← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: «اللهمَّ ربَّ السَّماوات السَّبع وما أظللن، وربَّ الأرَضين السَّبع وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللن، وربَّ الرياح وما ذرَين، أسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها» (١). وذُكِر عنه أنه كان يقول: «اللهمَّ إني أسألك من خير هذه (٢) وخيرِ ما جمعتَ فيها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما جمعتَ فيها. اللهمَّ ارزقنا جَناها، وأعِذْنا من وباها، وحبِّبنا إلى أهلها، وحبِّب صالحي أهلها إلينا» (٣). وكان يقصُر الرُّباعيَّة، فيصلِّيها ركعتين من حين يخرج مسافرًا إلى أن يرجع إلى المدينة. ولم يثبت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في السفر البتة. وأما حديث

стр. 737

عائشة: أنَّ النبي ﷺ كان يقصُر في السفر ويُتِمُّ، ويفطر ويصوم (١)، فلا يصح. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول (٢): هو كذب على رسول الله ﷺ ، انتهى. وقد روي: «كان يقصُر وتُتِمُّ»، الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق. وكذلك: «يفطر وتصوم». أي تأخذ هي بالعزيمة (٣) في الموضعين. قال شيخنا (٤): وهذا (٥) باطل، ما كانت أمُّ المؤمنين لِتُخالفَ رسولَ الله ﷺ وجميعَ أصحابه فتصلِّي خلاف صلاتهم. كيف والصحيح عنها: أنَّ الله فرض الصلاة ركعتين، فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة زيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر (٦). فكيف يُظَنُّ بها مع ذلك أن تصلِّي بخلاف صلاة النبي (٧) ﷺ والمسلمين معه. قلت: قد أتمَّت عائشة بعد موت النبي ﷺ ، قال ابن عباس أو غيره: «إنَّها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان (٨)، والنَّبيُّ ﷺ كان يقصُر دائمًا». فركَّب بعضُ الرواة من الحديثين حديثًا، وقال: كان رسول الله ﷺ يقصُر وتُتِمُّ هي، فغلِط

стр. 738

فيه بعض الرواة، فقال: كان يقصُر ويُتِمُّ، أي هو. والتأويل الذي تأولته قد اختُلِف فيه، فقيل: ظنَّت أن القصر مشروط بالخوف والسفر، فإذا زال الخوف زال سبب القصر. وهذا التأويل غير صحيح، فإنَّ النبيَّ ﷺ سافر آمَنَ ما كان (١) يقصر الصلاة. والآية قد أشكلت على عمر بن الخطاب وغيره فسأل عنها رسول الله ﷺ ، فأجابه بالشفاء وأنَّ هذا (٢) صدقة من الله، وشرعٌ شرَعه للأمة. وكان هذا بيان أنَّ حكمَ المفهوم غير مراد، وأنّ الجُناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف. وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم أو رفعٌ له. وقد يقال: إنَّ الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيَّد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض والخوف. فإذا وُجِد الأمران أبيح القصرانِ، فيصلُّون صلاة الخوف مقصورًا عددُها وأركانُها. وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلُّون صلاةً تامّةً كاملةً. وإن وُجد أحدُ السببين ترتَّب عليه قصرُه وحدَه. فإن وُجِد الخوف والإقامة قُصِرت الأركان واستُوفيَ العدد. وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية. وإن وُجِد السفر والأمن قُصِرَ العدد واستُوفِيت الأركان، وصُلِّيَت صلاة أمن. وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق. وقد تسمَّى هذه الصلاة مقصورةً باعتبار نقصان العدد، وقد تسمَّى تامَّةً باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية. والأول

стр. 739

اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني عليه يدلُّ كلام الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما. قالت عائشة: «فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة زِيدَ في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر». فهذا يدل على أنَّ صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع، وإنما هي مفروضة كذلك، وأنَّ فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: «فرَض الله الصلاة على لسان نبيِّكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً». متفق على حديث عائشة (١)، وانفرد مسلم (٢) بحديث ابن عباس. وقال عمر بن الخطاب: «صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر، على لسان محمد ﷺ . وقد خاب من افترى» (٣). وهذا ثابت عن عمر. وهو الذي سأل النَّبيَّ ﷺ : ما بالنا نقصُر وقد أمِنَّا؟ فقال له رسول الله ﷺ : «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا

стр. 740

صدقته» (١). ولا تناقض بين حديثيه، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لما أجابه بأنَّ هذا صدقة الله عليكم، ودينُه اليُسْر السَّمح، علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد كما فهمه كثير من الناس، فقال: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر». وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أنَّ قصر العدد مباح منفيٌّ عنه الجُناحُ، فإن شاء المصلِّي فعله، وإن شاء أتمَّ. وقد كان رسول الله ﷺ يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين، ولم يربِّع قطُّ إلا شيئًا فعله في بعض صلاة الخوف، سنذكره هناك ونبيِّن ما فيه إن شاء الله. قال أنس: «خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان (٢) يصلِّي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة». متفق عليه (٣). ولما بلغ عبدَ الله بن مسعود أنَّ عثمان بن عفان صلَّى بمنًى أربع ركعات قال: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ بمنًى ركعتين، وصلَّيتُ مع أبي بكر الصدِّيق بمنًى ركعتين، وصلَّيتُ مع عمر بن الخطاب بمنًى ركعتين، فليت حظِّي من أربع ركعات ركعتان متقبَّلتان». متفق عليه (٤). ولم يكن ابنُ مسعود لِيسترجعَ من فعل عثمان أحدَ الجائزين المخيَّر بينهما،

стр. 741

بل الأولى على قول. وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبي ﷺ وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر. وفي «صحيح البخاري» (١) عن ابن عمر قال: «صحِبتُ رسولَ الله ﷺ ، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃». يعني في صدر خلافة عثمان، وإلا فعثمان قد أتمَّ في آخر خلافته، وكان ذلك أحد الأسباب التي أُنكِرَت عليه. وقد خُرِّج لفعله تأويلاتٌ (٢): أحدها: أن الأعراب كانوا قد حجُّوا تلك السَّنة، فأراد أن يعلِّمهم أنَّ فرض الصلاة أربع، لئلا يتوهَّموا أنها ركعتان في الحضر والسفر. ورُدَّ هذا التأويل بأنَّهم كانوا أحرى بذلك في حجِّ النبي ﷺ ، وكانوا حديثي عهد بالإسلام، والعهدُ بالصلاة قريب، ومع هذا فلم يربِّع بهم النبي ﷺ . التأويل الثاني: أنه كان إمامًا للناس، والإمامُ حيث نزل فهو عملُه ومحلُّ ولايته، فكأنه (٣) وطنه. ورُدَّ هذا التأويل بأنَّ إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله ﷺ كان أولى بذلك، وكان هو الإمام المطلق، ولم يربِّع. التأويل الثالث: أنَّ منًى كانت قد بنيت، وصارت قريةً، وكثر فيها (٤)

стр. 742

المساكن في عهده. ولم يكن ذلك في عهد النبي ﷺ ، بل كانت فضاءً. ولهذا قيل له: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنًى بناءً يُظِلُّك من الحرِّ؟ فقال: «لا، منًى مناخُ مَن سبق» (١). فتأوَّل عثمان أنَّ القصر إنما يكون حالَ السفر (٢). ورُدَّ هذا التأويل بأنَّ النبيَّ ﷺ أقام بمكة عشرًا يقصُر الصلاة. التأويل الرابع: أنه أقام بها ثلاثًا، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا» (٣)، فسمَّاه مقيمًا، والمقيم غير المسافر. ورُدَّ هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيَّدة في أثناء السفر، ليست بالإقامة التي هي قسيم السفر. وقد أقام النبي ﷺ بمكة عشرًا يقصر الصلاة، وأقام بمنًى بعد نسكه أيام الجمار الثلاث يقصر الصلاة. التأويل الخامس: أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنًى واتخاذها دار الخلافة، فلهذا أتمَّ، ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة. وهذا التأويل أيضًا مما لا يقوى، فإنَّ عثمان بن عفان من المهاجرين الأولين، وقد منع النَّبيُّ ﷺ المهاجر (٤) من الإقامة بمكة بعد نسكه، ورخَّص له فيها ثلاثة

стр. 743

أيام فقط. فلم يكن عثمان ليقيم بها، وقد منع النبيُّ ﷺ من ذلك، وإنما رخَّص فيها ثلاثًا. وذلك لأنهم تركوها لله، وما تُرِك لله فإنَّه لا يُعادُ فيه ولا يُسترجَع. ولهذا منع النبي ﷺ من شراء (١) المتصدِّق لصدقته، وقال لعمر: «لا تشترِها (٢) ولا تعُدْ في صدقتك» (٣)، فجعله عائدًا في صدقته مع أخذها بالثمن. التأويل السادس: أنه كان قد تأهَّل بمنًى، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوَّج فيه (٤)، أو كان له به زوجة= أتمَّ. وروي في ذلك حديث مرفوع عن النبي ﷺ ، فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي (٥)، عن ابن أبي ذُباب، عن أبيه قال: صلّى عثمان بأهل منًى أربعًا، وقال: أيها الناس، لما قدِمتُ تأهَّلت بها، وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا تأهَّل الرجل ببلدٍ فليصلِّ به صلاةَ مقيم». رواه الإمام أحمد في «مسنده» وعبد الله بن الزبير الحميدي في «مسنده» (٦) أيضًا.

стр. 744

وقد أعلّه البيهقي (١) بانقطاعه وتضعيفه (٢) عكرمةَ بن إبراهيم. قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإنَّ البخاري ذكره في «تاريخه» (٣) ولم يطعن فيه، وعادته ذكرُ الجرح والمجروحين. وقد نصَّ أحمد وابن عباس قبله أنَّ المسافر إذا تزوَّج لزمه الإتمام. وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأصحابهما (٤). وهذا أحسنُ ما اعتُذِر به عن عثمان. وقد اعتُذِر عن عائشة أنَّها كانت أمَّ المؤمنين، فحيث نزلت فكأنَّه وطنها (٥). وهذا أيضًا اعتذار ضعيف، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أبو المؤمنين أيضًا، وأمومة أزواجه فرع على أبوته، ولم يكن يقصر (٦) بهذا (٧) السبب. وقد روى هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت تصلِّي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صلَّيتِ ركعتين، فقالت: «يا ابن أختي إنه لا يشُقُّ علي» (٨).

стр. 745

قال الشافعي (١): ولو كان فرضُ المسافر ركعتين لما أتمَّها (٢) عثمان ولا عائشة ولا ابن مسعود، ولم يجُز أن يُتِمَّها مسافرٌ مع مقيم. وقد قالت عائشة: كلَّ ذلك قد فعل رسول الله ﷺ : أتمَّ في السفر، وقصَر. ثم روى عن إبراهيم بن محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: كلَّ ذلك قد فعل رسول الله ﷺ : قصَر الصلاة في السفر، وأتمَّ (٣). قال البيهقي (٤): وكذلك رواه المغيرة بن زياد عن عطاء. وأصحُّ إسناد فيه ما أخبرنا أبو بكر الحارثي، عن الدارقطني، عن المحاملي، ثنا سعيد بن محمد بن ثواب، ثنا أبو عاصم، ثنا عمر (٥) بن سعيد، عن عطاء، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقصر في الصلاة ويُتِمُّ، ويفطر ويصوم. قال (٦)

стр. 746

الدارقطني (١): وهذا (٢) إسناد صحيح. ثم ساق (٣) من طريق أبي بكر النيسابوري، عن عباس الدُّوري، أنا أبو نعيم، ثنا العلاء بن زهير، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله (٤) ﷺ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدِمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصرتُ وأتممتُ، وصمتُ وأفطرتُ. قال: «أحسنتِ يا عائشة». وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول (٥): هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلِّي بخلاف صلاة النبي (٦) ﷺ وسائرِ الصحابة، وهي تشاهدهم يقصُرون، ثم تُتِمُّ هي وحدها بلا موجِب. كيف وهي القائلة:

стр. 747

«فُرِضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر» فكيف يُظَنُّ بها أنها تزيد على ما فَرض الله، وتُخالِف رسولَ الله (١) ﷺ وأصحابَه؟ قال الزهري لعروة لما حدَّثه عن أبيه (٢) عنها بذلك: فما شأنها كانت تُتِمُّ الصلاة؟ فقال: تأوَّلَتْ ما تأوَّلَ عثمان (٣). فإذا كان النبيُّ ﷺ قد حسَّن فعلَها وأقرَّها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصحُّ أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير. وقد أخبر ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يزيد في السفر على ركعتين، ولا أبو بكر (٤) ولا عمر (٥). أفيُظَنُّ بعائشة أمِّ المؤمنين مخالفتُهم وهي تراهم يقصُرون؟ وأما (٦) بعد موته ﷺ فإنها أتمَّت كما أتمَّ عثمان، وكلاهما تأوَّل تأويلًا. والحُجّة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له. والله أعلم. وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر (٧): إنَّا نجد صلاة الحضر

стр. 748

وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر في القرآن؟ فقال له ابن عمر: «يا أخي، إنَّ الله تعالى بعث محمدًا ﷺ ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأينا محمَّدًا ﷺ يفعل». وقد قال أنس (١): خرجنا من المدينة مع النبي (٢) ﷺ إلى مكة، فكان يصلِّي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. وقال ابن عمر: صحبتُ رسول الله ﷺ ، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان. وهذه كلُّها أحاديث صحيحة (٣). فصل وكان من هديه ﷺ في سفره: الاقتصار على الفرض. ولم يُحفَظ عنه أنه صلَّى سنَّة الصلاة قبلها ولا بعدها، إلا ما كان من سنَّة الفجر والوتر (٤)، فإنه

стр. 749

لم يكن لِيدَعهما حضرًا ولا سفرًا. قال ابن عمر وقد سئل عن ذلك: فقال: «صحبتُ النَّبيَّ (١) ﷺ ، فلم أرَه يسبِّح في السفر. قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]» (٢). ومراده بالتسبيح: السُّنَّة، وإلَّا فقد صحَّ عنه ﷺ أنه كان يسبِّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. وفي «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يصلِّي في السفر على راحلته حيث توجَّهت به يومئ إيماءً صلاةَ الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته. قال الشافعي (٤): وثابتٌ عن النبي ﷺ أنه كان يتنفَّل ليلًا، وهو يقصُر. وفي «الصحيحين» (٥) عن عامر بن ربيعة أنه رأى النَّبيَّ ﷺ يصلِّي السُّبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته. فهذا قيام الليل. وقد سئل الإمام أحمد عن التطوُّع في السفر فقال: أرجو أن لا يكون بالتطوُّع في السفر بأس (٦).

стр. 750

وروي عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون (١)، فيتطوَّعون قبل المكتوبة وبعدها (٢). وروي هذا عن عمر (٣) وعلي وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وأبي ذر (٤). وأما ابن عمر فكان لا يتطوَّع قبل الفريضة ولا بعدها إلا من جوف الليل (٥) مع الوتر. وهذا كان هو الظاهر من هدي النَّبيِّ ﷺ : أنه كان لا يصلِّي قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئًا، ولكن لم يمنع من التطوُّع قبلها ولا بعدها. فهو كالتطوُّع المطلق، لا أنه سنَّة راتبة للصلاة كسنَّة صلاة الإقامة. ويؤيِّد هذا أنَّ الرُّباعيَّة قد خُفِّفت إلى ركعتين تخفيفًا عن المسافر، فكيف يُجعَل لها سنَّةٌ راتبةٌ يحافظ عليها، وقد خفِّف الفرض إلى ركعتين؟ فلولا قصدُ التخفيف عن المسافر وإلا (٦) كان الإتمام أولى به. ولهذا قال

стр. 751

عبد الله بن عمر: «لو كنتُ مسبِّحًا لأتممتُ» (١). وقد ثبت عنه ﷺ أنه صلَّى يوم الفتح ثمان ركعات ضحًى (٢)، وهو إذ ذاك مسافر. وأما ما رواه أبو داود (٣) في «السنن» (٤) من حديث الليث عن صفوان بن سُلَيم، عن أبي بُسْرة الغِفاري، عن البراء بن عازب قال: سافرت مع رسول الله ﷺ ثمانية عشر سفرًا، فلم أره ترك ركعتين عند زيغ الشمس قبل الظهر. فقال الترمذي (٥): هذا حديث غريب. قال: وسألتُ محمدًا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بُسْرة، ورآه حسنًا. انتهى. وبُسْرة (٦): بالباء الموحدة المضمومة وسكون السين المهملة (٧). وأما حديث عائشة أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يدَعُ أربعًا قبل الظهر وركعتين

стр. 752

بعدها، فرواه البخاري في «صحيحه» (١)، لكنَّه (٢) ليس بصريح في فعله لذلك في السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة. والرجال أعلم بسفره من النساء، وقد أخبر ابن عمر أنه لم يزد على ركعتين، ولم يكن ابن عمر يصلِّي قبلها ولا بعدها شيئًا. فصل وكان من هديه: صلاة التطوُّع على راحلته حيث توجَّهت به. وكان يومئ برأسه في ركوعه وسجوده، وسجودُه أخفض من ركوعه. وروى أحمد وأبو داود (٣) عنه من حديث أنس أنه كان يستقبل بناقته القبلةَ عند تكبيرة الافتتاح، ثم يصلِّي سائر الصلاة حيث توجَّهت به. وفي هذا الحديث نظر، وسائرُ مَن وصف صلاته ﷺ على راحلته أطلقوا أنه كان يصلِّي عليها قِبلَ أيِّ وجهة (٤) توجَّهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها، كعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله (٥). وأحاديثهم أصحُّ

стр. 753

من حديث أنس هذا، فالله أعلم. وصلّى على الراحلة، وعلى الحمار إن صحَّ عنه. وقد رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث ابن عمر. وصلّى الفرضَ بهم على الرَّواحل لأجل المطر والطين، إن صحَّ الخبر بذلك. وقد رواه أحمد والترمذي (٢) أنه ﷺ انتهى إلى مَضيقٍ هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماءُ من فوقهم، والبِلَّةُ من أسفلَ منهم. فحضرت الصلاة، فأمرَ المؤذِّنَ، فأذَّن وأقام، ثم تقدَّم رسول الله ﷺ على راحلته، فصلَّى بهم يومئ إيماءً، يجعل (٣) السجود أخفض من الركوع. قال الترمذي (٤): «حديث غريب، تفرَّد به عمر بن الرَّمَّاح». وثبت ذلك عن أنس من فعله (٥).

стр. 754

فصل وكان من هديه أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمسُ أخَّر الظهرَ إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما. فإن زالت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظهر، ثم ركب (١). وكان إذا أعجله السَّيرُ أخّر المغربَ حتى يجمع بينها وبين العشاء في وقت العشاء (٢). وقد روي عنه في غزوة تبوك أنه كان (٣) إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهرَ حتى ينزل للعصر، فيصلِّيهما جميعًا. وكذلك في المغرب والعشاء. لكن اختُلِف في هذا الحديث: فمِن مصحِّحٍ له، ومن محسِّنٍ، ومن قادحٍ فيه وجعَلَه موضوعًا كالحاكم. وإسنادُه على شرط «الصحيح»، لكن رُمِي بعلَّة عجيبة. قال الحاكم (٤): ثنا

стр. 755

أبو بكر محمد (١) بن أحمد بن بالويه، ثنا موسى بن هارون، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهرَ حتى يجمعها إلى العصر، فيصلِّيهما جميعًا. وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلَّى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغربَ حتى يصلِّيها مع العشاء. وإذا ارتحل بعد المغرب عجَّل العشاء، فصلَّاها مع المغرب. قال الحاكم (٢): هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذُّ الإسناد والمتن، ثم لا نعرف له علةً نُعِلُّه (٣) بها. فلو كان الحديث عند الليث (٤) عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعلَّلنا به الحديث. ولو كان عند يزيد بن أبي حبيب

стр. 756

عن أبي الزُّبير (١) لعلَّلنا (٢) به. فلما لم نجد له العلَّتين خرج عن أن يكون معلولًا. ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل روايةً، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل (٣)، فقلنا: الحديث شاذ. وقد حدَّثونا (٤) عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على (٥) هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة؛ حتى عدّ قتيبةُ سبعةً من أئمة الحديث (٦) كتبوا عنه هذا الحديث، فأئمةُ الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجُّبًا من إسناده ومتنه. ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علَّةً. ثم قال (٧): فنظرنا، فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون. ثم ذكر بإسناده إلى البخاري قال: قلت لقتيبة بن سعيد: مع مَن كتبتَ عن الليث بن سعد حديثَ يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ قال: كتبته مع خالد المدائني. قال البخاري: وكان خالد المدائني يُدخِل الأحاديثَ على

стр. 757

الشيوخ (١). قلت: وحكمُه (٢) بالوضع على هذا الحديث غير مسلَّم، فإنَّ أبا داود (٣) رواه عن يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهَب الرَّملي، ثنا المفضَّل بن فَضَالة، عن (٤) الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ؛ فذكره. فهذا المفضَّل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجلَّ من المفضَّل وأحفظ، لكن زال تفرُّد قتيبة به. ثم إنَّ قتيبة صرَّح بالسماع، فقال: «حدَّثنا» ولم يعنعنه، فكيف يُقدَح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الحفظ والأمانة والثقة والعدالة (٥).

стр. 758

وقد روى إسحاق (١) بن راهويه (٢): ثنا شبابة، ثنا ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا كان في سفر فزالت الشمسُ صلَّى الظهر والعصر، ثم ارتحل. وهذا إسناد كما ترى. وشبَابة: هو شبابة بن سوَّار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له (٣) مسلم في «صحيحه» (٤) عن الليث بن سعد. فهذا الإسناد على شرط الصحيحين، وأقلُّ درجاته أن يكون مقوِّيًا لحديث معاذ. وأصله في «الصحيحين» (٥) لكن ليس فيه جمع التقديم (٦). ثم قال أبو داود (٧): وروى هشام بن عروة (٨)، عن حسين بن عبد الله، عن كُريب، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ نحو حديث المفضل، يعني حديث معاذ في جمع التقديم. ولفظه عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن كريب عن ابن عباس أنه قال: «ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ كان إذا

стр. 759

زالت له الشمس، وهو في منزله، جمَع بين الظهر والعصر في الزوال. وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخَّر الظهرَ حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر. قال: وأحسِبه قال: في المغرب والعشاء مثل ذلك». رواه الشافعي (١) من حديث ابن أبي يحيى عن حسين، ومن حديث ابن عجلان بلاغًا عن حسين. قال البيهقي (٢): هذا رواه الأكابر هشام بن عروة وغيره عن حسين بن عبد الله. ورواه عبد الرزاق (٣)، عن ابن جريج، عن حسين، عن عكرمة وعن كريب كلاهما عن ابن عباس. ورواه أيوب (٤)، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال: ولا أعلمه إلا مرفوعًا. وقال إسماعيل بن إسحاق (٥): حدثنا إسماعيل بن أبي أويس (٦) قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال (٧)، عن هشام بن عروة، عن كريب، عن

стр. 760

ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا جدَّ به السَّيرُ، فراح قبل أن تزيغ الشمس= ركِبَ، فسار، ثم نزل، فجمَع بين الظهر والعصر. وإذا لم يرُحْ حتى تزيغ الشمس جمَع بين الظهر والعصر، ثم ركب. وإذا أراد أن يركب فدخلت صلاة المغرب جمَع بين المغرب وبين صلاة العشاء. قال أبو العباس بن سريج: وروى يحيى بن عبد الحميد (١)، عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا لم يرتحل حتى تزيغ الشمس صلَّى الظهر والعصر جميعًا. وإذا كانت لم تزغ أخَّرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): ويدل على جمع التقديم جمعُه بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف، ليتصل وقت الدعاء ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر، مع إمكان ذلك بلا مشقة. فالجمعُ كذلك لأجل المشقَّة والحاجةِ أولى. قال الشافعي (٤): وكان أرفقَ به يومَ عرفة تقديمُ العصر لأن يتصل له

стр. 761

الدعاء، فلا يقطعه بصلاة العصر؛ وأرفقَ بالمزدلفة أن يتصل له المسيرُ، ولا يقطعه بالنزول للمغرب، لما في ذلك من التضييق على الناس. والله أعلم (١). فصل ولم يكن من هديه ﷺ الجمعُ راتبًا (٢) في أسفاره كما يفعله كثير من الناس، ولا الجمعُ حالَ نزوله أيضًا. وإنما كان يجمع إذا جدَّ به السَّيرُ أو إذا سار عقيب الصلاة كما ذكرنا في قصة تبوك. وأما جمعُه وهو نازلٌ غيرُ مسافر، فلم يُنقَل ذلك عنه إلا بعرَفة لأجل اتصال الوقوف كما قال الشافعي وشيخنا. ولهذا خصَّه أبو حنيفة بعرفة، وجعله من تمام النُّسك، ولا تأثير للسفر عنده فيه. وأحمد ومالك والشافعي جعلوا سببه السفر، ثم اختلفوا، فجعل الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه التأثيرَ للسفر الطويل، ولم يجوّزاه (٣) لأهل مكة. وجوَّز مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه لأهل مكة الجمعَ والقصرَ بعرفة، واختارها شيخنا وأبو الخطاب في «عباداته» (٤). ثم طرد شيخنا هذا وجعله أصلًا في جواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره كما هو مذهب كثير من السلف، وجعله

стр. 762

مالك وأبو الخطاب مخصوصًا بأهل مكة (١). ولم يحُدَّ لأمته ﷺ مسافةً محدودةً للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمُّم في كل سفر. وأما ما يُروَى عنه في التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة، فلم يصحَّ عنه منها شيء البتة. فصل في هديه ﷺ في قراءة القرآن واستماعه، وخشوعه وبكائه عند قراءته واستماعه، وتحسين صوته به، وتوابع ذلك كان له ﷺ حزب يقرؤه، لا يُخِلُّ به. وكانت قراءته ترتيلًا، لا هذًّا ولا عجلةً، بل قراءةً مفسَّرةً حرفًا حرفًا (٢). وكان يقطع قراءته آيةً آيةً (٣). وكان يمدُّ عند حروف المدِّ، فيمُدُّ (الرحمن)، ويمُدُّ (الرحيم) (٤). وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول القراءة (٥)، فيقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وربما كان يقول: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» (٦). وكان تعوُّذه قبل القراءة.

стр. 763

وكان يحبُّ أن يسمع القرآن من غيره. وأمرَ عبدَ الله بن مسعود، فقرأ عليه وهو يسمع، وخشع ﷺ لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه (١). وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، ومتوضِّئًا ومحدِثًا. ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة (٢).

стр. 764

وكان يتغنَّى به، ويرجِّع صوته به (١) أحيانًا، كما رجَّع يوم الفتح في قراءته ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] (٢). وحكى عبد الله بن مغفَّل ترجيعه آآآ ثلاث مرات. ذكره البخاري (٣). وإذا جمعت هذا الحديث (٤) إلى قوله: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم» (٥)، وقوله: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» (٦)، وقوله: «ما أذِن اللهُ لشيءٍ كأَذَنِه لنبيٍّ حسَنِ الصَّوت يتغنَّى بالقرآن» = علمتَ أنَّ هذا الترجيع منه ﷺ كان اختيارًا، لا اضطرارًا لهزِّ الناقة له. فإنَّ هذا لو كان لأجل هزِّ الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفَّل يحكيه ويفعله اختيارًا لِيُتأسَّى (٧)، وهو

стр. 765

يرى هزَّ الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: «كان يرجِّع في قراءته» فنسَب الترجيع إلى فعله. ولو كان من هزّ الراحلة لم يكن منه فعلٌ يسمّى (١) ترجيعًا. وقد استمع ليلةً لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك قال: «لو كنتُ أعلم أنَّك تستمع (٢) لحبَّرتُه لك تحبيرًا» (٣)، أي حسَّنتُه وزيَّنتُه بصوتي تزيينًا. وروى أبو داود في «سننه» (٤) عن عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن

стр. 766

أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد: مرَّ بنا أبو لُبابة، فاتبعناه حتى دخل بيته، فإذا رجلٌ رثُّ الهيئة. فسمعته يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن». قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسَن الصوت؟ قال: يحسِّنه ما استطاع. قلت: ولا بدَّ من كشف هذه المسألة، وذكر اختلاف الناس فيها، واحتجاج كلِّ فريق، وما لهم وعليهم في احتجاجهم، وذكر الصواب في ذلك، بحول الله (١) ومعونته. فقالت طائفة: تُكرَه قراءة الألحان. وممن نصَّ على ذلك أحمد ومالك وغيرهما. فقال أحمد (٢) في رواية علي بن سعيد في (٣) قراءة الألحان: ما تعجبني وهو محدَث. وقال في رواية المرُّوذي: القراءة بالألحان بدعة لا تسمع. وقال في رواية عبد الرحمن المتطبِّب: قراءة الألحان بدعة بدعة. وقال في رواية ابنه عبد الله، ويوسف بن موسى، ويعقوب بن بَخْتان، والأثرم، وإبراهيم بن الحارث: القراءة بالألحان لا تعجبني إلا أن يكون

стр. 767

ذلك جِرْمَه (١)، فيقرأ بحزنٍ مثل صوت أبي موسى. وقال في رواية صالح: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم» معناه أن يحسِّنه (٢). وقال في رواية المرُّوذي: «ما أذِن الله لشيء كأَذَنه لنبيٍّ حسنِ الصَّوت أن يتغنَّى بالقرآن»، وفي قوله: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن»، فقال: كان ابن عيينة يقول: يستغني به، وقال الشافعي: يرفع صوته. وذكر له حديث معاوية بن قُرَّة في قصة قراءة سورة الفتح والترجيع بها، فأنكر أبو عبد الله أن يكون هذا على معنى الألحان، وأنكر الأحاديث التي يُحتجُّ بها في الرخصة في الألحان. وروى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال: لا تعجبني. وقال: إنما هو غناء يتغنَّون به، ليأخذوا عليه الدراهم (٣). وممن رويت عنه الكراهة: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيَّب، وسعيد بن جبير،

стр. 768

والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي (١). وقال عبد الله بن يزيد العُكبري (٢): سمعت رجلًا يسأل أحمد ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال: ما اسمك؟ قال (٣): محمد. قال (٤): فيسرُّك أن يقال لك: يا مُوحمَّد، ممدود؟ قال القاضي أبو يعلى (٥): وهذا مبالغة منه في الكراهة. وقال الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي: أوصى إليَّ رجل بوصية، وكان فيما خلَّف جاريةٌ تقرأ بالألحان، وكانت أكثرَ (٦) تركته أو عامَّتها. فسألتُ أحمد بن حنبل والحارث بن مسكين وأبا عبيد: كيف أبيعها؟ قالوا: بِعها ساذجةً. فأخبرتهم بما في بيعها من النقصان، فقالوا: بِعها ساذجةً (٧). قال القاضي: وإنما قالوا ذلك لأنَّ سماع ذلك منها مكروه، فلا يجوز (٨) أن

стр. 769

يعاوَض عليه كالغناء. قال ابن بطال (١): وقالت طائفة: التغنِّي بالقرآن هو تحسين الصوت به والترجيع بقراءته. والتغنِّي بما شاء من الأصوات واللحون. قال: هو قول ابن المبارك والنَّضر بن شُمَيل. قال (٢): وممن أجاز الألحان في القرآن: ذكر الطبري عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى: ذكِّرنا ربَّنا. فيقرأ أبو موسى ويتلاحن (٣). وقال: من استطاع أن يتغنَّى (٤) بالقرآن غناءَ أبي موسى فليفعل (٥). وكان عُقْبة بن عامر من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فقال له عمر: اعرِض عليّ سورة كذا. فعرض عليه، فبكى عمر، وقال: ما كنت أظن أنها نزلت (٦). قال (٧): وأجازه ابن عباس وابن مسعود، وروي عن عطاء بن أبي رباح. قال: وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتتبَّع الصوت الحسن في

стр. 770

المساجد في شهر رمضان (١). وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنهم كانوا يستمعون القراءة (٢) بالألحان. وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يستمعون (٣) القراءة بالألحان (٤). وهذا اختيار ابن جرير الطبري. قال المجوِّزون واللفظ لابن جرير (٥): الدليل على أن معنى الحديث تحسين الصوت والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامعَ قراءته، كما أنَّ الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه= ما روى سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أذِن الله لشيءٍ ما أذِن لنبيٍّ حسَنِ الترنُّم (٦) بالقرآن» (٧)، ومعقولٌ عند ذوي الحِجا أنَّ الترنُّم لا يكون إلا بالصوت إذا حسّنه المترنِّم وطرَّب به. وروي في هذا الحديث: «ما

стр. 771

أذِن الله لشيءٍ ما أذِن لنبيٍّ (١) حسَنِ الصوت يتغنَّى بالقرآن، يجهَر به» (٢). قال الطبري (٣): وهذا الحديث أبيَنُ البيان أنَّ ذلك كما قلنا. ولو كان كما قال ابن عيينة ــ يعني: يستغني به عن غيره ــ لم يكن لذكر حُسنِ الصَّوت والجَهْرِ به معنًى. والمعروف في كلام العرب أنَّ التغنِّي إنما هو الغناء الذي هو حُسن الصوت بالترجيع. قال الشاعر (٤): تغَنَّ بالشِّعر إمَّا كنتَ قائله ... إنَّ الغناء لهذا الشعر مضمارُ قال: وأما ادعاء الزاعم (٥) أن «تغنَّيت» بمعنى «استغنيت» فاشٍ (٦) في كلام العرب، فلم نعلم أحدًا من أهل العلم بكلام العرب قاله. وأما احتجاجه لتصحيح قوله بقول الأعشى (٧): وكنتُ امرأً زَمنًا بالعراق ... عفيفَ المناخ طويلَ التَّغَنْ وزعم أنه أراد بقوله: «طويل التغنِّي»: طويل الاستغناء= فإنه غلط منه.

стр. 772

وإنما عنى الأعشى بالتغنِّي في هذا الموضع الإقامةَ، من قول العرب: غنِيَ فلان بمكان كذا، إذا أقام به. ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]. وأما استشهاده بقوله (١): كلانا غنيٌّ عن أخيه حياتَه ... ونحن إذا متنا أشدُّ تغانيا =فإنه إغفال منه، وذلك أنَّ «التغاني» تفاعل من نفسين (٢) إذا استغنى كلُّ واحد منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كلُّ واحد منهما صاحبَه وتشاتما وتقاتلا. ومن قال هذا القول في فعل اثنين لم يجُز أن يقول مثله في فعل الواحد، فيقول: تغانى زيد، وتضاربَ عمرو. وكذلك غير جائز أن يقول: تغنَّى زيد بمعنى استغنى إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء وهو غير مستغن، كما يقال: تجلَّد فلان إذا أظهر جلدًا من نفسه وهو غير جليد، وتشجَّع وتكرَّم. فإن وجَّه موجِّهٌ التغنيَّ بالقرآن إلى هذا المعنى ــ على بُعده من مفهوم كلام العرب ــ كانت المصيبة في خطئه (٣) في ذلك أعظم، لأنه يوجب بذلك من

стр. 773

تأوُّله (١) أن يكون الله تعالى ذكرُه لم يأذن لنبيِّه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذِن له أن يُظهِر من نفسه لنفسه خلافَ ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فساده. قال (٢): ومما يبيِّن فساد تأويل ابن عيينة أيضًا: أنَّ الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون «الأَذَن» عند ابن عيينة بمعنى الإذْن الذي هو إطلاق وإباحة. فإن كان كذلك فهو غلط من وجهين، أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه. أما اللغة، فإنَّ «الأَذَن» مصدر قوله: أذِن فلانٌ لكلام فلان، فهو يأذَن له، إذا استمعَ له وأنصَت، كما قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بمعنى سمعت لربِّها، وحُقَّ لها ذلك؛ كما قال عدي بن زيد: إنَّ هَمِّي في سَماعٍ وأَذَنْ (٣) يعني: في سماع واستماع. فمعنى قوله: «ما أذِنَ الله لشيء» إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع (٤) إلى نبيٍّ يتغنَّى بالقرآن. وأما الإحالة في المعنى، فلأنَّ الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفُه بأنه مسموع ومأذون له. انتهى كلام الطبري.

стр. 774

قال أبو الحسن بن بطال (١): وقد رفَع الإشكالَ في هذه المسألة أيضًا ما (٢) رواه ابن أبي شيبة (٣)، حدثنا زيد بن الحُباب قال: حدثني موسى بن أبي رباح (٤)، عن أبيه، عن عُقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلَّموا القرآن وغَنُّوا (٥) به، واكتبوه. فوالذي نفسي بيده، لَهُو أشدُّ تفصِّيًا من المَخاض من العُقُل». قال (٦): وذكر عمر بن شبَّة (٧) قال: ذُكِر لأبي عاصم النبيل تأويلُ ابن

стр. 775

عيينة في قوله: «يتغنَّى بالقرآن»: يستغني به، فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئًا. حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: كانت لداود نبيِّ الله ﷺ مِعْزَفةٌ يتغنَّى عليها، فيبكي ويُبكي. وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، يلوِّن (١) فيهن. ويقرأ قراءةً يطرب منها المحموم (٢). وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال (٣): نحن أعلم بهذا. لو أراد الاستغناء لقال: «من لم يستغنِ بالقرآن»، ولكن لما قال: «يتغنَّ (٤) بالقرآن» علمنا أنه أراد به التغنِّي. قالوا: ولأنَّ تزيينَه وتحسينَ الصَّوت به والتطريبَ بقراءته أوقعُ في النفوس، وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه، ففيه تنفيذٌ للفظه إلى الأسماع ومعانيه إلى القلوب؛ وذلك عون على المقصود. وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعَل في الدواء لتنفِّذه (٥) إلى مواضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِّيب الذي يُجعَل في الطعام لتكون الطبيعة أعظمَ له قبولًا، وبمنزلة الطِّيب والتحلِّي وتجمُّل المرأة لبعلها ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح. قالوا: ولا بدَّ للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء، فعُوِّضت عن طرب الغناء بطرب القرآن، كما عُوِّضت عن كلِّ محرَّم ومكروه بما هو خير لها منه،
следующие страницы →