الله، وشرعٌ شرَعه للأمة. وكان هذا بيان أنَّ حكمَ المفهوم غير مراد، وأنّ الجُناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف. وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم أو رفعٌ له. وقد يقال: إنَّ الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيَّد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض والخوف. فإذا وُجِد الأمران أبيح القصرانِ، فيصلُّون صلاة الخوف مقصورًا عددُها وأركانُها. وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلُّون صلاةً تامّةً كاملةً. وإن وُجد أحدُ السببين ترتَّب عليه قصرُه وحدَه. فإن وُجِد الخوف والإقامة قُصِرت الأركان واستُوفيَ العدد. وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية. وإن وُجِد السفر والأمن قُصِرَ العدد واستُوفِيت الأركان، وصُلِّيَت صلاة أمن. وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق. وقد تسمَّى هذه الصلاة مقصورةً باعتبار نقصان العدد، وقد تسمَّى تامَّةً باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية. والأول

стр. 739

اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني عليه يدلُّ كلام الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما. قالت عائشة: «فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة زِيدَ في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر». فهذا يدل على أنَّ صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع، وإنما هي مفروضة كذلك، وأنَّ فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: «فرَض الله الصلاة على لسان نبيِّكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً». متفق على حديث عائشة (١)، وانفرد مسلم (٢) بحديث ابن عباس. وقال عمر بن الخطاب: «صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر، على لسان محمد ﷺ . وقد خاب من افترى» (٣). وهذا ثابت عن عمر. وهو الذي سأل النَّبيَّ ﷺ : ما بالنا نقصُر وقد أمِنَّا؟ فقال له رسول الله ﷺ : «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا

стр. 740

صدقته» (١). ولا تناقض بين حديثيه، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لما أجابه بأنَّ هذا صدقة الله عليكم، ودينُه اليُسْر السَّمح، علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد كما فهمه كثير من الناس، فقال: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر». وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أنَّ قصر العدد مباح منفيٌّ عنه الجُناحُ، فإن شاء المصلِّي فعله، وإن شاء أتمَّ. وقد كان رسول الله ﷺ يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين، ولم يربِّع قطُّ إلا شيئًا فعله في بعض صلاة الخوف، سنذكره هناك ونبيِّن ما فيه إن شاء الله. قال أنس: «خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان (٢) يصلِّي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة». متفق عليه (٣). ولما بلغ عبدَ الله بن مسعود أنَّ عثمان بن عفان صلَّى بمنًى أربع ركعات قال: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ بمنًى ركعتين، وصلَّيتُ مع أبي بكر الصدِّيق بمنًى ركعتين، وصلَّيتُ مع عمر بن الخطاب بمنًى ركعتين، فليت حظِّي من أربع ركعات ركعتان متقبَّلتان». متفق عليه (٤). ولم يكن ابنُ مسعود لِيسترجعَ من فعل عثمان أحدَ الجائزين المخيَّر بينهما،
следующие страницы →