روى عنه: الخطيب، وأبو الحسين بن الطيوري (١)، وأخوه أبو سَعْد، وجعفر بن أحمد السَّرَّاج، وعليُّ بن عبد الواحد الدِّينَوَري، وآخرون.
ذكره ابن الدَّبَّاغ في الطبقة التاسعة من الحُفُّاظ.
وقال الصُّوري: ما رأت عيناي بعد عبد الغني بن سعيد أحْفَظَ من أبي محمد الخَلَّال البَغْدَادي.
وقال الخطيب: كَتَبْنَا عنه، وكان ثِقَةً، له معرفة [و] تنَبّه، وخَرّج "المسند" على "الصحيحين"، وجمع أبوابًا وتراجمَ كثيرة.
ومات في جُمَادى الأُولى سنة تسعٍ وثلاثين وأربع مئة (٢).
وفيها: مات بدمشق المسند أبو علي الحسن بن علي بن الحسن بن شواش الكَتَّاني المقرئ، مشرف الجامع. وببغداد المحدِّث أبو الفرج الحسين بن علي الطَّنَاجيري. والمسنِد أبو الحسن عليُّ بن منير بن أحمد الخَلَّال المِصْري. ومسنِدُ الأندلس أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد المَعَافِري، القُرْطُبي، وقد لقي في رحلته المُهَنْدس.
стр. 1367
٩٧٧ - ابنُ حَمْدَان *
الحافظ، أبو طاهر، محمد بن أحمد بن علي بن حَمْدان، الخُرَاساني، أحد الرَّحَّالين المُصَنِّفين، جمع "مسند بَهْز بن حكيم" وطرق "حديث الطير" (١).
وصحب أبا عبد الله الحاكم وتخرَّج به، وسمع بنَيسَابور من أبي بكر الطِّرَازي، والحافظ أبي بكر الجَوْزَقي، وأبي الحسين القَنْطَرِي، وبالرَّي من جعفر بنَ فَنَّاكي، وعلي بن محمد بن عمر الفقيه وببيكَنْد من أحمد بن علي بن السُّلَيماني الحافظ، وببخارى من محمد بن أحمد الغُنْجار، وبسَمَرْقَنْد من أبي سَعْد الإِدْريسي، وبمرو من أبي الفَضْل محمد بن الحسين (٢) الحَدَّادي.
سمع منه: أبو سعيد محمدُ بنُ أحمد بن حسين النَّيسابوري في سنة إحدى وأربعين وأربع مئة (٣).
٩٧٨ - النُّعَيْمي * *
الحافظ، العلَّامة، أبو الحسن، علي بنُ أحمد بن الحسن بن محمد بن نُعَيم، البَصْري، نزيل بَغْدَاد.
стр. 1368
روى عن: أحمد بنِ محمد بن العَبَّاس الأَسْفَاطي، ومحمد بن أحمد بن الفَيْض الأَصْبهاني، وأحمد بن عُبيد الله النَّهْر دَيري، ومحمد بن عدي بن زَحْر المِنْقَري، وأبي أحمد العَسْكري، ومحمد بن أحمد بن حَمَّاد بن سفيان الكُوفي، وعلي بن عمر السُّكَّري، وطبقتهم.
قال الخطيب: كتبتُ عنه، وكان حافظًا عارفًا متكلِّمًا شاعرًا. حدَّثني الأزْهَري قال: وَضَع النُّعيمي على أبي الحسين بن المُظَفَّر حديثًا لشُعْبة، ثم تنبَّه أصحابُ الحديث على ذلك، فخرج النُّعيمي عن بغداد لهذا السّبب، وأقام حتى مات ابنُ المُظَفَّر، ومات مَنْ عرف قِصَّته في وضعه الحديث، ثم عاد إلى بغداد (١).
سمِعْتُ الصُّوري يقول: لم أر ببغداد أحدًا أكملَ من النُّعيمي، كان قد جمع معرفة الحديث والكلام والأدب، ودرس شيئًا من فِقْه الشَّافعي (٢).
قال: وكان أبو بكر البَرْقَاني يقول: هو كاملٌ في [كل] شيء لولا بأْوٌ فيه. (٣)
стр. 1369
أنشدني الصُّوري، قال: أنشدني أبو الحسن النُّعيمي لنفسه:
إذا أَظْمَأتكَ أكفُّ اللئامِ ... كَفَتْكَ القناعة شبعًا وَرِيَّا
فكنْ رجلًا رِجْلُهُ في الثَّرى ... وهامةُ هِمَّتِهِ في الثُّرَيّا
أبيًّا لنائلِ ذي ثَرْوةٍ ... تَرَاهُ بما في يديه أبِيَّا
فإنَّ إراقةَ ماءِ الحياة ... م دون إراقةِ ماءِ المُحَيَّا (١)
حدَّثَنا البَرْقَاني بعد موت النُّعيمي قال: رأيتُ النُّعيمي في منامي بهيئةٍ جميلةٍ وحالة صالحةٍ، ثم قال البَرْقَاني: قد كان شديدَ العصبية في السُّنَّة، وكان يعرف من كل علمٍ شيئًا (٢).
مات النُّعَيمي في مستهل ذي القَعْدَة سنة ثلاثٍ وعشرين وأربع مئة، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 1370
الطبقة الرابعة عشرة (١)
٩٧٩ - الصُّوْري *
الحافظ الكبير، العلَّامة، أبو عبد الله، محمدُ بن علي (٢) بن عبد الله بن محمد بن رُحَيم (٣)، السَّاحلي.
سمع أبا الحسين بن جُمَيع، وأبا عبد الله بنَ أبي كامل الأَطرابُلُسي، ومحمد بن جعفر الكَلاعي، وجماعة بالشَّام، وعبد الغني بن سعيد المِصْري، وعبد الرحمن بن عمر النَّحَّاس، وعبد الله بن محمد بن بُنْدَار، وخَلْقًا بمِصْر. وصحب عبدَ الغني وانتفع به، ولحق ببغداد
стр. 1371
أبا الحسن بن مَخْلَد البَزَّاز، وأحمد بن طلحة المُنَقِّي، وأبا علي بن شَاذَان, وطبقتهم.
حدَّث عنه: الخطيب، والقاضي أبو عبد الله الدَّامَغاني، وجعفر بن أحمد السَّرَّاج، وأبو القاسم بن بيان، وأبو الحسين بن الطُّيوري، وغيرهم، وآخر مَنْ روى عنه بالإِجازة أبو سَعْد بن الطُّيوري.
مَوْلده سنة ستٍّ أو سبع وسبعين وثلاث مئة. و [سمع] (١) بعدما كَبِرَ.
قال الخطيب: قدم علينا في سنة ثمان عشرة، فسمع ابنَ مَخْلَد ومَنْ بعده، وكان من أحرص النَّاس على الحديث، وأكثرهم كَتْبًا له، وأحسنهم معرفةً به، ولم يَقْدَم علينا أحدٌ أفهم منه لعِلْم الحديث، وكان دقيقَ الخَطّ، صحيحَ النَّقْل، حدَّثني أنه كان يكتب في الوجهة من ثمن الكاغَد الخُرَاساني ثمانين سَطْرًا، وكان مع كثرة طلبه صَعْب المذهب في الأَخذ، ربما كرَّر قراءة الحديث الواحد على الشَّيخ مَرَّات، وكان ﵀ يسرُد الصَّوْم إلَّا الأعياد، ولم يسمعْ إلا بنفسه كثيرًا، وكتب عن ابن جُمَيع بصيدا، ثم صحب عبدَ الغني بن سعيد فكتبَ عنه، وذكر لي أن عبدَ الغني كتب عنه في تصانيفه شيئًا كثيرًا، وصرَّح باسمه في بعضها، وقال في بعضها حدَّثني الوردُ بن عليّ، كناية عنه (٢).
стр. 1372
قال الخطيب: وكان صدوقًا، كتبتُ عنه، وكتب عني كثيرًا، ولم يزل ببغداد حتى توفِّي بها (١).
وقال أبو الوليد الباجي: الصُّوريُّ أحفظ مَنْ رأيناه.
وذكره أبو الوليد بن الدَّبَّاغ في الطبقة التَّاسعة من الحُفَّاظ.
وقال عبد المحسن الشِّيحي: ما رأينا مِثْلَه، كان كأنّه شُعْلة نار بلسان كالحُسَام القاطع.
وقال المبارك بن عبد الجَبَّار: كتبتُ عن جماعةٍ فما رأيت فيهم أحفظَ من الصُّوري، كان يكتب بعينٍ واحدة، وكان متفنّنًا، يعرف من كل عِلْم، وقوله حُجَّة، وعنه أخذ الخطيب عِلْمَ الحديث.
وقال السِّلَفي: كتب الصُّوري "صحيح البخاري" في سبعة أطباق من الورق البغدادي، ولم يكن له سوى عينٍ واحدة.
قال: وذكر أبو الوليد البَاجي في كتاب "فِرَق الفقهاء": حَدَّثنا أبو عبد الله محمدُ بنُ علي الوَرَّاق -وكان ثقة مُتْقنًا- أَنَّه شاهد أبا عبد الله الصُّوري وكان فيه حسن خُلُق، ومُزَاح وضَحِكٌ، لم يكن وراء ذلك إلَّا الخير والدِّين، ولكنه كان شيئًا جُبِلَ عليه، ولم يكن في ذلك بالخارِق للعادة، فقرأ يومًا جُزْءًا على أبي العَبَّاس الرَّازي وعَنَّ له أمرٌ أضحكه وكان بالحَضرة جماعةٌ من أهل بلده فأنكروا عليه وقالوا: هذا لا يَصْلُح، ولا يليق بعِلْمك وتقدُّمك أن تقرأ حديثَ رسول الله ﷺ وأنت تضحك. وكثَّروا عليه، وقالوا: شيوخُ بلدنا لا يَرْضَون بهذا. فقال: ما في بلدكم شيخٌ إلّا يجب أن يَقْعُد بين يدي ويقتدي بي، ودليل ذلك
стр. 1373
أني قد صِرْت معكم على غير موعد، فانظروا إلى أيِّ حديثٍ شئتم من حديث رسول الله ﷺ اقرؤوا إسناده لأقرأ متنه أو اقرؤوا مَتْنَه حتى أخبركم بإسناده.
ثم قال الباجي: لزمْتُ الصُّوري ثلاثةَ أعوام فما رأيته تعرَّض لفتوى.
وقال السِّلفي: أخبرنا المبارك بن عبد الجَبّار قال: أنشدنا محمد بن علي الصُّوري الحافظ لنفسه:
قُلْ لمن عانَدَ الحديثَ وأضحى ... عائبًا أهلَه وَمَنْ يَدَّعِيهِ
أبعلمٍ تقولُ هذا أَبِنْ لي ... أم بجهلٍ فالجَهْلُ خُلْقُ السَّفِيهِ
أيعابُ الذين هم حفظوا الدِّيـ ... ـن من التُّرَّهات والتمويهِ
وإلى قَوْلهم وما قَدْ رَوَوْه ... راجِعٌ كلُّ عالمٍ وفقِيهِ (١)
قال الخطيب: توفِّي الصُّوري في جُمَادى الآخرة سنةَ إحدى وأربعين وأربع مئة (٢).
٩٨٠ - ابن ماما *
الحافظ، أبو حامد، أحمدُ بنُ محمد بن أَحْيَد بن ماما، الأصْبَهاني، صاحب تصانيف وبَصَرٍ بالحديث.
روى عن: عبد الرحمن بن أبي شُريح الهَرَوي، وأبي علي
стр. 1374
إسماعيل بن حاجب الكُشَاني، وأبي نَصْر محمد بن أحمد المَلاحمي، وأبي عبد الله الحَلِيمي، وطبقتهم.
ولم يصلْ إلى العراق، وله ذيل على "تاريخ بُخَارى" لغُنْجار.
مات في شَعْبان سنةَ ستٍّ وثلاثين وأربع مئة.
٩٨١ - مسعود *
ابن علي بن مُعَاذ بن محمّد بن معاذ، الحافظ، أبو سعيد، السِّجْزي، ثم النَّيسَابوري، الوكيل.
صحب أبا عبد الله الحاكم، وأكثر عنه، وله عنه سؤالات.
وسمع أبا محمد بن الرُّومي، وأبا علي الخَالدي، وعبد الرحمن بن أبي إسحاق المُزَكِّي، وطبقتهم. ولم يطلْ عمره.
روى عنه رفيقه مسعود بن ناصر السِّجْزي.
قال عبد الغافر بن إسماعيل: توفِّيَ سنةَ ثمانٍ -أو سنة تسعٍ- وثلاثين وأربع مئة.
٩٨٢ - أبو نَصْر السِّجْزي * *
الإِمام، الحافظ، علم السُّنَّة، عبيدُ الله بن سعيد بن حاتم بن
стр. 1375
أحمد، الوائليُّ (١)، البَكْري، نزيل الحَرَم، ومِصْر، صنَّف كتاب "الإِبانة" في مسألة القُرْآن، وهو كتاب جليل يدل على إمامته وتبحُّره.
وسمع بخُرَاسان والحجاز والعراق والشَّام ومِصْر.
وحدَّث عن: أحمد بن فراس العَبْقَسي، والحاكم أبي عبد الله، وأبي أحمد الفَرَضي، وحمزة المُهَلَّبي، ومحمد بن محمد بن محمد بن بكر الهِزَّاني، وأبي عمر بن مَهْدي، وعلي بن عبد الرَّحيم السُّوسي، وأبي الحسن (٢) أحمد بن محمد المُجَبِّر، وأبي محمد بن النَّحَّاس، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وعبد الصَّمد بن زهير بن أبي جرادة الحلبي صاحب ابن الأعْرابي، وطبقتهم.
وكانت رِحْلته بعد الأربع مئة.
روى عنه: أبو إسحاق الحَبَّال، وسهل بن بِشْر الإسْفَراييني، وأبو معشر الطَّبري المُقْرئ، وأحمد بن عبد القادر اليُوْسفي، وجعفر بن أحمد السرَّاج، وخَلْق.
ذكره ابن الدَّبَّاغ في الطبقة العاشرة من الحُفَّاظ.
وقال ابن طاهر المَقْدسي: سأَلْت الحافظ أبا إسحاق الحَبّال عن أبي نَصْر السِّجْزي والصُّوري أيهما أحفظ؟ فقال: كان السِّجْزي أحْفَظَ
стр. 1376
من خمسين مِثْل الصُّوري. ثم قال الحَبَّال: كنت يومًا عند أبي نَصْر فدُقَّ الباب، فقمت ففتحتُه، فدخلتْ امرأة، فأخرجتْ كيسًا فيه ألفُ دينار، فوضعَتْه بين يدي الشَّيخ، وقالت: أنْفِقْها كما ترى. قال: ما المقصود؟ قالت: تزوَّجني ولا حاجة لي في الزَّوْج، ولكن لأخدمك. فأمرها بأخذ الكيس وأن تنصرف، فلما انصرفَتْ قال: خرجت من سِجِسْتَان بنيَّة طلب العِلْم، ومتى تزوَّجْتُ سقط عني هذا الاسم، وما أُوثر على [ثواب] (١) طلب العلم شيئًا.
وقال شيخنا الإِمام أبو العَبَّاس (٢) في أثناء كلامه على اللفظ: وكذلك وقع بين أبي ذَرّ الهَرَوي وأبي نَصْر السِّجْزي في ذلك حتى صنَّف أبو نصْرٍ كتابه الكبير في ذلك المعروف بـ"الإبانة" وذكر فيه من الفوائد والآثار والانتصار للسُّنَّة وأهلها أُمورًا عظيمة المنفعة، لكنه نَصَرَ فيه قول مَنْ يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. ثم ناقشه الشَّيخ على إطلاق هذا القول، وإطلاق هذا الكلام في ذلك.
توفي أبو نَصْرٍ بمكة في المُحَرَّم سنةَ أربعٍ وأربعين وأربع مئة، ﵀.
٩٨٣ - الدَّاني *
الإِمام، الحافظ، العلامة، أبو عمرو، عثمان بن سعيد بن
стр. 1377
عثمان بن سعيد بن عمر، الأموي مولاهم، القُرْطُبي، المُقْرئ، صاحب التَّصانيف، وإليه المنتهى في إتقان القراءات، وإنما قيل له الدَّاني لسُكْناه دانية (١).
قرأ بالرِّوايات على عبد العزيز بن جَعْفر الفَارسي، وغيره بقُرْطُبة، وعلى أبي الحسن بن غَلبون، وخلف بن خاقان المِصْري، وأبي الفتح فارس بن أحمد.
وسمع من: أبي مُسْلم الكاتب، وأحمد بن فراس العَبْقَسي، وعبد الرحمن بن عمر بن النَّحَّاس، وأبي الحسن عليِّ بن محمد القَابسي، وخَلْقٍ بالحجاز ومِصْر، والمغرب.
وتلا عليه خَلْقٌ منهم: أبو داود بنُ نجاح.
وحدَّث عنه جماعة منهم: خَلَف بن إبراهيم الطُّلَيطِلي.
وروى عنه بالإِجازة: أحمد بن محمد بن عبد الله الخَوْلاني، وأبو العَبَّاس أحمد بن عبد الملك بن أبي حمزة.
стр. 1378
وقيل: إن له مئةً وعشرين مُصَنَّفًا.
قال ابنُ بَشْكُوال: كان أحدَ الأئمة في علم القُرْآن: رواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه، وجمع في ذلك كلِّه تواليف حسانًا، وله مَعْرفة بالحديث وطُرُقه وأسماء الرِّجال، وكان حَسَن الخَطِّ والضَّبْط من أهل الحِفْظ والذكاء، والتَّفَنُّن، وكان دَيِّنًا فاضلًا ورعًا سُنِّيًّا (١).
وقال المُغَامي: كان أبو عمرو مجابَ الدَّعْوة، مالكيَّ المَذْهب (٢).
وقال الحُمَيدي: محدِّث مُكْثر، ومقرئ متقدِّم (٣).
وقال أبو محمد بن عبيد الله الحَجَري: ذكر بعض الشّيوخ أنه لم يكن في عَصْره ولا بَعْد عصره أحدٌ يضاهيه في حِفْظه وتحقيقه، وكان بقول: ما رأيت شيئًا قَطُّ إلَّا كتبته، ولا كَتَبْتُه إلّا حَفِظْته، ولا حَفِظْته فنسيته.
قال أبو عمرو: ولدتُ سنةَ إحدى وسبعين وثلاث مئة، وابتدأتُ بطلب العِلْم سنةَ ستٍّ وثمانين وثلاث مئة، ورحَلْت إلى المَشْرق سنةَ سبعٍ وتسعين، فمكثت بالقَيروان أربعة أشهر، ودخلت مِصْر في شَوَّالها، فمكثتُ بها سنة، وحججت ورجعت إلى الأنْدَلس في ذي القَعْدة سنةَ تسعٍ وتسعين وثلاث مئة (٤).
مات أبو عمرو بدانية في شَوَّال سنةَ أربع وأربعين وأربع مئة.
стр. 1379
٩٨٤ - السَّمَّان *
الحافظ، العلامة، أبو سَعْدٍ (١)، إسماعيل بن علي بن الحسين بن زنجويه، الرَّازي.
سمع عبد الرَّحمن بن محمد بن فَضَالة، وأبا طاهر المُخَلِّص، وأحمد بن إبراهيم بن فِراس المَكِّي، وعبد الرحمن بن أبي نَصْر الدِّمَشْقي، وأبا محمد بن النَّحَّاس المِصْري، وطبقتهم.
روى عنه: الخطيب، وعبد العزيز الكَتَّاني، وأبو علي الحَدَّاد، وآخرون.
قال المطهر بن علي العَلَوي المُرْتَضى: سمِعْتُ أبا سعد السَّمان إمام المعتزلة يقول: مَنْ لم يكتبِ الحديثَ لم يتغرغر بحلاوة الإسلام.
وقال الكَتَّاني: كان السّمَّان من الحُفَّاظ الكبار, زاهدًا عابدًا يذهب إلى الاعتزال.
стр. 1380
وقال ابن عساكر: سألتُ أبا منصور عبد الرحيم بن المُظَفَّر بالرَّي عن وفاة أبي سَعْد السَّمَّان فقال: سنة ثلاثٍ وأربعين وأربع مئة. قال: وكان عَدْلي المذهب -يعني معتزليًّا. قال: وكان له ثلاثة آلاف وست مئة شيخ، وصنَّف كتبًا كثيرة، ولم يتأهلْ قَطُّ.
وقال عمر العُلَيمي: وجدْتُ على ظهر جُزْءٍ: مات الزَّاهد أبو سَعْد السَّمَّان شيخ العَدْلية وعالمهم ومُحَدِّثهم في شَعْبان سنةَ خمسٍ وأربعين وأربع مئة (١)، وكان إمامًا بلا مُدَافعة في القِراءات والحديث والرِّجال والفَرائض والشُّروط، عالمًا بفِقْه أبي حنيفة، وبالخلاف بينه وبين الشَّافعي، وعالمًا بفقه الزَّيدية، وكان يذهب مذهب أبي هاشم الجُبَّائي، دخل الشَّام والحجاز والمَغْرب، وقرأ على ثلاثة آلاف شيخ. وكان يقال في مَدْحه: إنه ما شاهد مِثْلَ نفسه، وكان تاريخ الزَّمان.
٩٨٥ - هِبَة الله بن محمّد *
ابن علي، الحافظ، أبو رجاء، الشِّيرَازي، الكاتب.
سمع من الحسن بن أحمد بن اللَّيث الحافظ، محدِّث شِيرَاز، وبأصبهان من علي بن مِيلَة الفَرَضي، وأبي سعيد النَّقَّاش، وببغداد من أبي الحسين بن بِشْران وابن الفَضْل القَطَّان.
قال الخطيب: عَلِقْتُ عنه، وكان ثِقَةً يفهم، سكن مصر، وتوفِّيَ بها سنةَ خمس وأربعين وأربع مئة (٢).
стр. 1381
٩٨٦ - الخَلِيليُّ *
القاضي، الإِمام، الحافظ، أبو يَعْلى، الخليل بنُ عبد الله بن أحمد، القَزْويني، صاحب كتاب "الإرشاد في معرفة المُحَدِّثين" (١) وهو كتاب مفيد، لكن فيه أوهامٌ كثيرة، كأنه كَتَبَه من حِفْظه.
سمع عليَّ بن أحمد بن صالح القَزْويني، ومحمد بن إسحاق الكيساني، وأبا حَفْص الكَتَّاني، ومحمد بن سليمان بن يزيد الفَامي، وأبا طاهر المُخَلّص، وأبا الحسين الخَفَّاف، وأبا عبد الله الحاكم، وغيرهم.
وأجاز له: ابن المقرئ، وابنُ شاهين، وأبو عمرو بن حَمْدَان، وأبو أحمد الغِطْريفي، وعليُّ بن عبد الرحمن البَكَّائي.
روى عنه: ابنه أبو زيد، وأبو بكر بنُ لال -وهو من شيوخه- وإسماعيل بن ماكي القَزْويني، وطائفة.
وكان ثِقَةً عارفًا.
مات في آخر سنةِ ستٍّ وأربعين وأربع مئة.
وفيها: مات الرَّئيس أبو الفَضْل أحمدُ بنُ محمد بن أبي عمرو بن
стр. 1382
أُبَيّ الفُرَاتي بنَيسَابور. ومقرئ الشَّام أبو علي الحسنُ بنُ علي بن إبراهيم الأهْوَازي. والإِمام أبو محمد عبدُ الله بن محمد بن عبد الرَّحمن التَّيمي الأصْبَهاني، ابن اللَّبان. ومقرئ الأنْدَلس أبو القاسم عبدُ الرَّحمن بن الحسن بن سعيد القُرْطُبي. ومسند دمشق أبو الحسين محمدُ بنُ عبد الرّحمن بن عُثْمان بن القاسم بن أبي نَصْر التَّميمي.
٩٨٧ - الفَلَكِيُّ *
الحافظ البارع، الرَّحَّال، أبو الفَضْل، عليُّ بنُ الحسين بنُ أحمد بن الحسن، الهَمَذَاني. وإنما قيل له الفلكي لأن جدَّه (١) كان بارعًا في عِلْم الفَلك والحِساب.
حدَّث عن: أبي الحسن بن رِزْقويه، وأبي الحسين بن بِشْران، وأبي بكر الحِيري، وأبي سعيد الصَّيرَفي، وطبقتهم.
قال شِيرويه في "الطَّبَقات": حدَّثنا عنه الحَسَني والمَيدَاني، وكان حافظًا مُتْقِنًا يحسن هذا الشَّأْن جيدًا جيدًا، صنَّف كتاب "الطبقات في الرِّجال" (٢) فجاء في ألف جُزْء. ومات بنيسابور قديمًا، وما مُتِّع
стр. 1383
بما جمَع، سمِعْتُ حمزة بن أحمد يقول: سمعت شيخ الإسلام أبا إسماعيل الأنصاري يقول: ما رأت عيناي من البشر أحدًا قطُّ أحفظَ من ابن الفَلكي، وكان صوفيًّا مُشَمِّرًا.
مات كهلًا بنيسابور في شعبان سنة سبعٍ وقيل: سنة ثمانٍ وعشرين وأربع مئة.
٩٨٨ - أبو مَسْعودٍ البَجَلي *
الحافظ، أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شَاذان (١)، الرَّازي.
ولد بنيسابور سنة اثنتين وستين وثلاث مئة. وأقام بجُرْجَان مدة.
وسمع أبا عمرو بن حَمْدَان، وحُسَينك بن علي التَّميمي، وزاهر بن أحمد السَّرخسي، ومحمد بن الفَضْل بن محمد بن إسحاق بن خُزَيمة، وأبا بكر محمد بن محمد بن أحمد الطِّرَازي، وأبا الحسين القَنْطَري الخَفَّاف، وأبا محمد المَخْلَدي، وأبا بكر بن لال، وأبا الحسن بن فِراس المَكِّي، وأبا الحسين بن فارس اللغوي، وخَلْقًا.
وصنَّف في الأبواب، وكان تاجرًا صدوقًا.
روى عنه: عبد الواحد بن أحمد الخطيب الهَمَذَاني، وأبو الحسن
стр. 1384
علي بن محمد الجُرْجَاني، وإسماعيل بن عبد الغافر، وعبد الرحمن بن محمد التاجر، وآخرون.
ومات ببخارى في المُحَرَّم سنةَ تسعٍ وأربعين وأربع مئة.
وفيها: مات شيخ الأدب أبو العلاء المَعَرِّي. وشيخ الإسلام أبو عثمان الصَّابوني. وأبو الحسن علي بن خَلَف بن بَطَّال القُرْطُبي، صاحب "شَرْح البُخَاري". ومقرئ خَرُاسان أبو عبد الله محمدُ بنُ علي بن محمد النَّيسَابوري، [الخَبَّازي] (١). وشيخ الرَّافضة أبو الفتح محمد بن علي الكَرَاجَكي.
٩٨٩ - الزَّهْرَاوي *
الحافظ، محدِّث الأنْدَلس، أبو حَفْص، عمر بن عُبيد الله، الذُّهْلي، القُرْطُبي.
كتب بقُرْطُبة وإشبيلية والزَّهراء عن: عبد الوارث بن سُفْيان، وأبي محمد بن أسد، وأبي المُطَرِّف بن فُطَيس، وأبي عبد الله بن أبي زمنِين، وعبد السَّلام بن السَّمْح، وسَلَمة بن سعيد، وكتب إليه بالإجازة أبو الحسن القَابسي.
حدث عنه: محمد بن عَتَّاب، وأبو عمر أحمد بن مهدي المقرئ، وأبو علي الغَسَّاني، وآخرون.
стр. 1385
وكان ثقة متصاونًا، قاله ابن المهدي (١).
وقيل: إنه اختلط بأَخَرَةٍ (٢).
وقال أبو مروان الطُّبْني (٣): حدَّثني أبو حَفْص الزَّهْرَاوي، قال: شَدَدْتُ في البيت ثمانيةَ أحمال كُتُبٍ لأنقلها فلم يتمَّ حتى انتهبها البربر (٤).
مات في صَفَر سنةَ أربعٍ وخمسين وأربع مئة، وله ثلاث وتسعون سنة.
وفيها: مات القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القُضَاعي، قاضي مِصْر، وصاحب "الشِّهاب" (٥). والإمام أبو الفَضْل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن بن بُندَار الرَّازي، المقرئ، الجَوَّال. والمقرئ أبو سَعْد أحمد بن إبراهيم بن أبي شمس النَّيسَابوري، وله أربعون حديثًا. ومسند الآفاق أبو محمد الحسنُ بنُ علي بن محمد
стр. 1386
الجَوْهري ببغداد، وهو آخر أصحاب القَطِيعي. ونحويُّ مِصْر أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ الجَوْهري، رحمه الله تعالى.
٩٩٠ - ابن عبد البَرِّ *
حافظ المَغْرب، وشيخُ الإسلام، الإِمام، أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البَرّ بن عَاصم، النَّمَرِي، القُرْطُبي.
ولد في ربيع الآخر سنةَ ثمانٍ وستين وثلاث مئة.
وحدَّث عن: خَلَف بن القاسم، وعبد الوارث بن سُفْيان، وعبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، ومحمد بن عبد الملك بن ضَيْفُون (١)، وعبد الله بن محمد بن أَسد الجُهَني، ويحيى بن وَجْه الجَنَّة، وأحمد بن فتح الرسَّان، وسعيد بن نَصْر، وأبي عمر أحمد بن الجَسُور، وغيرهم.
وأجاز له من مصر: عبدُ الغني بن سعيد، ومن مَكَّة أبو القاسم عبيد الله السَّقَطي، وانتهى إليه مع إمامته علوُّ الإِسناد.
стр. 1387
حدث عنه: أبو محمد بن حَزْم، وأبو الحسن بن مفوَّز، وأبو علي الغَسَّاني، وأبو عبد الله الحُمَيْدي، وأبو بحر سُفْيَان بن العَاص، وأبو داود سليمان بن أبي القاسم المقرئ، وآخرون.
وكان دينًا، صينًا، صاحبَ سُنَّة واتِّباع، وكان أولًا ظاهريًّا ثم صار مالكيًّا، وله مَيلٌ إلى كثير من أقوال الشافعي، وصنَّف تصانيف كثيرة منها: "التَّمْهيد" (١) و"الاسْتِذْكار" (٢) و"الاستيعاب" (٣) وكتاب "الاكتفاء في قِراءة نافع وأبي عمرو" وكتاب "بَهْجة المَجَالس" وكتاب "التَقَصِّي لحديث المُوَطَّأ" (٤) وكتاب "الإنباه عن قبائل الرُّوَاة" (٥) وكتاب "الانتقاء لمذاهب الثَّلاثة العُلَماء مالك وأبي حنيفة والشَّافعي" (٦) و"البيان في تلاوة القرآن" و"الأجوبة الموعبة" وكتاب "الكُنَى" وكتاب "المغازي" (٧) وكتاب "القَصْدْ والأَمَم في انتساب العَرَبِ والعَجم" (٨) وكتاب "الشَّواهد
стр. 1388
في إثبات خبر الواحد" وكتاب "الإنصاف في أسماء الله"، وكتاب "الفَرَائض"، وغير ذلك (١).
قال أبو الوليد الباجي: لم يكن بالأنْدَلس مِثْلَ أبي عمر في الحديث (٢).
وقال ابن حزم: "التمهيد" لصاحبنا أبي عمر لا أعلم في الكلام على فِقْه الحديث مِثْلَه أصلًا، فكيف أحسن منه؟ ! و"الاستذكار" وهو اختصار "التمهيد" وله تواليف لا مِثْلَ لها في جميع معانيها [منها] (٣) "الكافي على مَذْهب مالك" (٤) خمسة عشر مجلَّدًا، ومنها كتاب "الاستيعاب في الصّحابة" ليس لأحدٍ مِثْلَه، ومنها: كتاب "جامع بيان العِلْم وفَضْله" (٥).
وقال ابن سُكَّرة: سمِعْتُ أبا الوليد الباجي يقول [أبو عمر أحفظ أهل المغرب] (٦).
[قال الغساني: سمعت ابن عبد البر يقول] (٧): لم يكن أحدٌ ببلدنا
стр. 1389
مثل قاسم بن محمد وأحمد بن خالد الجَبَّاب. قال الغَسَّاني: ولم يكن ابنُ عبد البر بدونهما ولا متخلِّفًا، وكان من النَّمِر (١) بن قاسط, طَلَب وتقدَّم ولَزِمَ أبا عمر أحمد بن عبد الملك الفقيه، ولزم أبا الوليد بن الفَرَضي، ودأَب في طلب الحديث، وافتَنَّ به، وبَرَعَ براعةً فاق بها من تقدَّمه من رجال الأندلس، وكان مع تقدُّمه في علم الأَثَر، وبَصَره بالفِقْه والمعاني له بَسْطَة كبيرة في علم النَّسَب والأَخبار، جَلا عن وَطَنه فكان في الغَرْب مُدَّة ثم تحول إلى شَرْق الأندلس، فسكن دَانية وبَلَنْسية وشَاطِبة، وبها توفِّيَ (٢).
وذكر غيرُ واحدٍ أَنَّ أبا عمر ولي قضاء أُشْبُونة (٣) مُدَّة.
وقال الحُمَيدي: أبو عمر فقيه، حافظ مُكْثر، عالم بالقراءات وبالخلاف [في الفقه] وبعلوم الحديث والرِّجال، قديم السَّماع، يميل في الفِقْه إلى أقوال الشَّافعي (٤).
وقال أبو الحسن بن القَطَّان: أبو عمر فقيه، حافظ، محدِّث، متقن عالم بالخِلاف والآداب، قديم السّماع كثيره.
وذكره ابن الدَّبَّاغ في الطبقة العاشرة من الحفاظ، وكذلك ذكره ابن المُفَضَّل فيها، وذكر معه الخطيب والبَيهَقي وابن ماكولا،
стр. 1390
وهم آخر من ذكر من كتاب "الطَّبقات" بَدَأ بالزُّهري، وخَتَم بابن ماكولا.
قال أبو داود المُقْرئ: مات أبو عمر ليلة الجمعة سَلْخ ربيع الآخر سنةَ ثلاثٍ وستين وأربع مئة (١)، واستكمل خمسًا وتسعين سنة، وخمسة أيام (٢).
وفيها: مات مُسْند نَيسَابور أبو [حامد] (٣) أحمدُ بنُ الحسن الأَزْهري، وله تسع وثمانون سنة. والرَّئيس أبو علي حَسَّان بن سعيد المَخْزُومي المَنِيعي (٤) المَرْوَرُّوْذي. ومسند مرو أبو عمر عَبْدُ الواحد بن أحمد المَلِيحي الهَرَوي. ومسند بغداد أبو الغنائم محمد بن علي بن الدجاجي. والمعمَّر أبو بكر محمدُ بن أبي الهيثم عبد الصَّمد المَرْوَزي، وله ستٌّ وتسعون سنة، وهو آخر أصحاب أبي سعيد بن عبد الوَهَّاب الرَّازي. والمُسْنِدُ أبو علي محمد بن وشاح مَوْلى أبي تمام الزَّينَبِي، وكان معتزليًّا أديبًا.
стр. 1391
٩٩١ - البَيهَقِيُّ *
الإمام، الحافظ، العلَّامة، شيخُ خُرَاسان، أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، الخُسْرَوْجِرْدِي، صاحب التَّصَانيف.
ولد في شَعْبان سنةَ أربعٍ وثمانين وثلاث مئة.
وسمع أبا الحسن محمد بن الحسين العَلَوي، وأبا عبد الله الحاكم -وتخرَّج به وأكثر عنه- وأبا طاهر بن مَحْمِش، وأبا بكر بن فُورَك، وأبا علي الرُّوذْبَاري، وعبد الله بن يوسف بن باموية (١)، وأبا عبد الرحمن السُّلَمي، وخَلْقًا بخراسان، وهلال بن محمد الحَفَّار، وأبا الحسين بن بِشْران، وجماعة ببغداد، والحسن بن أحمد بن فراس، وطائفة بمكة، وجناح بن نذير، وغيرَه بالكوفة.
ولم يكن عنده "سنن النسائي"، ولا "سنن ابن ماجه"، ولا "جامع
стр. 1392
التِّرْمِذِي"، وصنَّف كُتُبًا لم يسبقْ إلى مثلها، منها: "السُّنَن الكبير" (١) و"السُّنَن الصَّغير" و"السُّنن والآثار" (٢) و"شُعَب الإِيمان" (٣) و"دلائل النُّبوة" (٤) و"الأسماء والصِّفات" (٥) و"الزُّهْد" و"البعث" و"المعتقد" و"الآداب" و"نصوص الشَّافعي" و"المدخل" و"الدَّعوات" و"التَّرْغيب والتَّرْهيب" و"الخلافِيَّات" و"الأربعون الكُبرى" و"الأربعون الصُّغرى" وجزء في "الرؤية" و"مناقب الشّافعي" (٦) و"مناقب أحمد" و"كتاب الإسراء" (٧)، وغير ذلك.
حدَّث عنه: ابنه إسماعيل، وأبو عبد الله الفُرَاوي، وأبو القاسم الشَّحَّامي، وأبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي، وعبد الجَبَّار بن عبد الوَهَّاب الدَّهَّان، وعبد الجبار بن محمد الخُواري، وأخوه عبد الحميد بن محمد، وآخرون.
стр. 1393
وروى عنه: شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنْصَاري بالإجازة.
رُوي عن إمام الحرمين أنه قال: ما من شافعيٍّ إلَّا وللشّافعي عليه مِنَّة إلَّا أبا بكر البَيهَقي فإنَّ له المِنَّة على الشَّافعي لتَصَانيفه في نُصْرة مَذْهبه (١).
وقال أبو الحسن عبد الغافر في "ذيل تاريخ نَيسَابور": أبو بكر البَيْهَقي الحافظ الأُصولي، الدَّيِّن الوَرع، واحد زمانه في الحِفْظ، وفَرْد أقرانه في الإِتقان والضَّبْط، من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد عليه بأنواع من العلوم، كتب الحديث، وحَفِظَه مِنْ صباه، وتفقَّه وبَرَعَ، وأخذ في الأصول، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، ثم صنَّف، وتواليفه تقارب ألف جُزْء مما لم يسبقْه إليه أحد، جمع بين عِلْم الحديث والفِقْه وبيان علل الحديث، ووَجْه الجَمْع بين الأحاديث، طلب منه الأئمة الانتقال من النَّاحية إلى نَيسابور لسماع الكتب، فأتى في سنة إحدى وأربعين، وعقدوا له المجلس لسماع كتاب "المعرفة" وحضره الأئمة، وكان على سيرة العُلَماء، قانعًا باليسير، متجملًا في زُهْده وورعه.
مات البَيْهَقِي بنَيسَابور في عاشر جُمَادى الأُولى من سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة (٢)، ونُقِل في تابوت فدفن ببَيْهَق، وهي ناحية من أعمال نَيسَابور على يومين منها. وخُسْرَوْجِرْد: هي أم تلك النَّاحية.
وفيها: مات المُسْنِد أبو الطَّيِّب عبد الرَّزَّاق بن عمر بن شَمَة (٣)،
стр. 1394
الأصْبهاني، صاحب ابن المقرئ. وفقيه العراق العلامة القاضي أبو يَعْلى محمد بن الحسين بن محمد بن خَلَف بن الفَرَّاء، شيخ الحَنَابلة، وقد قارب الثَّمانين. والعارف فرج الزَّنْجَاني، ويلقب بأخي. وصاحب "المُحْكم" (١) أبو الحسن عليُّ بن إسماعيل بن سِيدَه المُرْسي الضَّرير.
٩٩٢ - الخَطِيبُ *
الإِمام، الحافظ الكبير الأوْحد، محدِّث الشَّام والعِراق، أبو بكر، أحمد بن عليّ بن ثابت بن أحمد بن مهدي، البَغْدَادي، صاحب التَّصانيف.
стр. 1395
ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة، وعني بهذا الشَّأْن، ورحل فيه إلى الأقاليم، وأوَّل سماعه في سنة ثلاثٍ وأربع مئة.
سمع أبا الحسن بن الصَّلْت الأَهوَازي، وأبا الحسين بن المُتَيَّم، وأبا عمر بن مهدي، والحسين بن الحسن الجَوَاليقي، وابن رِزْقُويه، وابن أبي الفوارس، وهلالًا الحَفَّار، وإبراهيم بن مَخْلَد البَاقَرْحي (١). ومَنْ عنده ببغداد، ورحل سنة اثنتي عشرة إلى البَصْرة، فسمع أبا عمر القاسم [ابن جعفر الهاشمي، وسمع بنيسابور أبا القاسم] (٢) عبد الرحمن بن محمد السَّرَّاج، والقاضي أبا بكر الحِيري، وبأَصْبهان أبا الحسن بن عبدكويه، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، وأبا نُعَيم الحافظ، وبالدِّينور أبا نَصْر الكَسَّار، وبهَمَذَان محمد بن عيسى، وسمع بالكوفة والرَّي والحرمين ودمشق والقُدْس وصور، وغير ذلك.
وكان قدومه إلى دمشق سنةَ خمسٍ وأربعين وأربع مئة، ثم حَجَّ، ثم قَدِم الشَّام سنةَ إحدى وخمسين، فسكنها إحدى عشرة سنة.
حدَّث عنه البَرْقَاني -أحد شيوخه- وأبو الفَضْل بن خيرون، والفقيه نَصر المَقْدسي، وأبو عبد الله الحُمَيدي، وعبد العزيز الكتَّاني، وأبو نَصْر بن ماكولا، وعبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي، وأبو بكر بن الخاضِبَة، وأُبيّ النَّرْسي، وأبو القاسم النَّسيب، وهبة الله بن الأَكفَاني، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سَهْل الإسْفَراييني، وهبة الله بن عبد الله الشُّرُوطي، وأبو السَّعَادات أحمد بن أحمد المُتَوكِّلي، وعبد الرحمن بن
стр. 1396
محمد الشَّيبَاني القَزَّاز، وأبو منصور بن خَيرون المقرئ، وخَلْق يطول ذكرهم.
وكان من كبار الشَّافعية، تفقه على أبي الحسن بن المَحَاملي، والقاضي أبي الطَّيِّب.
قال ابن النَّجَّار: نشأ ببغداد، وقرأ القُرْآن بالرِّوايات، وتفقَّه وعلَّق شيئًا من الخلاف، وآخر من حَدَّث عنه بالسَّماع محمدُ بنُ عمر الأُرْمَوي القاضي.
وقال الخطيب: أول ما سمعت في المُحَرَّم سنة ثلاث، واستشرت البَرْقَاني في الرِّحْلة إلى عبد الرحمن بن النَّحَّاس بِمِصْر أو الخروج إلى نَيسَابور؟ فقال: إن خرجتَ إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، فإن فاتك ضاعت رِحْلَتُك، وإن خرجتَ إلى نيسابور ففيها جماعة. فخرجت إلى نيسابور.
وقال ابنُ ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر (١) الأعيان ممن شاهدناه مَعْرفةً، وحفظًا، وإتقانًا، وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ ، وتفنُّنًا في عِلَله وأسانيده، وعِلْمًا بصحيحه وغريبه، وفَرْده، ومُنْكَره، ومطروحه (٢).
ثم قال: ولم يكن للبَغْداديين بعد الدَّارَقُطْني مِثْلُه (٣)، وسألت الصُّوري عن الخطيب وأبي نصر السِّجْزي ففضَّل الخطيب تفضيلًا بينًا.
стр. 1397
وقال مؤتَمن السَّاجي: ما أخرجتْ بغداد بعد الدَّارقُطْني مِثْلَ الخطيب (١).
وقال أبو علي البَرَدَاني: لعَلَّ الخطيب لم ير مِثْلَ نَفْسه (٢).
وقال الفقيه أبو إسحاق الشِّيرَازي: أبو بكر الخطيب يُشَبَّه بالدَّارَقُطْني ونظرائه في مَعْرفة الحديث وحِفْظه (٣).
وقال شجاع الذُّهْلي: إمام مصنِّف حافظ لم نُدْرك مِثْلَه.
وقال أبو الحسن الهَمَذَاني: مات هذا العِلْم بوفاة الخطيب، وقد كان رئيس الرُّؤساء (٤) تقدم إلى الوُعَّاظ والخُطَباء أنْ لا يرووا حديثًا حتى يعرِضُوه على أبي بكر الخطيب. وأظهر بعضُ اليهود كتابًا بإسقاط النبيِّ ﷺ الجِزْيَةَ عن الخيابرة، وفيه شهادة الصَّحابة، فعرَضَه الوزير على أبي بكر، فقال: هذا مزوَّر، فقيل له: من أين أنت قلت هذا؟ قال: لأن فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفَتْح، وفيه شهادة سَعْد بن معاذ وقد مات قبل خَيبر بسنتين (٥).
وقال أبو سعد السَّمْعَاني: كان الخطيب مَهيبًا وقورًا، متحرّيًا حُجَّة، حسنَ الخَطِّ، كثيرَ الضَّبْط، فصيحًا، خُتم به الحُفَّاظ (٦).
стр. 1398
قال: وقرأ بمكَّة "الصَّحيح" على كريمة (١) في خمسة أيام، وخَرَج من بغداد بعد فتنة البَسَاسِيري (٢) إلى الشَّام، سمِعْتُ الخطيب مسعود بن محمد بمرو، سمعت الفَضْل بن عمر النَّسَوي يقول: كنت بجامع صُور عند الخطيب، فدَخَلَ عليه عَلَويّ، وفي كُمِّه دنانير، فقال: هذا الذَّهَب تصرِفُهُ في مُهِمَّاتك. فقطَّبَ وقال: لا حاجة لي فيه. فقال: كأنك تَسْتَقلُّه. ونَفَضَ كُمَّه على سَجَّادة الخطيب، وقال: هي ثلاث مئة دينار. فخَجِلَ الخطيبُ وقام، وأخذ سَجَّادته، وراح فما أنسى عِزَّ خروجه وذُلَّ العَلَوي، وهو يجمع الدَّنانير (٣).
وقال أبو زكريا التِّبْرِيزي: كنت أقرأ على الخطيب بحَلْقَته بجامع دمشق كُتُب الأدب المسموعة له، وكنت أسكُن مَنَارة الجامع، فَصَعِدَ إليَّ وقال: أحببتُ أن أزورَك. فتحدَّثْنا ساعةً، ثم أخرج ورقة وقال: الهديةُ مُسْتَحبَّةٌ، اشترِ بهذه أقلامًا، وقام، فإذا خمسةُ دنانير. ثم صَعِدَ مَرَّة أُخرى ووضع نحوًا من ذلك. وكان إذا قرأ الحديث يُسْمَع صَوْتُه في آخر الجامع، وكان يقرأ معربًا صحيحًا. (٤)
وقال ابنُ شَافع: خَرَجَ الخطيبُ فقصد صور، وبها عِزّ الدَّوْلة أحد الأجواد، وتقرّب منه فانتفع به وأعطاه مالًا كثيرًا، انتهى إليه الحِفْظ والإِتقان، والقيام بعلُوم الحديث.
стр. 1399
وقال ابنُ عساكر: سمِعْتُ الحسينَ بنَ محمد يحدِّث عن أبي الفضل بن خيرون أو غيره أَن الخطيب ذكر أنه لما حَجَّ شَرِبَ من ماء زَمْزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات، آخذًا بالحديث: "ماء زمزم لما شُرِب له" (١)؛ فالحاجة الأولى أَنْ يحدِّثَ بـ"تاريخ بغداد"، والثانية أن يملي الحديث بجامع المَنْصُور، والثَّالثة أن يُدْفَن عند بِشْر الحافي. فقضى الله له ذلك (٢).
وذكر أبو الفرج الإسْفَراييني أَنَّ الخطيب كان معهم في الحج، فكان يَخْتِمُ كلَّ يوم، ثم يجتمع عليه النَّاس وهو راكب يقولون: حدِّثْنَا فيحدِّث.
وقال عبد المحسن الشِّيحي: عادلت (٣) الخطيب من دمشق إلى بغداد فكان له في كلِّ يوم وليلة خَتْمَة.
وقال السَّمْعَاني: سمِعْتُ من ستة عشر من أصحابه (٤)، وله ستة وخمسون مصنفًا، ثم سَرَد أكثرها.
وقد أنشد السِّلَفي لنفسه:
تَصَانيفُ ابنِ ثابتٍ الخطيبِ ... ألَذُّ من الصِّبا الغَضّ (٥) الرَّطيبِ
стр. 1400
يراها إذْ رواها من حَوَاها ... رياضًا للفَتَى اليقِظِ اللَّبيبِ (١)
ويأخُذُ حُسْنُ ما قَدْ صَاغَ مِنْها ... بقَلْبِ الحافظ الفَطِنِ الأَريبِ
فأيةُ راحةٍ ونَعيمِ عيشٍ ... يُوَازِي كَتْبَها (٢) بَلْ أيُّ طِيبِ (٣)
وقال أبو محمد بن الأبَنُوسي: سَمِعْتُ الخطيب يقول: كل من ذكرت فيه أقاويل النَّاس من جَرْح وتعديل فالاعتماد على ما أَخَّرْت، [وختمت به الترجمة] (٤).
وقال ابنُ طاهر: سألت هِبَةَ الله بن عبد الوارث الشِّيرَازي: هل كان الخطيبُ كتصانيفه في الْحِفظ؟ قال: لا، كُنَّا إذا سَأْلناه عن شيءٍ أجابنا بعد أيامٍ، وإن ألححنا عليه غَضِبَ، كانت له بادِرَة وَحْشَة (٥).
وقد قيل: إن سببَ خروج الخطيب من دِمَشْق إلى صُور أنه كان يختلف إليه صبيٌّ مليح، فتكلَّم فيه النَّاس، وبلغ ذلك أمير البلد، وكان رافضيًا متعَصِّبًا، فامر بقتله فشد منه (٦) بعضُ العَلَوية، وأشار على الأمير بإخراجه من البلد، فأمر بذلك، فذهب إلى صُور وأقام بها مُدَّة.
قال ابنُ السَّمْعَاني: خرج من دمشق في صَفَر سنةَ سبعٍ وخمسين
стр. 1401
فقصد صور، وكان يزور منها القُدْس، ويعود إلى أن سافر إلى العِراق سنة اثنتين وستين.
وقال المؤتَمن السَّاجي: تحاملتِ الحنابلةُ على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه.
وقال أبو منصور عليُّ بنُ علي الأمين (١): كتبَ الخطيبُ إلى القائم: إذا مِتُّ يكون ما لي لبيت المال، فليؤذن لي حتى أفرِّقَه على مَنْ شئت. فأَذِن له، ففرَّقه على المُحَدِّثين (٢).
قال ابنُ ناصر: حدثتني أُمي أَنَّ أبي حدثها قال: دخلْتُ على الخطيب في مَرَضه فقلت له يومًا: يا سَيِّدي، إن ابن خيرون لم يعطني شيئًا من الذَّهب (٣) الذي أمرته أن يفرِّقَه على أَصحاب الحديث. فرفع الخطيبُ رأسهَ من المِخَدَّة، وقال: خُذْ هذه [الخرقة] بارك اللهُ لك فيها. فكان فيها أربعون دِينارًا (٤).
وقال مكي الرُّمَيلي: مَرِضَ الخطيب في رمضان من سنة ثلاث وستين إلى أن اشْتَدَّ به الحال في أَوَّل ذي الججَّة، ومات يوم سابعه، وأوصى إلى أبي الفَضْل بن خَيرون (٥)، ووقَص كُتُبَه على يده، وفرَّق ماله
стр. 1402
في وجوه البِرِّ، وشيَّعه القُضَاة والخَلْق، وأمَّهم أبو الحسين بن المهتدي بالله، ودفن بجنب بِشْر الحافي (١).
قال ابنُ خَيْرون: دفن بباب حَرْب، وتصدَّق بماله وهو مائتا دينار، وأوصى بأن يُتصدَّق بثيابه، وكان بين يدي جِنازته جماعةٌ ينادون: هذا الذي [كان يَذُبُّ عن رسول الله ﵌، هذا الذي كان ينفي الكذب على رسول الله ﵌، هذا الذي] كان يحفظ [حديث] (٢) رسول الله ﷺ ، وخُتِمَ على قبره عِدَّةُ ختمات.
وقال عبد العزيز الكَتَّاني: ورد كتاب جماعةٍ أَنَّ الحافظ أبا بكر مات في سابع ذي الحِجَّة، وكان أبو إسحاق الشِّيرَازي ممن حمل جِنازته.
وقال عليُّ بن الحسين بن جَدَّا: رأيتُ بعد موت الخطيب كأَنَّ شخصًا قائمٌ بحذائي فأردت أن أسأله عن الخطيب فقال لي ابتداءً: أُنزل وسط الجَنَّة حيث يتعارف الأبرار.
وقال غيث الأرْمَنَازِي: قال مكيّ الرُّمَيلي: كنتُ ببغداد نائمًا في ليلة ثاني عشر ربيع الأوَّل سنة ثلاث وستين، فرأيت كأنّا عند الخطيب لقراءة "تاريخه" على العادة، والشَّيخ نصر بن إبراهيم المَقْدسي عن يمينه، وعن يمين نَصْر رجلٌ، فسألت عنه فقيل: هذا رسول الله صلى الله
стр. 1403
عليه وسلم جاء ليسمع "التَّاريخ"، فقلت في نفسي: هذه جلالة لأبي بكر (١).
قال غيث: أنشدنا الخطيب لنفسه:
إن كُنْتَ تبغي الرَّشادَ محضًا ... لأمرِ دُنْيَاك والمَعَادِ
فَخَالفِ النَّفْس في هَوَاها ... إنَّ الهوى جَامِعُ الفَسَادِ
٩٩٣ - ابن حَزْم *
الإمام، العلامة، الفقيه، الحافظ، أحد الأعلام، أبو محمد، عليُّ بنُ أحمد بن سعيد بن حَزْم بن غالب بن صالح بن خَلَف بن مَعْدان بن سُفْيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبي سُفْيان بن حَرْب بن أُمية،
стр. 1404
الفارسي الأصل، الأموي، اليَزِيدي، القُرْطُبي، الظَّاهري، صاحب التَّصانيف.
ولد بقُرْطُبة سنةَ أربعٍ وثمانين وثلاث مئة.
وسمع من أبي عمر أحمد بن الجَسُور (١)، ويحيى بن مَسْعُود بن وجه الجَنَّة، ويونس (٢) بن عبد الله القاضي، وحُمام بن أحمد القاضي، ومحمد بن سعيد بن نَبَات، وعبد الله بن ربيع التميمي، وعبد الله بن محمد بن عُثْمان، وأبي عمر الطَّلَمَنْكي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، وعبد الله بن يوسف بن نامي، وخَلْقٍ سواهم.
روى عنه: أبو عبد الله الحُمَيدي -فأكثر- وابنه أبو رافع الفَضْل، وطائفة. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن شُريح بن محمد.
وأوَّل سماعه في سنة أربع مئة.
وكان إليه المنتهى في الذَّكاء والحِفْظ، والاطِّلاع على العُلُوم، وكان أولًا شافعيًّا، ثم صار ظَاهرِيًّا فجْتهدًا، وصنَّف كُتُبًا كثيرة منها: كتاب "الإِيصال" وهو كتاب كبير، وكتاب "الإحكام لأصول الأحكام" (٣) وكتاب "المُجَلَّى" في الفِقْه، مجلد، وشَرْحُه هو "المُحَلَّى" (٤) في ثمان
стр. 1405
مجلدات، وكتاب "الفِصَل في المِلل والنِّحَل" (١) وكتاب " [إظهار] (٢) تبديل اليهود والنَّصَارى للكتابين: التَّوْراة والإنجيل". وكتاب "التقريب لحدّ المنطق والمَدْخل إليه"، وكتاب "الصَّادع في الرَّدِّ على مَنْ قال بالتقليد"، وكتاب "شرح أحاديث المُوَطَّأ"، وكتاب "الجامع" في صحيح الحديث باختصار الأسانيد، وكتاب "التّلْخيص والتَّخْليص" في المسائل النَّظرية، وكتاب "كَشْف الالْتِباس لما بين الظَّاهرية وأصحاب القِياس" وكتاب فيما خالف فيه أبو حنيفة ومالك والشَّافعي جمهور العُلَماء وما انفرد به كلُّ واحدٍ، ولم يسبق إلى ما قاله، وغير ذلك.
قال أبو الحسن بن القَطَّان: أبو محمد بن حَزْم الحافظ الفقيه على مَذْهب أهل الظَّاهر، برع في الفِقْه والحديث، والتَّاريخ والآداب، وهو من بيتٍ وزارة، ووزَرَ بنفسه لبعض ملوك الأندلس، ثم تَخَلَّى لطلب العِلْم والانفراد له.
وقال صاعد بن أحمد: كان ابنُ حَزْم أجمعَ أهل الأندلس قاطبةً لعلوم الإسلام، وأوسعَهم معرفة، مع توسعه في علم اللِّسان، ووفور حَظِّه من البلاغة والشِّعْر، ومعرفته بالسِّيَر والأخبار، أخبرني ولده الفَضْل أنه اجتمع عنده بخَطِّ أبيه أبي محمد من تواليفه أربع مئة مجلّد تحتوي على نحوٍ من ثمانين ألف ورقة (٣).