فقصد صور، وكان يزور منها القُدْس، ويعود إلى أن سافر إلى العِراق سنة اثنتين وستين.
وقال المؤتَمن السَّاجي: تحاملتِ الحنابلةُ على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه.
وقال أبو منصور عليُّ بنُ علي الأمين (١): كتبَ الخطيبُ إلى القائم: إذا مِتُّ يكون ما لي لبيت المال، فليؤذن لي حتى أفرِّقَه على مَنْ شئت. فأَذِن له، ففرَّقه على المُحَدِّثين (٢).
قال ابنُ ناصر: حدثتني أُمي أَنَّ أبي حدثها قال: دخلْتُ على الخطيب في مَرَضه فقلت له يومًا: يا سَيِّدي، إن ابن خيرون لم يعطني شيئًا من الذَّهب (٣) الذي أمرته أن يفرِّقَه على أَصحاب الحديث. فرفع الخطيبُ رأسهَ من المِخَدَّة، وقال: خُذْ هذه [الخرقة] بارك اللهُ لك فيها. فكان فيها أربعون دِينارًا (٤).
وقال مكي الرُّمَيلي: مَرِضَ الخطيب في رمضان من سنة ثلاث وستين إلى أن اشْتَدَّ به الحال في أَوَّل ذي الججَّة، ومات يوم سابعه، وأوصى إلى أبي الفَضْل بن خَيرون (٥)، ووقَص كُتُبَه على يده، وفرَّق ماله
стр. 1402
في وجوه البِرِّ، وشيَّعه القُضَاة والخَلْق، وأمَّهم أبو الحسين بن المهتدي بالله، ودفن بجنب بِشْر الحافي (١).
قال ابنُ خَيْرون: دفن بباب حَرْب، وتصدَّق بماله وهو مائتا دينار، وأوصى بأن يُتصدَّق بثيابه، وكان بين يدي جِنازته جماعةٌ ينادون: هذا الذي [كان يَذُبُّ عن رسول الله ﵌، هذا الذي كان ينفي الكذب على رسول الله ﵌، هذا الذي] كان يحفظ [حديث] (٢) رسول الله ﷺ ، وخُتِمَ على قبره عِدَّةُ ختمات.
وقال عبد العزيز الكَتَّاني: ورد كتاب جماعةٍ أَنَّ الحافظ أبا بكر مات في سابع ذي الحِجَّة، وكان أبو إسحاق الشِّيرَازي ممن حمل جِنازته.
وقال عليُّ بن الحسين بن جَدَّا: رأيتُ بعد موت الخطيب كأَنَّ شخصًا قائمٌ بحذائي فأردت أن أسأله عن الخطيب فقال لي ابتداءً: أُنزل وسط الجَنَّة حيث يتعارف الأبرار.
وقال غيث الأرْمَنَازِي: قال مكيّ الرُّمَيلي: كنتُ ببغداد نائمًا في ليلة ثاني عشر ربيع الأوَّل سنة ثلاث وستين، فرأيت كأنّا عند الخطيب لقراءة "تاريخه" على العادة، والشَّيخ نصر بن إبراهيم المَقْدسي عن يمينه، وعن يمين نَصْر رجلٌ، فسألت عنه فقيل: هذا رسول الله صلى الله
стр. 1403
عليه وسلم جاء ليسمع "التَّاريخ"، فقلت في نفسي: هذه جلالة لأبي بكر (١).
قال غيث: أنشدنا الخطيب لنفسه:
إن كُنْتَ تبغي الرَّشادَ محضًا ... لأمرِ دُنْيَاك والمَعَادِ
فَخَالفِ النَّفْس في هَوَاها ... إنَّ الهوى جَامِعُ الفَسَادِ
٩٩٣ - ابن حَزْم *
الإمام، العلامة، الفقيه، الحافظ، أحد الأعلام، أبو محمد، عليُّ بنُ أحمد بن سعيد بن حَزْم بن غالب بن صالح بن خَلَف بن مَعْدان بن سُفْيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبي سُفْيان بن حَرْب بن أُمية،
стр. 1404
الفارسي الأصل، الأموي، اليَزِيدي، القُرْطُبي، الظَّاهري، صاحب التَّصانيف.
ولد بقُرْطُبة سنةَ أربعٍ وثمانين وثلاث مئة.
وسمع من أبي عمر أحمد بن الجَسُور (١)، ويحيى بن مَسْعُود بن وجه الجَنَّة، ويونس (٢) بن عبد الله القاضي، وحُمام بن أحمد القاضي، ومحمد بن سعيد بن نَبَات، وعبد الله بن ربيع التميمي، وعبد الله بن محمد بن عُثْمان، وأبي عمر الطَّلَمَنْكي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، وعبد الله بن يوسف بن نامي، وخَلْقٍ سواهم.
روى عنه: أبو عبد الله الحُمَيدي -فأكثر- وابنه أبو رافع الفَضْل، وطائفة. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن شُريح بن محمد.
وأوَّل سماعه في سنة أربع مئة.
وكان إليه المنتهى في الذَّكاء والحِفْظ، والاطِّلاع على العُلُوم، وكان أولًا شافعيًّا، ثم صار ظَاهرِيًّا فجْتهدًا، وصنَّف كُتُبًا كثيرة منها: كتاب "الإِيصال" وهو كتاب كبير، وكتاب "الإحكام لأصول الأحكام" (٣) وكتاب "المُجَلَّى" في الفِقْه، مجلد، وشَرْحُه هو "المُحَلَّى" (٤) في ثمان
стр. 1405
مجلدات، وكتاب "الفِصَل في المِلل والنِّحَل" (١) وكتاب " [إظهار] (٢) تبديل اليهود والنَّصَارى للكتابين: التَّوْراة والإنجيل". وكتاب "التقريب لحدّ المنطق والمَدْخل إليه"، وكتاب "الصَّادع في الرَّدِّ على مَنْ قال بالتقليد"، وكتاب "شرح أحاديث المُوَطَّأ"، وكتاب "الجامع" في صحيح الحديث باختصار الأسانيد، وكتاب "التّلْخيص والتَّخْليص" في المسائل النَّظرية، وكتاب "كَشْف الالْتِباس لما بين الظَّاهرية وأصحاب القِياس" وكتاب فيما خالف فيه أبو حنيفة ومالك والشَّافعي جمهور العُلَماء وما انفرد به كلُّ واحدٍ، ولم يسبق إلى ما قاله، وغير ذلك.
قال أبو الحسن بن القَطَّان: أبو محمد بن حَزْم الحافظ الفقيه على مَذْهب أهل الظَّاهر، برع في الفِقْه والحديث، والتَّاريخ والآداب، وهو من بيتٍ وزارة، ووزَرَ بنفسه لبعض ملوك الأندلس، ثم تَخَلَّى لطلب العِلْم والانفراد له.
وقال صاعد بن أحمد: كان ابنُ حَزْم أجمعَ أهل الأندلس قاطبةً لعلوم الإسلام، وأوسعَهم معرفة، مع توسعه في علم اللِّسان، ووفور حَظِّه من البلاغة والشِّعْر، ومعرفته بالسِّيَر والأخبار، أخبرني ولده الفَضْل أنه اجتمع عنده بخَطِّ أبيه أبي محمد من تواليفه أربع مئة مجلّد تحتوي على نحوٍ من ثمانين ألف ورقة (٣).
стр. 1406
وقال الحُمَيدي: كان أبو محمدٍ حافِظًا للحديث وفقهه، مستنبطًا للأحكام من الكِتَاب والسُّنَّة، متفنِّنًا في علومٍ جَمَّة، عاملًا بعِلْمه، ما رأينا مِثْلَه فيما اجتمع له مع الذَّكاء وسُرْعة الحِفْظ، وكَرَم النَّفْس والتديُّن، وكان له في الأدب والشِّعْر نَفَسٌ واسع، وباع طويل، ما رأيت مَنْ يقول الشِّعْرَ على البديهة (١) أسرَعَ منه، وشعره كثير جَمَعْتُه على حُروف المُعْجم (٢).
وقال أبو القاسم صاعد: كان أبوه أبو عمر (٣) أحمد من وزراء المَنْصور محمد بن أبي عامر ثم وزر للمُظَفَّر بن المنصور، ووزر أبو محمد للمُسْتَظْهر بالله عبد الرّحمن بن هشام، ثم نَبَذ الوزَارة وأقبل على العِلْم، وبَرَعَ في المنطق، ثم أعرض عنه، وأقبل على علوم الإسلام فنال ما لم ينلْه أحد (٤).
وقال أبو حامد الغزالي: وَجَدْتُ في أسماء الله تعالى كتابًا ألَّفه محمد بن حَزْم يدلُّ على عِظم حِفْظه وسَيَلان ذِهنه.
وقال اليَسَع بن حَزْم الغَافِقي (٥): أما محفوظُ أبي محمدٍ فبحرٌ
стр. 1407
عَجَّاج، وماء ثَجَّاج، يخرج من بحره مَرْجَان الحِكَم، وينبت بثجَّاجه ألفاف النِّعَم في رِيَاض الهِمم، لقد حفظ من علوم المسلمين، وأربى على أهل كلِّ دين، وألَّف "المِلل والنِّحَل"، كان أولًا يَلْبَس الحرير، ولا يرضى من المكانة إلَّا بالسَّرير، مَدَح المعتمد فأجاد، وقَصَد بَلنْسِية، وبها المُظَفَّر أحد الأطْواد، حدَّثني عنه عمر بن واجب قال: بينما نحن عند أبي ببَلَنْسِية وهو يدرِّس المذهب إذا بأبي محمد بن حَزْم يسمعنا، ويتعجب، ثم سأل الحاضرين عن شيء من الفِقْه جُووب عليه، فاعترض فيه، فقال بعض الحُضَّار: هذا العِلْم ليس من منتحلاتك. فقام وقعد، ودخل منزله فعَكَفَ، ووَكَفَ منه وابِلٌ فما كَفَّ، وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصَدْنا إلى ذلك الموضع، فناظر أحسن مناظرة، قال فيها: أنا أتبع الحقَّ وأجتهد، ولا أتقيد بمذهب.
وقال الشَّيخ عِزّ الدِّين بن عبد السَّلام: ما رأيت في كُتُب الإسلام مثل "المُحَلَّى" لابن حَزْم، و"المغني" للشَّيخ الموفَّق (١).
وقال أبو الخَطَّاب بن دحية: كان ابنُ حَزْم قد بَرِصَ من أكل اللُّبَان (٢)، وأصابه زَمَانة، وعاش اثنتين وسبعين سنة إلّا شهرًا.
وقال أبو محمد عبد الله بنُ محمد بن العَرَبي: أخبرني ابنُ حزم أن سبب تعلُّمِه الفِقْه أنَّه شَهِدَ جِنَازةً، فَدَخل المسجد، فَجَلَس ولم يركع، فقال له رجلٌ: قُمْ فصَلِّ تحيَّة المسجد، وكان ابن ستٍّ وعشرين سنة.
стр. 1408
قال: فقُمْتُ وركعت، فلما رجعنا من الجِنَازة جئتُ المسجد، فبادرت بالتحيَّة، فقيل لي: اجلسْ اجلسْ، ليس هذا وقت صلاةٍ -يعني بعد العَصْر- فانصرفت حزينًا, وقلت للأُستاذ الذي رَبَّاني: دُلَّني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دَحُّون، فقصَدْتُه، وأعلمته بما جرى عليَّ، فدلَّني على "المُوَطَّأ"، فبدأتُ به عليه قِراءةً، ثم تتابعتْ قراءتي عليه وعلى غَيرِه ثلاثةَ أعوام، وبدأتُ بالمناظرة (١).
ثم قال ابنُ العَرَبي: صحِبْتُ ابنَ حَزْم سَبْعَةَ أعوام، وسمِعْتُ منه جميع مُصَنَّفَاته سوى المجلَّد الأخير من كتاب "الفِصَل"، وقرأْنا عليه من كتاب "الإيصال" سَبْعَ مجلّدات (٢) في سنة ستٍّ وخمسين، وهو أربعة وعشرون مجلَّدًا (٣).
وقال أبو مروان بن حَيَّان: كان ابنُ حَزْم حاملَ فنونٍ مِنْ حديثٍ وفِقْه وجَذل ونَسَب وما يتعلَّق بأذيال الأدب، مع المُشَاركة في أنواع التَّعاليم القديمة من المَنْطق والفَلْسَفة، وله كتُبٌ كثيرة لم يَخْلُ فيها من غَلَطٍ لِجُرْأَته في التَّسَوُّر على الفُنون لا سيما المنطق، فإنهم زَعموا أَنَّه زَلّ هنالك، وَضَلّ في سلوك المَسَالك، وخالف أرسطو واضِعَه مخالفةَ مَنْ لم يفهم غَرضَه، ولا ارْتَاضَ، ومال أوَّلًا في النظر إلى الشَّافعي وناضلَ عنه حتى وُسِمَ به، فاسْتُهْدِفَ بذلك لكثير مِن الفقَهاء، وعِيب بالشُّذُوذ،
стр. 1409
ثم عَدَل إلى الظَّاهر، فنقَّحَه، وجادل عنه، ولم [يَكُ] (١) يلطِّف صَدْعَه بما عنده بتعريضٍ ولا بتَدْريجٍ، بل يَصُكُّ به معارِضَه صَكَّ الجَنْدَل (٢)، وَيُنْشِقُه إنْشَاقَ الخَرْدَل (٣)، فتنفِرُ عنه القلوب، وتقع به النُّدوب، حتى استهدف إلى فُقَهاء وَقْته، فتمالؤوا عليه، وأجمعوا على تضليله، وشنَّعوا عليه، وحذرُوا سلاطينَهُمْ من فِتْنَتِه، ونَهَوْا عوامَّهم عن الدُّنُوِّ منه، فطَفِقَ الملوك يُقْصُونه، ويسيِّرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به مُنْقَطَع أثره, وهي بلدة من بادية لَبْلَة (٤)، وهو في ذلك غَيرُ مَرْتَدع ولا راجعٍ، يَبُثُّ عِلْمَه فيمن يَنْتَابُه من بِاديةِ بلده، من أَصَاغر الطَّلَبة الذين لا يَخْشَوْن فيه المَلامة، يُسْمِعهم ويفقِّهُهم ويُدَارسهم، [حتى] (٥) كَمُل من مُصَنَّفاته وقْرُ بعير لم يجاوز أكثرُها عَتَبَةَ باديته لزُهْد الفُقَهاء فيها، حتى لأُحْرِقَ بعضُها بإشْبيلية، ومُزِّقت علانية، وأكبر معايبه -زعموا- عند المُنْصِف له جَهْلُه بسياسة العِلْم التي هي أعوص من إتقانه (٦)، وتخلُّفه عن ذلك على قوّة
стр. 1410
سَبْحِهِ في غِمارِه (١)، وعلى ذلك فلم يكن بالسَّليم من اضطراب رأيه، ومغيب شاهد عِلْمه عنه عند لقائه إلى أن يُحَرك بالسُّؤال، فتَفَجَّر منه بحرُ عِلْم، لا تكدِّره الدِّلاء (٢).
قال ابن حَيَّان: وكان مما يزيد في شنآنه تَشَيُّعُه لأُمراء بني أُمية ماضيهم وباقيهم، واعتقادُه لِصِحَّة إمامتهم حتى نُسِبَ إلى النَّصب (٣).
وقد ذُكِرَ لابنِ حَزْم قَوْلُ مَنْ يقول: أجَلُّ المُصَنَّفات "المُؤطَّأ".
فقال: بل أَوْلى الكُتُب بالتعظيم "الصَّحيحان" و"صحيح" سعيد بن السكن، و"المنتقى" لابن الجارود، و"المنتقى" لقاسم بن أَصْبَغ [ثم بعد هذه الكتب كتاب أبي داود، وكتاب النَّسَائي، و"مصنف" قاسم بن أَصبَغ] (٤) و"مصنَّف" الطَّحاوي، و"مُسْنَد" البزَّار، و"مسنَد" ابن أبي شَيبة، و"مسند" أحمد بن حَنْبل، و"مسند" ابن راهويه، و"مسند" الطَّيالِسي، و"مسند" الحسن بن سُفْيان، و"مسند" ابن سنجر، و"مسند" عبد الله بن محمد المُسْنَدي، و"مسند" يعقوب بن شيبة، و"مسند" عليّ بن المديني، و"مسند" ابن أبي غَرَزَة، وما جرَى مجرى هذه الكتب التي أُفْردتْ لكلام رسول الله ﷺ صِرْفًا، ثم بَعْدَها الكتب التي فيها كلامُهُ وكلامُ غيره مثل "مُصَنَّف" عبد الرَّزَّاق، و"مصنف" أبي بكر بن أبي شيبة، و"مصنف" بَقي بن مَخْلَد، وكتاب
стр. 1411
محمد بن نَصْر المَرْوَزِي، وكتاب أبي بكر بن المنذر الأكبر والأصغر، ثم "مصنف" حَمَّاد بن سَلَمة، و"مصنَّف" سعيد بن منصور، و"مصنف" وكيع، و"مصنف" الفِرْيابي، و"مُوَطَّأ" مالك بن أنس، و"موطأ" ابن أبي ذئب، و"موطأ" ابن وَهْب، و"مسائل" أحمد بن حنبل، وفِقْه أبي عبيد، وفِقْه أبي ثَوْر.
قلت: أبو محمد بنُ حزم من بحور العُلُوم، له اختيارات كثيرة حَسَنة، وافق فيها غيرَه من الأئمة، وله اختياراتٌ انفرد بها في الأصول والفروع، وجميع ما انفرد به خَطَأ، وهو كثير الوَهْم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه، وعلى أحوال الرُّواة، وقد تكلم فيه القاضي أبو بكر بنُ العربي، وأبو بكر بن مفوّز وغيرهما، وبالغ بعضُهم في الحَطِّ عليه، وقد جرى بينه وبين أبي الوليد البَاجي مناظرة، ووقع بينهما منافرة.
قال أبو بكر بن العربي، في كتاب "القواصم والعواصم" (١) وقد ذكر الظَّاهرية: هي أُمَّةٌ سخيفة، تَسَوَّرت على مرتبة ليست لها، وتكلَّمتْ بكلامٍ لم تفهمه، تَلَقَّفُوه من إخوانهم الخوارج حيث تقول: لاحُكْم إلّا لله، وكان أوَّل بِدْعة لقِيت في رِحْلتي القَوْل بالباطن، فلما عُدْت وَجَدْت القَوْلَ بالظَّاهر قد مَلأَ بِهِ المَغْربَ سخيفٌ كان من بادية إشبيلية يُعْرف بابن حَزْم، نَشَأَ وتَعَلَّقَ بمذهب الشَّافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خَلَع الكلَّ، واستقلَّ بنفسه، وزَعَم أنَّه إمام الأمة، يَضَع ويرفع، ويحكم
стр. 1412
ويشرع، يَنْسُبُ إلى دينِ الله ما ليس فيه، ويقول عن العُلَماء ما لم يقولوا، تنفيرًا للقلوب عنهم، وخَرَجَ عن طريق المُشَبِّهة في ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطوامّ، واتفق كوْنه بين (١) قوم لا بَصَر لهم إلّا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدَّليل كاعوا (٢)، فيتضاحك مع أصحابه منهم، وعَضَدَتْه الرِّياسة بما كان عنده من أَدَبٍ، وبشبَهٍ (٣) كان يوردها على الملوك، فكانوا يحملونه ويحمونه بما كان يلقي إليهم من شُبَه البِدَع والشِّرْك (٤).
ثم أطال ابن العربي في الحَطِّ على ابن حَزْم والظَّاهرية بما فيه نظر، وقد نوقش عليه، والله يحب الإِنصاف (٥).
قلت: وقد طالعت أكثر كتاب "الملل والنِّحَل" (٦) لابن حَزْم فرأَيتُه قد ذكر فيه عجائبَ كثيرة ونقولًا غريبة، وهو يدُلُّ على قوةِ ذكاءِ مؤلِّفِه وكثرةِ اطّلاعه، لكنْ تبيَّنَ لي منه أنه جَهْميٌّ جَلْد، لا يثبت من معاني أسماء الله الحسنى إلّا القليل، كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده لا تدلُّ على معنى أصلًا كالرَّحيم والعليم والقدير ونحوها، بل العِلْمُ عنده
стр. 1413
هو القُدْرة، والقدرة هي العِلْم، وهما عَينُ الذَّات، ولا يدل العلم على معنى زائد على الذات المجرَّدة (١) أصلًا، وهذا عين السَّفْسَطة والمكابرة، وكان ابن حزم في صغره قد اشتغل في المنطق والفَلْسَفة، وأخذ المنطق عن محمد بن الحسن المَذْحجي، وأمعن في ذلك فتقرَّر في ذِهْنه بهذا السَّبب معاني باطلة، ثم نظر في الكِتاب والسُّنَّة فوجد ما فيهما من المعاني المخالفة لما تقرَّر في ذِهنه فصار في الحقيقة حائرًا في تلك المعاني الموجودة في الكتاب والسُّنَّة، فروغ في رَدِّها روغان الثَّعْلب، فتارة يحمل اللفظ على غير معناه اللغوي، ومرة يحمل ويقول: هذا اللّفْظ لا معنى له أصلًا، بل هو بمنزلة الأعلام، وتارة يرد ما ثبت عن المصدوق، كردّه الحديث المتَّفَق على صحته في إطلاق لفظ الصِّفات، وقول الذي كان يلزم قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لأنها صفة الرّحمن ، فأنا أحب أن أقرأ بها، ومَرَّة يخالف إجماع المسلمين في إطلاق بعض الأسماء على الله ، وفي كلامه على اليهود والنَّصَارى ومذاهبهم وتناقضهم فوائدُ كثيرة، وتخليط كثير، وهجومٌ عظيم، فإنه رد كثيرًا من باطلهم بباطلٍ مثله، كما رَدَّ على النَّصارى في التثليث بما يتضمن نفي الصِّفَات، وكثيرًا ما يَلْعَنُ ويكفر ويَشْتِمُ جماعة ممن نقل كتبهم كمتَّى ولوقا ويوحنَّا وغيرهم، ويَقْذَع في القَدْح فيهم إقذاعًا بليغًا، وهو في الجُمْلة لَوْن غريبٌ وشيء عجيب، وقد تكلَّم على نقل القرآن والمعجزات وهيئة العالم بكلامٍ أكثره مليح حَسَن.
ومما عِيب على ابنِ حَزْم فجاجة عبارته، وكلامه في الكبار.
стр. 1414
قال أبو العَبَّاس بن العريف: كان لسانُ ابنِ حَزْم وسَيفُ الحَجَّاج شقيقين (١).
وقال أبو بكر محمد بن طَرْخَان التُّرْكي: قال لي الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي: توفي ابنُ حَزْم بقريته، وهي على خليج البحْر الأعظم في جُمَادى الأولى سنةَ سبعٍ وخمسين وأربع مئة (٢).
وقال غيره: مات ليومين بقين من شَعْبَان سنةَ ستٍّ وخمسين، وهذا هو الصَّواب (٣).
وفيها: ماتَ مُفْتي الحَنَفِيَّة ببُخارى العلامة شمس الأئمة أبو محمد عَبْد العزيز بن أحمد الحُلْواني، صاحب التَّصَانيف، في شَعْبَان. والعلامة المتكلِّم أبو القَاسم عبد الواحد بن علي بن برهان العُكبَري النَّحْوي. ومسند بَغْداد أبو الحسين محمدُ بنُ أحمد بن محمد بن حَسْنون النّرْسِي، وله تسعون سنة. ومحدِّث نَيسَابور المفيد أبو سعيد محمدُ بنُ علي بن محمد النَّيسَابوري الخشَّاب، في عَشْر الثمانين.
٩٩٤ - الدَّرْبَنْدِيُّ *
الحافظ، الجوَّال، أبو الوليد، الحسنُ بنُ محمد بن عليّ، البَلْخي.
стр. 1415
سمع ببلخ: عليَّ بن محمد الخُزَاعي، وبنَيسَابور: أبا زكريا المُزَكِّي، وبهَرَاة: أبا منصور الأزْدي، وبإسْتَرَاباذ: بُنْدار بن محمد، وببخارى: أبا عبد الله الغُنْجار، وبالبَصْرة: أبا عمر الهاشمي، وببغداد: أبا الحسين بن بِشْران، وبهَمَذَان: محمد بن عيسى، وبدمشق: عبد الرَّحمن بن أبي نَصْر التَّميمي، وبمصر: ابن نظيف.
روى عنه: الخطيب، وأبو علي الحَدَّاد، وأبو القاسم الشَحَّامي، وأبو عبد الله الفُرَاوي، وآخرون.
قال عبد الغافر: طوَّف أبو الوليد البلاد، وحَصَّل الأسانيد والغرائب.
وقال ابنُ النَّجَّار: رَحَلَ مِنْ ما وراء النَّهْر إلى إلاسْكَنْدَرية، وكان ردئَ الحِفْظ (١)، لكنه مكثر صَدُوق.
مات بسَمَرْقَنْد في رمضان سنةَ ستٍّ وخمسين وأربع مئة.
٩٩٥ - النَّخْشَبِيُّ *
الإمام، الحافظ، الرَّحَّال، عبد العزيز بنُ محمد بن محمد بن عَاصم.
стр. 1416
صحِبَ جعفر بن محمد المُسْتَغْفِرِي، وسمع منه، ومن أبي طالب بن غَيْلان، ومحمد بن الحسين الحرَّاني، وأبي بكر بن رِيذة، وأبي الفرج الطَّنَاجِيري، وخَلْقٍ بخُرَاسان والعِراق وأَصْبَهان ودِمَشْق.
روى عنه: أبو القاسم بن أبي العلاء المِصِّيصي، وسهل بن بِشْر الإِسْفَراييني وطائفة.
قال أبو سَعْدٍ السَّمْعَاني: سألت إسماعيل بن محمد الحافظ عن عبد العزيز النَّخْشَبي، فجعل يعظِّمه ويعظِّم أمرَه جِدًّا ويقول: ذاك النَّخْشبي، ذاك النخشبي، كان حافِظًا كبيرًا.
وقال السِّلَفي: سألت المؤتَمن عنه فقال: كان الحُفَّاظ مِثْل الصُّوري والخطيب يحسِنُون الثَّنَاء عليه، ويرضَوْنَ فهمَه.
وقال الحافظ يحيى بنُ مَنْدَه: قَدِمَ أَصْبَهان سنةَ ثلاثٍ وثلاثين وأربع مئة، وسمع ما عند ابن رِيذَة من "المعجم"، وكان واحدَ زمانه في الحِفْظ والإتقان، لم نَرَ في زماننا مِثْلَه في الحِفْظ، دقيق الخط، سريع الكتابة والقراءة، حسن الخُلُق، ضَرَبه القاضي الخَطِيبي وحَبَسه بسبب أبي حنيفة، ورأيت بعينيَّ علامةَ الضَّرْب على ظهره.
توفِّيَ بنخشب في جُمَادى الآخرة سنةَ سبع وخمسين وأربع مئة.
كان لم يزلْ (١) في دارنا، ويبيت مع أبي.
стр. 1417
وقال ابنُ عساكر: توفِّي سنةَ ستٍّ وخمسين (١).
٩٩٦ - عَبْدُ الرَّحيم بنُ أحمد *
ابن نَصْر بن إسحاق، الإِمام، الحافظ، الجَوَّال، أبو زكريا، التَّميمي، البُخَاري.
ولد سنةَ اثنتين وثمانين وثلاث مئة.
وسمع ببخارى وخُرَاسان والعِراق والشَّام واليمن ومِصْر وأَفْريقية.
وحدَّث عن: إبراهيم بن محمد بن يَزْدَاذ الرَّازي، وأبي عبد الله الحَلِيمي، وأبي يَعْلَى حمزة المُهَلَّبي، وأبي عمر بن مَهْدي، والحاكم أبي عبد الله، وتَمَّام الرّازي، وهلال الحَفَّار، وعبد الغني بن سعيد المِصْري، وخَلْق.
روى [عنه] (٢): عبد الوَهَّاب بن عبد الله المُرِّي الجَيّان (٣)؛ أحد شيوخه، والفقيه نَصْر المَقْدِسي، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الرَّازي في مشيخته، وجميل بن الحسن المَادَرَائي، وآخرون.
стр. 1418
ذكره ابنُ الدَّبَّاغ في الطبقة العاشرة من الحُفَّاظ.
وقال السِّلَفي: كان من الحُفَّاظ الأثبات.
توفِّي سنةَ إحدى وستين وأربع مئة.
وفيها: مات مُسْنِد مِصْر أبو الحسين محمدُ بنُ مَكِّي بن عُثمان الأزْدي. ومقرئ مِصْر أبو الحسين نَصْر بنُ عبد العزيز الشِّيرَازي. ومحدِّث بُخَارى أبو حَفْص عمر بن منصور البَزَّاز، سمع من ابن حاجب الكُشَاني.
٩٩٧ - العَطَّار *
الحافظ، أبو بكر، محمدُ بنُ إبراهيم بن علي، الأَصْبَهَاني، مُسْتَملي أبي نُعَيم الحافظ.
سمع بالبَصْرة: أبا عمر الهَاشمي، وعليَّ بنَ القاسم النَّجَّاد، وببغداد: أبا القاسم الحُرْفي، وبأصبهان: أبا سعيد النّقَّاش، وأبا بكر بن مَرْدُويه، وطبقتهم.
روى عنه: سعيد بن أبي الرَّجاء، والحسين بن عبد الملك الخَلَّال، وفاطمة بنت محمد بن البَغْدادي، والمعمَّر إسماعيل بن علي الحمَّامي، وغيرُهم.
стр. 1419
قال أبو سعْدٍ السَّمْعَاني: هو حافظ عظيم الشأن عند أهل بلده، أملى عِدَّة مجالس.
وقال الدَّقَّاق في رسالته: كان من الحُفَّاظ، يملي من حِفْظه.
مات في صَفَر سنةَ ستٍّ وستين وأربع مئة.
وفيها: توفي المُسْنِد أبو بكر يعقوب بن أحمد الصَّيرفي النَّيسَابوري، صاحب أبي محمد المَخْلَدي. ومسند مرو أبو سهل محمد بن أحمد بن عُبيد الله الحَفْصي، صاحب الكُشْمِيهَني. وعالِمُ صِقِلِّية عبدُ الحَقِّ بنُ محمد بن هارون المالكي بإسْكندرية. والمحدِّث الجَوَّال أبو مُسْلم عمر بن علي اللَّيثي البُخاري، كهلًا، رحمهم الله تعالى.
٩٩٨ - السُّكَّري *
الحافظ، أبو سَعْدٍ، عليُّ بنُ موسى، النَّيسَابوري.
سمع من: جَدِّه عبد الله بن عمر السُّكَّري، والقاضي أبي بكر الحِيري، ومحمد بن موسى الصَّيرفي، وأبي حَسَّان المُزكِّي، ومحمد بن إبراهيم المُزَكِّي، وطبقتهم.
حدَّث عنه: إسماعيل بن أبي صالح المَؤَذِّن، ويوسف بن أيوب الهَمَذَاني الزَّاهد، وهبة الرَّحمن بن القُشَيري، وغيرهم.
стр. 1420
انتخب لأبي سَعْدٍ الكَنْجَرُوذي خمسة أجزاء، وهو معدود في حُفَّاظ خُرَاسان.
حَجَّ وتوفِّيَ في رجوعه سنةَ خمسٍ وستين وأربع مئة.
٩٩٩ - المُؤَذِّن *
الحافظ، أبو صالح، أحمد بنُ عبد الملك بن علي بن أحمد، النَّيسَابوري، محدِّث وقته بخُرَاسان.
ولد سنةَ ثمانٍ وثمانين وثلاث مئة.
وسمع أبا نُعَيم عبد الملك بن الحسن الإِسْفَراييني، وأبا الحسن العَلَوي، وأبا يَعْلى المُهَلَّبي، وأبا طاهر بن مَحْمِش، والحاكم أبا عبد الله، وخَلْقًا من أصحاب الأصَمّ، ثم رحل فسمع بجُرْجَان حَمْزة السَّهْمي، وببغداد أبا القاسم بن بِشْران، وبأصبهان أبا نُعيم الحافظ، وبمَنْبج الحسن بن الأَشْعث، وبدمشق المُسَدَّد الأمْلُوكي، وبمكة أبا ذَرّ الهَرَوي.
وصَحِبَ الأُستاذ أبا علي الدَّقَّاق، وأحمد بن نصر الطَّالْقَاني.
وعمل مُسَوَّدَة لتاريخ مَرْو.
стр. 1421
روى عنه: ابنه إسماعيل بن أبي صالح، وأبو القاسم الشَّحَّامي، وأخوه وجيه، وأبو عبد الله الفُرَاوي، وعبد المنعم بن القُشَيري، وأبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد، وغيرهم.
قال عبد الغافر بن إسماعيل في "تاريخه" (١): أبو صالح المُؤَذِّن الأمين المتقن المحدِّث الصُّوفي، نسيج وحدِه في طريقته، وجَمْعه وإِفادته، ما رأينا مِثْلَه في حِفْظ القُرْآن، وجَمْعِ الأحاديث، سَمِع الكثير، وجَمَعَ الأبواب والشُّيوخَ، وأذَّن حِسْبَةً سنين عِدَّة، وكان يَحُثُّني على مَعْرفة الحديث، ولم أتمكَّن من جَمْع هذا التّاريخ إلّا من مُسوَّداته ومجموعاته، فهي المرجوع إليها. قال: ولو ذَهَبْتُ أشرح ما رأيت منه لسوَّدْتُ أوراقًا جَمَّةً، ولم أنته إلى اسْتيفاء ذلك، سمعت منه جميعَ "الحِلْية" لأبي نُعَيم، و"مُعْجم" الطَّبَراني، و"مُسْند" الطَّيَالسي.
وقال الخطيب: قَدِمَ علينا حاجًّا في حياة أبي القاسم بن بِشْران، وكتبت عنه وكتب عني، وكان ثِقَةً، قال لي: أوَّل سماعي سنة تسعٍ وتسعين؛ وكنت قد حفظت القرآن، ولي نحو تسع سنين (٢).
وقال زاهر الشَّحَّامي: خَرَّج أبو صالح ألفَ حديثٍ عن ألف شيخ له (٣).
وقال أبو سَعْدٍ السَّمْعَاني: هو صُوفي حافظ متقن، نسيج وحدِه في الجَمْع والإفادة، أذَّن مدة احتسابًا، ووعظ في اللَّيل، وكان تحت يده
стр. 1422
أوقاف الكتب والأجزاء الحديثيَّة فيتعهد حِفْظَها، ويأخذ صدقاتِ التجَّار والأكابر ويوصلها إلى المستحقين (١).
وقال أبو بكر محمد بن يحيى المُزكِّي: ما يقدر أحدٌ أن يكذب في الحديث هنا وأبو صالح حي.
وقال أبو المُظَفَّر منصور بن السَّمْعَاني: إذا دخلتم على أبي صالح فادخلوا بالحُرْمة، فإنَّه نجم الزَّمان ونسيجُ (٢) وقته.
وحكى أبو سَعْد السَّمْعَاني أن بعض الصَّالحين رآه ليلة مَوْته وكان النبي ﷺ قد أخذ بيده، وقال له: جَزَاك الله عني خيرًا، فَنِعْمَ ما أقمتَ بحقّي، ونعم ما نَشَرْتَ من سُنَّتي.
قال عبد الغافر: توفِّي في سابع رمضان سنة سبعين وأربع مئة.
وفيها: مات مُسْنِد العراق أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن النَّقور البَغْدَادي البَزَّاز، وله تسعون سنة. والمعمَّر أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن حُمَّدوه (٣) البَغْدَادي الرزاز المقرئ، آخر مَنْ روى عن ابن سَمْعون. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقًا (٤). ومسنِدُ دمشق وخطيبها أبو نَصْرٍ الحسينُ بن محمد بن طَلَّاب القُرَشي. والمسنِدُ أبو القاسم عبد الله بن الحافظ أبي محمد الخلَّال البَغْدَادي، وله خمسٌ وثمانون سنة. وشيخ الحنابلة الشَّريف أبو جعفر عبد الخالق بن
стр. 1423
أبي موسى الهاشمي البَغْدَادي، وله تسع وخمسون سنة. ونحوي بغداد أبو الحسن محمد بن هِبة الله بن الوزاق الضَّرير.
١٠٠٠ - عبد الرَّحمن بن مَنْدَه *
هو الحافظ، أبو القاسم، عبد الرّحمن بن الحافظ أبي عبد الله (١) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، العَبْدي، الأَصْبَهاني.
ولد سنةَ ثلاثٍ وثمانين وثلاث مئة، وقيل: سنة إحدى وثمانين.
وسمع أباه وإبراهيم بن عبد الله بن خُرَّشيذقُولة، وأبا جعفر بن المَرْزُبان الأَبْهري، وأبا ذَرّ بن الطَّبَراني، وأبا عمر بن مَهْدي، وهلالًا الحَفَّار، وأبا الحسن بن جَهْضَم الصُّوفي، وأبا بكر الحِيري، وأبا سعيد الصَّيرَفي، وخَلْقًا، لكنه لم يرو عن الحِيري كما فعل شيخ الإسلام الأنصاري.
وصنَّف كثيرًا، وعني بهذا الشَّأْن، وحدَّث سنةَ سبع وأربع مئة.
قال أبو سَعْد السَّمْعَاني: وله إجازة من زاهر بن أحمد، ومحمدِ بنِ عبد الله الجَوْزَقي، وعبد الرَّحمن بن أبي شريح وجماعةٍ. حدَّثنا عنه
стр. 1424
أبو نصر الغازي، وأبو سعدٍ أحمد بن محمد البغدادي، وأبو عبد الله الحسين الخَلَّال، وأبو بكر البَاغْبَان، وأبو عبد الله الدَّقَّاق، وجماعة كثيرة.
قال أبو زكريا يحيى بنُ عبد الوَهَّاب بن مَنْدَه: كان عمي سَيفًا على أهل البِدَع، وهو أكبر من أن يُثنيَ عليه مِثْلي، كان -والله- آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، وفي الغدوّ والآصال ذاكرًا، ولنفسه في المصالح قاهِرًا، أعقب الله مَنْ ذكره بالشر النَّدَامة، وكان عظيم الحِلْم، كثير العِلْم، قرأت عليه قَوْل شُعْبة: مَنْ كتبتُ عنه حديثًا فأنا له عَبْدٌ فقال: مَنْ كَتَبَ عني حديثًا فأنا له عبد.
وقال الدَّقَّاق في "رِسالته": أوَّل شيخٍ سمِعْتُ منه عبدُ الرَّحمن؛ فرزقَني الله ببركته وحُسْن نيته فَهْمَ الحديث، وكان جِذْعًا في أعين المُخَالفين، ولا يخاف في الله لومةَ لائم. قال: ووَصْفُه أكثر من أن يُحصى.
وذكر أبو بكر أحمد بن هبة الله اللوردجاني (١) أنه سمع أبا القاسم الزَّنْجَاني بمكَّة يقول: حَفِظَ الله الإِسلام برجلين: عبد الرحمن بن مَنْدَه، وعبد الله بن محمد الأنْصاري الهَرَوي.
وقال السَّمْعَاني: سمِعْتُ الحسن بن محمد بن الرِّضا العَلَوي يقول: سمعت خالي أبا طالب بن طَباطَبا يقول: كنت أَشْتِمُ أبدًا عبدَ الرَّحمن بنَ مَنْدَه، فرأيتُ عمر ﵁ [في المنام] (٢) ويده في
стр. 1425
يدِ رجلٍ عليه جُبَّة زرقاء، وفي عينيه نُكْتة، فسلَّمت عليه، فلم يرد على وقال: لِمَ تشتِم هذا إذا سمعت اسمه؟ ! نقيل لي: هذا أمير المؤمنين عمر، وهذا عبد الرحمن بن منده، فانتبهتُ، فأتيت أَصْبَهان، وقَصَدْتُ الشَّيخ عبد الرحمن، فلما دَخَلْتُ عليه صادفته على النَّعْت الذي رأيتُه في المنام، وعليه جُبَّة زرقاء، فلما سَلَّمت عليه قال. وعليك السَّلام يا أبا طالب! وقَبْلَها ما رآني ولا رأيتُه. فقال قبل أن أنطق: شيء حَرَّمه الله على رسوله يجوز لنا أن نحِلَّه؟ ! فقلت: اجعلني في حِلٍّ. [وناشدته الله، وقبَّلْت بين عينيه، فقال: جعلتك في حِلٍّ] (١) فيما يرجِعُ إليّ.
وقال السَّمْعَاني: سمِعْتُ إسماعيل بن محمد بن الفَضْل الحافظ يقول -وسألته عن عبد الرحمن بن منْدَه فتوقف ساعة فراجعته فقال- سمع الكثير، وخالف أباه في مسائل، وأعبرض عنه مشايخُ الوقت، وما تركني أبي أسمع منه، وكان أخوه خيرًا منه.
وقال صاعد بن سيَّار الهَرَوي: سمعت أبا إسماعيلٍ عبد الله بن محمدٍ الأنْصَاري يقول في عبد الرحمن بن مَنْدَه: كان مضرَّته في الإِسلام أكثَرَ من منفعته (٢).
ذكر يحيى بن مَنْدَه أن عمَّه عبد الرحمن مات في سادس عشر شوَّال سنةَ سبعين وأربع مئة، قال: وصلى عليه أبي، وشَيَّعه مَنْ لا يعلم عددهم إلّا الله.
стр. 1426
١٠٠١ - الكَتَّاني *
الحافظ، المتقِن، محدِّث دمشق، أبو محمد، عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي، التَّميمي، الدِّمَشْقي، الصُّوفي.
سمع الكثير، وجَمَع، وألَّف الوَفَيَات على السِّنين، ونسخ ما لا يوصف كثرةً.
وحدَّث عن: صدقة بن الدلم، صاحب أبي سعيد بن الأعْرَابي، وتَمَّام بن محمد الرَّازي، وأبي نَصْر بن هارون، وعبد الرحمن بن أبي نصر، وطبقتهم ببلده.
وسمع ببغداد من: أبي الحسن بن الحَمَّامي، وعلي بن أحمد بن داود الرزاز، وسمع بالمَوْصل ونَصِيبين ومَنْبج وغيرِها.
حدَّث عنه: الخطيب، والحُمَيدي، وأبو القاسم النَّسيب، وهِبة الله بن الأَكفَاني، وعبد الكريم بن حمزة، وأبو القاسم بن السَّمَرْقَنْدي، ويحيى بن علي القُرَشي القاضي، وآخرون.
مولده سنة تسعٍ وثمانين وثلاث مئة، وأول سماعه في سنة سبعٍ وأربع مئة.
стр. 1427
قال ابنُ ماكولا: كتب عني، وكتبت عنه، وهو مُكْثر متقِن (١).
وقال الخطيب في "فوائد النَّسيب" (٢): ثِقَة أمين.
ووصفه ابنُ الأَكْفاني بالصِّدْق والاستقامة، وسلامة المَذْهب، ودوام التِّلاوة.
قال: وحدَّثني أَنَّ شيخه أبا القاسم عبيد الله الأَزْهري سمع منه ببغداد، ودخلنا عليه في مَرَضِ مَوْته فقال: أنا أُشهدكم أني قد أَجَزْتُ لكلِّ من هو مولود الآن في الإسلام.
توفِّي في جُمَادى الآخرة سنةَ ستٍّ وستين وأربع مئة.
وقد حدَّث بهذه الإجازة محفوظ بن صَصْرَى التَّغْلبي، وغَيره، والله تعالى أعلم.
١٠٠٢ - الوَخْشِيُّ *
الحافظ، الجوَّال، أبو علي، الحسنُ بنُ علي بن محمد بن أحمد بن جعفر، البَلْخي، القَاضي.
стр. 1428
وَوَخْش: قَرْية من أعمال بَلْخ.
سمع أبا القاسم عليَّ بن أحمد الخُزَاعي ببَلْخ، وأبا بكر الحِيري بخُرَاسان، وأبا نُعيم الحافظ بأَصْبهان، وأبا عمر الهاشميِّ بالبَصْرة، وأبا عمر بن مَهْدي ببغداد، وتمَّامًا الرّازي بدمشق، وأبا محمد بن النَّحَّاس بمصر.
روى عنه: عمر بن محمد بن علي السَّرخسي، وعمر بن علي المَحْمودي، وطائفة.
وحدث عنه: الخَطيب -وهو من أقرانه- وسمع منه الحسن بن علي البَلْخي الحُسَيني "سُنَن أبي داود".
قال الحافظ عبد العزيز النّخْشَبي: كان الوَخْشي يُتَّهم بالقَدَر، وسُئِل عنه إسماعيل بن محمد التَّيمي فقال: حافِظ كبير.
وقال أبو سَعْد السَّمْعَاني: كان حافِظًا، فاضلًا، ثِقَةً، حَسنَ القِراءة، رحل إلى العِراق والجِبال والشَّام والثّغور ومِصْر، وذاكر الحُفَّاظ (١).
وقال يحيى بنُ مَنْدَه: قَدِمَ أَصْبَهان سنةَ سبع عشرة، ورحل منها سنةَ إحدى وأربعين، كثير السَّمَاع، قليل الرواية، أحد الحُفَّاظ، عارف بعلوم الحديث، خبير بأطراف من اللّغة والنَّحْو.
قال السَّمْعَاني: توفِّي في خامس ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وأربع مئة ببَلْخ، وله ستٌّ وثمانون سنة (٢).
стр. 1429
١٠٠٣ - الزَّنْجَاني *
الإمام، الحافظ، الثَّبْتُ، القُدْوة، أبو القاسم، سَعْد بنُ علي بن محمد بن علي بن الحسين، شيخ الحَرَم، وأحد أئمة الأثر.
ولد تقريبًا سنةَ ثمانين وثلاث مئة، وطلب وهو كبير.
سمع أبا عبد الله محمد بن الفَضْل بن نظيف الفَرَّاء، والحسين بن ميمون الصَّدَفي بمصر، وعليَّ بنَ سلامة بغَزَّة، ومحمد بن أبي عبيد بزَنْجَان، وعبد الرَّحمن بن ياسر الجَوبَري، وأبا القاسم بن الطُّبَيْز بدمشق، وطبقتهم.
حدَّث عنه: أبو بكر الخطيب -ومات قَبْلَه- وأبو المُظَفَّر منصور بن عبد الجَبَّار السَّمْعَاني، ومكِّي بن عبد السَّلام الرُّمَيلي، وهِبة الله بن فاخر، ومحمد بن طاهر المَقْدسي، وعبد المُنْعم بن أبي القاسم القُشَيري، وآخرون.
وله قصيدة حَسَنة في السُّنَّة (١)، وكان يَذُمُّ أهل الكلام والأهواء.
قال أبو سَعْد السَّمْعَاني: طاف الآفاق، ثم جاور، وصار شَيخَ الحَرَم، وكان حافِظًا، متقِنًا، ورِعًا، كثير العبادة، صاحب كرمات وآيات.
стр. 1430
قال: وكان إذا خَرَجَ إلى الحرم يخلو المطاف، ويقبِّلون يَدَه أكثر مما يقبلون الحجر الأسود، سمعت إسماعيل بن محمد بن الفَضْل الحافظ يقول ذلك (١).
وقال أبو إسحاق الحَبَّال: كان عندنا سَعْد بن علي، ولم يكن على وجه الأرض مثله في عَصْره.
وقال محمد بن طاهر الحافظ: ما رأيتُ مثل الزَّنْجَاني.
وسُئِلَ عَنه إسماعيل التَّيمي الحافظ فقال: إمام كبير، عارف بالسُّنَّة.
وقال الإمام أبو الحسن الكَرَجي (٢): سألتُ ابنَ طاهر عن أفضل مَنْ رأَى؟ فقال: سَعْد الزَّنْجاني وعبد الله بن محمد الأَنْصَاري. قلت: فأيهما أفضل؟ فقال: عبد الله كان متفنِّنًا (٣) وأما الزَّنْجَاني فكان أعرفَ بالحديث منه، وذلك أني كنت أقرأ على عبد الله فأترك شيئًا لأجرّبه ففي بعض يرُدُّ، وفي بعضٍ يسكت، والزَّنْجَاني كنت إذا تركت اسم رجلٍ يقول: تركتَ بين فلانٍ وفلانٍ فلانًا.
قال أبو سَعْد السَّمْعَاني: صَدَق، كان سَعْدٌ أعرفَ بحديثه لقِلَّته، وعبد الله كان مُكْثرًا.
وقال ابنُ طاهر: لما عَزَمَ سعدٌ على المجاورة عَزَمَ على نيّف وعشرين خَصْلة أن يفعلها من العِبَادات، فبقي أربعين سنة ولم يخلَّ
стр. 1431
بواحدةٍ (١)، وكان يُملي الحديث بمكَّة، ولم يكن غيره يملي بها حين حكم المِصْريون على مكَّة، وإنما كان يملي سِرًّا في بيته.
قال ابنُ طاهر: وَدَخَلْتُ على الشَّيخ سعد وأنا ضيِّق الصَّدْر من رجل شِيرازي، فقبَّلْت يده، فقال لي ابتداء: يا أبا الفضل، لا تُضيِّق صدرك، عندنا في بلاد العَجَم مَثَلٌ يُضرب يقال: بُخْلُ أَهْوازي، وحَمَاقة شِيرازي، وكَثْرة كلام رازي. ودخلتُ عليه في أوَّل سنة سبعين لما عَزَمْتُ على الخروج إلى العِراق أودّعه، ولم يكن عنده خبر من عزمي فقال: أراحلون فنبكي أم مقيمونا؟
فقلت: ما أمَرَ الشيخ لا نتعدَّاه. فقال: على ما عزمت؟ قلت: أريد أن ألحق مشايخ خُراسان. فقال: تدخل خراسان وتبقى بها، وتفوتك مِصْر وتبقى في قلبك؟ ! فاخرجْ إليها، واخرجْ منها إلى العراق وخُرَاسان، ففعلتُ، وكان في ذلك البركة.
وسمِعْتُه يقول، وقد جَرَى ذِكْرُ "الصَّحيح" الذي خَرَّجه أبو ذَرّ الهَرَوي فقال: فيه عن أبي مسلم الكاتب، وليس من شَرْط "الصَّحيح".
وقال السَّمْعَاني: سمِعْتُ بعضَ مشايخي يقول: كان جَدُّك أبو المُظَفَّر عَزَمَ على أن يجاور بمكَّة في صحبة سعدٍ الإمام، فرأى ليلةً والدَته كأنها كشفت رأْسَها تقول: يا بُنيَّ، بحقِّي عليك إلّا ما رجعت إلى مَرْو، فإني لا أُطيق فِراقَك. فانبتهت مغمومًا، وقلت: أُشاور سَعْد بن علي. فأتَيتُه، ولم أقدر من الزِّحام أن أكلِّمَه، فلما قام تَبِعْتُه، فالتفت إليَّ وقال: يا أبا المُظَفَّر، العجوز تنتظرك. ودخل البيت، فعرفت أنه تكلم على ضميري، فرجعت تلك السَّنَة.
стр. 1432
وقد رُوي عن ثابت بن أحمد قال: رأيت أبا القاسم الزَّنْجَاني في النَّوْم فقال لي مَرَّتين: إن الله يبني لأهل الحديث بكلِّ مجلسِ يجلسونه بيتًا في الجَنَّة.
ماتَ الزَّنْجاني في أَوَّل سنة إحدى وسبعين وأربع مئة. أو في آخر التي قبلها، وله تسعون سنة ﵀.
وقد مات في سنة إحدى وسبعين جماعة منهم: عالم بَغْداد الفقيه أبو علي الحسن بن أحمد بن البَنَّا الحَنْبَلي، صاحب التَّصَانيف. ومسنِدُ بغداد أبو منصور عَبْدُ الباقي بن محمد بن غالب الأزَجي، العَطَّار، وكيل الخليفة، وله سَبْعٌ وثمانون سنة. ومسند بغداد أيضًا أبو القاسم عبد العزيز بن عليّ الأنْمَاطي، ابن بنت السُّكَّري، وله ثلاث وثمانون سنة، وقد رويا (١) عن المُخَلِّص. ومسنِد هَرَاة أبو عاصم الفُضَيل بن يحيى الفُضَيلي الهَرَوي. وشيخ العربية أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجُرْجَاني. وعالم هَمَذَان أبو الفَضْل محمد بن عثمان بن زِيرَك القُومَسَاني. ومسند مرو أبو الخير محمد بن أبي عِمْران موسى بن عبد الله الصَّفَّار، راوي "الصَّحيح" عن الكُشْمِيهَني.
١٠٠٤ - البَاجِيُّ *
الحافظ، العلَّامة، صاحب التَّصانيف، أبو الوليد، سُليمان بن
стр. 1433
خَلَف بن سعْد (١) بن أيوب بن وَارث، التُّجِيبي، القُرْطُبي، الذَّهبي.
أصْلُه من مدينة بَطَلْيَوْس، وانتقل جَدُّه إلى مدينة بَاجَة التي بقرب إِشْبيلية، فَنُسب إليها، وقيل هو من باجة القَيروان التي ينسب إليها أبو محمد البَاجي الحافظ (٢).
ولد سنةَ ثلاثٍ وأربع مئة.
وحمل عن: يونس بن عبد الله القاضي، ومكِّي بن أبي طالب، وأبي بكر محمد بن الحسن بن عبد الوارث.
وارتحل سنة ستٍّ وعشرين، فحجَّ، وجاور ثلاثة أعوام، ولازم أبا ذَرَ الهَرَوي، وكان يسافر معه إلى سَراة بني شَبَابه، ويخدمه، ثم رحل إلى بغداد ودمشق ففاته أبو القاسم بن بِشْران.
стр. 1434
وسمع أبا القاسم بن الطُّبَيز، وعلي بن موسى السِّمْسَار، والسَّكَن بن جُميع الصَّيدَاوي، وأبا طالب عمر بن إبراهيم الزُّهري، وأبا طالب بن غَيلان، وأبا القاسم الأَزْهري، ومحمد بن علي الصُّوري، وطبقتهم.
وتفقه بالقاضي أبي الطيِّب الطَّبَري، والقاضي أبي عبد الله الحسين الصَّيْمَري، وأبي الفَضْل بن عَمْروس المالكي.
وأقام بالمَوْصل سنةً على أبي جعفر السِّمْنَاني يأخذ عنه عِلْم الكلام، ورجع إلى الأندلس بعد ثلاثة عشر عامًا.
روى عنه: ابن عبد البَرّ، والخطيب -وهما أكبر منه- والحُمَيدي، وأبو علي الصَّدَفي، وأبو بكر الطُّرْطُوشي، وأبو علي بن سهل السَّبْتي، وأبو بحر سُفْيان بن العاص، وابنه الإِمام أبو القاسم أحمد بن أبي الوليد، وخَلْق سواهم.
ذكره ابن الدَّبَّاغ في الطبقة الحادية عشرة من الحُفَّاظ.
وقال أبو علي بن سكَّرة: ما رأيت مِثْلَ أبي الوليد البَاجي، وما رأيت أحدًا على سَمْته وهيئته وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قَدِمَ ولده أبو القاسم فسرتُ معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشَّامي، فقلتُ له: أدامَ الله عِزَّك، هذا ابنُ شيخ الأندلس. فقال: لعَلّه ابن الباجي؟ فقلت: نعم. فأقبل عليه (١).
وقال القاضي عياض: أجَرَ أبو الوليد الباجي نفسه ببغداد لحراسة
стр. 1435
دَرْب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرِبُ ورق الذَّهب للغَزْل، ويعقد الوثائق. قال لي أصحابه: كان يخرج إلينا للإِقراء وفي يده أثرُ المِطْرَقة، إلى أن فَشَا عِلْمُه، وهَيَّتتِ الدُّنيا به (١)، وعَظُم جاهُه، وأُجزلت صِلاتُه، حتى مات عن مالٍ وافر، وكان يستعمله الأعيان في ترسُّلهم، ويقبل جوائزَهم، ولي القضاء بمواضع من الأندلس، وصنَّف كتاب "المُنْتَقى في الفِقْه" (٢)، وكتاب "المَعَاني في شرْح المُوَطَّأ"، وكتاب في "الجَرْح والتَّعْديل"، وكتاب "التَّسْديد إلى مَعْرفة التَّوْحيد"، وكتاب "الإِشارة في أُصول الفِقْه"، وكتاب "إحكام الفُصُول في أَحْكَام الأُصول"، وكتاب "الحُدُود"، وكتاب "شرح المِنْهاج"، وكتاب "سُنن الصَّالحين وسُنن العابدين"، وكتاب "سُبُل المُهْتدين"، وكتاب "فِرَق الفُقَهاء"، وكتاب "التَّفْسير" لم يتمه، وكتاب "سُنن المِنْهاج وترتيب الحجاج" (٣).
وقال أبو نَصْر بن ماكُولا: وذو الوزَارتين، القاضي الإِمام أبو الوليد الباجي من باجة الأندلس، متكلِّم فقيه أديب شَاعر، رحل إلى المَشْرق وسمع بمكة من أبي ذَرّ الهَرَوي، وبالعِراق من البَرْمَكي وطبقتِه، ودرس الكلام على القاضي السِّمْنَاني، وتفقَّه على الشيخ أبي إسحاق الشِّيرَازي، ورجع إلى الأندلس فروى، ودرَّس وألفَ، قرأتُ عليه كتاب
стр. 1436
"التمييز" (١) لِمُسْلم عن أبي ذَرّ الهَرَوي، وحضرت مجالسه، وكان جليلًا، رفيع القدر والخَطَر (٢).
وقال القاضي عِياض: كَثرَتْ القَالة في أبي الوليد لمداخَلَتِه للرؤساء، ووليَ قَضَاء أماكن تصغرُ عن قَدْره كأُورِيُولة (٣)، فكان يبعث إليها خُلَفاءه، وربما أتاها المَرَّة ونحوَها، وكان في أوَّل أمره مُقِلًا حتى احتاج في سفره إلى القصد بشِعْره، وإيجار نفسه مُدّة مُقَامه ببغداد -فيما سَمِعْتُه مستفيضًا- لحراسة دربٍ، وقد جَمَع ابنه شِعْره، وكان ابتدأَ بكتاب "الاستيفاء" في الفِقْه، لم يضعْ منه سوى كتاب الطَّهارة في مجلَّدات. قال: ولما قَدِم الأَندلس وجد لكلام ابن حَزْم طُلاوة إلّا أنه كان خارجًا عن المَذْهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلِمْه، فَقَصُرَتْ ألسنةُ الفُقَهاء عن مجادلته وكلامه، واتَّبَعه على رأيه جماعة من أهل الجهل، وحل بجزيرة مَيُورْقَة (٤) فرأس فيها، واتَّبعه أهلُها، فلما قَدِمَ أبو الوليد كلَّموه في ذلك، فدخل إليه (٥) وناظره، وشَهَّر باطله، وله مَعَه مجالس كثيرة، ولما تكلَّم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحُدَيبِية الذي في "صحيح" البخاري (٦)، قال بظاهر لَفْظه، فأنكر عليه الفَقيه
стр. 1437
أبو بكر بن الصَّائغ، وكفَّره بإجازة الكَتْبِ على رسول الله ﷺ النبيِّ الأُمّي، وأنه تكذيبٌ للقُرْآن، فتكلَّم في ذلك مَنْ لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفِتْنة، وقَبَّحوا عند العامَّة ما آتى به، وتكلَّم به خطباؤهم في الجُمَع، وقال شاعِرُهم:
برِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بآخِرَةٍ ... وقَال إنَّ رسولَ الله قَدْ كَتَبَا
فصنَّف أبو الوليد رسالة [بَيَّنَ] (١) فيها أن ذلك غير قادح في المُعْجزة، فرجع بها جماعة (٢).
قال ابن سُكَّرة: مات بالمَرِيَّة في تاسع عشر رجب سنةَ أربعٍ وسبعين وأربع مئة (٣).
وفيها: مات المقرئ أبو محمد أحمد بن عليّ بن الحسن بن أبي عُثْمان الدَّقَّاق، أخو أبي الغَنَائم. والمعمر أبو بكر أحمد بن هِبَة الله بن محمد بن صَدَقة الرَّحبي الدَّبَّاس، وله مِئَة وأربعُ سنين، وكان يذكر أن أُصوله على ابن سمعون والمُخَلِّص ذهبتْ في النَّهب. ومسندِ العراق أبو القاسم عليُّ بن أحمد بن محمد بن البُسْري البُنْدَار.
стр. 1438
وعالم المالكية أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن العجوز الكُتَامي السَّبْتي. ومحدِّث نَيسَابور المفيد أبو بكر محمد بن أبي زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد المُزَكِّي النَّيسَابوري، وكان يروي عن خمسين من أصحاب الأَصَمّ.
١٠٠٥ - شَيخُ الإسْلام *
الإمام، الحافظ، الزَّاهد، أبو إسماعيل، عبد الله بنُ محمد بن عليّ بن محمد بن أحمد بن علي بن جعفر بن منصور بن متّ، الأَنْصَاري، الهَرَوي، من ذرِّيَّة أبي أيوب الأنْصاري، ﵁.
وله سنةَ ست وتسعين وثلاث مئة (١).
وسمع أبا منصور محمد بن محمد الأزْدي، والحافظ أبا الفَضْل محمد بن أحمد الجَارُودي، وأحمد بن علي بن مَنْجويه الأصْبَهاني الحافظ، وأبا سعيد محمد بن موسى الصَّيرَفي [وأبا منصور أحمد بن أبي العلاء، ويحيى بن عمَّار السِّجِسْتَاني، ومحمد بن جبريل
стр. 1439
المَاحي] (١) وعليَّ بن محمد بن محمد الطِّرَازِي، وأحمد بن محمد السَّلِيطي، والقاضي أبا بكر الحِيري، ولم يحدِّث عنه، وأكثر عن أبي يعقوب القَرَّاب وطبقته. وسمع "جامع" التِّرْمِذِي من عبد الجبار بن محمد الجَرَّاحي.
حدث عنه: المُؤْتَمن الساجي، وابن طاهر المَقْدسي، وعبد الله بن أحمد بن السَّمَرْقَنْدي، وعبد الصَّبور بن عبد السَّلام الهَرَوي، وعبد الملك الكَرُوخي، وحَنْبَل بن علي البُخَاري، وأبوالفتح محمد بن إسماعيل الفَامي، وأبو الوقت عبد الأوَّل بن عيسى السِّجْزي، وغيرهم، وآخر مَنْ روى عنه بالإِجازة أبو الفتح نَصْر بن سَيَّار.
وله مُصَنَّفَات عِدَّة منها: كتاب "الفاروق في الصِّفات" وكتاب "ذَمّ الكلام وأهله" (٢)، وكتاب "منازل السَّائرين" (٣) و"مناقب الإمام أحمد بن حنبل".
وكان سَيفًا مسلولًا على المخالفين، وجِذْعًا في أعين المتكلِّمين، ومناقبُه كثيرة، وقد امْتحِن غَيرَ مَرَّة.
стр. 1440
قال ابنُ طاهر: سمِعْتُه يقول بهَرَاة: عُرِضتُ على السَّيف خمس مَرَّات، لا يقال لي: ارجعْ عن مَذْهبك، لكنْ يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت.
وسمِعْتُه يقول: أحْفَظَ اثني عشر ألفَ حديثٍ أسرُدها سَرْدًا.
قال أبو النَّضْر الفامي: كان أبو إسماعيل بِكْر الزّمان، وواسِطَة عِقْد المعاني، وصورةَ الإقبال في فنون الفضائل وأنواع المحاسن، منها نُصْرة الدين والسُّنَّة من غير مُدَاهنة ولا مراقبة لسُلْطان، ولا وزير، وقد قاسى بذلك قصدَ الحُسَّاد في كل وقت، وسَعَوْا في رُوحه مرارًا، وعَمَدُوا إلى إهلاكه أطوارًا، فوقاه الله شَرَّهم، وجعل قَصْدهم أقوى سببٍ لارتفاع شأنه.
وقال أبو الوقت عبد الأوَّل: دَخلْتُ نَيسَابور، وحضرت عند الأستاذ أبي المعالي الجُويني، فقال: مَنْ أنت؟ قلت: خادم الشيخ أبي إسماعيل الأَنْصَاري، فقال: ﵁.
وقال ابنُ السّمْعَاني: سألْتُ إسماعيل الحافظ عن عبد الله بن محمد الأنصاري، فقال: إمام حافظ.
وقال شيخنا العلَّامة أبو العَبَّاس (١): هو إمام في الحديث والتّصوف والتَّفسير، وهو في الفِقْه على مَذْهب أهل الحديث، يُعَظِّم الشافعي وأحمد ويَقْرُن بينهما، وفي أجوبته في الفِقْه ما يوافق قَوْلَ الشَّافعي تارة، وقول أحمد أخرى، والغالب عليه اتِّباع الحديث على طريقة ابنِ المُبَارك ونحوه.