"التمييز" (١) لِمُسْلم عن أبي ذَرّ الهَرَوي، وحضرت مجالسه، وكان جليلًا، رفيع القدر والخَطَر (٢).
وقال القاضي عِياض: كَثرَتْ القَالة في أبي الوليد لمداخَلَتِه للرؤساء، ووليَ قَضَاء أماكن تصغرُ عن قَدْره كأُورِيُولة (٣)، فكان يبعث إليها خُلَفاءه، وربما أتاها المَرَّة ونحوَها، وكان في أوَّل أمره مُقِلًا حتى احتاج في سفره إلى القصد بشِعْره، وإيجار نفسه مُدّة مُقَامه ببغداد -فيما سَمِعْتُه مستفيضًا- لحراسة دربٍ، وقد جَمَع ابنه شِعْره، وكان ابتدأَ بكتاب "الاستيفاء" في الفِقْه، لم يضعْ منه سوى كتاب الطَّهارة في مجلَّدات. قال: ولما قَدِم الأَندلس وجد لكلام ابن حَزْم طُلاوة إلّا أنه كان خارجًا عن المَذْهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلِمْه، فَقَصُرَتْ ألسنةُ الفُقَهاء عن مجادلته وكلامه، واتَّبَعه على رأيه جماعة من أهل الجهل، وحل بجزيرة مَيُورْقَة (٤) فرأس فيها، واتَّبعه أهلُها، فلما قَدِمَ أبو الوليد كلَّموه في ذلك، فدخل إليه (٥) وناظره، وشَهَّر باطله، وله مَعَه مجالس كثيرة، ولما تكلَّم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحُدَيبِية الذي في "صحيح" البخاري (٦)، قال بظاهر لَفْظه، فأنكر عليه الفَقيه
стр. 1437
أبو بكر بن الصَّائغ، وكفَّره بإجازة الكَتْبِ على رسول الله ﷺ النبيِّ الأُمّي، وأنه تكذيبٌ للقُرْآن، فتكلَّم في ذلك مَنْ لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفِتْنة، وقَبَّحوا عند العامَّة ما آتى به، وتكلَّم به خطباؤهم في الجُمَع، وقال شاعِرُهم:
برِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بآخِرَةٍ ... وقَال إنَّ رسولَ الله قَدْ كَتَبَا
فصنَّف أبو الوليد رسالة [بَيَّنَ] (١) فيها أن ذلك غير قادح في المُعْجزة، فرجع بها جماعة (٢).
قال ابن سُكَّرة: مات بالمَرِيَّة في تاسع عشر رجب سنةَ أربعٍ وسبعين وأربع مئة (٣).
وفيها: مات المقرئ أبو محمد أحمد بن عليّ بن الحسن بن أبي عُثْمان الدَّقَّاق، أخو أبي الغَنَائم. والمعمر أبو بكر أحمد بن هِبَة الله بن محمد بن صَدَقة الرَّحبي الدَّبَّاس، وله مِئَة وأربعُ سنين، وكان يذكر أن أُصوله على ابن سمعون والمُخَلِّص ذهبتْ في النَّهب. ومسندِ العراق أبو القاسم عليُّ بن أحمد بن محمد بن البُسْري البُنْدَار.
стр. 1438
وعالم المالكية أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن العجوز الكُتَامي السَّبْتي. ومحدِّث نَيسَابور المفيد أبو بكر محمد بن أبي زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد المُزَكِّي النَّيسَابوري، وكان يروي عن خمسين من أصحاب الأَصَمّ.
١٠٠٥ - شَيخُ الإسْلام *
الإمام، الحافظ، الزَّاهد، أبو إسماعيل، عبد الله بنُ محمد بن عليّ بن محمد بن أحمد بن علي بن جعفر بن منصور بن متّ، الأَنْصَاري، الهَرَوي، من ذرِّيَّة أبي أيوب الأنْصاري، ﵁.
وله سنةَ ست وتسعين وثلاث مئة (١).
وسمع أبا منصور محمد بن محمد الأزْدي، والحافظ أبا الفَضْل محمد بن أحمد الجَارُودي، وأحمد بن علي بن مَنْجويه الأصْبَهاني الحافظ، وأبا سعيد محمد بن موسى الصَّيرَفي [وأبا منصور أحمد بن أبي العلاء، ويحيى بن عمَّار السِّجِسْتَاني، ومحمد بن جبريل
стр. 1439
المَاحي] (١) وعليَّ بن محمد بن محمد الطِّرَازِي، وأحمد بن محمد السَّلِيطي، والقاضي أبا بكر الحِيري، ولم يحدِّث عنه، وأكثر عن أبي يعقوب القَرَّاب وطبقته. وسمع "جامع" التِّرْمِذِي من عبد الجبار بن محمد الجَرَّاحي.
حدث عنه: المُؤْتَمن الساجي، وابن طاهر المَقْدسي، وعبد الله بن أحمد بن السَّمَرْقَنْدي، وعبد الصَّبور بن عبد السَّلام الهَرَوي، وعبد الملك الكَرُوخي، وحَنْبَل بن علي البُخَاري، وأبوالفتح محمد بن إسماعيل الفَامي، وأبو الوقت عبد الأوَّل بن عيسى السِّجْزي، وغيرهم، وآخر مَنْ روى عنه بالإِجازة أبو الفتح نَصْر بن سَيَّار.
وله مُصَنَّفَات عِدَّة منها: كتاب "الفاروق في الصِّفات" وكتاب "ذَمّ الكلام وأهله" (٢)، وكتاب "منازل السَّائرين" (٣) و"مناقب الإمام أحمد بن حنبل".
وكان سَيفًا مسلولًا على المخالفين، وجِذْعًا في أعين المتكلِّمين، ومناقبُه كثيرة، وقد امْتحِن غَيرَ مَرَّة.
стр. 1440
قال ابنُ طاهر: سمِعْتُه يقول بهَرَاة: عُرِضتُ على السَّيف خمس مَرَّات، لا يقال لي: ارجعْ عن مَذْهبك، لكنْ يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت.
وسمِعْتُه يقول: أحْفَظَ اثني عشر ألفَ حديثٍ أسرُدها سَرْدًا.
قال أبو النَّضْر الفامي: كان أبو إسماعيل بِكْر الزّمان، وواسِطَة عِقْد المعاني، وصورةَ الإقبال في فنون الفضائل وأنواع المحاسن، منها نُصْرة الدين والسُّنَّة من غير مُدَاهنة ولا مراقبة لسُلْطان، ولا وزير، وقد قاسى بذلك قصدَ الحُسَّاد في كل وقت، وسَعَوْا في رُوحه مرارًا، وعَمَدُوا إلى إهلاكه أطوارًا، فوقاه الله شَرَّهم، وجعل قَصْدهم أقوى سببٍ لارتفاع شأنه.
وقال أبو الوقت عبد الأوَّل: دَخلْتُ نَيسَابور، وحضرت عند الأستاذ أبي المعالي الجُويني، فقال: مَنْ أنت؟ قلت: خادم الشيخ أبي إسماعيل الأَنْصَاري، فقال: ﵁.
وقال ابنُ السّمْعَاني: سألْتُ إسماعيل الحافظ عن عبد الله بن محمد الأنصاري، فقال: إمام حافظ.
وقال شيخنا العلَّامة أبو العَبَّاس (١): هو إمام في الحديث والتّصوف والتَّفسير، وهو في الفِقْه على مَذْهب أهل الحديث، يُعَظِّم الشافعي وأحمد ويَقْرُن بينهما، وفي أجوبته في الفِقْه ما يوافق قَوْلَ الشَّافعي تارة، وقول أحمد أخرى، والغالب عليه اتِّباع الحديث على طريقة ابنِ المُبَارك ونحوه.
стр. 1441
وقال عبد الغافر بن إسماعيل: كان على حَظٍّ تامٍّ من معرفة العربية والحديث والتَّواريخ والأنْساب، إمامًا كاملًا في التَّفسير، حسنَ السِّيرة في التصوف، غيرَ مشتغلٍ بكسب، مكتفيًا بما يباسط به المريدين والأتباع من أهل مجلسه في العام مرة أو مَرّتين على رأس الملأ، فيحصل على ألوف من الدَّنَانير وأعدادٍ من الثِّيَاب والحُلِيِّ، فيأخذها، ويفرِّقها على اللَّحَّام والخَبَّاز، وينفِق منها، ولا يأخذ من السَّلاطين ولا من أَرْكان الدَّوْلة شيئًا، وقَلَّما يُراعيهم (١)، ولا يدخل عليهم، ولا يبالي بهم، فبقي عزيزًا مقبولًا قَبولًا أَتمّ من الملك، مُطاعَ الأمر نحوًا من ستين سنة من غير مزاحمةٍ، وكان إذا حَضَر المجلس لَبِسَ الثِّياب الفَاخرة، وركب الدَّوابّ الثمينة، ويقول: إنما أفعل هذا إعزازًا للدِّين، ورَغْمًا لأعدائه، حتى ينظروا إلى عِزّتي وتجمُّلي فيرغبوا في الإسلام، ثم إذا انصرف إلى بيته عاد إلى المُرَقَّعَة (٢) والقعود [مع الصُّوفية] (٣) في الخانقاه (٤) يأكل معهم، ولا يتميز بحال، وعنه أخذ أهلُ هَرَاة التبكيرَ بالفجر، وتسميةَ أولادهم -في الأغلب- بعبدٍ المضاف إلى أسماء الله.
وقال أبو سَعْد السَّمْعَاني: كان مُظْهِرًا للسُّنَّة، داعيًا إليها، محرِّضًا عليها، وكان مُكْتفيًا بما يباسط به المريدين، ما كان يأخذ من الظَّلَمَةِ شيئًا، وما كان يتعدَّى إطلاق ما وَرَدَ في الظَّواهر من الكتاب والسُّنَّة،
стр. 1442
معتقدًا ما صَحَّ، غيرَ مُصَرِّح بما يقتضيه تشبيه. وقال: مَنْ لم ير مجلسي وتذكيري، وطعن فيّ فهو مني في حِلٍّ.
وقال السِّلَفي: سألت المؤتَمن عن أبي إسماعيل الأَنْصاري فقال: كان آيةً في لسان التذكير والتَّصوف، من سلاطين العُلَماء، سمع ببغداد من أبي محمد الخَلَّال وغيرِه، يروي في مجالسه أحاديثَ بالأسانيد، وينهى عن تعليقها عنه، وكان بارعًا في اللُّغة، حافظًا للحديث، قرأت عليه كتاب "ذم الكلام"، وقد روى فيه حديثًا عن علي بن بُشْرى عن أبي عبد الله بن مَنْدَه عن إبراهيم بن مرزوق، فقلت له: هذا هكذا؟ قال: نعم، وإبراهيم هوشيخ الأَصَمّ وطبقته، وهو إلى الآن في كتابه على الخطأ (١).
قال المُؤْتمن: وكان يَدْخُل على الأمراء والجبابرة فما يُبالي بهم، ويرى الغريب من المحدِّثين فيبالغ في إكرامه، قال لي مَرَّة: هذا الشَّأْن شأنُ مَنْ ليس له شأن سوى هذا الشأن -يعني طلب الحديث- وسمعته يقول: تركت الحِيريَّ لله (٢). قال: وإنما تركَهُ؛ لأنه سمع منه شيئًا يخالف السُّنَّة (٣).
стр. 1443
وقال ابنُ طاهر: سمعت أبا إسماعيل يقول: إذا ذكرتُ التَّفْسير، فإنما أذكره من مئة وسبعة تفاسير. وسمعته ينشد على مِنْبره:
أنا حَنْبليٌّ ما حييتُ وإنْ أَمُت ... فوصيَّتي للنَّاس أَنْ يتَحَنْبَلُوا
قال ابنُ طاهر: حكى لي أصحابنا أن السُّلْطان ألب أرْسْلان قَدِمَ هَرَاة ومعه وزيره نظامُ الملك، فاجتمع إليه أئمة الفَريقين: الحنفِيّة والشافعية للشَّكْوى من الأَنْصَاري، ومطالبته بالمُنَاظرة، فاستدعاه الوزير، فلمَّا حَضَر قال: إنّ هؤلاء قد اجتمعوا لمناظرتك، فإن يكن الحقُّ معك رجعوا إلى مَذْهبك، وإن يكن الحق معهم؛ إمَّا أن ترجع أو تسكت عنهم. فقام الأَنْصاري وقال: أُناظر على ما في كُمِّي. قال: وما في كُمِّك؟ قال: كتاب الله -وأشار إلى كمه اليمين- وسُنَّة رسول الله- وأشار إلى كُمِّه اليسار، وكان فيه "الصّحيحان"- فنظر الوزير إليهم؛ مُسْتفهمًا لهم، فلم يكن فيهم مَنْ ناظره من هذا الطّريق.
وسمعت أحمد بن أميرجه؛ خادم الأنصاري يقول: حَضَرْتُ مع الشَّيخ للسَّلام على الوزير نظام الملك، وكان أصحابنا كلَّفوه الخروجَ إليه، وذلك بعد المِحْنة ورجوعه من بلْخ (١). قال: فلما دخل عليه أكرَمَه وبجَّلَه، وكان هناك أئمة من الفريقين، فاتَّفقوا على أن يسألوه بين يدي الوزير، فقال العلوي الدَّبُّوسي: يأذن الشيخ الإمام أن أسأل؟ قال: سَلْ. قال: لِمَ تلعن أبا الحسن الأشْعَري؟ فسكتَ، وأطرق الوزير، فلما كان بعد ساعةٍ قال له الوزير: أَجِبْه. فقال: لا أعرف أبا الحسن، وإنما ألعن
стр. 1444
من يعتقد أن الله في السَّمَاء، وأن القرْآن في المُصْحف، ومن اعتقد أن النبيَّ اليوم ليس بنبيٍّ. ثم قام فانصرف، فلم يمكِّن أحدًا أن يتكلَّم من هَيبته. فقال الوزير للسَّائل: هذا أردتم، أن نسمع ما كان يذكره بهَرَاة بآذاننا، وما عسى أن أفعل به؟ ثم بعث إليه بصِلة وخِلَع، فلم يقبلْها، وسار من فَوْره إلى هَرَاة.
قال: وسمِعْتُ أصحابنا بهَرَاة يقولون: لما قَدِمَ السلْطَان ألب أرسلان هَرَاة في بعض قَدْماته اجتمع مشايخُ البلد ورؤساؤه، ودَخَلوا على أبي إسماعيل، وسَلَّموا عليه، وقالوا: ورَدَ السُّلْطان ونحن على عَزْم أن نخرج ونسلِّمَ عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسَّلام عليك. وكانوا قد تواطؤوا على أن حملوا معهم صنمًا صغيرًا من نحاسٍ، وجعلوه في المِحراب تحت سَجَّادة الشيخ، وخرجوا. وقام الشيخ إلى خَلْوته، ودخلوا على السُّلْطان، واستغاثوا من الأنصاري، وأنه مُجَسِّمٌ، وأنه يترك في مِحْرابه صنمًا يزعم أن الله على صورته، وإن بعث الآن السُّلطان يجده. فعَظُمَ ذلك على السُّلْطان، وبعث غلامًا ومعه جماعة، فدخلوا الدَّار، وقصدوا المِحْراب، فأخذوا الصَّنم، ورجع الغلامُ بالصَّنم، فألقاه، فبعث السُّلْطان مَنْ أحضر الأَنْصَاري، فأتى فرأى الصَّنَم والعُلَماء، والسُّلْطان قد اشتدَّ غضبه، فقال السلطان له: ما هذا؟ قال: صنم يُعمل من الصُّفْر (١) شبه اللُّعبة. قال: لست عن ذا أسأَلُك. قال: فَعَمَّ يسالني السُّلْطان؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبدُ هذا، وأنك تقول: إن الله على صُورته. فقال الأنْصَاري بصَوْلةٍ وصوتٍ جَهْوَريٍّ: سبحانك! هذا بُهْتان عظيم. فوقع في قلب السُّلطان أنهم كذبوا عليه، فأمر به فأُخرج إلى داره
стр. 1445
مُكَرَّمًا، وقال لهم: اصدقوني. وهدَّدَهم، فقالوا: نحن في يد هذا الرَّجل في بلِيَّة من استيلائه علينا بالعَامّة، فاردنا أن نقطع شَرَّه عنا. فأمر بهم، ووكّل بكلّ واحد منهم، وصادرهم وأهانهم.
قال أبو النَّضْر الفَامي: توفِّي أبو إسماعيل في ذي الحِجَّة سنةَ إحدى وثمانين وأربع مئة، وقد جاوز أربعًا وثمانين سنة (١).
وقد أنكر شيخُنا العَلَّامة أبو العَبَّاس وغَيرُه على أبي إسماعيل أشياء في "منازل السَّائرين"، والله ولي التوفيق.
وقد مات مَعَه في سنةِ إحدى وثمانين راوي "جامع" الترْمِذِي، أبو بكر أحمد بن عبد الصمد الغُوْرَجي، الهَرَوي. ومسنِدُ خرَاسان أبو عمرو عثمان بن محمد بن عبيد الله المَحْمِي، المُزَكي. ومسنِدُ أَصْبَهان أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن ماجة الأبْهَري.
١٠٠٦ - الحَبَّال *
الإِمام، الحافظ، المُتْقن، محدِّث مِصْر، أبو إسحاق، إبراهيم بن سعيد بن عبد الله، النُّعْماني مولاهم، التُّجِيبي، ابن أبي الطَّيِّب الفرَّاء، الكُتُبي، الوَرَّاق، المِصْري.
стр. 1446
ولد سنةَ إحدى وتسعين وثلاث مئة.
وسمع من: أحمد بن عبد العزيز بن ثَرْثَال (١)؛ صاحب المَحَاملي، ومن عبد الغني بن سعيد، وعبد الرحمن بن عمر النَّحَّاس، ومحمد بن أحمد بن شاكر القَطَّان، وأحمد بن محمد بن الحاجّ الإشْبيلي، ومنير بن [أحمد] (٢) الخَشَّاب، وأبي عبد الله بن نَظِيف، ومحمد بن محمد النَّيسَابوري؛ صاحب الأَصَمّ، وخلْق سواهم.
وجمع لنفسه أشياء، منها: عوالي ابن عُيينة، وكان يتَّجِرُ في الكُتُب، فحصل عنده من الأصول والأجزاء ما لا يوصف كثرة.
روى عنه: الحُمَيدي، وابن ماكولا، وإبراهيم بن الحسن العَلَوي النَّقيب، وأبو الفتح سُلْطان بن إبراهيم المَقْدسي، وأبو بكر محمد بن عبد الباقي قاضي المَرَسْتان، وخَلْق.
وروى عنه بالإجازة: الخَطِيب، وأبو علي الصَّدَفي، وابن الأَكْفَاني، وإسماعيل بن السَّمَرْقَنْدي، وجماعة؛ آخرهم محمد بن ناصر الحافظ.
وكان الباطنية المِصْريون قد منعوه من التحديث، وآذوه، فلم ينتشر حديثُه.
قال الخطيب: حدَّثني عنه أبو عبد الله الحُمَيدي.
وقال أبو علي بن سُكَّرة الصَّدَفي: منعت من الدُّخول إليه إلّا بشرط
стр. 1447
أَنْ لا يسمعني ولا يكتب إجازة، فأول ما فاتحته الكلام خَلَط في كلامه، وأجابني على غير سؤالي حَذَرًا من أن أكون مدسوسًا عليه، حتى بَسَطْته وأعلمته أنني من أهل الأندلس، أريد الحج، فأجاز لي لَفْظًا، وامتنع من غير ذلك.
وقال ابن ماكولا: كان الحَبَّال ثِقَةً وَرِعًا خَيِّرًا (١).
وذكره ابنُ الدَّبَّاغ في الطبقة العاشرة من الحُفَّاظ.
وقد جاء إلى أبي إسحاق -قبل أن يُمنع- طَلَبةُ الحديث ليسمعوا منه جُزْءًا، فأخرج به عشرين نسخةً، وناول كلّ واحد نسخة يعارض بها.
وقال ابن طاهر: كان شيخنا الحَبَّال لا يُخرج أصلَه من يده إلّا بحضوره، يدفع الجُزْء إلى الطَّالب، فيكتُبُ منه قَدْرَ جلوسه، وكان له بأكثر كتبه نسَخٌ عِدَّة، ولم أر أحدًا أشَدَّ أخذًا منه، ولا أكثر كُتُبًا منه، وكان مَذْهَبُه في الإِجازة أن يقدِّمها على الإِخبار، يقول: أجاز لنا فلان، ولا يقول: [أخبرنا فلان] (٢) إجازة، يقول: ربما يسقط إجازة فيبقى إخبارًا، فإذا بُدئَ بها لم يقع شك.
وسمِعْتُه يقول: خَرَّج الحافظ أبو نَصْر السِّجْزي على أكثر من مئة، لم يبق منهم غيري.
قال ابنُ طاهر: خَرَّج له عشرين جُزْءًا في وقت الطَّلب، وكتبها في
стр. 1448
كاغَذٍ عتيقٍ، فسألت الحَبَّال، فقال: هذا من الكاغَذ الذي كان يُحمل إلى الوزير (١) من سَمَرْقنْد، وقع إليَّ من كتبه قطعة، فكنتُ إذا رأيت ورقةً بيضاء قطعتُها إلى أن إجتمع لي هذا القَدْر.
وقال ابنُ طاهر: لما قصدْتُ الحَبَّال، وكانوا وصفوه لي بحِلْيته وسِيرته، وأنه يخدُمُ نفسه، فكنتُ في بعض الأسواق، ولا أهتدي إلى أين أذهب، فرأيت شيخًا على الصِّفة واقفًا على دُكَّان عَطَّار، وكُمُّه ملأَى من الحوائج، فوقع في نفسي أَنَّه هو، فلمَّا ذهب سألت العَطَّار: مَنْ هذا الشَّيخ؟ قال: وما تعرفه؟ ! هذا أبو إسحاق الحَبَّال. فتبعتُه، وبلَّغْته رسالةَ سَعْد بن علي الزَّنْجَاني (٢)، فسألني عنه، وأخرج من جيبه جُزْءًا صغيرًا فيه الحديثان المُسَلْسَلان، أحدهما مسلسل بالأولية، فقرأهما عليَّ، وأَخذت عليه الموعد في كلِّ يوم في جامع عمرو بن العَاص إلى أن خرجت.
توفِّيَ الحَبَّال سنةَ اثنتين وثمانين وأربع مئة، وله إحدى وتسعون سنة.
ولقيه ابن طاهر سنةَ سبعين.
وسمع منه القاضي أبو بكر بمِصْر سنةَ خمسٍ وسبعين (٣)، ومنع من التحديث بعد ذلك.
стр. 1449
وقد مات معه في سنة اثنتين وثمانين رئيسُ نَيسَابور وقاضيها أبو نَصْر أحمد بن محمد بن صَاعد بن محمد الصَّاعدي، يروي عن أبي بكر الحِيري [وطبقته] (١). ومفتي سَرَخس الإمام أبو حامد أحمد بن محمد بن محمد الشُّجَاعي. والخطيب أبو عبد الله الحسنُ بن أحمد بن عبد الواحد بن أبي بكر بن أبي الحديد السُّلَمي الدِّمَشْقي. ومسنِدُ أَصْبَهان القاضي أبو منصور محمد بن أحمد بن عليّ بن شكرويه. والخطيب أبو الخير محمد بن أحمد بن عبد الله بن رَرَا الأَصْبَهاني. ومؤلف كِتاب "بُسْتَان العَارِفين" المحدِّثُ أبو الفَضْل محمد بن أحمد بن أبي جَعْفر الطَّبَسي.
١٠٠٧ - ابن شَغَبَة *
الحافظ، الزَّاهد، أبو القاسم، عبدُ الملك بن عليّ بن خَلَف بن محمد بن النَّضْر بن شَغَبَة، الأَنْصَاري، البَصْري.
حدث عن: أبي عمر الهَاشمي، والحسن بن بَشَّار السَّابوري (٢)، ويوسف بن غَسَّان، وعلي بن هارون التَّميمي، وغيرهم.
стр. 1450
روى عنه: أبو علي بن سُكَّرة، والمحدِّث أبو نصر الغازي (١)، وجابر الأَنْصاري، وأبو نَصْر بن ماكُولا، وعبد الله بن السَّمَرْقَنْدي، وأبو غالب الماوَرْدِيُّ، وآخرون.
ذكره ابن الدَّبَّاغ في الطبقة الحادية عشرة من الحُفَّاظ.
وقال السَّمْعَاني: شيخٌ حافظ متقِن ثِقَة مُكْثر، حَضَر ابنُ ماكولا مجلس إملائه.
وقال ابن سُكَّرة: أَدْرَكْتُه، وقد ترك كلَّ شيء، وأقبل على العبادة، صادَفْتُه يدعو ويبكي بعد الصُّبح، فقرأت عليه شيئًا من الحديث، ورُزِق الشَّهادة في آخر عُمره، وكان عنده جُمْلة من "سُنَن أبي داود" عن الهاشمي.
قتل في سنةِ أربعٍ وثمانين وأربع مئة.
وفيها، مات: أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي علي الذَّكْواني، الأَصْبَهاني، وله تسعون سنة. والمسنِدُ أبو الحسن عليُّ بن الحسين بن قُرَيش ببغداد، سمع ابن الصَّلْت الأَهْوَازي. وشيخ القُرَّاء بمرو أبو نَصْر محمدُ بنُ أحمد بن عليّ بن حامد الكُرْكَانجي، صاحب الحَمَّامي. ومسنِد قَزْوين أبو منصور محمدُ بن الحسين بن أحمد بن الهَيثَم المُقَوِّمي. وقاضي القُضَاة بنَيسَابور أبو بكر محمد بن عبد الله بن الحسين النَّاصحي الحَنَفي، سمع الحِيري.
стр. 1451
١٠٠٨ - سُلَيمان بن إبراهيم *
ابن محمد بن سُلَيمان، الحافظ، أبو مَسْعود، الأَصْبَهاني، المِلَنْجي، محدِّث أَصْبَهان.
ولد سنة سَبْعٍ وتسعين وثلاث مئة.
وسمع أبا عبد الله محمد بن إبراهيم الجُرْجَاني، وأبا سعد أحمد بن محمد المَالِيني، وأبا بكر بن مَرْدُويه، وأبا نُعَيم الحافظ، وأبا القاسم الحُرْفي، وأبا علي بن شاذان، وأبا بكر البَرْقَاني، وخلقًا.
سمع منه: شيخه أبو نُعَيم.
وحدَّث عنه الخطيب، ومات قَبْله بدهر، وإسماعيل بن محمد التيمي، وأبو سَعْدٍ البَغْدَادي، وأبو نَصْر الغَازي، وهبة الله بنُ طاوس المقرئ، ومَسْعود الثَّقَفي، وخَلْقٌ.
قال السَّمْعَاني: كانت له معرفة بالحديث، جَمَع الأبواب، وصَنَّف التصانيف، واستخرج على "الصَّحيحين"، وسأَلْتُ عنه أبا سعد البَغْدَادي، فقال: لا بأس به، ووصفه بالرِّحْلَة والجَمْع والكثرة.
وقال: كُنَّا [يومًا] (١) في مجلسه، وكان يُمْلي، فقام سائِلٌ وطلب فقال سليمان: من شُؤْم السَّائل أن يسأل أصحاب المحابر.
стр. 1452
قال السَّمْعَاني: وسألت إسماعيل بن محمد الحافظ عنه، فقال: حافظ، وأبوه حافظ.
وقال أبو عبد الله الدَّقَّاق في "رسالته": سليمان بن إبراهيم الحافظ، له الرِّحْلَة والكَثْرة، وأبوه إبراهيم يُعْرف بالفَهْم والحِفْظ، وهما من أصحاب أبي نُعَيم، تُكُلِّم في إتقان سليمان، والحِفْظُ هو الإِتقان لا الكثرة.
قال السمعاني: وسألت أبا سَعْدٍ البَغْدَادي مرَّةً أُخرى عن سليمان، فقال: شَنَّع عليه أصحاب الحديث في جُزْء ما كان له به سماع، وسكتُّ أنا عنه (١).
وقال أبو زكريا بن مَنْدَه: دَخَلَ سليمان بن إبراهيم البَصْرة والأَهْواز، ودخل شِيرَاز، وسمع بها، واسع الرِّواية، يورق لأصحاب الحديث، وهو شيخ شَرِهٌ لا يتورَّع، لَحَّان، وَقَاحٌ (٢).
مات في ذي القَعْدة سنةَ ستٍّ وثمانين وأربع مئة (٣)، وله تسعون.
وفيها: مات أبو الفَضْل حَمْدُ بن أحمد بن الحسن الأَصْبَهاني الحَدَّاد، أخو أبي علي المقرئ، وقيل: في سنةِ ثمان. ومسنِدُ بغداد
стр. 1453
أبو الفَضْل عبدُ الله بن علي بن زِكْرِي (١) الدَّقَّاق الكَاتب، وله ست وثمانون سنة. وشيخ الشَّام، الزَّاهد، الفَقِيه، أبو الفَرَج عبد الواحد بن محمد بن علي الشِّيرَازي، الحَنْبَلِي، الواعظ. والملقَّب بشيخ الإِسلام أبو الحسن عليُّ بنُ أحمد بن يوسف القُرَشي الأُموي، الهَكَّاري. والمسنِدُ أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن محمد بن فَهْد العَلَّاف، آخر أصحاب ابن أبي الفوارس. وخطيب الأَنْبار أبو الحسن عليُّ بن محمد بن محمد بن الأخضر الأَنْبَاري، آخر مَنْ رَوَى عن أبي أحمد الفَرَضي. ومسند نيسابور أبو المُظَفَّر موسى بن عِمْران الأَنْصَاري، آخر أصحاب أبي الحسن العلوي. وأبو اللَّيث نَصْرُ بنُ الحسن الشَّاشي التُنْكَتي بسَمَرْقنْد، وقد حدَّث "بصحيح" مُسْلم بالأَندلس.
١٠٠٩ - الحَسْكَاني *
القاضي، الحافظ، أبو القاسم، عُبيد الله بنُ عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حَسْكَان، القُرَشي، العامري، النيسابوري، الحَنَفي، ويعرف بابن الحَذَّاء، وهو من ذُرِّيَّة الأمير عبد الله بن عامر بن كُرَيز؛ الذي افتتح خُرَاسان زَمَنَ عُثْمان.
عُني بعِلْم الحديث، وصنَّف في الأبواب، وجَمَعَ، وكان معمَّرًا،
стр. 1454
عالي الإِسناد، وله مجلس في "تصحيح خبر رَدِّ الشمس لعلي ﵁، وترغيم النَّواصب الشُّمْس" (١)، وهو يدُلُّ على تَشيُّعِهِ، وعلى خِبرته بالحديث.
حدَّث عن: جَدِّه أحمد، وعن أبي الحسن العَلَوي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي طاهر بن مَحْمِش، وعبد الله بن يوسف الأَصْبَهاني، وأبي الحسن بن عَبْدَان، وابن فَنْجُويه الدِّينَوري، وأبي عبد الله بن باكويه، وخَلْق.
وينزل إلى أبي سَعْد (٢) الكَنْجرُوذي ونحوه، وأخذ أيضًا عن أبي بكرٍ بن الحارث الأصْبَهاني النَّحْوي، والحافظ أحمد بن علي بن منْجويه، وتفقَّه على القاضي أبي العلاء صاعد بن محمد.
روى عنه: وَجِيه بنُ طاهر، وأكثر عنه المحدِّث عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، وذكره في "تاريخه" ولم يذكر وفاته.
وقد مات بَعْدَ السَّبْعين وأربع مئة.
فأما.
١٠١٠ - أبو سَعْد *
عبيدُ الله بنُ عبد الله بن محمد بن أحمد بن حسكويه، فشيخ لعَبْد الخالق الشَّحَّامي، تأخر إلى سنةِ ثمانٍ وثمانين وأربع مئة.
стр. 1455
١٠١١ - ابنُ ماكولا *
الأمير الكبير، الحافظ البارع، النَّسَّابة، أبو نَصْرٍ، عليُّ بنُ هِبَة الله بن عليّ بن جَعفر بن علي (١) بن محمد بن دُلَف بن الأمير الجَوَاد أبي دُلَف القاسم بن عيسى (٢)، العِجْلي، الجَرْبَاذْقاني، ثم البَغْدَادي، صاحب "الإكمال" (٣) وغيره.
стр. 1456
ولد في شَعْبَان سنةَ اثنتين وعشرين وأربع مئة بعُكْبَرَا، وقيل: سنة إحدى وعشرين.
وسمع بُشْرَى بن عبد الله الفَاتِنِي، وعبيد الله بن عمر بن شاهين، وأبا طالب بن غَيلان، وأبا الطَّيِّب الطَّبَري، وأحمد بن محمد العَتِيقي، وعبد الصَّمد بن محمد بن مكرم، وخَلْقًا ببغداد، وأبا القاسم الحِنَّائي وطبقته بدمشق، وأحمد بن القاسم بن ميمون المِصْري بمصر، وسمع بما وراء النَّهْر وخُرَاسان والجبَال والجزيرة، والسَّواحل.
حدَّث عنه: الخطيبُ -وهو من شيوخه- والفقيه نَصْر المَقْدسي، وشجاع الذُّهْلي، والحُمَيدي، وأبو محمد الحسن بن أحمد السَّمَرْقَنْدي، ومحمد بن عبد الواحد الدَّقَّاق، وأبو علي محمد بن محمد بن المهدي، وأبو القاسم إسماعيل بن السَّمَرْقَنْدي، وآخرون.
ذكره ابنُ الدَّبَّاغ في الطبقة العاشرة من الحُفَّاظ.
وقال ابنُ طاهر: سمِعْتُ أبا إسحاق الحَبَّال يمدَحُ أبا نَصْرٍ بن ماكولا، ويُثني عليه، ويقول: دخل مصْرَ في زِيِّ الكَتَبَة فلم نرفع به رأسًا، فلما عرفناه رأيناه من العُلَماء بهذا الشَّأْن (١).
وقال السَّمْعَاني: كان ابنُ ماكُولا لبيبًا، عالمًا، عارفًا، حافظًا، تَرَشَّح للحِفْظ، حتى كان يقال له: الخطيب الثَّاني، وكان نَحْويًّا مجوِّدًا، وشاعرًا مبرِّزًا، جَزْلَ الشِّعْر، فَصيحَ العِبارة، صحيحَ النَّقْل، ما كان في البَغْدَاديين في زمانه مِثْلَه، طاف الدُّنيا، وأقام ببغداد.
стр. 1457
وقال ابنُ النَّجَّار: أحبَّ ابن ماكولا العِلْم من الصِّبَا، وطلب الحديث، وكان يُحضِر المشايخ إلى منزلهم (١)، ويسمع منهم، ورحل، وبَرَعَ في الحديث، وأتقن الأدب، وله النَّظْم والنَّثْر والمُصَنَّفات، نفَّذَه المقتدي بالله (٢) رسولًا إلى سَمَرْقَنْد وبُخَارى لأخْذ البَيعة له على ملكها طمغان الخان.
وقال شِيرويه في "طَبَقاته" كان يُعْرف بالوزير سعد الملك بن ماكولا، قَدِمَ رسولًا مِرارًا، سمِعْتُ منه، وكان حافِظًا متقنًا، عُني بهذا الشَّأْن، ولم يكن في زمانه بعد الخطيب أحدٌ أفضلَ منه، حَضَر مجلسَه الكبارُ من شيوخنا، وسمعوا منه.
وقال ابنُ عساكر: وَزَرَ أبوه للقائم أمير المؤمنين (٣)، وولي عَمُّه قضاء القُضَاة ببغداد، وهو الحسينُ بن علي (٤).
стр. 1458
وقال الحُمَيدي: ما رَاجَعْتُ الخطيبَ في شيءٍ إلّا وأحالني على الكِتاب، وقال: حتى أكشِفَه، وما راجعتُ ابنَ ماكُولا في شيءٍ إلّا وأجابني حِفْظًا كأنَّه يقرأ من كتاب (١)
وقال هِبَةُ الله بن المبارك بن الدَّوَاتي: اجتمعتُ بالأمير بن ماكُولا، فقال لي: خذ جُزْأين من لحديث، فاجعل متون هذا الجُزْء لأسانيد [الجزء] (٢) الآخر، ومتونه لأسانيد الأول حتى أردَّه إلى حالته الأولى.
وقال السِّلَفي: سألت شجاعًا الذُّهلي عن ابن ماكُولا، فقال: كان حافظًا فَهِمًا ثِقَةً، صنَّف كُتُبًا في عِلْم الحديث.
وقال مُؤْتَمن السَّاجي: لم يلزمِ ابنُ ماكولا طريقَ العِلْم، فلم ينتفع بنفسه (٣).
وقال أبو الحسن محمد بن مَرْزوق: لما بَلَغَ الخطيبَ أنَّ ابن ماكُولا أخذ عليه في كتابه "المُؤْتَنف"، وصنَّف في ذلك تصنيفًا، وحَضَرَ عنده ابنُ ماكولا، سأله الخطيبُ عن ذلك، فأنكر ولم يُقِرَّ به، وأَصَرَّ، وقال: هذا لم يخطر ببالي. وقيل: إن التَّصْنيف كان في كُمِّه، فلما مات الخطيب أظهره، وهو الكتاب الملقَّب بـ "مستمر الأَوْهام" (٤).
стр. 1459
قال ابنُ عساكر: سمِعْتُ إسماعيل بن السَّمَرْقَندي يذكر أنَّ ابن ماكولا كان له غِلْمان تُرْك أحداث، فقتلوه بجُرْجَان سنَةَ نَيِّف وسَبْعين وأربع مئة (١).
وحكى ابنُ النَجَّار عن ابن ناصر قال: قُتِل الحافظ بنُ ماكولا، وكان قد سافر نحو كِرْمان، ومعه مماليكُه الأَتراك، فقتلوه، وأخذوا ماله في سنة خمس وسبعين وأربع مئة.
وقال أبو سَعْد السّمْعَاني: سمعت ابن ناصرٍ يقول: قُتِلَ ابنُ ماكُولا بالأَهواز، إما في سنة ست أو سَبْع وثمانين (٢).
وقال السَّمْعَاني: خَرَجَ من بغداد إلى خُوزِسْتان، وقتل هناك بعد الثمانين.
وقال ابن الجوزي في "المنتظم": قتل سنة خمس وسبعين [وقيل: سنة ست وثمانين (٣).
وقال غيره: قتل في سنة تسع وسبعين] (٤)، وقيل: في سنة سبع وثمانين، والله أعلم (٥).
стр. 1460
١٠١٢ - ابن خَيْرُون *
الحافظ، النَّاقد، أبو الفَضْل، أحمد بن الحسن بن أحمد بن خَيرُون، البَغْدَادي، [ابن] (١) البَاقِلَّاني.
سمع أبا علي بن شاذان، وأبا بكر البَرْقَاني، وأحمد بن عبد الله بن المَحَاملي، وأبا القاسم الحُرْفي، وأبا القاسم بن بِشْران، وأبا يَعْلى أحمد بن عبد الواحد، وخَلْقًا سواهم، حتى سمع من أقرانه.
وأجاز له طائفة تَفَرَّد بإجازتهم، منهم: أبو الحسين بن المُتَيَّم، وأبو الحسن بن الصَّلْت الأَهْوَازي.
روى عنه: شيخه أبو بكر الخطيب، وأبو علي بن سُكَّرة، وأبو عامر العَبْدَري، وأبو القاسم بن السَّمَرْقَنْدي، وإسماعيل بن محمد الحافظ، وأبو بكر القاضي، وأبو الفَضْل بن ناصر، وعبد الوهّاب الأَنْماطي، وأبو الفَتْح بن البَطِّي، وخَلْق.
وأقرأ النَّاسَ بالرِّوايات، وكان قد تلا على أبي العلاء الواسِطي، وعليِّ بن طلحة البَصْري.
стр. 1461
قرأ عليه: ابنُ أخيه أبو منصور مؤلِّف "المِفْتاح" (١)، وابنُ سُكَّرة.
قال أبو طاهر السِّلَفي: كان يحيى بنَ معين وَقْته.
وذكره السّمْعَاني، فقال: ثِقَةٌ عَدْل، متقِن، واسع الرِّواية، كتب بخطِّه الكثير، وكان له مَعْرفة بالحديث، سمعت أبا منصور بن خَيرُون يقول: كَتَبَ عَمِّي أبو الفَضْل عن ابنِ شَاذَان ألف جُزْء، وسمعت عبد الوهَّاب الأَنْمَاطي يقول: ما رُئي مِثْلُ أبي الفَضْل بن خَيرون، لو ذَكَرْتَ له كُتُبَه وأجزاءه التي سمعها، يقول لك عَمّن سَمِعَ، وبأي طريقٍ سَمِعَ، وكان يذكرُ الشَّيخ وما يرويه، وما يَنْفَرِدُ به.
وقال أبو منصور: كتبوا مَرَّةً لعمي: الحافظ، فَغَضِبَ وضَرَبَ عليه، وقال: قرأنا حتى يُكْتَبَ لي الحافظ؟ ! (٢).
توفِّي في رجب سنةَ ثمانٍ وثمانين وأربع مئة، وله أربع وثمانون سنة وشهر (٣).
وفيها: مات شَيخُ العِراق المُسْنِد الإِمام رِزق الله بن عبد الوَهَّاب بن عبد العزيز التَّميمي، رئيس الحنابلة، في جُمَادى الأُولى، وله ثمان وثمانون سنة. روى عن ابن المُتَيَّم وطبقته. وشيخُ المعتزلة أبو يوسف عبد السَّلام بن محمد القزْويني ببغداد، وقد سمع قبل الأربع مئة
стр. 1462
و "تفسيره" في أكثر من ثلاث مئة مُجَلَّد. وأبو القاسم الفَضْل بن أبي حَرْب أحمد بن محمد الجُرْجَاني، ثم النَّيسَابوري، يروي عن ابن (١) مَحْمِش.
ومقرئ المَغْرب أبو الحسن عليُّ بن عبد الغني الفِهْري الحُصْري الشَّاعر (٢). وأبو سعيد (٣) محمد بنُ عليّ بن أبي صالح البَغَوي الدَّبَّاس، وهو مِنْ رواة التِّرْمِذِي. وقاضي القُضَاة العلَّامة أبو بكر محمد بنُ المُظَفَّر الشَّامي الحَمَوي ببغداد، وله ثمانٍ وثمانون سنة. ومسنِدُ هَرَاة أبو سَهْل نجيب بن ميمون الواسِطي، راوية أبي علي الخَالدي.
١٠١٣ - الحُسَينِيُّ *
الإِمام، الحافظ، الشَّريف المُرْتَضَى، أبو المعالي، محمدُ بنُ محمد بن زيد بن علي، العَلَوي، البَغْدَادي، نزيل سَمَرْقَنْد، وهو من ولد
стр. 1463
علي بن زين العَابدين علي بن الحسين.
سمع أبا القاسم الحُرْفي، وأبا علي بن شَاذان، وأبا بكر البَرْقَاني، وعبد الملك بن بِشْران، ومحمد بن عيسى الهَمَذَاني، وخَلْقًا.
ولازم الخطيب، وانتفع به.
حَدَّث عنه: شيخه جعفر بن محمد المُسْتَغْفِرِي، والخطيب، ويوسف بن أيوب الهَمَذَاني، وزاهر بن طاهر المُسْتَمْلي، وهِبَة الله بن سهل السَّيِّدي (١)، وأبو الأسعد هبة الرَّحمن بن القُشَيري، وأبو المعالي المَدِيني الخطيب، وآخرون.
قال أبو سَعْدٍ السمعاني: هو أفضل عَلَوي في عَصْره، له المَعْرفة التَّامة بالحديث، وكان يرجع إلى عقل وافر، ورأي صائب، بَرَع بالخطيب في الحديث، نقل عنه الخطيب -أظن في كتاب "البخلاء" (٢) - رُزِق حُسْنَ التَّصنيف، وسكن في آخر عُمره سَمَرْقَنْد، ثم قَدِمَ بغداد، وأملى بها، وحَدَّث بأَصْبَهان، ثم ردّ إلى سمرقند، سمِعْتُ يوسف بن أيوب الزَّاهد يقول: ما رأيت عَلَويًّا أفْضَلَ منه. وأثنى عليه، وكان من الأغنياء المذكورين، وكان كثيرَ الإِيثار، ينفِّذُ في العام إلى جماعةٍ من الأئمة الألف دينار والخمس مئة وأكثر إلى كل واحد، فربما بلغ ذلك عشرة آلاف دينار، ويقول: هذه زكاةُ مالي؛ وأنا غريب، ففرِّقوا على مَنْ تعرفون استحقاقه، وكلَّ مَنْ أعطيتموه فاكتبوا له خَطًّا، وأرسلوه حتى أُعطيه من عُشر الغَلَّة.
стр. 1464
قال: وكان يملك قريبًا من أربعين قريةً خالصةً له بنواحي كِسّ (١)، وله في كل قرية وكيل أمْيَزُ (٢) من رئيسٍ بسَمَرْقَنْد (٣).
ثم ذكر السَّمْعَاني أَنَّ صاحب ما وراء النَّهْر آذاه، وأراد أن يُمْسكه، فاختفى، ثم إنه أُمسك، وأُخذت أموالُه، ومُنِعَ من الطَّعام حتى مات جُوعًا (٤).
قال السَّمْعَاني: قال أبو العَبَّاس الجَوْهري: رأيت السَّيِّد المُرْتضى بعد مَوْته وهو في الجَنَّة، وبين يديه طعامٌ، وقيل له: ألا تأكل؟ قال: لا، حتى يجيء ابني، فإنه غدًا يجيء، فانتبهت، وذلك في رمضان سنةَ اثنتين وتسعين (٥)، فَقُتِلَ ولده أبو الرِّضا في ذلك اليوم (٦)، وكان مَوْلد السَّيِّد المُرْتَضى في سنة خمسٍ وأربع مئة.
стр. 1465
قال: واسْتُشهد بعد سنة ستٍّ وسبعين، وقيل: قُتِلَ في سنة ثمانين، قتله الخاقان خَضِر بن إبراهيم (١)، وكان السَّيِّد قد قَدِمَ إلى القائم بأمر الله رسولًا من الخَاقان.
١٠١٤ - ابن سَمْكُويه *
الحافظ، المفيد، أبو الفَتْح، محمدُ بنُ أحمد بن عبد الله بن سَمْكُويه، الأَصْبَهاني، نزيل هَرَاة.
رحل وسمع ببغداد من: أبي محمد الخَلَّال، وبنَيسَابور من أبي حَفْص بن مَسْرور، وبأَصْبَهان من أصحاب ابن المقرئ، وبشِيراز من الحافظ أبي بكر بن أبي علي، وبسَمَرْقَنْد من مسنِدها ابن شاهين السَّمَرْقَنْدي.
وصنَّف في الأبواب، وكان صالحًا ناسكًا.
روى عنه: إسماعيل بن محمد الحافظ، وأبو عبد الله الدَّقَّاق، وقال في "رسالته": كان لابن سَمْكويه الكثرة الوافرة في كُتُب الحديث، وَوهْمُه أكثرُ مِنْ فهمه، خرج إلى نَيسَابور في صحبة عبد العزيز النَّخْشَبي، ثم رحل إلى ما وراء النهر، وأقام بَهَراة سنين يورق، صادفته بها، وبيني وبينه ما كان من الحِقْد والحَسَد.
ولد سنة تسعٍ وأربع مئة.
ومات بنيسابور في ذي الحِجَّة سنةَ اثنتين وثمانين وأربع مئة.
стр. 1466
١٠١٥ - ابن الحَكَّاك *
الحافظ، المجوِّد، أبو الفضل، جَعْفَرُ بنُ يحيى بن إبراهيم، التَّميمي، المكِّي.
سمع أبا ذَرّ الهَرَوي، وأبا بكر محمد بن إبراهيم الأَرْدَسْتَاني، وأبا الحسن بن صخر، وأبا نصر السِّجْزي، وطبقتهم.
وسمع ببغداد ابن النَّقور، وخَرَّج له أربعة أجزاء.
روى عنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْدي، وابنُ ناصر، وصالح بن شافع الجِيليّ، وأبو الفتح بن البَطِّي، وآخرون.
قال ابنُ النَّجَّار: كان موصوفًا بالمَعْرفة والحِفْظ والإِتقان، والفِقْه والصِّدْق، وكان يترسَّل من أمير مكة ابن أبي هاشم إلى الخُلَفاء والملوك، ويتولى قَبْضَ الأموال منهم، ويحمل كُسْوة البيت.
وقال السِّلَفي: سمِعْتُ أبا الحسين بن الطُّيوري، يقول: سألتُ الخطيبَ عند قدومِهِ من الحج: أرأيتَ هناك من يقيم الحديث؟ قال: لا، إلّا شابًّا يقال له جعفر بن الحَكَّاك.
قال السِّلَفي: سألتُ المُؤْتَمن السَّاجي عن جعفر بن الحَكَّاك فقال: صَحِبَ أبا نصر السِّجْزي، وأبا ذَرّ الهَرَوي، وكان ذا مَعْرفة.
стр. 1467
وقال اليُونَارْتي: كان من الفُضَلاء الأَثْبَات.
وقال عبد الوَهَّاب الأَنْمَاطي: ثِقَة مأمون.
وقال أبو علي الصَّدَفي: قرأتُ عليه ببغداد كثيرًا، وكان يفهم الحديث جَيِّدًا.
ولد سنة ست عشرة وأربع مئة (١).
ومات في صفر سنةَ خمسٍ وثمانين وأربع مئة ببغداد (٢).
١٠١٦ - هِبَةُ الله *
ابنُ عبد الوارث بنِ علي، الحافظ، الجوَّال، أبو القاسم، الشِّيرَازي.
سمع بخُرَاسان، والعِراق، والحرمين، واليمن، ومِصْر، والشَّام، والجزيرة، وفارس، والجبال.
وحدَّث عن: أبي بكر محمدِ بنِ الحسن بن اللَّيث الشِّيرَازي، وأحمد بن عبد الباقي بن طوق المَوْصِلِي، وأبي جعفر بن المُسْلمة، وعبد الرَّزَّاق بن شمَة (٣)، وأحمد بن الفَضْل البَاطِرْقاني، وطبقتهم.
стр. 1468
وصنَّف "تاريخ شِيرَاز".
روى عنه: إسماعيل بن محمد الحافظ، وأبو بكر اللَّفْتُواني، وأبو نصْر محمد بن محمد بن يوسف الفَاشَاني، والفقيه نَصْر المَقْدسي، وهِبَة الله بن طاوس، وأبو نصر اليُونَارتي، وآخرون.
قال السَّمْعَاني: كان ثِقَةً، صالحًا، خَيِّرًا، كثير العبادة، مشتغلًا بنفسه، خَرَّجَ وأفاد واستفاد، انتفع الطَّلَبة بصحبته وبقراءته، قدم بغداد في سنة سَبْعٍ وخمسين، وسكن في الآخر مرو حتى مات.
وقال عبد الغافر في "تاريخه": هو شيخ عَفِيف، صُوفي فاضل، طاف البلاد، وسمع الكثير، وخَطُّه مشهور، وكان كثيرَ الفوائد.
وقال الفَاشَاني: كنت إذا مضيت إليه بالرِّباط أخرجني إلى الصَّحراء، وقال: اقرأْ هنا، فإن الصُّوفية يتبرَّمون بمن يشتغل بالعِلْم والحديث، يقولون: يشوش علينا أوقاتنا.
وقال مؤتمن السَّاجي: بَذَلَ نَفْسه في طلب الحديث جدًّا، خرّجتُ له جُزْأين في صلاة الضُّحى، ففرِحَ بهما فَرَحًا شديدًا.
وقال الفَاشَاني: قام ليلة مَوْته سبعين مَرَّة، أو أقل، كل نَوْبة يتغسَّل في النَّهْر إلى أن مات على طَهَارة.
مات بمرو سنةَ ستٍّ وثمانين. وقيل: سنة خمسٍ وثمانين وأربع مئة مبطونًا، ﵀.
стр. 1469
١٠١٧ - مَسْعُود بن نَاصر *
ابن أبي زيد عبد الله بن أحمد، الحافظ، الرَّحَّال، أبو سعيد، السِّجْزي (١)، الرَّكَّاب، صاحب المُصَنَّفَات.
سمع بسِجِسْتان من: علي بن بُشْرى اللَّيثي، وأبي سعيد عثمان بن محمد النَّوْقَاني، وبَهَراة من: محمد بن عبد الرَّحمن الدَّبَّاس، ومنصور بن محمد بن محمد الأَزْدي، وبنيسابور من: أبي حَسَّان محمد بن أحمد المُزَكِّي، وأبي حَفْص بن مسرور، وببغداد من أبي طالب بن غَيلان، وأبي محمد الخَلَّال، وأبي القاسم التَّنوخي، وبأَصْبَهان من: ابن رِيذَة؛ صاحب الطَّبرَاني، وطبقتهم.
حدَّث عنه: الخطيب -وهو من شيوخه- وعبد الواحد بن الفَضْل الطُّوسي، وأبو نَصْر أحمد بن عمر الغَازي، وأبو الأسعد بن القُشَيري، وغيرهم.
قال ابن النَّجَّار: قَدِمَ بَغْدَاد فسمع من بُشْرى الفَاتِني، سمع منه شَيخُه الصُّوري.
وقال محمد بن عبد الواحد الدَّقَّاق: لم أر في المحدِّثين أجودَ إتقانًا، ولا أحسنَ ضَبْطًا مِنْه.
стр. 1470
وقال عبد الغافر بن إسماعيل: كان متقنًا وَرِعًا.
وقال ابن الخاضِبَة: كان قَدَرِيًّا، سمعته يقرؤها: "فحجَّ آدمَ موسى" بالنصب (١).
وقال المؤتَمن السَّاجي: كان يرجع إلى هدايةٍ وإتقان، وحُسْن ضبط.
مات في جُمَادى الأُولى سنةَ سبعٍ وسبعين وأربع مئة.
١٠١٨ - الحُمَيدي *
الإِمام، الحافظ، الحُجَّة، أبو عبد الله، محمد بن أبي نَصْرٍ
стр. 1471
فتوح بن عبد الله بن فُتوح بن حُمَيد بن يَصِل، الأَزْدي، الحُمَيدي، الأَنْدَلُسي، المَيُورْقي، الظَّاهري.
سمع بالأندلس ومِصْر والشَّام والعِراق والحَرَم، وسكن بَغْدَاد.
ولد قبل سنة عشرين وأربع مئة.
وأكثر عن: ابن حَزْم، وكان من كِبار تلامذته.
وروى عن: ابن عبد البَرّ، والخطيب، وأبي عبد الله القُضَاعي، وأبي زكريا عبد الرَّحيم البُخَاري، وأبي القاسم الحِنَّائي الدِّمَشْقي، وعبد الصَّمد بن المأمون، وأبي جعفر بن المُسْلمة، وأبي غالب بن بِشْران اللُّغوي، ولم يزل يسمع حتى كتب عن أصحاب الجَوْهري، وابن المُذْهب، وسمع بأفريقية كثيرًا، ولقي بمكَّة كريمة المَرْوَزية.
وأول رِحْلته في سنة ثمانٍ وأربعين وأربع مئة.
[قال محمد بن طَرْخان: سمعت الحُمَيدي يقول: كنت أُحمل للسَّمَاع على الكتف سنة خمس وعشرين وأربع مئة] (١) فأوَّل ما سَمِعْتُ من الفقيه أَصْبَغ بن راشد، وكنت أفهم ما يُقرأ عليه، وكان تَفَقَّه على أبي محمد بن أبي زيد، وأصل أبي من قُرْطُبة من مَحَلَّةٍ تُعرف بالرُّصافة، فسكن جزيرة مَيُورْقَة فولدت بها.
روى عنه: شيخه الخطيب، ويوسف بن أيوب الهَمَذَاني،
стр. 1472
ومحمد بن طَرْخَان، وأبو عامر العَبْدَري، ومحمد بن ناصر، وأبو الفتح بن البَطِّي، وخَلْق.
ذكره ابن الدَّبَّاغ في الطَّبَقة الحادية عشرة من الحُفَّاظ.
وقال ابن ماكولا: لم أر مِثْلَ صديقنا الحُمَيدي في نَزَاهته وعِفَّته وَوَرَعِه، وتشاغُلِه بالعِلْم، صنَّف "تاريخ الأندلس" (١).
وقال يحيى بن إبراهيم السَّلَمَاسي: قال أبي: لم تر عيناي مِثْلَ الحُمَيدي في فَضْله ونُبْله وغَزَارة عِلْمه وحِرْصه على نَشْر العِلْم (٢).
قال: وكان وَرِعًا تَقِيًّا، إمامًا في الحديث وعلله ورُواته، متحققًا في عِلْم التَّحقيق والأُصول على مَذْهب أهل الحديث بموافقة الكتاب والسُّنَّة، فصيح العِبارة، متبحِّرًا في عِلْم الأدب والعربية والترسل (٣)، وله كتاب "الجَمْع بين الصَّحيحين" (٤) و "تاريخ الأندلس" (٥) و "جُمَل تاريخ الإِسلام"، وكتاب "الذَّهب المَسْبُوك في وَعْظ الملوك" وكتاب "التَّرَسُّل" (٦) وكتاب "مُخَاطبات الأصْدقاء"، وكتاب "حِفْظ الجار"، وكتاب "ذَمِّ النَّميمة"، وله شِعْر رصين في المواعظ والأمثال.
وقال السِّلَفي: سألت أبا عامر العَبْدَري عن الحُمَيدي فقال:
стр. 1473
لا يُرى قَطُّ مِثْله، وعن مِثْله لا يُسأل، جمع بين الحديث والفِقْه والأدب، ورأى عُلَماء الأندلس، وكان حافظًا.
وقال أبو علي الصَّدَفي: كان يدلُّني على الشُّيوخ، وكان متقلِّلًا من الدُّنيا، يمونه ابن رئيس الرؤساء، ثم جَرَتْ لي معه قصص أوجبت انقطاعي عنه، وكان يبيت عند ابن رئيس الرؤساء كلَّ ليلة، وحدَّثني أبو بكر بن الخَاضِبة أنَّه ما سمعه يذكر الدُّنيا قَطّ (١).
وقال يحيى بنُ البَنَّاء: كان الحُمَيدي من اجتهاده ينسخ باللّيل في الحَرّ، فكان يجلس في إجّانة (٢) ماءٍ يتبرَّد به.
وقال الحسين بن محمد بن خُسْرُو: جاء أبو بكر بن ميمون فَدَقَّ على الحُمَيْدي، وظَنَّ أنه قد أذِن له، فَدَخل، فوجده مكشوف الفَخِذ، فبكى الحُمَيدي، وقال: واللْه لقد نَظَرْتَ إلى موضعٍ لم ينظره أحدٌ منذ عَقَلْتُ.
وقال ابن طَرْخَان: سمِعْتُ الحُمَيدي يقول: ثلاثةُ كُتُبٍ من علوم الحديث يجب الاهتمام بها، كتاب "العِلل" وأحسن ما وُضع فيها كتاب الدَّارَقُطْني، وكتاب "المُؤْتلف والمُخْتلف" وأحسن كتاب وُضِعَ فيه "الإكمال" للأمير ابن ماكُولا، وكتاب "وَفيَات المَشَايخ" وليس فيه كتاب، وقد كُنْتُ أردت أن أجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير: رَتِّبْه على حُروف المُعْجم بعد أن تُرَتِّبَه على السِّنين. قال ابن طَرْخَان: فاشتغل "بالصحيحين" إلى أن مات (٣).
стр. 1474
وقال القاضي عِياض: أبو عبد الله محمد بن أبي نَصْر الأَزْدي الأَنْدَلُسي، سمع بمَيُورْقة من أبي محمد بن حَزْم قديمًا، وكان يتعصَّب له، ويميل إلى قَوْله، وكان قد أصابته فيه فِتْنة، ولما شُدِّد على ابن حَزْم خَرَجَ الحُمَيدي إلى المَشْرق.
مات الحُمَيدي في سابع عشر ذي الحِجَّة سنةَ ثمانٍ وثمانين وأربع مئة، وصَلَّى عليه الإِمام أبو بكر الشَّاشي بجامع القَصْر، ودفن بمقبرة باب أبرز بقُرْب قَبْر الشَّيخ أبي إسحاق الشِّيرَازي.
ثم إنه نُقِلَ بعد سنتين إلى مقبرة باب حَرْب فَدُفِن عند بِشْر الحافي (١).
وقد ذكر ابن عساكر أنه كان أوصى إلى الأجل مُظَفَّر ابن رئيس الرؤساء أن يَدْفِنَه عند بِشْر، فخالص وَصِيَّتَه، فلما كان بعد مُدَّة رآه في النَّوْم يعاتِبُه على ذلك، فنقله في صَفَر سنة إحدى وتسعين، وكان كَفَنُه جديدًا، وبَدَنُه طريًّا يفوح منه رائحة الطِّيب (٢).
ومن شِعْره:
لِقَاءُ النَّاسِ لَيسَ يُفيدُ شيئًا ... سوى الهَذَيَان مِنْ قِيل وقَالِ
فأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النّاسِ إلّا ... لأخْذِ العِلْم أَوْ إصلاحِ حَالِ (٣)
стр. 1475
وله:
طريقُ الزُّهْد أفضل ما طريقِ ... وتقوى الله تأدية (١) الحقوقِ
فَثِقْ بالله يَكْفِك واسْتَعِنْه ... يُعِنْكَ وذَرْ بُنَيَّاتِ الطريقِ
١٠١٩ - ابن مفوَّز *
الإِمام، الحافظ، أبو الحسن، طاهر بن مفوَّز بن أحمد بن مفوَّز، المَعَافِري، الشَّاطِبي.
أكثر عن أبي عمر بن عبد البَرّ، وكان من أثبت النَّاس فيه.
وسمع من: أبي العَبَّاس بن دِلْهاث، وأبي الوليد البَاجي، وأبي شاكر الخطيب، وأبي الفتح التُّنْكَتي (٢) السَّمَرْقَنْدي، وسمع بقُرْطبة من حاتم بن محمد، وأبي مروان بن حَيَّان.
روى عنه: ابنُ أخيه الحافظ أبو بكر محمد بن حَيدَرة بن مُفَوَّز، والحافظ أبو علي بن سُكَّرة، وغيرهما.
وكان حَسَنَ الخَطِّ، كثير التَّصنيف، موصوفًا بالذَّكاء وسَعَة العِلْم.
وقد ذكره ابنُ الدَّبَّاغ في الطَّبقة الثَّانية عشرة من الحُفَّاظ.
وكان مَوْلِدُه في سنةِ تسعٍ (٣) وعشرين وأربع مئة.