← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ولكن إبراهيم بن مسلم الهجَري ضعَّفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم. وحديثه هذا قد رواه الشافعي في «كتاب حرملة» (١) عن سفيان عنه، وقال: كبَّر عليها أربعًا، ثم قام ساعةً، فسبَّح به القوم، فسلَّم. ثم قال: كنتم ترون أنِّي أزيد على أربع، وقد رأيت النبي ﷺ كبَّر أربعًا. ولم يقل: عن يمينه وعن شماله (٢). ورواه ابن ماجه (٣) من حديث المحاربي عنه كذلك ولم يقل: عن يمينه وعن شماله. وذكرُ السلام عن يمينه وعن شماله انفرد بها (٤) شريك عنه (٥). قال البيهقي (٦): ثم عزاه إلى النبي ﷺ في التكبير فقط, أو في التكبير وغيره. قلت: والمعروف عن ابن أبي أوفى خلاف ذلك: أنه كان يسلِّم واحدةً. ذكره الإمام أحمد عنه. قال أحمد بن القاسم (٧): قيل لأبي عبد الله: أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلِّم تسليمتين على الجنازة (٨)؟ قال: لا،

стр. 807

ولكن عن ستَّة من الصحابة أنهم كانوا يسلِّمون تسليمةً واحدةً خفيَّةً (١) عن يمينه (٢). فذكر ابن عمر، وابن عباس، وأبا هريرة، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت. وزاد البيهقي (٣): علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف. فهؤلاء عشرة من الصحابة. وأبو أمامة أدرك النبيَّ ﷺ وسمَّاه باسم جدِّه لأمِّه أبي أمامة (٤) أسعد بن زرارة، وهو معدود في الصحابة ومن كبار التابعين. وأما رفعُ اليدين، فقال الشافعي: تُرفَع للأثر والقياس على السنَّة في الصلاة، فإنَّ النبي ﷺ كان يرفع يديه في كلِّ تكبيرة كبَّرها في الصلاة وهو قائم. قلتُ: يريد بالأثر ما رواه عن ابن عمر وأنس بن مالك أنَّهما كانا يرفعان أيديهما كلَّما كبَّرا على الجنازة (٥). ويُذكر عنه ﷺ أنه كان يرفع يديه في أول التكبير ويضع يده اليمنى على

стр. 808

اليسرى. ذكره البيهقي في «السنن» (١). وفي الترمذي (٢) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ وضع يده اليمنى على يده اليسرى في صلاة الجنازة. وهو ضعيف بيزيد بن سنان الرُّهاوي. فصل وكان من هديه إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلَّى على القبر. فصلَّى مرةً على قبر بعد ليلة (٣)، ومرةً بعد ثلاث (٤)، ومرةً بعد شهر (٥)، ولم يوقِّت

стр. 809

في ذلك وقتًا. قال أحمد: من يشكُّ في الصلاة على القبر؟ يروى عن النبي ﷺ (١) من ستَّة أوجهٍ كلُّها حسان (٢). فحدَّ الإمام أحمد الصلاةَ على القبر بشهر، إذ هو أكثرُ ما روي عن النبي ﷺ أنه صلَّى بعده (٣). وحدَّه الشافعي بما إذا لم يبلَ الميِّت (٤). ومنع منها مالك وأبو حنيفة إلا للولي إذا كان غائبًا (٥). وكان من هديه: أنه (٦) يقوم عند رأس الرجل، ووسط المرأة (٧).

стр. 810

فصل وكان من هديه: الصلاة على الطفل. فصحَّ عنه أنه قال: «الطفل يصلَّى عليه» (١). وفي «سنن ابن ماجه» (٢) مرفوعًا: «صلُّوا على أطفالكم، فإنَّهم من أفراطكم». قال أحمد بن أبي عَبْدة (٣): سألتُ أحمد: متى يجب أن يصلَّى على السِّقْط؟ قال: إذا أتى عليه أربعة أشهر، لأنه ينفخ فيه الروح. قلت: فحديث المغيرة بن شعبة: «الطفل يصلَّى عليه»؟ قال: صحيح مرفوع. قلت: ليس في هذا بيان الأربعة الأشهر ولا غيره؟ قال: قد قاله سعيد بن المسيِّب. فإن قيل: فهل صلَّى النبيُّ ﷺ على ابنه إبراهيم يوم مات؟ قيل: قد اختُلِف في ذلك، فروى أبو داود في «سننه» (٤) عن عائشة قالت: مات إبراهيم ابن

стр. 811

النبي ﷺ ، وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصلِّ عليه رسول الله ﷺ . قال الإمام أحمد (١): ثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدَّثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة عن عائشة. فذكره. وقال أحمد في رواية حنبل (٢): هذا حديث منكرجدًّا، وهو من (٣) ابن إسحاق. قال الخلال: وقرئ على عبد الله (٤): حدثني أبي، ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، قال (٥): وجابر، عن عامر، عن البراء بن عازب قال: صلَّى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم (٦)، وهو ابن ستة عشر شهرًا.

стр. 812

وذكر أبو داود (١) عن البهي قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ صلّى عليه رسول الله ﷺ في المقاعد (٢). وهذا مرسل، والبهيُّ اسمه عبد الله بن يسار، كوفيٌّ. وذكر (٣) عن عطاء بن أبي رباح أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلّى على ابنه إبراهيم وهو ابن سبعين ليلةً. وهذا مرسل، وهِم فيه عطاء فإنه كان قد تجاوز السَّنة. فاختلف الناس في هذه الآثار، فمنهم من أثبت الصلاة عليه ومنع صحة حديث عائشة كما قال الإمام أحمد وغيره. قالوا: وهذه المراسيل مع حديث البراء يشُدُّ بعضُها بعضًا. ومنهم من ضعَّف حديث البراء بجابر الجعفي، وضعَّف (٤) هذه المراسيل وقال: حديث ابن إسحاق أصحُّ منها. ثم اختلف هؤلاء في السبب الذي لأجله لم يصلِّ عليه (٥)، فقالت طائفة: استغنى ببنوَّة رسول الله ﷺ عن الصلاة عليه (٦) التي هي شفاعة له، كما استغنى الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه.

стр. 813

وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس، فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه. وقالت فرقة: لا تعارض بين هذه الآثار فإنه أمر بالصلاة عليه، فقيل: صلَّى عليه. ولم يباشرها بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف، فقيل: لم يصلِّ عليه. وقالت فرقة: رواية المثبت أولى، لأنَّ معه زيادةَ علم، وإذا تعارض النفي والإثبات قُدِّم الإثبات. والله أعلم. فصل وكان من هديه ﷺ أنه لا يصلِّي على من قتل نفسه (١) ولا على من غلَّ من الغنيمة (٢). واختُلِف عنه في الصلاة على المقتول حدًّا كالزاني المرجوم. فصحَّ عنه أنه صلّى على الجهنية التي رجمها، فقال له عمر: تصلِّي عليها يا رسول الله، وقد زنت؟ فقال: «لقد تابت توبةً لو قُسِمت بين سبعين من أهل المدينة لوَسِعَتْهم، وهل وجدتَ توبةً أفضلَ من أن جادت بنفسها لله؟». ذكره مسلم (٣). وذكر البخاري في «صحيحه» (٤) قصة ماعز بن مالك، وقال: فقال له

стр. 814

النَّبيُّ ﷺ خيرًا، وصلّى عليه. وقد اختُلِف على الزهري في ذكر الصلاة عليه فأثبتها محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عنه، وخالفه ثمانية من أصحاب عبد الرزاق فلم يذكروها (١). وهُم: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذهلي، ونوح بن حبيب، والحسن بن علي، ومحمد بن المتوكل، وحميد بن زنجويه، وأحمد بن منصور الرَّمادي. قال البيهقي (٢): وقول محمود بن غيلان: إنَّه صلَّى عليه خطأ، لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع (٣) أصحاب الزهري على خلافه. وقد اختُلِف في قصة ماعز بن مالك، فقال أبو سعيد الخدري: «ما استغفر له، ولا سبَّه». وقال بُريدة بن الحصيب: إنه قال: «استغفِروا لماعز (٤) بن مالك»، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. ذكرهما مسلم (٥). وقال جابر: «فصلَّى عليه»، ذكره البخاري (٦)، وهو حديث عبد الرزاق المعلَّل.

стр. 815

وقال أبو برزة الأسلمي: لم يصلِّ عليه النبي ﷺ ، ولم ينهَ عن الصلاة عليه. ذكره أبو داود (١). قلت: حديث الغامدية لم يُختلف فيه أنه صلّى عليها (٢). وحديث ماعز إما أن يقال: لا تعارض بين ألفاظه، فإنَّ الصلاة فيه هي دعاؤه (٣) له بأن يغفر الله له، وتركُ الصلاة فيه هي تركه الصلاة على جنازته تأديبًا وتحذيرًا. وإما أن يقال: إذا تعارضت ألفاظه عُدِل عنه إلى حديث الغامدية. فصل وكان إذا صلَّى عليه تبعه إلى المقابر ماشيًا أمامه، وهذه كانت سنَّة خلفائه الراشدين من بعده (٤).

стр. 816

وسَنّ لمن تبعها إن كان راكبًا أن يكون وراءها، وإن كان ماشيًا أن يكون قريبًا منها إما خلفها أو (١) أمامها أو عن يمينها أو عن شمالها (٢). وكان يأمر بالإسراع بها حتى إن كانوا ليرمُلون بها رمَلًا. وأما دبيب الناس اليوم خطوةً خطوةً، فبدعة مكروهة مخالفة للسنة، متضمِّنة للتشبُّه بأهل الكتاب اليهود. وكان أبو بكرة يرفع السوط على من يفعل ذلك، ويقول: لقد رأيتُنا ونحن مع رسول الله ﷺ نرمُل رمَلًا (٣). وقال ابن مسعود: سألنا نبيَّنا ﷺ عن المشي مع الجنازة، فقال: «ما دون الخَبَب». رواه أهل «السنن» (٤).

стр. 817

وكان يمشي إذا تبع الجنازة، ويقول: «لم أكن لأركبَ والملائكةُ يمشُون» (١). فإذا انصرف عنها فربما مشى وربما ركب. وكان إذا تبعها لم يجلس حتى توضع، وقال: «إذا تبعتم الجنازة (٢) فلا تجلسوا حتى توضع» (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمراد وضعها بالأرض (٤). قلت: قال

стр. 818

أبو داود (١): روى هذا الحديث الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقال فيه: «حتى توضع بالأرض»، ورواه أبو معاوية عن سهيل وقال (٢): «حتى توضع في اللحد». قال: وسفيان أحفظ من أبي معاوية. وقد روى أبو داود (٣) عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد. ولكن في إسناده بشر بن رافع، قال الترمذي (٤): ليس بالقوي في الحديث. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال أحمد (٥): ضعيف. وقال ابن معين: حدَّث بمناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: يروي أشياء موضوعة كأنه المتعمد لها (٦). فصل ولم يكن من هديه وسنَّته الصلاةُ على كلِّ غائب ميِّت. فقد مات خلق كثير من المسلمين، وهم غُيَّب، فلم يصلِّ عليهم. وصحَّ عنه أنه صلَّى على

стр. 819

النجاشي صلاته على الميِّت (١). فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق: أحدها: أنَّ هذا تشريع منه وسنَّة للأمة: الصلاة على كلِّ غائب. وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاصٌّ به، وليس ذلك لغيره. قال أصحابهما: ومن الجائز أن يكون رُفِعَ له سريرُه، فصلَّى عليه وهو يراه صلاتَه على الحاضر المشاهَد وإن كان على مسافة من البعد. والصحابة وإن لم يروه فهم تابعون للنبي ﷺ في الصلاة. قالوا: ويدل على هذا أنه لم ينقل عنه أنه كان يصلِّي على كلِّ الغائبين غيره، وتركُه سنَّة كما أنَّ فعلَه سنة، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يعاين سرير الميت من المسافة البعيدة، ويُرفَع له حتى يصلِّي عليه، فعُلِم أنَّ ذلك مخصوص به (٢). وقد روي عنه أنَّه صلَّى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب (٣). ولكن لا يصحُّ، فإنَّ في إسناده العلاء بن زيد ــ ويقال: ابن زيدَل ــ قال علي بن المديني (٤): كان يضع الحديث. ورواه محبوب (٥) بن هلال، عن

стр. 820

عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس (١). قال البخاري (٢): لا يتابع عليه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): الصواب أنَّ الغائب إن مات ببلد لم يصلَّ عليه فيه صُلِّي عليه صلاة الغائب، كما صلَّى النبي ﷺ على النجاشي لأنه مات بين الكفار، فلم يصلَّ عليه. وإن صُلِّي عليه حيث مات لم يصلَّ عليه صلاة الغائب، لأنَّ الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه. والنبيُّ ﷺ صلَّى على الغائب، وترك. وفعلُه سنَّة (٤)، وتركُه سنَّة. وهذا له موضع، وهذا له موضع. والله أعلم. فالأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وأصحُّها هذا التفصيل. والمشهور عند أصحابه الصلاة عليه مطلقًا (٥). فصل وصحَّ عنه ﷺ أنه قام للجنازة لما مرَّت به، وأمَر بالقيام لها (٦). وصحَّ

стр. 821

عنه أنه قعد (١). فاختُلِف في ذلك، فقيل: القيام منسوخ والقعود آخر الأمرين. وقيل: بل الأمران جائزان، وفعلُه بيان للاستحباب، وتركُه بيان للجواز (٢). وهذا أولى من ادعاء النسخ (٣). فصل وكان من هديه: أن لا يدفن الميِّت عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا حين يقوم قائم الظهيرة (٤). وكان من هديه: اللَّحد، وتعميق القبر، وتوسيعه من عند رأس الميِّت ورجليه. ويذكر عنه أنه كان إذا وضع الميِّت في القبر قال: «بسم الله، وبالله، وعلى ملَّة رسول الله» (٥). وفي رواية (٦): «بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملَّة رسول الله».

стр. 822

ويذكر (١) عنه أيضًا أنه كان يحثو على الميِّت إذا دُفِن التُّرابَ (٢) من قبل رأسه ثلاثًا. وكان إذا فرغ من دفن الميِّت قام على قبره هو وأصحابه، وسأل له التثبيت، وأمرهم أن يسألوا له التثبيت (٣). ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر ولا يلقِّن الميِّتَ، كما يفعله الناس اليوم. وأما الحديث الذي رواه الطبراني في «معجمه» (٤) من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ : «إذا مات أحدٌ من إخوانكم، فسوَّيتم التراب على قبره، فليقُمْ أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيب. ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا. ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشِدْنا يرحمك الله، ولكن لا يشعرون. فليقل: اذكر ما خرجتَ عليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّك رضيتَ بالله ربًّا، وبالإسلام

стр. 823

دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا. فإنَّ منكرًا ونكيرًا يأخذ كلٌّ منهما بيد صاحبه ويقول: انطلِق بنا، ما نقعد عند من لُقِّن حجته، فيكون الله حجيجَه دونهما». فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمَّه؟ قال: «فينسُبه إلى حوَّاء: يا فلان بن حوَّاء». فهذا حديث لا يصحُّ رفعه (١). ولكن قال الأثرم (٢): قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعونه إذا دُفِن الميت: يقف الرجل، ويقول: يا فلان بن فلانة اذكر ما فارقتَ عليه الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ما رأيت أحدًا فعَل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة جاء إنسان، فقال ذاك. وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه. وكان ابن عياش يروي فيه. قلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة. وقد ذكر سعيد بن منصور في «سننه» (٣) عن راشد بن سعد وضَمْرة بن حبيب وحكيم بن عمير قالوا: إذا سُوِّي على الميِّت قبره وانصرف الناس عنه فكانوا يستحبُّون أن يقال للميِّت عند قبره: يا فلان، قل: لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله ــ ثلاث مرات ــ، يا فلان، قل: ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيي

стр. 824

محمد. ثم ينصرف (١). فصل ولم يكن من هديه ﷺ تعلية القبور، ولا بناؤها بآجُرّ ولا حجر ولا لَبِن، ولا تشييدها ولا تطيينها، ولا بناء القِبَاب عليها. وكلُّ هذا بدعة مكروهة مخالفة لهديه. وقد بعث عليَّ بن أبي طالب (٢) أن لا يدع تمثالًا إلا طمَسَه ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّاه (٣). فسنَّتُه تسويةُ هذه القبور المُشْرِفة كلِّها. ونهى أن يجصَّص القبر، وأن يُبنى عليه، وأن يُكتَب عليه (٤). وكانت (٥) قبور أصحابه لا مشرفةً ولا لاطئةً، وهكذا قبره الكريم وقبر صاحبيه. وقبره ﷺ مسنَّم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، لا مبنيٌّ ولا مطيَّن. وهكذا قبر صاحبيه (٦). وكان يُعلِم قبرَ مَن يريد يعرفُ (٧) قبره بصخرة (٨).

стр. 825

فصل ونهى (١) عن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السُّرُج عليها، واشتدَّ نهيُه في ذلك حتى لعن فاعله (٢). ونهى عن الصلاة إلى القبور (٣)، ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدًا (٤)، ولعن زائرات القبور (٥).

стр. 826

وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ، وأن لا يُجلَس عليها ويُتَّكَأ عليها (١)، ولا تعظَّم بحيث تُتَّخذ مساجد فيصلَّى عندها وإليها، وتُتَّخذ أعيادًا وأوثانًا (٢). فصل في هديه في زيارة القبور كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحُّم عليهم والاستغفار لهم. وهذه هي الزيارة التي سنَّها لأمته وشرعَها لهم. وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: «السَّلام عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» (٣). وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة عليه (٤) من الدعاء له والترحُّم والاستغفار. فأبى المشركون إلا دعاءَ الميت

стр. 827

والإشراك به، والإقسامَ على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستغاثة به، والتوجُّهَ إليه؛ بعكس (١) هديه ﷺ فإنَّه هديُ توحيد وإحسان إلى الميِّت، وهديُ هؤلاء هديُ (٢) شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت. وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا الميِّتَ، أو يدعون به، أو يدعون (٣) عنده ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد. ومن تأمَّل هديَ رسول الله ﷺ وأصحابه تبيَّن له الفرق بين الأمرين. وبالله التوفيق. فصل وكان من هديه تعزية أهل الميت. ولم يكن من هديه أن يُجتمَع للعَزاء (٤)، ويُقرأ له القرآن لا عند القبر ولا غيره. وكلُّ هذا بدعة حادثة بعده مكروهة. وكان من هديه: السكونُ، والرِّضى بقضاء الله، والحمدُ لله (٥)، والاسترجاع (٦). وبرِئ ممن خرَق لأجل المصيبة ثيابه، أو رفع صوته

стр. 828

بالنَّدْب والنِّياحة، أو حلَق لها شعره (١). وكان من هديه: أنَّ أهل الميت لا يتكلَّفون الطعام للناس، بل أمَر أن يصنع النَّاسُ لهم طعامًا يرسلونه إليهم (٢). وهذا من أعظم مكارم الأخلاق والشِّيَم والحملِ عن أهل الميت فإنَّهم في شغلٍ بمصابهم عن إطعام الناس. وكان من هديه: تركُ نعي الميِّت، بل كان ينهى عنه ويقول: «هو من عمل الجاهلية» (٣). وكره حذيفة أن يُعلِمَ به أهلُه الناسَ إذا مات، وقال: أخاف أن يكون من النعي (٤).

стр. 829

فصل في هديه ﷺ في صلاة الخوف أباح الله له قصرَ أركانِ الصلاة وعددِها إذا اجتمع الخوف والسفر، وقصرَ العددِ وحده إذا كان سفرٌ لا خوف معه، وقصرَ الأركان وحدها إذا كان خوفٌ لا سفر معه. وهذا كان هديه ﷺ ، وبه تعلم الحكمة في تقييد القصر في الآية (١) بالضَّرب في الأرض والخوف (٢). وكان من هديه في صلاة الخوف إذا كان العدو بينه وبين القبلة: أن يصُفَّ المسلمين كلَّهم خلفه، فيكبِّر ويكبرون جميعًا، ثم يركع ويركعون جميعًا، ثم يرفع ويرفعون معه. ثم ينحدر بالسجود والصفُّ الذي يليه خاصَّةً، ويقوم الصفُّ المؤخَّر مواجهَ (٣) العدوِّ. فإذا فرغ من الركعة الأولى ونهض إلى الثانية سجد الصفُّ المؤخَّر بعد قيامه سجدتين، ثم قاموا فتقدَّموا إلى مكان الصفِّ الأول، وتأخَّر الصفُّ الأول مكانهم، لتحصل فضيلة الصفِّ الأول للطائفتين، وليدرك الصفُّ الثاني مع النبي ﷺ السجدتين في الركعة الثانية، كما أدرك الأولُ معه السجدتين في الأولى، فتستوي الطائفتان فيما أدركوا معه وفيما قضَوا لأنفسهم؛ وذلك غاية العدل. فإذا ركع صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة. فإذا جلس في التشهد سجد الصفُّ المؤخَّر

стр. 830

سجدتين ولحقوه في التشهد، فسلَّم بهم جميعًا (١). وإن كان العدوُّ في غير جهة القبلة، فإنه كان تارةً يجعلهم فرقتين: فرقةً بإزاء العدو، وفرقةً تصلِّي معه. فتصلِّي معه إحدى الفرقتين ركعةً، ثم تنصرف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى؛ وتجيء الأخرى إلى مكان هذه، فتصلِّي معه الركعة الثانية. ثم يسلِّم، وتقضي كلُّ طائفة ركعةً ركعةً بعد سلام الإمام (٢). وتارةً كان يصلِّي بإحدى الطائفتين ركعةً ثم يقوم إلى الثانية، وتقضي هي ركعةً وهو واقف، وتسلِّم قبل ركوعه. وتأتي الطائفة الأخرى فتصلِّي معه الركعة الثانية، فإذا جلس في التشهُّد قامت، فقضت ركعةً، وهو ينتظرها في التشهد، فإذا تشهَّدت سلَّم بهم (٣). وتارةً كان يصلِّي بإحدى الطائفتين ركعتين، فتسلِّم قبله؛ وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلِّي بهم الركعتين «الأخريين» ويسلِّم بهم. فتكون له أربعًا، ولهم ركعتين ركعتين (٤). وتارةً كان يصلِّي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلِّم بهم، وتأتي الأخرى

стр. 831

فيصلي بهم ركعتين ويسلِّم بهم (١)، فيكون قد صلَّى بكلِّ طائفة صلاةً (٢). وتارةً كان يصلِّي بإحدى الطائفتين ركعةً، ثم تذهب ولا تقضي شيئًا. وتجيء الأخرى، فيصلِّي بهم ركعةً، ولا تقضي شيئًا. فيكون له ركعتان، ولهم ركعة ركعة (٣). وهذه الأوجه كلُّها تجوز الصلاة بها. قال الإمام أحمد (٤): كلُّ حديث يروى في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائز. وقال: ستة أوجه أو سبعة تروى فيها كلُّها جائزة. وقال (٥) الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلِّها كلُّ حديث في موضعه، أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلِّها

стр. 832

فحسن (١). وظاهر هذا أنه جوَّز أن تصلِّي كلُّ طائفة معه ركعةً ولا تقضي شيئًا. وهذا مذهب ابن عباس وجابر بن عبد الله وطاوس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم وإسحاق بن راهويه. قال صاحب «المغني» (٢): وعموم كلام أحمد يقتضي جواز ذلك وأصحابنا ينكرونه. وقد روي عنه في صلاة الخوف صفاتٌ أُخَر ترجع كلُّها إلى هذه. وهذه أصولها، وربما اختلفت بعض ألفاظها. وقد ذكرها بعضهم عشر صفات، وذكرها أبو محمد بن حزم (٣) نحو خمس عشرة صفةً. والصحيح: ما ذكرناه أولًا، وهؤلاء كلَّما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجوهًا من فعل النبي ﷺ ، وإنما هو من اختلاف الرواة. والله أعلم.

стр. 833

النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء ١ - م= نسخة دار الكتب المصرية الأولى (٧٥٤ هـ) ٢ - ق= نسخة القرويين (٧٦٦ هـ) ٣ - ك= نسخة الشيخ محمد عبد الحي الكتاني (٧٧٢ هـ) ٤ - ع= نسخة أوقاف بغداد (٧٩٠ هـ) ٥ - ص= نسخة ابن خاص ترك (تركيا)، قوبلت على أصل مقروء على المؤلف ٦ - ج= نسخة عمجه زاده حسين (تركيا) عليها خط سبط ابن العجمي (ت ٨٤١) ٧ - مب= نسخة دار الكتب المصرية برقم ٢٣٤ ٨ - ب= نسخة الخزانة العامة بالرباط بخط محمود بن علي الهندي (ت ٨٦٥) ٩ - ن= النسخة اليمنية بمتحف طوب قابي سراي (١١٥٢ هـ)

стр. 834

فصل في هديه ﷺ في الصدقة والزكاة كان (١) هديه في الزكاة أكملَ هدي في وقتها، وقَدْرها، ونصابها، ومن تجب عليه، ومَصرِفها. وراعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين، وجعلها الله سبحانه طُهْرةً للمال ولصاحبه، وقَيْدًا لنعمته به (٢) على الأغنياء، فما أزالَ (٣) النعمةَ بالمال على من أدّى زكاته، بل يحفظه عليه ويُنمِّيه له، ويدفع عنه بها الآفاتِ، ويجعلها سُوْرًا عليه وحِصْنًا له وحارسًا له. ثم إنه جعلها في أربعة أصنافٍ من المال، وهي أكثر الأموال دَوْرًا (٤) بين الخلق، وحاجتُهم إليها ضرورية: أحدها: الزرع (٥) والثمار. الثاني: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. الثالث: الجوهران اللذان بهما قِوامُ العالم، وهما الذهب والفضة. الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها. ثم إنه أوجبها مرةً كلَّ عام، وجعل حولَ الزروع والثمار (٦) عند كمالها

стр. 835

واستوائها. وهذا أعدلُ ما يكون، إذ وجوبها كلَّ شهر أو كلَّ جمعة مما (١) يُضِرُّ بأرباب الأموال، ووجوبُها في العمر مرةً مما يُضِرُّ بالمساكين، فلم يكن أعدلَ من وجوبها كلَّ عام مرةً. ثم إنه فاوتَ بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها، وسهولة ذلك ومشقَّته. فأوجبَ الخُمسَ فيما صادفَه الإنسان مجموعًا محصَّلًا من الأموال، وهو الرِّكاز (٢). ولم يعتبر له حَولًا، بل أوجب فيه الخُمسَ متى ظَفِرَ به. وأوجب نصفه ــ وهو العُشر ــ فيما كانت مشقَّة تحصيله وتعبه وكُلْفته فوق ذلك، وذلك في الثِّمار والزروع التي يُباشِر حَرْثَ أرضها وشَقَّها (٣) وبَذْرها، ويتولَّى الله سَقْيَها (٤) من عنده بلا كُلْفةٍ من العبد، ولا شِراءِ (٥) ماء، ولا إثارة بئرٍ ودولاب. وأوجب نصفَ العُشر فيما تولَّى العبد سَقْيَه بالكُلْفة والدواليب (٦)

стр. 836

والنواضح ونحوها. وأوجبَ نصفَ ذلك ــ وهو رُبعُ العُشر ــ فيما كان النَّماء فيه موقوفًا على عملٍ متصلٍ من رب المال متتابعٍ (١)، بالضّرب في الأرض تارةً، وبالإدارة تارةً، وبالتربُّصِ تارةً. ولا ريبَ أن كُلفة هذا أعظمُ من كُلفة الزُّروع والثمار. وأيضًا فإنَّ نموَّ الزُّروع والثمار أظهرُ وأكثر من نمو التجارة، فكان واجبها أكثر من واجب التجارة، وظهور النُّمو فيما سُقِي (٢) بالسماء والأنهار أكثر مما سُقِي بالدواليب (٣) والنواضِح، وظهورُه فيما وُجِدَ محصَّلًا مجموعًا كالكنز أكثرُ وأظهر من الجميع. ثم إنه لما كان لا يحتمل المواساةَ كلُّ مالٍ وإن قلَّ، جعل للمال الذي تحتمله المواساة نُصُبًا مقدَّرةً، المواساة فيها لا تُجْحِف بأرباب الأموال، وتقع موقعًا (٤) من المساكين، فجعل للورِق مائتي درهمٍ (٥) وللذهب عشرين مثقالًا، وللحبوب والثِّمار خمسةَ أوسُقٍ (٦)، وهي خمسة أحمالٍ من

стр. 837

أحمالِ إبل العرب، وللغنم أربعين شاةً، وللبقر ثلاثين بقرةً، وللإبل خمسًا. لكن لما كان نصابها لا يحتمل المواساة من جنسه (١) أوجب فيها شاةً، فإذا تكرَّرت الخمس خمسَ مرات وصارت خمسًا وعشرين، احتملَ نصابها واحدًا منها، فكان هو الواجب. ثم إنه (٢) قدَّرَ سِنَّ هذا الواجب في الزيادة والنقصان بحسب كثرة الإبل وقلتها: من ابن مَخاض، وبنت مَخاض، وفوقه ابن لَبون، وبنت لَبون، وفوقه الحِقُّ والحِقَّة، وفوقه الجَذَع والجَذَعة (٣)، وكلما كثرت الإبل زاد السنُّ، إلى أن يصل السنُّ إلى منتهاه، فحينئذٍ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادة عدد المال (٤). فاقتضت حكمتُه أن جعل في الأموال قدرًا يحتمل المواساة، ولا يُجْحِف بها، ويكفي المساكينَ، ولا يحتاجون معه إلى شيء، ففرض في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراءَ، فوقع الظلم من الطائفتين: الغنيُّ بمنْعِه (٥) ما

стр. 838

وجب عليه، والآخذُ بأخْذِه (١) ما لا يستحق، فتولَّد من بين الطائفتين (٢) ضررٌ عظيم على المساكين، وفاقةٌ شديدة أوجبتْ لهم أنواعَ الحِيَل والإلحاف في المسألة. والربُّ سبحانه تولَّى قِسمةَ (٣) الصدقة بنفسه وجزَّأَها ثمانيةَ أجزاء، يجمعها صنفان من الناس: أحدهما: من يأخذ لحاجته (٤)، فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها وكثرتها وقلتها، وهم: الفقراء، والمساكين، وفي الرِّقاب، وابن السبيل. والثاني: من يأخذ لمنفعته، وهم: العاملون عليها، والمؤلَّفةُ قلوبُهم، والغارمون لإصلاح ذات البين، والغُزاة في سبيل الله. فإن لم يكن الآخذ محتاجًا، ولا فيه منفعة للمسلمين، فلا سَهْمَ له في الزكاة. فصل وكان (٥) إذا عَلِم من الرجل أنه من أهل الزكاة أعطاه، وإن سأله أحدٌ من الزكاة (٦) ولم يعرف حاله أعطاه، بعدَ أن يخبره أنه لا حظَّ فيها لغنيٍّ ولا

стр. 839

لقويٍّ مكتسب (١). وكان يأخذها من أهلها، ويضَعُها في حقِّها. وكان من هديه تفريقُ الزكاة على المستحقّين الذين في بلد المال، وما فضَلَ عنهم منها حُمِلَتْ إليه ففرَّقَها هو ﷺ ، ولذلك (٢) كان يبعث سُعَاتَه إلى البوادي، ولم يكن يبعثهم إلى القرى، بل أمر معاذًا (٣) أن يأخذ الصدقة من أهل (٤) اليمن ويعطيها فقراءهم، ولم يأمره (٥) بحملها إليه. ولم يكن من هديه أن يبعث سُعاتَه إلا إلى أهل الأموال الظاهرة من المواشي والزروع والثمار، وكان يبعث الخارصَ فيخرُصُ على أرباب النخيل ثمرَ نَخلِهم (٦)، وينظر كم يجيء منه وَسَقًا، فيَحْسِب عليهم من الزكاة بقدره (٧).

стр. 840

وكان يأمر الخارصَ أن يدَعَ لهم الثلث أو الربع فلا يخْرُصه عليهم (١)، لما يَعْرُو النخيلَ من النوائب، وكان هذا الخرص لكي تُحصَى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتُفرَّق (٢)، وليتصرَّف فيها أربابُها بما شاؤوا ويَضْمَنوا قدرَ الزكاة. وكذلك (٣) كان يبعث الخارصَ إلى من ساقاه من أهل خيبر وزارعَه (٤)، فيخرُصُ عليهم الثِّمار والزروعَ ويُضمِّنُهم شَطْرَها. وكان يبعث عليهم (٥) عبد الله بن رَواحة، فأرادوا (٦) أن يَرْشُوه مرةً (٧)، فقال عبد الله: «تُطعِموني السُّحْتَ؟ والله لقد جئتُكم من عند أحبِّ الناس إليَّ، ولأنتم أبغضُ إليَّ من

стр. 841

عِدَّتكم من القِرَدة والخنازير، ولا يَحمِلُني بُغضي لكم وحُبِّي إيَّاه أن لا أَعدِلَ عليكم»، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض (١). ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل، ولا (٢) الرقيق، ولا البِغال، ولا الحمير، ولا الخضراوات، ولا المباطخ، والمَقَاثي، والفواكه التي لا تُكال وتُدَّخَر (٣) إلا العنب والرُّطَب، فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملةً، ولم يفرِّق بين ما يَبِسَ منه وما لم يَيْبَسْ. فصل واختُلِف عنه في العسل، فروى أبو داود (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: جاء هلال أحد بني مُتْعَان إلى رسول الله ﷺ بعُشُور نَحْلٍ له، وكان سأله أن يحمي واديًا يقال له سَلَبَة، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك، فكتب إليه (٥) عمر: «إن أدَّى إليك ما كان يؤدِّي إلى رسول الله ﷺ من عُشُورِ نحله فَاحْمِ له سَلَبة، وإلا فإنما هو ذُبابُ غيثٍ يأكله من يشاء». وفي

стр. 842

رواية (١) في هذا الحديث: «من كل عَشْرِ قِرَبٍ قِربةٌ». وروى ابن ماجه في «سننه» (٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أنه أخذ من العسلِ العُشرَ. وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) عن أبي سيَّارة المُتَعِي قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نَحْلًا، قال: «أَدِّ العُشْرَ». قلت: يا رسول الله، احْمِها لي، فحماها لي. وروى عبد الرزاق (٤) عن عبد الله بن محرَّر (٥) عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أن يُؤخذَ من العسل العُشْرُ.

стр. 843

قال الشافعي (١): أخبرنا أنس بن عِياض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذُباب قال: قدمتُ على رسول الله ﷺ فأسلمتُ ثم قلت: يا رسول الله، اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم، قال: ففعل رسول الله ﷺ واستعملني عليهم، ثم استعملني أبو بكر، ثم عمر. قال: وكان يُعدُّ (٢) من أهل السَّراة، قال: فكلَّمتُ قومي في العسل، فقلت لهم: فيه زكاة، فإنه لا خيرَ في ثمرةٍ لا تُزكَّى. فقالوا: كم ترى؟ فقلتُ: العشر. فأخذتُ منهم العُشرَ، فلقيتُ عمر بن الخطاب فأخبرتُه بما كان، قال: فقبضَه عمر ثم جعل ثمنَه في صدقات المسلمين. ورواه الإمام أحمد، ولفظه للشافعي. واختلف أهل العلم في هذه الأحاديث وحكمها، فقال البخاري (٣): ليس في زكاة العسل شيء يصح. وقال الترمذي (٤): لا يصحُّ عن النبي ﷺ في

стр. 844

هذا الباب كبيرُ (١) شيءٍ. وقال ابن المنذر (٢): ليس في وجوب صدقة العسل حديثٌ يثبت عن رسول الله ﷺ ولا إجماعٌ، فلا زكاةَ فيه. وقال الشافعي (٣): الحديث في أنَّ في العسلِ العشرَ ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشرُ ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز (٤). قال هؤلاء: وأحاديث الوجوب كلُّها معلولة: أما حديث ابن عمر (٥)، فهو من رواية صَدَقة بن عبد الله عن (٦) موسى بن يسار عن نافع عنه، وصدقة ضعَّفه الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما (٧). وقال البخاري (٨): هو عن نافع عن النبي ﷺ مرسل. وقال

стр. 845

النسائي (١): صدقة ليس بشيء، وهذا حديث منكر. وأما حديث أبي سيَّارة المُتَعي، فهو من رواية سليمان بن موسى عنه، قال البخاري (٢): سليمان بن موسى لم يُدرِك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ . وأما حديث عمرو بن شعيب الآخر أن النبي ﷺ أخذ من العسل العُشْرَ، ففيه أسامة بن زيد (٣) يرويه عن عمرو، هو ضعيف عندهم. قال ابن معين (٤): بنو زيد ثلاثتهم ليسوا بشيء. وقال الترمذي (٥): ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة. وأما حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فما أظهرَ دلالتَه لو سلم من عبد الله بن محرَّر (٦) راويه عن الزهري (٧)! قال البخاري في حديثه هذا (٨): عبد الله بن محرر متروك الحديث، وليس في زكاة العسل شيء يصح.
следующие страницы →