← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أذِن الله لشيءٍ ما أذِن لنبيٍّ (١) حسَنِ الصوت يتغنَّى بالقرآن، يجهَر به» (٢). قال الطبري (٣): وهذا الحديث أبيَنُ البيان أنَّ ذلك كما قلنا. ولو كان كما قال ابن عيينة ــ يعني: يستغني به عن غيره ــ لم يكن لذكر حُسنِ الصَّوت والجَهْرِ به معنًى. والمعروف في كلام العرب أنَّ التغنِّي إنما هو الغناء الذي هو حُسن الصوت بالترجيع. قال الشاعر (٤): تغَنَّ بالشِّعر إمَّا كنتَ قائله ... إنَّ الغناء لهذا الشعر مضمارُ قال: وأما ادعاء الزاعم (٥) أن «تغنَّيت» بمعنى «استغنيت» فاشٍ (٦) في كلام العرب، فلم نعلم أحدًا من أهل العلم بكلام العرب قاله. وأما احتجاجه لتصحيح قوله بقول الأعشى (٧): وكنتُ امرأً زَمنًا بالعراق ... عفيفَ المناخ طويلَ التَّغَنْ وزعم أنه أراد بقوله: «طويل التغنِّي»: طويل الاستغناء= فإنه غلط منه.

стр. 772

وإنما عنى الأعشى بالتغنِّي في هذا الموضع الإقامةَ، من قول العرب: غنِيَ فلان بمكان كذا، إذا أقام به. ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]. وأما استشهاده بقوله (١): كلانا غنيٌّ عن أخيه حياتَه ... ونحن إذا متنا أشدُّ تغانيا =فإنه إغفال منه، وذلك أنَّ «التغاني» تفاعل من نفسين (٢) إذا استغنى كلُّ واحد منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كلُّ واحد منهما صاحبَه وتشاتما وتقاتلا. ومن قال هذا القول في فعل اثنين لم يجُز أن يقول مثله في فعل الواحد، فيقول: تغانى زيد، وتضاربَ عمرو. وكذلك غير جائز أن يقول: تغنَّى زيد بمعنى استغنى إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء وهو غير مستغن، كما يقال: تجلَّد فلان إذا أظهر جلدًا من نفسه وهو غير جليد، وتشجَّع وتكرَّم. فإن وجَّه موجِّهٌ التغنيَّ بالقرآن إلى هذا المعنى ــ على بُعده من مفهوم كلام العرب ــ كانت المصيبة في خطئه (٣) في ذلك أعظم، لأنه يوجب بذلك من

стр. 773

تأوُّله (١) أن يكون الله تعالى ذكرُه لم يأذن لنبيِّه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذِن له أن يُظهِر من نفسه لنفسه خلافَ ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فساده. قال (٢): ومما يبيِّن فساد تأويل ابن عيينة أيضًا: أنَّ الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون «الأَذَن» عند ابن عيينة بمعنى الإذْن الذي هو إطلاق وإباحة. فإن كان كذلك فهو غلط من وجهين، أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه. أما اللغة، فإنَّ «الأَذَن» مصدر قوله: أذِن فلانٌ لكلام فلان، فهو يأذَن له، إذا استمعَ له وأنصَت، كما قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بمعنى سمعت لربِّها، وحُقَّ لها ذلك؛ كما قال عدي بن زيد: إنَّ هَمِّي في سَماعٍ وأَذَنْ (٣) يعني: في سماع واستماع. فمعنى قوله: «ما أذِنَ الله لشيء» إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع (٤) إلى نبيٍّ يتغنَّى بالقرآن. وأما الإحالة في المعنى، فلأنَّ الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفُه بأنه مسموع ومأذون له. انتهى كلام الطبري.

стр. 774

قال أبو الحسن بن بطال (١): وقد رفَع الإشكالَ في هذه المسألة أيضًا ما (٢) رواه ابن أبي شيبة (٣)، حدثنا زيد بن الحُباب قال: حدثني موسى بن أبي رباح (٤)، عن أبيه، عن عُقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلَّموا القرآن وغَنُّوا (٥) به، واكتبوه. فوالذي نفسي بيده، لَهُو أشدُّ تفصِّيًا من المَخاض من العُقُل». قال (٦): وذكر عمر بن شبَّة (٧) قال: ذُكِر لأبي عاصم النبيل تأويلُ ابن

стр. 775

عيينة في قوله: «يتغنَّى بالقرآن»: يستغني به، فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئًا. حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: كانت لداود نبيِّ الله ﷺ مِعْزَفةٌ يتغنَّى عليها، فيبكي ويُبكي. وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، يلوِّن (١) فيهن. ويقرأ قراءةً يطرب منها المحموم (٢). وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال (٣): نحن أعلم بهذا. لو أراد الاستغناء لقال: «من لم يستغنِ بالقرآن»، ولكن لما قال: «يتغنَّ (٤) بالقرآن» علمنا أنه أراد به التغنِّي. قالوا: ولأنَّ تزيينَه وتحسينَ الصَّوت به والتطريبَ بقراءته أوقعُ في النفوس، وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه، ففيه تنفيذٌ للفظه إلى الأسماع ومعانيه إلى القلوب؛ وذلك عون على المقصود. وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعَل في الدواء لتنفِّذه (٥) إلى مواضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِّيب الذي يُجعَل في الطعام لتكون الطبيعة أعظمَ له قبولًا، وبمنزلة الطِّيب والتحلِّي وتجمُّل المرأة لبعلها ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح. قالوا: ولا بدَّ للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء، فعُوِّضت عن طرب الغناء بطرب القرآن، كما عُوِّضت عن كلِّ محرَّم ومكروه بما هو خير لها منه،

стр. 776

كما عوِّضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة التي هي محض التوحيد والتوكل، وعن السِّفاح بالنكاح، وعن القمار بالمراهنة في النِّضال وسباق الخيل، وعن السَّماع الشيطاني بالسَّماع الرحماني القرآني. ونظائره كثيرة جدًّا. قالوا: والمحرَّم لا بد أن يشتمل على مفسدة راجحة أو خالصة، وقراءةُ التطريب والألحان لا تتضمَّن شيئًا من ذلك، فإنَّها لا تُخرج الكلام عن وضعه، ولا تحول بين السامع وبين فهمه. ولو كانت متضمِّنةً لزيادة الحروف كما ظنَّ المانع منها لأخرجت الكلمةَ عن موضوعها (١)، وحالت بين السامع وبين فهمها ولم يدر ما معناها، والواقع بخلاف ذلك. قالوا: وهذا التطريب والتلحين أمر راجع إلى كيفية الأداء، وتارةً يكون سليقةً وطبيعةً، وتارةً يكون تكلُّفًا وتعمُّلًا. وكيفياتُ الأداء لا تُخْرج الكلام عن موضوع (٢) مفرداته، بل هي صفاتٌ لصوت المؤدِّي له (٣)، جاريةٌ مجرى ترقيقه وتفخيمه وإمالته، وجاريةٌ مجرى مدود القراء (٤) الطويلة والمتوسطة؛ لكن تلك الكيفيات متعلِّقة بالحروف، وكيفياتُ الألحان والتطريب متعلِّقة بالأصوات. والآثار في هذه الكيفيات لا يمكن نقلها، بخلاف كيفيات أداء

стр. 777

الحروف. فلهذا نُقلِت تلك بألفاظها، ولم يمكن نقلُ هذه بألفاظها، بل نُقِل منها ما أمكن نقلُه، كترجيع النبي ﷺ في سورة الفتح بقوله: آ آ آ. قالوا: والتطريب والتلحين يرجع إلى أمرين: إلى مدٍّ وترجيع. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يمُدُّ صوتَه بالقراءة. يمُدُّ (الرحمن) ويمُدُّ (الرحيم). وثبت عنه الترجيع كما تقدَّم. قال المانعون من ذلك: الحجة لنا وجوه. أحدها: ما رواه حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ : «اقرؤوا القرآن بلُحون العرب وأصواتها. وإياكم ولُحونَ أهل الكتاب والفسق، فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجِّعون بالقرآن ترجيع الغناء والنَّوح، لا يجاوِزُ حناجرَهم، مفتونةً قلوبهم وقلوبُ الذين يُعجِبهم شأنُهم». رواه أبو الحسن رَزين في «تجريد الصِّحاح»، ورواه أبو عبد الله الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» (١). واحتجَّ به القاضي أبو يعلى في «الجامع». واحتجَّ معه بحديث آخر أنَّ النبيَّ ﷺ ذكر شرائط الساعة وذكر أشياء منها: «وأن يُتَّخذ القرآنُ مزاميرَ، يقدِّمون أحدَهم ليس بأقرئهم ولا

стр. 778

أفضلِهم (١)، إلا ليغنِّيهم غِناءً» (٢). قالوا: وقد جاء زياد النُّمَيري (٣) إلى أنس بن مالك (٤) مع القراء، فقيل له: اقرأ، فرفَع صوته وطرَّب، وكان رفيع الصوت. فكشَف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خرقة سوداء، فقال: يا هذا، ما هكذا كانوا يفعلون. وكان إذا رأى شيئًا ينكره كشف الخرقةَ عن وجهه (٥). قالوا: وقد منع النبيُّ ﷺ المؤذِّنَ المطرِّبَ في أذانه من التطريب، كما روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذِّن يطرِّب، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سمحًا سهلًا وإلا فلا تؤذِّن». رواه الدارقطني (٦).

стр. 779

وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ (١) من حديث قتادة عن عبد الرحمن بن أبي بكر (٢) عن أبيه قال: كانت قراءة رسول الله ﷺ المدّ ليس فيها ترجيع. قالوا: والترجيع والتطريب يتضمَّن: همز ما ليس بمهموز، ومدّ ما ليس بممدود، وترجيع الألف الواحدة ألفات، والواو واوات، والياء ياءات، فيؤدِّي ذلك إلى زيادة في القرآن، وذلك غير جائز. قالوا: ولا حدَّ لما يجوز من ذلك وما لا يجوز منه. فإن حُدَّ بحدٍّ معيَّن كان تحكُّمًا في كتاب الله ودينه، وإن لم يُحَدَّ بحَدٍّ أفضى إلى أن يطلق لفاعله ترديدَ (٣) الأصوات، وكثرةَ الترجيعات، والتنوُّعَ في أصناف الإيقاعات والألحان المشبهة للغناء كما يفعل أهل الغناء بالأبيات، كما (٤) يفعله كثيرٌ

стр. 780

من القرَّاء أمام الجنائز، ويفعله كثيرٌ من قرَّاء الأصوات، مما يتضمَّن تغييرَ كتاب الله والغناءَ به على نحو ألحان الشعر والغناء به، ويوقعون الإيقاعات عليه مثل الغناء سواءً، اجتراءً على الله وكتابه، وتلاعُبًا بالقرآن، وركونًا إلى تزيين الشيطان؛ ولا يجيز ذلك أحد من علماء الإسلام. ومعلوم أنَّ التطريب والتلحين ذريعة مفضية إلى هذا إفضاءً قريبًا، فالمنعُ منه كالمنع من الذرائع الموصلة إلى الحرام. فهذا نهاية أقدام الفريقين، ومنتهى احتجاج الطائفتين. وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين: أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به، من غير تكلُّف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خُلِّي وطبعَه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيين وتحسين كما قال أبو موسى للنبي ﷺ : «لو علمتُ أنَّك تستمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا» (١). والحزين ومن هاجه الطربُ والحبُّ والشوقُ لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكنَّ النفوس تقبله وتستحليه وتستملحه (٢) لموافقة الطبع وعدم التكلُّف والتصنُّع فيه، فهو مطبوع لا متطبِّع، وكلِفٌ لا متكلِّف. فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغنِّي الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثَّر به التالي والسامع. وعلى هذا الوجه تُحمَل أدلَّةُ أرباب هذا القول كلُّها.

стр. 781

الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعةً من الصنائع، ليس في الطبع السماحةُ به، بل لا يحصل إلا بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلَّم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركَّبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلُّم والتكلُّف. فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذمُّوها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها. وأدلَّةُ أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه. وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبيَّن الصواب من غيره. وكلُّ من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلَّفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها أو يسوِّغوها؛ ويعلمُ (١) قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسِّنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجًى تارةً، وبطرب تارةً، وبشوق تارةً. وهذا أمر (٢) في الطباع تقاضيه (٣)، ولم ينه عنه الشارعُ مع (٤) شدَّة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه، وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به (٥)، وقال: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن». وفيه وجهان، أحدهما: أنه إخبار بالواقع، أي كلُّنا نفعله. والثاني: أنه نفيٌ لهَدْيِ من لم يفعله عن هَدْيه وطريقته. والله أعلم.

стр. 782

فصل في هديه ﷺ في عيادة المرضى كان يعود مَن مرِضَ من أصحابه. وعاد غلامًا كان يخدمه من أهل الكتاب (١)، وعاد عمَّه وهو مشرك (٢)، فعرض (٣) عليهما الإسلام، فأسلم اليهودي، ولم يُسلم عمُّه. وكان يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله فيقول: «كيف تجدك؟» (٤). وذُكِر أنه كان يسأل المريض عما يشتهيه، فيقول: «هل تشتهي شيئًا؟»، فإن اشتهى شيئًا وعلِمَ أنه لا يضرُّه أمرَ له به (٥).

стр. 783

وكان يمسح بيده اليمنى على المريض، ويقول: «اللهمَّ ربَّ الناس، أذهِبِ البأسَ، اشْفِ وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا» (١). وكان يقول: «امسحِ البأس ربَّ الناس، بيدك الشفاء، لا كاشفَ له إلا أنت» (٢). وكان يدعو للمريض ثلاثًا، كما قال لسعد: «اللهمَّ اشْفِ سعدًا، اللهمَّ اشْفِ سعدًا، اللهمَّ اشْفِ سعدًا» (٣). وكان إذا دخل على المريض يقول له: «لا بأسَ، طهورٌ إن شاء الله» (٤). وربما كان يقول: «كفَّارة وطَهور» (٥).

стр. 784

وكان يرقي مَن به قُرْحة أو جُرْح أو شكوى، فيضع سبَّابته بالأرض، ثم يرفعها، ويقول: «بسم الله، تربةُ أرضنا بريقةِ بعضنا، يُشْفَى سقيمُنا (١) بإذن ربِّنا». هذا في «الصحيحين» (٢). وهو يُبطل اللفظة التي جاءت في حديث السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأنهم الذين لا يرقُون ولا يسترقُون (٣). فقوله في الحديث (٤): «لا يرقُون»، غلط من الراوي. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول ذلك، قال (٥): وإنما الحديث: «هم الذين لا يسترقُون» (٦). قلت: وذلك لأنَّ هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاءَ وهو سؤال الناس أن يرقُوهم. ولهذا

стр. 785

قال: «وعلى ربِّهم يتوكلون»، فلكمال توكُّلهم على ربِّهم، وسكونهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به= لا يسألون الناس شيئًا، لا رقيةً ولا غيرها. ولا يحصل لهم طِيرَة تصُدُّهم عما يقصدونه، فإنَّ الطِّيَرة تنقص التوحيد وتُضْعِفه. قال شيخنا: والراقي متصدِّق محسِن والمسترقي سائل. والنبيُّ ﷺ رقى ولم يستَرْقِ، وقال: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» (١). فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في «الصحيحين» (٢) عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه جمَع كفَّيه، ثم نفَث فيهما فقرأ (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس)، ثم يمسَح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده؛ فيفعل ذلك ثلاث مرات. قالت عائشة: فلما اشتكى رسول الله ﷺ كان يأمرني أن أفعل ذلك به. فالجواب: أنَّ هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ، أحدها هذا. والثاني: أنه ﷺ كان هو ينفث على نفسه (٣). والثالث: قالت: كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيده نفسه (٤) لبركتها (٥). وفي لفظ رابع: كان إذا اشتكى يقرأ على

стр. 786

نفسه بالمعوِّذات، وينفث (١). وهذه الألفاظ يفسِّر بعضها بعضًا. فكان ﷺ ينفث على نفسه، وضعفُه ووجعُه يمنعه من إمرار يده على جسده كلِّه، فكان يأمر عائشة ﵂ أن تُمِرَّ يده على جسده بعد نفثه هو. وليس ذلك من الاسترقاء في شيء، وهي لم تقل: كان يأمرني أن أرقيه، وإنما ذكرت المسحَ بيده بعد النفث على جسده، ثم قالت: «كان يأمرني أن أفعل ذلك به» (٢)، أي: أن أمسح جسده بيديه، كما كان هو يفعل. ولم يكن من هديه ﷺ أن يخُصَّ يومًا من الأيام بعيادة المريض ولا وقتًا من الأوقات، بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلًا ونهارًا، وفي سائر الأوقات. وفي «المسند» (٣) عنه: «إذا عاد الرجلُ أخاه المسلمَ مشى في خُرْفة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة. فإن كان غدوةً صلَّى عليه سبعون ألفَ ملَك حتى يمسي، وإن كان مساءً صلَّى عليه سبعون ألف ملَك (٤) حتى يصبح».

стр. 787

وفي لفظ (١): «ما من مسلمٍ يعود مسلمًا إلا ابتعث الله له سبعين ألفَ ملَك يصلُّون عليه أيَّ ساعة من النهار كانت حتى يمسي، وأيَّ ساعة من الليل كانت حتى يصبح». وكان يعود من الرَّمَد وغيره (٢). وكان أحيانًا يضع يده على جبهة المريض ثم يمسح صدره وبطنه، ويقول: «اللهمَّ اشْفِه» (٣). وكان يمسح وجهه أيضًا. وكان إذا أيِسَ من المريض قال: «إنَّا لله وإنا إليه راجعون» (٤).

стр. 788

فصل في هديه ﷺ في الجنائز والصلاة عليها واتباعها ودفنها وما كان يدعو به للميت في صلاة الجنازة وبعد الدفن وتوابع ذلك كان هديه وسيرته ﷺ في الجنائز أكملَ هَدْيٍ مخالفٍ لهَدْي سائر الأمم، مشتملٍ على الإحسان إلى الميِّت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحيِّ فيما يعامل به الميِّت. فكان في هديه (١) في الجنائز: إقامةُ عبودية الرَّبِّ تعالى على أكمل الأحوال، والإحسانُ إلى الميت، وتجهيزُه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلها، ووقوفُه ووقوف أصحابه صفوفًا يحمدون الله، ويستغفرون له، ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز عنه؛ ثم المشيُ بين يديه إلى أن يُودعه (٢) حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه على قبره سائلين له التثبيت أحوجَ ما كان إليه، ثم يتعاهده بالزيارة إلى قبره والسلام عليه والدعاء له، كما يتعاهد الحيُّ صاحبَه في دار الدنيا. فأول ذلك: تعاهدُه في مرضه، وتذكيره الآخرة، وأمره بالوصية والتوبة، وأمرُ من حضَره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله ليكون آخر كلامه (٣). ثم النهي عن عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث والنشور، من لطم الخدود، وشقِّ الثياب

стр. 789

وحلق الرؤوس، ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك (١). وسَنّ الخشوع للموت، والبكاءَ الذي لا صوت معه، وحزنَ القلب. وكان يفعل ذلك ويقول: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يُرضي الرَّبَّ» (٢). وسَنّ لأمته الحمد والاسترجاع والرضى عن الله. ولم يكن ذلك منافيًا لدمع العين وحزن القلب، ولذلك كان أرضى الخلق عن الله في قضائه وأعظمهم له حمدًا، وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفةً منه ورحمةً للولد ورقَّةً عليه، والقلبُ ممتلئ بالرضى عن الله وشكره، واللسانُ مشتغلٌ بذكره وحمده. ولما ضاق هذا المشهدُ والجمعُ بين الأمرين على بعض العارفين يومَ موتِ ولده جعل يضحك، فقيل له: تضحك في هذه الحال؟ فقال: إنَّ الله تعالى قضى بقضاء، فأحببتُ أن أرضى بقضائه (٣). فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، وقالوا: كيف يبكي رسولُ الله ﷺ يومَ موتِ ابنه، وهو أرضى الخلق عن الله، ويبلغ الرِّضى بهذا العارف إلى أن ضحك؟ فسمعت شيخ

стр. 790

الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: هديُ نبيِّنا ﷺ كان أكمل من هدي هذا العارف، فإنه أعطى العبودية حقَّها، فاتسع قلبه للرضى عن الله ورحمة الولد والرِّقَّة عليه، فحمد الله، ورضي عنه في قضائه، وبكى رحمةً ورقَّة (١). فحملته الرحمةُ (٢) على البكاء، وعبوديتُه لله ومحبتُه له على الرضى والحمد. وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع بطانُه (٣) لشهودهما والقيام بهما، فشغلته (٤) عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرِّقَّة (٥). فصل وكان من هديه: الإسراع بتجهيز الميت إلى الله، وتطهيره وتنظيفه، وتطييبه، وتكفينه في ثياب البياض؛ ثم يؤتى به إليه، فيصلِّي عليه، بعد أن كان يدعى إلى الميت عند احتضاره، فيقيم عنده حتى يقضي، ثم يحضر تجهيزه، ويصلِّي عليه، ويشيِّعه إلى قبره. ثم رأى الصحابة أنَّ ذلك يشقُّ عليه، فكانوا إذا قضى الميِّت

стр. 791

دعَوه، فحضر تجهيزه وغسله وتكفينه. ثم رأوا أنَّ ذلك يشقُّ عليه، فكانوا هم يجهِّزون ميتهم، ويحملونه إليه ﷺ على سريره، فيصلِّي عليه خارج المسجد. ولم يكن من هديه الراتب: الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلِّي على الجنائز (١) خارج المسجد. وربما كان يصلِّي أحيانًا على الميِّت في المسجد، كما صلَّى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد (٢)، ولكن لم يكن ذلك سنَّته وعادته. وقد روى أبو داود في «سننه» (٣) من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلَّى على جنازة في المسجد فلا شيء له». وقد اختُلِف في لفظ الحديث، فقال الخطيب في روايته لكتاب «السنن» (٤): في الأصل: «فلا شيء عليه»، وغيره يرويه «فلا شيء له» (٥).

стр. 792

ورواه ابن ماجه في «سننه» (١)، ولفظه: «فليس له شيء». ولكن قد ضعَّف الإمام أحمد وغيره هذا الحديث. قال الإمام أحمد (٢): هو مما انفرد به صالح مولى التوأمة. وقال البيهقي (٣): هذا حديث يُعَدُّ في أفراد صالح، وحديث عائشة أصحُّ منه، وصالح مختلف في عدالته، كان مالك يجرحه (٤). ثم ذكر عن أبي بكر وعمر أنه صُلِّي عليهما في المسجد. قلت: صالح ثقة في نفسه، كما قال عباس (٥) عن ابن معين: هو ثقة. وقال ابن أبي مريم ويحيى: ثقة حجة، فقلت (٦) له: إنَّ مالكًا تركه، فقال: إنَّ مالكًا أدركه بعد أن خَرِف، والثوريُّ إنما أدركه بعد أن خرِف فسمع منه، لكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرَف. وقال علي بن المديني: هو ثقة إلا أنه

стр. 793

خرِف وكبِر، فسمع منه الثوري بعد الخرَف، وسماعُ ابن أبي ذئب منه قبل ذلك (١). وقال ابن حبان (٢): تغيَّر في سنة خمس وعشرين ومائة، وجعل يأتي بما يشبه الموضوعات عن الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم، ولم يتميَّز، فاستحقَّ الترك. انتهى كلامه. وهذا الحديث حديث حسن، فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه، وسماعُه منه قديم قبل اختلاطه، فلا يكون اختلاطه موجبًا لردِّ ما حدَّث به قبل الاختلاط. وقد سلك الطحاوي (٣) في حديث أبي هريرة هذا وحديث عائشة مسلكًا آخر فقال: صلاة النبي ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة، وتركُ ذلك آخرُ الفعلين من رسول الله ﷺ بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة، وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما فعلت. وردَّ ذلك على الطحاوي جماعةٌ منهم البيهقي وغيره. قال البيهقي (٤): ولو كان عند أبي هريرة نسخُ ما روته عائشة لذَكَره يوم صُلِّي على أبي بكر الصدِّيق في المسجد، ويوم صُلِّي على عمر بن الخطاب في المسجد، ولَذكَره (٥) من أنكر على عائشة أمرَها بإدخاله المسجد، وذكره أبو هريرة حين روت فيه (٦) الخبر. وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز. فلما

стр. 794

روت فيه الخبر سكتوا، ولم ينكروه، ولا عارضوه بغيره. قال الخطابي (١): وقد ثبت أن أبا بكر وعمر صُلّي عليهما في المسجد، ومعلوم أنَّ عامَّة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم إنكارَه الدليلُ على جوازه. قال: وقد يحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة ــ إن ثبت ــ متأوَّلًا على نقصان الأجر. وذلك أنَّ من صلّى عليها في المسجد، فالغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأنَّ من سعى إلى الجنازة (٢) فصلّى عليها بحضرة المقابر يشهد (٣) دفنَه وأحرَز أجرَ القيراطين، وقد يؤجر أيضًا على كثرة خطاه؛ فصار الذي يصلِّي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي عليه خارج المسجد. وقالت طائفة: معنى قوله: «فلا شيء له» أي فلا شيء عليه، ليتحد معنى اللفظين ولا يتناقضان، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: فعليها. فهذه طرق الناس في هذين الحديثين. والصواب ما ذكرناه أولًا، وأنَّ سنّتَه وهديَه الصلاةُ على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر. وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله أعلم.

стр. 795

فصل وكان من هديه ﷺ : تسجية الميت إذا مات ــ وهو (١) تغطية وجهه وبدنه ــ وتغميض عينيه، وكان ربما يقبِّل الميتَ كما قبَّل عثمان بن مظعون وبكى (٢)، وكذلك الصدِّيق أكبَّ عليه يقبِّله بعد موته ﷺ (٣). وكان يأمر بغسل الميت ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل، ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة (٤). وكان لا يغسل الشهيدَ قتيلَ المعركة (٥). وذكر الإمام أحمد (٦) أنه نهى عن تغسيلهم. وكان ينزع عنهم الجلود والحديد، ويدفنهم في ثيابهم (٧)، ولم يصلِّ عليهم.

стр. 796

وكان إذا مات المُحْرِمُ أمرَ أن يُغسَل بماء وسدر ويكفَّن في ثوبَيه، وهما ثوبا إحرامه: إزاره ورداؤه. وينهى عن تطييبه وتغطية رأسه (١). وكان يأمر من ولي الميِّتَ أن يُحسِّن كفنه (٢)، ويكفِّنه في البياض (٣)؛ وينهى عن المغالاة في الكفن (٤). وكان إذا قصر الكفنُ عن ستر جميع البدن غطَّى رأسه، وجعل على رجليه شيئًا من العشب (٥). فصل وكان إذا قدِّم إليه ميت يصلِّي عليه سأل: «هل عليه دين أم لا؟». فإن لم

стр. 797

يكن عليه دَينٌ صلَّى عليه، وإن كان عليه دَين لم يصلِّ عليه، وأذِنَ لأصحابه أن يصلُّوا عليه؛ فإنَّ صلاته شفاعة، وشفاعتُه موجِبة، والعبد مرتَهنٌ بدَينه، لا يدخل الجنة حتى يقضى عنه. فلما فتح الله عليه كان يصلِّي على المدين، ويتحمَّل دَينه، ويدع ماله لورثته (١). فإذا أخذ في الصلاة عليه كبَّر، وحمِد الله وأثنى عليه (٢). وصلّى ابن عباس على جنازة، فقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وجهَر بها، وقال: لتعلموا أنَّها سنة (٣). وكذلك قال أبو أمامة بن سهل: إن قراءة الفاتحة في الأولى سنة (٤). ويذكر عن النبي ﷺ أنه أمر أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، ولا يصح إسناده (٥). قال شيخنا: ولا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، بل هي سنة (٦).

стр. 798

وذكر أبو أمامة بن سهل عن جماعة من الصحابة (١) الصلاةَ على النبي ﷺ في صلاة الجنازة. وروى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت (٢) عن الصلاة على الجنازة فقال: أنا والله أخبرك: تبدأ، فتكبِّر، ثم تصلِّي على النبي ﷺ ، وتقول: اللهمَّ إنَّ عبدك فلانًا (٣) كان لا يُشْرِك بك. أنت أعلم به، إن كان محسنًا، فزِدْ في إحسانه. وإن كان مسيئًا، فتجاوز عنه. اللهمَّ لا تحرِمْنا أجرَه، ولا تُضِلَّنا بعده. فصل ومقصود الصلاة على الجنازة هو الدعاء للميت. ولذلك (٤) حُفِظ عن النبي ﷺ ونُقِل عنه ما لم يُنقَل من قراءة الفاتحة والصلاة عليه ﷺ (٥).

стр. 799

فحُفِظ من دعائه: «اللهمَّ اغفر له، وارحمه. وعافِه، واعفُ عنه. وأكرِمْ نُزُلَه، ووسِّع مُدْخلَه. واغسله بالماء والثلج والبرَد، ونقِّه من الخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس. وأبدِله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه. وأدخِله الجنة، وأعِذْه من عذاب القبر ومن عذاب النار» (١). وحُفِظ من دعائه: «اللهمَّ اغفر لحيِّنا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا. اللهمَّ من أحييته منَّا فأحْيِه على الإسلام، ومن توفَّيتَه منا فتوفَّه على الإيمان. اللهمَّ لا تَحْرِمنا أجرَه، ولا تُضِلَّنا بعده» (٢). وحُفِظ من دعائه أيضًا: «اللهمَّ إنَّ فلان بن فلان في ذمَّتك وحَبْلِ جوارك، فقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، فاغفر له وارحمه،

стр. 800

إنَّك أنت الغفور الرحيم» (١). وحُفِظ من دعائه أيضًا: «اللهم أنت ربُّها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها. تعلم سرَّها وعلانيتها، جئنا شفعاء، فاغفر لها» (٢). وكان يأمر بإخلاص الدعاء للميِّت (٣). وكان يكبِّر أربع تكبيرات. وصحَّ عنه أنه كبَّر خمسًا. وكان الصحابة بعده

стр. 801

يكبِّرون أربعًا وخمسًا وسِتًّا (١). فكبَّر زيد بن أرقم خمسًا، وذكر أنَّ النَّبيَّ ﷺ كبَّرها. ذكره مسلم (٢). وكبَّر علي بن أبي طالب على سهل بن حُنَيف سِتًّا (٣)، وكان يكبر على أهل بدر سِتًّا وعلى غيرهم من الصحابة خمسًا وعلى سائر الناس أربعًا. ذكره الدارقطني (٤). وذكر سعيد بن منصور (٥) عن الحكم بن عتيبة أنه قال: كانوا يكبِّرون على أهل بدر خمسًا وسِتًّا وسبعًا. وهذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها. والنَّبيُّ ﷺ لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابه من بعده. والذين منعوا من الزيادة على الأربع (٦)، منهم من احتجَّ بحديث ابن

стр. 802

عباس أنَّ آخر جنازة صلَّى عليها النَّبيُّ ﷺ كبَّر أربعًا (١). قالوا: وهذا آخر الأمرين، وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخِر من فعله ﷺ . وهذا الحديث قد قال الخلال في «العلل» (٢): أخبرني حرب قال: سئل أحمد عن حديث أبي المليح عن ميمون عن ابن عباس. فذكر الحديث. فقال أحمد: هذا كذب، ليس له أصل. إنما رواه محمد (٣) بن زياد الطحان، وكان يضع الحديث. واحتجُّوا بأنَّ ميمون بن مِهْران روى عن ابن عباس أنَّ الملائكة لما صلّت على آدم كبَّرت عليه أربعًا، وقالوا: تلك سنَّتكم يا بني آدم (٤). وهذا

стр. 803

الحديث قد قال فيه الأثرم (١): جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة، فسمعتُ أبا عبد الله قال: رأيت أحاديثه موضوعةً، فذكر منها عن أبي المليح عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن الملائكة صلَّت على آدم، فكبَّرت (٢) عليه أربعًا. فاستعظمه أبو عبد الله، وقال: أبو المليح كان أصحَّ حديثًا وأتقى لله من أن يروي مثل هذا. واحتجُّوا بما رواه البيهقي (٣) من حديث عُتَيٍّ (٤) عن أُبَيٍّ عن النبي ﷺ أنَّ الملائكة صلّت على آدم، فكبَّرت (٥) عليه أربعًا، وقالت: هذه سنَّتكم يا

стр. 804

بني آدم. وهذا لا يصح. وقد روي مرفوعًا وموقوفًا. وكان أصحاب معاذ يكبِّرون خمسًا. قال علقمة (١): قلت لعبد الله: إنَّ ناسًا من أصحاب معاذ قدِموا من الشام، فكبَّروا على ميِّت لهم خمسًا. فقال عبد الله: «ليس على الميِّت في التكبير وقتٌ. كبِّر ما كبَّر الإمام، فإذا انصرَف الإمام فانصرِفْ». فصل وأما هديه ﷺ في التسليم من صلاة الجنازة، فروي عنه: أنه كان يسلِّم واحدةً، وروي عنه: أنه كان يسلِّم تسليمتين. فروى البيهقي (٢) وغيره من حديث المقبري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلَّى على جنازة، فكبَّر أربعًا، وسلَّم تسليمةً واحدةً. لكن قال الإمام أحمد

стр. 805

في رواية الأثرم (١): وهذا (٢) عندي موضوع. ذكره الخلال في «العلل». وقال إبراهيم الهَجَري: أمَّنا عبد الله بن أبي أوفى (٣) على جنازة ابنته، فكبَّر أربعًا، فمكث ساعةً حتى ظننَّا أنه سيكبِّر خمسًا، ثم سلَّم عن يمينه وعن شماله. فلما انصرف قلنا له (٤): ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا صنَع رسول الله ﷺ (٥). وقال ابن مسعود (٦): ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس، إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. ذكرهما البيهقي.

стр. 806

ولكن إبراهيم بن مسلم الهجَري ضعَّفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم. وحديثه هذا قد رواه الشافعي في «كتاب حرملة» (١) عن سفيان عنه، وقال: كبَّر عليها أربعًا، ثم قام ساعةً، فسبَّح به القوم، فسلَّم. ثم قال: كنتم ترون أنِّي أزيد على أربع، وقد رأيت النبي ﷺ كبَّر أربعًا. ولم يقل: عن يمينه وعن شماله (٢). ورواه ابن ماجه (٣) من حديث المحاربي عنه كذلك ولم يقل: عن يمينه وعن شماله. وذكرُ السلام عن يمينه وعن شماله انفرد بها (٤) شريك عنه (٥). قال البيهقي (٦): ثم عزاه إلى النبي ﷺ في التكبير فقط, أو في التكبير وغيره. قلت: والمعروف عن ابن أبي أوفى خلاف ذلك: أنه كان يسلِّم واحدةً. ذكره الإمام أحمد عنه. قال أحمد بن القاسم (٧): قيل لأبي عبد الله: أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلِّم تسليمتين على الجنازة (٨)؟ قال: لا،

стр. 807

ولكن عن ستَّة من الصحابة أنهم كانوا يسلِّمون تسليمةً واحدةً خفيَّةً (١) عن يمينه (٢). فذكر ابن عمر، وابن عباس، وأبا هريرة، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت. وزاد البيهقي (٣): علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف. فهؤلاء عشرة من الصحابة. وأبو أمامة أدرك النبيَّ ﷺ وسمَّاه باسم جدِّه لأمِّه أبي أمامة (٤) أسعد بن زرارة، وهو معدود في الصحابة ومن كبار التابعين. وأما رفعُ اليدين، فقال الشافعي: تُرفَع للأثر والقياس على السنَّة في الصلاة، فإنَّ النبي ﷺ كان يرفع يديه في كلِّ تكبيرة كبَّرها في الصلاة وهو قائم. قلتُ: يريد بالأثر ما رواه عن ابن عمر وأنس بن مالك أنَّهما كانا يرفعان أيديهما كلَّما كبَّرا على الجنازة (٥). ويُذكر عنه ﷺ أنه كان يرفع يديه في أول التكبير ويضع يده اليمنى على

стр. 808

اليسرى. ذكره البيهقي في «السنن» (١). وفي الترمذي (٢) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ وضع يده اليمنى على يده اليسرى في صلاة الجنازة. وهو ضعيف بيزيد بن سنان الرُّهاوي. فصل وكان من هديه إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلَّى على القبر. فصلَّى مرةً على قبر بعد ليلة (٣)، ومرةً بعد ثلاث (٤)، ومرةً بعد شهر (٥)، ولم يوقِّت

стр. 809

في ذلك وقتًا. قال أحمد: من يشكُّ في الصلاة على القبر؟ يروى عن النبي ﷺ (١) من ستَّة أوجهٍ كلُّها حسان (٢). فحدَّ الإمام أحمد الصلاةَ على القبر بشهر، إذ هو أكثرُ ما روي عن النبي ﷺ أنه صلَّى بعده (٣). وحدَّه الشافعي بما إذا لم يبلَ الميِّت (٤). ومنع منها مالك وأبو حنيفة إلا للولي إذا كان غائبًا (٥). وكان من هديه: أنه (٦) يقوم عند رأس الرجل، ووسط المرأة (٧).

стр. 810

فصل وكان من هديه: الصلاة على الطفل. فصحَّ عنه أنه قال: «الطفل يصلَّى عليه» (١). وفي «سنن ابن ماجه» (٢) مرفوعًا: «صلُّوا على أطفالكم، فإنَّهم من أفراطكم». قال أحمد بن أبي عَبْدة (٣): سألتُ أحمد: متى يجب أن يصلَّى على السِّقْط؟ قال: إذا أتى عليه أربعة أشهر، لأنه ينفخ فيه الروح. قلت: فحديث المغيرة بن شعبة: «الطفل يصلَّى عليه»؟ قال: صحيح مرفوع. قلت: ليس في هذا بيان الأربعة الأشهر ولا غيره؟ قال: قد قاله سعيد بن المسيِّب. فإن قيل: فهل صلَّى النبيُّ ﷺ على ابنه إبراهيم يوم مات؟ قيل: قد اختُلِف في ذلك، فروى أبو داود في «سننه» (٤) عن عائشة قالت: مات إبراهيم ابن
следующие страницы →