ورسومٌ تتقاضاها من العبد، ولا تسمح له بتركها إلا بعوضٍ هو أحبُّ إليها من معلومها ورسومها، وأجلُّ عنده (١) منه وأنفع لها، فإذا قوي تعلُّق الرجاءِ بهذا العوض الأفضل والأشرف سمحت الطِّباعُ بترك تلك الرُّسوم وذلك المعلوم، فإنَّ النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوبٍ هو أحبُّ إليها منه، أو حذرًا من مَخُوفٍ هو أعظمُ مفسدةً لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب. وفي الحقيقة ففرارُها من ذلك المَخُوف إيثارٌ لضدِّه المحبوب لها، فما تركت محبوبًا إلا لِما هو أحبُّ إليها منه؛ فإنَّ من قُدِّم إليه طعام (٢) يضرُّه ويوجب له السقم، فإنَّما يتركه محبةً للعافية التي هي أحبُّ إليه من ذلك الطعام.
قال صاحب «المنازل» (٣): (الدرجة الثانية: رجاء أرباب الرِّياضات أن يبلغوا موقفًا تصفو فيه هممهم برفض الملذوذات، ولزوم شروط العلم، واستقصاء حدود الحِمْية (٤)).
أرباب الرِّياضات (٥) هم المجاهدون لأنفسهم بترك مألوفها (٦) والاستبدالِ بها مألوفاتٍ هي خيرٌ منها وأكمل، فرجاؤهم أن يبلغوا
стр. 1017
مقصودهم بصفاء الوقت والهمَّةِ من تعلُّقها بالملذوذات، وتجريدِ الهمِّ عن الالتفات إليها.
(وبلزوم شروط العلم) وهو الوقوف عند حدود الأحكام الدينيَّة، فإنَّ رجاءهم متعلِّق بحصول ذلك لهم.
(واستقصاء حدود الحِمْيَة)، الحِمْيَة هي العصمة والامتناع من تناول ما يخشى ضرره آجلًا أو عاجلًا. ولها حدودٌ متى خرج العبد عنها انتقض عليه مطلوبُه. والوقوفُ على حدودها بلزوم شروط العلم. والاستقصاء في تلك الحدود بأمرين: بذل الجهد في معرفتها علمًا، وأخذ النفس بالوقوف عندها طلبًا وقصدًا.
قال (١): (الدرجة الثالثة: رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الحق الباعث على الاشتياق، المنغِّصِ للعيش، المزهِّدِ في الخلق).
هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].
وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته، وإليه شخصت أبصارُ المشتاقين. ولذلك سلَّاهم الله بإتيان أجل لقائه، وضرب لهم أجلًا له يسكِّن نفوسهم ويُطَمئنها.
والاشتياق هو سفر القلب في طلب محبوبه. واختلف المحبُّون: هل
стр. 1018
يبقى عند لقاء المحبوب أم يزول؟ على قولين:
فقالت طائفة: يزول، لأنه إنَّما يكون مع الغَيبة، وهو سفر القلب إلاه (١)، فإذا انتهى السفر (٢) وضع عصا (٣) الاشتياق عن عاتقه، وصار الاشتياق أنسًا به ولذَّةً بقربه.
وقالت طائفة: بل يزيد الاشتياق (٤) ولا يزول باللِّقاء. قالوا: لأنَّ الحبَّ يقوى بمشاهدة جمال المحبوب أضعافَ ما كان حال غيبته. وإنَّما يواري سلطانَه فناؤُه ودهشتُه بمعاينة محبوبه، حتَّى إذا توارى عنه ظهر سلطانُ شوقه إليه. ولهذا قيل (٥):
وأعظم ما يكون الشّوق يومًا ... إذا دنت الخيام من الخيام
وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاةً وتوابعَها في كتابنا الكبير في المحبَّة (٦)
стр. 1019
وفي كتاب «سفر الهجرتين» (١)، وسنعود إليها إذا انتهينا إلى منزلتها إن شاء الله تعالى (٢).
وقوله: (المنغِّص للعيش)، فلا ريب أنَّ عيش المشتاق منغَّصٌ حتى يلقى محبوبه، فهناك تقرُّ عينُه ويزول عن عيشه تنغيصُه.
وكذلك يزهد في الخلق غاية التزهيد، لأنَّ صاحبه طالبٌ للأنس بالله والقرب منه، فهو أزهد شيءٍ في الخلق، إلّا من أعانه على هذا المطلوب لقاؤه منهم وأوصله إليه، فهو أحبُّ خلق الله إليه، ولا يأنس من الخلق بغيره ولا يسكن إلى سواه. فعليك بطلب هذا الرَّفيق جهدك، فإن لم تظفر به فاتَّخذ الله صاحبًا، ودع الناس كلَّهم جانبًا و (٣):
مُت بداء الهوى، وإلَّا فخاطرْ ... واطرق الحيَّ والعيونُ نواظرْ
لا تخَفْ وحشة الطريق إذا جئْ ... ـتَ وكن في خفارة الحبِّ سائرْ
واصبر النفس ساعةً عن سواهمْ ... فإذا لم تُجِب لصبرٍ فصابِرْ
وصم اليوم واجعل الفطر يومًا ... فيه تلقى الحبيب بالبشر شاكِرْ
وافطم النفس عن سواه فكلُّ الْـ ... ـعيش بعد الفطام نحوك صائرْ
وتأمَّل سريرة القلب واستحْ ... ـيِ من الله يوم تبلى السرائرْ
стр. 1020
واجعل الهمَّ واحدًا يكفك اللّاـ ... ـهُ همومًا شتَّى فربُّك قادرْ
وانتظر يوم دعوة الخلق إلى الْـ ... ـلاهِ ربِّهم من بطون المقابرْ
واستمع ما الذي به أنت تُدعى ... من صفاتٍ تلوح وسط المحاضرْ
وسماتٍ تبدو على أوجه الخلـ ... ـقِ عيانًا تُجْلى على كلِّ ناظرْ
يا أخا اللُّبِّ إنما السير عزمٌ ... ثمَّ صبرٌ مؤيَّدٌ بالبصائرْ
يا لَها مِن ثلاثةٍ مَن ينلها ... يرقَ يوم المزيد فوق المنابرْ
فاجتهد في الذي يقال لك البشـ ... ـرى بذا يوم ضرب البشائرْ (١)
عملٌ خالصٌ بميزان وحيٍ ... مع سرٍّ هناك في القلب حاضرْ
* * * *
стр. 1021
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الرغبة ؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والفرق بين الرجاء والرغبة أنَّ الرجاء طمعٌ والرغبةَ طلب، فهي ثمرة الرّجاء، فإنَّه إذا رجا الشيء طلبه. والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف، فمن رجا شيئًا طلبه ورغب فيه، ومن خاف شيئًا هرب منه (١).
قال صاحب «المنازل» (٢): (الرغبة هي من الرجاء بالحقيقة، لأن الرجاء طمعٌ يحتاج إلى تحقيقٍ، والرغبة سلوكٌ على التحقيق).
أي الرغبة تتولَّد من الرجاء، لكنَّه طمعٌ وهي سلوكٌ وطلبٌ.
وقوله: (الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق)، أي طمعٌ في مُغيَّبٍ عنه مشكوكٍ في حصوله له، وإن كان متحقِّقًا في نفسه، كرجاء العبد دخول الجنّة، فإنَّ الجنَّة متحقِّقة لا شك فيها، وإنَّما الشك في دخوله إليها وهل يوافي ربَّه بعملٍ يمنعه منها أم لا؟ بخلاف الرغبة فإنها لا تكون إلَّا بعد تحقُّق (٣) ما يُرغب فيه، فالإيمان في الرّغبة أقوى منه في الرجاء، فلذلك قال: (والرغبة سلوك على التحقيق).
стр. 1022
هذا معنى كلامه (١). وفيه نظر، فإنَّ الرغبة أيضًا طلب مُغيَّب، هو على شكٍّ من حصوله، فإنَّ المؤمن يرغب في الجنة وليس بجازمٍ بدخولها، فالفرق الصحيح أنَّ الرجاء طمعٌ والرغبة طلبٌ، فإذا قوي الطمع صار طلبًا.
قال (٢): (والرغبة على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: رغبة أهل الخبر ، تتولَّد من العلم فتبعث على الاجتهاد المنوط بالشُّهود، وتصون السالك عن وهن الفترة، وتمنع صاحبَها من الرجوع إلى غثاثة الرخص).
أراد بالخبر هاهنا الإيمان الصادر عن الأخبار، ولهذا جعل تولُّدها من العلم، ولكنَّ هذا الإيمان متصل بمنزل الإحسان منه، يشرف عليه ويصل إليه، ولهذا قال: (المنوط بالشهود)، أي المقترن بالشُّهود. وذلك الشُّهود هو مشهد مقام الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنَّك تراه. ولا مشهد للعبد في الدُّنيا أعلى من هذا.
وعند كثيرٍ من الصُّوفية أنَّ فوقه مشهدًا أعلى منه، وهو شهود الحقِّ مع غيبته عن كلِّ ما سواه، وهو مقام الفناء، وقد عرفتَ ما فيه (٣). ولو كان فوق مقام الإحسان مقامٌ آخر لذكره النبيُّ ﷺ لجبريل ولسأله عنه، فإنَّه جمع مقاماتِ الدِّين كلَّها في الإسلام والإيمان والإحسان.
стр. 1023
نعم، الفناء المحمود ــ وهو تحقيق مقام الإحسان ــ أن (١) يفنى بحبِّه وخوفه ورجائه والتّوكُّل عليه وعبادته والتّبتُّل إليه عن غيره. وليس فوق ذلك مقام يُطلب إلا ما هو من عوارض الطريق.
قوله: (وتصون السالك عن وهن الفترة)، أي تحفظه عن ضعف فتوره وكسله الذي سببُه عدمُ الرغبة أو قلَّتها.
وقوله: (وتمنع صاحبها من الرُّجوع إلى غثاثة الرُّخص)، أهل العزائم بناءُ (٢) أمرهم على الجدِّ والصِّدق، والسُّكونُ منهم إلى الرُّخص رجوع وبطالة.
وهذا موضعٌ يحتاج إلى تفصيلٍ، ليس على إطلاقه، فإنَّ الله يحبُّ أن يؤخذ برخصه كما يحبُّ أن يؤخذ بعزائمه. وفي «المسند» مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ : «إنَّ الله يحبُّ أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (٣)، فجعل الأخذ بالرُّخص قُبالةَ إتيان المعاصي، وجعل حظَّ هذا: المحبَّةَ، وحظَّ هذا: الكراهية.
وما عَرَض للنبيِّ ﷺ أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (٤)، والرُّخصة أيسر من العزيمة. وهكذا كانت حاله في فطره في سفره، وجمعه بين الصلاتين، والاقتصار من الرُّباعية على شطرها، وغير ذلك. فنقول: الرُّخصة
стр. 1024
نوعان:
أحدهما: الرُّخصة المستقرَّة المعلومة من الشَّرع نصًّا (١)، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة، وإن قيل لها عزيمةٌ باعتبار الأمر والوجوب فهي رخصةٌ باعتبار الإذن والتّوسعة. وكفطر المريض والمسافر، وقصر الصلاة في السفر، وصلاةِ المريض إذا شقَّ عليه القيام قاعدًا، وفطرِ الحامل والمرضع خوفًا (٢) على ولديهما، ونكاحِ الأمة خوفًا من العنت، ونحو ذلك. فليس في تعاطي هذه الرُّخص ما يوهن رغبته، ولا يردُّه إلى غثاثةٍ، ولا ينقص طلبه وإرادته البتَّة، فإنَّ منها ما هو واجب كأكل الميتة عند الضرورة، ومنها ما هو راجحُ المصلحةِ كفطر الصائم المريض وقصر المسافر وفطره، ومنها ما مصلحته للمترخِّص وغيره، ففيه مصلحتان: قاصرة ومتعدِّية، كفطر الحامل والمرضع؛ ففعلُ هذه الرُّخص أرجح وأفضل من تركه (٣).
النوع الثاني: رخص التأويلات واختلاف المذاهب، فهذه تتبُّعها حرام ينقص الرغبة، ويوهن الطلب، ويرجع بالمترخِّص إلى غثاثة الرُّخص؛ فإنَّ من ترخَّص بقول أهل مكَّة في الصَّرْف، وأهل العراق في الأشربة، وأهل المدينة في الأطعمة، وأصحاب الحِيَل في المعاملات، وقولِ ابن عبَّاسٍ في المتعة وإباحة لحوم الحمر، وقولِ من جوَّز نكاح البغايا المعروفاتِ بالبغاء وجوَّز أن يكون زوجَ قحبةٍ، وقولِ من أباح آلات اللهو والمعازف من اليَراع
стр. 1025
والطُّنبور والعود والطبل والمزمار، وقولِ من أباح الغناء، وقولِ من جوَّز استعارة الجواري الحسان للوطء، وقولِ من جوَّز للصّائم أكل البَرَد وقال: ليس بطعامٍ ولا شرابٍ، وقولِ من جوَّز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم، وقولِ من صحَّح الصلاة بـ ﴿(٦٣)﴾ [الرحمن: ٦٤] بالفارسيَّة وركع كلمحة (١) الطَّرْف ثمَّ فَصَل كحدِّ السيف ثم هوى من غير اعتدالٍ وفصل بين السجدتين بارتفاع كحدِّ السّيف ولم يتشهَّد ولم يصلِّ على النبيِّ ﷺ وخرج من الصلاة بحَبْقة (٢)، وقولِ من جوَّز وطء النِّساء في أعجازهنَّ، ونكاحَ بنته المخلوقة من مائه الخارجةِ من صلبه حقيقةً إذا كان ذلك الحمل من زنًى، وأمثالِ ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء المرجوحة= فهذا الذي يَنقص ترخُّصُه رغبتَه، ويوهن طلبه، ويلقيه في غثاثة الرُّخص؛ فهذا لون والأوَّل لون.
قال (٣): (الدرجة الثانية: رغبة أرباب الحال ، وهي رغبةٌ لا تُبقي من المجهود إلا (٤) مبذولًا، ولا تدع للهمّة ذبولًا، ولا تترك غير القصد (٥)
стр. 1026
مأمولًا).
يعني أنَّ الرغبة الحاصلة لأرباب الحال فوق رغبة أصحاب الخبر، لأنّ صاحب الحال كالمضطرِّ إلى رغبته وإرادته، فهو كالفراش الذي إذا رأى النُّور ألقى نفسه فيه ولا يبالي ما أصابه، فرغبته لا تدع من مجهوده مقدورًا له إلَّا بذله، ولا تدع لهمَّته وعزيمته فترةً ولا خمودًا، فهمَّته وعزيمته في مزيدٍ بعدد الأنفاس، ولا تترك في قلبه نصيبًا لغير مقصوده، وذلك لغلبة سلطان الحال.
وصاحب هذه الحال لا يقاومه إلَّا حالٌ مثل حاله أو أقوى منه، ومتى لم تصادفه حالٌ تعارضه فله من النُّفوذ والتأثير بحسب حاله.
قال (١): (الدرجة الثالثة: رغبة أهل الشُّهود ، وهي تشرُّفٌ تصحبه تقيَّة، وتحمله عليها همَّةٌ نقيَّة، لا تبقى معه من التفرُّق بقيَّة).
يشير الشيخ ﵀ بذلك إلى حال الفناء التي يحمله عليها همَّةٌ نقيَّةٌ من أدناس الالتفات إلى ما سوى الحقِّ، بحيث لا يبقى معه بقيَّةٌ من تفرقةٍ، بل قد اجتمع شاهده كلُّه وانحصر في مشهوده. وأراد بالشُّهود هاهنا شهود الحقيقة.
وقوله: (تشرُّفٌ) أي استشراف للغيبة في الفناء. ويحتمل أن يريد به تشرُّفًا عن التفاته إلى ما سوى مشهوده.
والتقيَّة التي تصحب هذا التشرُّف يحتمل أن يريد (٢) التقيَّةَ من إظهار
стр. 1027
الناس على حاله وإطلاعهم عليها صيانةً لها وغيرةً عليها، ويحتمل أن يريد بها (١) الحذر من التفاته في شهوده إلى ما سوى حضرة مشهوده، فهو يتَّقي ذلك الالتفات ويحذره كلَّ الحذر.
ثمّ ذكر الحامل له على هذه الرغبة، وهي اللطيفة المدركة المريدة التي قد تطهَّرت قبل وصولها إلى هذه الغاية، وهي: الهمَّة النقيَّة. ولو لم يحصل لها كمال الطهارة لبقيت عليها بقيَّة منها تمنعها من وصولها إلى هذه الدرجة. والله أعلم.
* * * *
стр. 1028
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الرِّعاية . وهي مراعاة العلم وحفظه بالعمل، ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص وحفظه من المفسدات، ومراعاة الحال بالموافقة وحفظه بقطع التفرُّق؛ فالرِّعاية صيانةٌ وحفظٌ.
ومراتب العلم والعمل ثلاثة: روايةٌ، وهي مجرَّد النّقل وحمل المرويِّ. ودرايةٌ، وهي فهمه وتعقُّل معناه. ورعايةٌ، وهي العمل بموجب ما علمه ومقتضاه. فالنقَلة همَّتهم الرِّواية، والعلماء همَّتهم الدِّراية، والعارفون همَّتهم الرِّعاية.
وقد ذمَّ الله تعالى من لم يرعَ ما اختاره وابتدعه من الرهبانيَّة حقَّ رعايته، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ﴾ [الحديد: ٢٧].
﴿مَا﴾ منصوبٌ بـ ﴿كَتَبْنَاهَا﴾ على الاشتغال، إمَّا بنفس الفعل المذكور على قول الكوفيِّين، وإمَّا بمقدَّرٍ محذوفٍ مفسَّرٍ بهذا المذكور على قول البصريِّين، أي: وابتدعوا رهبانيّةً.
وليس منصوبًا بوقوع الجعل عليه، فالوقف التامُّ عند قوله: ﴿وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً﴾، ثمّ يبتدئ: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا﴾ أي: لم يَشْرَعها لهم، بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم، ولم يكتبها عليهم.
стр. 1029
وفي نصب قوله: ﴿رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا﴾ ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنَّه مفعولٌ له، أي: لم يكتبها عليهم إلَّا ابتغاء رضوان الله. وهذا فاسدٌ، فإنَّه لم يكتبها عليهم سبحانه، كيف وقد أخبر أنَّهم هم ابتدعوها، فهي مبتدعةٌ غير مكتوبةٍ. وأيضًا، فإنَّ المفعول لأجله يجب أن يكون علَّةً لفعل الفاعل المذكور معه، فيتَّحد السبب والغاية، نحو: قمت إكرامًا له، فالقائم هو المُكرِم، وفِعلُ (١) الفاعل المعلَّل هاهنا هو الكتابة، و ﴿اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا﴾ فِعلُهم لا فعل الله تعالى، فلا يصلح أن يكون علَّةً لفعل الله لاختلاف الفاعل.
وقيل: بدلٌ من مفعول ﴿إِلَّا﴾، أي: ما كتبنا عليهم إلَّا ابتغاء رضوان الله. وهو فاسدٌ أيضًا، إذ ليس ابتغاء رضوان الله عينَ الرهبانية، فيكونَ بدل الشيء من الشيء، ولا بعضَها فيكونَ بدل بعضٍ من كلٍّ، ولا أحدُهما مشتملٌ على الآخر فيكونَ بدل اشتمالٍ، وليس ببدل غلطٍ.
فالصواب: أنه منصوبٌ نصبَ الاستثناء المنقطع. أي: لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلَّا لطلب رضوان الله. ودلَّ على هذا قول (٢): ﴿كَتَبْنَاهَا﴾، ثمَّ ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية، وأنه طلب رضوانه تعالى (٣).
стр. 1030
ثمَّ ذمَّهم بترك رعايتها، إذ من التزم لله شيئًا لم يُلزمه الله إيَّاه من أنواع القُرَب لزمه رعايته وإتمامه، حتَّى ألزم كثيرٌ من الفقهاء مَن شرع في طاعةٍ مستحبَّةٍ بإتمامها، وجعلوا التزامَها بالشروع كالتزامها بالنذر، كما قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، وهو إجماعٌ أو كالإجماع في أحد النُّسكين (١). قالوا: والالتزام بالشُّروع أقوى من الالتزام بالقول، فكما يجب عليه رعاية ما التزمه بالنذر وفاءً، يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتمامًا. وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة.
والقصد: أنَّ الله سبحانه ذمَّ من لم يرعَ قربةً ابتدعها لله حقَّ رعايتها، فكيف بمن لم يرعَ قربةً شرعها الله ورضيها لعباده (٢)؟!
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (الرِّعاية: صونٌ بالعناية، وهي على ثلاث درجاتٍ، الأولى: رعاية الأعمال، والثانية: رعاية الأحوال، والثالثة: رعاية الأوقات. فأمَّا رعاية الأعمال فتوفيرُها بتحقيرها، والقيامُ بها من غير نظرٍ إليها، وإجراؤها على مجرى العلم لا على التزيُّن بها من غير نظرٍ إليها (٤)).
стр. 1031
أمّا قوله: (صون بالعناية) أي حفظٌ بالاعتناء، والقيامُ بحقِّ الشيء الذي يرعاه، ومنه راعي الغنم.
وأما قوله: (رعاية الأعمال فتوفيرها بتحقيرها)، فالتوفير: سلامةٌ من طرفي التفريط بالنقص، والإفراط بالزِّيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وشروطها وأوقاتها. وأمَّا تحقيرها فاستصغارها في عينه واستقلالها، وأنَّ ما يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديَّته أمرٌ آخر، وأنَّه لم يوفِّه حقَّه، ولا يرضى لربِّه بعمله ولا بشيءٍ منه.
وقد قيل: علامة رضا الله عنك سخطك على نفسك (١)، وعلامة قبول العمل احتقاره واستقلاله وصغره في قلبك، حتى إنَّ العارف ليستغفر الله عقيب طاعاته. وقد كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم من الصّلاة استغفر ثلاثًا (٢). وأمر الله عباده بالاستغفار عقيب الحجِّ (٣)، ومدحهم على الاستغفار عقيب قيام الليل بالأسحار (٤). وشرع النبيُّ ﷺ للأمة عقيب الطُّهور التوبة والاستغفار (٥).
стр. 1032
فمن شهد واجبَ ربِّه ومقدارَ عمله وعيبَ نفسه لم يجد بدًّا من استغفار ربِّه منه واحتقاره إيَّاه واستصغاره.
وأمّا (القيام بها)، فهو توفية حقِّها وجعلُها قائمةً كالشهادة القائمة والصلاة القائمة والشجرةِ القائمة على ساقها التي ليست ساقطة (١).
وقوله: (من غير نظرٍ إليها)، أي من غير أن يلتفت إليها ويعدِّدها ويذكرها مخافةَ العجب والمنَّةِ بها، فيسقط من عين الله وتَحبَط أعمالُه.
وقوله: (وإجراؤها على مجرى العلم) أي: يكون (٢) العمل على مقتضى العلم المأخوذ من مشكاة النبوَّة، إخلاصًا وإرادةً لوجهه وطلبًا لمرضاته، لا على وجه التزيُّن بها عند الناس.
قال (٣): (وأمَّا رعاية الأحوال فهو أن يَعُدَّ الاجتهادَ مُراياةً (٤)، واليقين تشبُّعًا، والحال دعوى).
أي: يتَّهم نفسه في اجتهاده أنَّه رياء للناس، فلا يطغى به ولا يسكن إليه ولا يَعتدُّ به.
стр. 1033
وأمَّا عَدُّه (اليقين تشبُّعًا)؛ التشبُّع: افتخار الإنسان بما لا يملكه، ومنه قول النبيِّ ﷺ : «المتشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبَي زورٍ» (١)، وعدُّه اليقين تشبُّعًا يحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّ ما حصل له من اليقين لم يكن به ولا منه، ولا استحقَّه بعوضٍ. وإنَّما هو فضل الله وعطاؤه، ووديعته عنده، ومجرَّد منَّته عليه، فهي خلعةٌ خلعها على عبده (٢)، والعبدُ وخلعتُه كلٌّ ملكُه وله (٣)، فما للعبد في البَيْن (٤) مدخل، وإنّما هو متشبِّعٌ بما هو ملكٌ لله وفضلٌ منه ومنَّته على عبده.
والوجه الثاني: أن يتَّهم يقينه، وأنّه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ينبغي، بل ما حصل له منه كالعارية غير (٥) الملك المستقرِّ، فهو متشبِّعٌ به تزعم نفسُه أنَّ اليقين مَلَكةٌ له، وليس كذلك. وهذا لا يختصُّ باليقين، بل بسائر الأحوال، فالصادق يَعُدُّ صدقه تشبُّعًا، وكذا المخلص وكذا العالِم، لاتِّهامه لصدقه وإخلاصه وعلمه، وأنَّه لم ترسخ قدمُه في ذلك، ولم تَحصُل له فيه مَلَكة، فهو كالمتشبِّع به (٦). ولمَّا كان اليقينُ روح الأعمال وعمودَها وذروةَ سنامها خصَّه بالذِّكر تنبيهًا على ما دونه.
стр. 1034
والحاصل أنّه يتَّهم نفسه في حصول اليقين، فإذا حصل فليس به ولا منه، ولا له فيه شيءٌ، فهو يذمُّ نفسه في عدم حصوله، ولا يحمدها عند حصوله.
وأمَّا عدُّه (الحال دعوى)، أي دعوى كاذبةً، اتِّهامًا لنفسه، وتطهيرًا لها من رعونة الدَّعاوى، وتخليصًا للقلب من نصيب الشيطان، فإنَّ الدعوى من أنصباء الشيطان منه (١).
فصل
قال (٢): (وأمَّا: رعاية الأوقات فأن يقف مع كلِّ خطوةٍ، ثمَّ أن يغيب عن خطوه بالصَّفاء من رسمه، ثمَّ أن يذهب عن شهود صفوه).
أي يقف مع كل حركة ظاهرة وباطنة بمقدار ما يصححها نيَّةً وقصدًا وإخلاصًا ومتابعةً، فلا يخطو هَمَجًا (٣)، بل يقف قبل الخطوة حتّى يصحِّح الخطوة ثمَّ ينقل قدم عزمه.
فإذا صحَّت له ونقل قدمه، انفصل عنها ــ وقد صحَّت ــ بالغيبة عن شهودها ورؤيتها، فيغيب عن شهود تقدُّمه بنفسه، فإنَّ رسمه هو نفسه. فإذا غاب عن شهوده نفسَه وتقدُّمَه بها في كلِّ خطوةٍ، فذلك عين (الصَّفاء من رسمه) الذي هو نفسه (٤). ولمَّا كانت النفس محلَّ الأكدار سمَّى انفصاله
стр. 1035
عنها صفاءً. وهذه الأمور تستدعي لطف إدراكٍ واستعدادًا (١) من العبد، وذلك عين المنَّة عليه.
وأمَّا (ذهابه عن شهود صفوه) أي لا يستحضِرْ في قلبه ويشهَدْ ذلك الصفو المطلوب ويقفَ عنده، فإنَّ ذلك من بقايا النفس وأحكامها، وهو نوع كدرٍ. فإذا تخلّص من الكدر لا ينبغي له الالتفات والرُّجوع إليه، فيصفوَ من الرسم ويغيبَ عن الصفو بمشاهدة المطلب الأعلى والمقصد الأسنى.
* * * *
стр. 1036
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة المراقبة . قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] (١).
وفي حديث جبريل ﵇ أنَّه سأل النبيَّ ﷺ عن الإحسان؟ فقال: «أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢).
المراقبة: دوام علم العبد (٣) وتيقُّنه باطِّلاع الحقِّ سبحانه على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأنَّ الله سبحانه رقيبٌ عليه، ناظرٌ إليه، سامعٌ لقوله، مطَّلعٌ على عمله كلَّ وقتٍ وكلَّ لحظةٍ (٤). والغافل عن هذا بمعزلٍ عن حال أهل البدايات، فكيف بحال المريدين؟ فكيف العارفين (٥)؟!
стр. 1037
قال الجُرَيريُّ ﵀: من لم يُحكم بينه وبين الله تعالى التَّقوى والمراقبةَ لم يصل إلى الكشف والمشاهدة (١).
وقيل: من راقب اللهَ في خواطره عَصَمه في جوارحه (٢).
وقيل لبعضهم: متى يهشُّ الراعي غنمَه بعصاه عن مراتع الهلكة؟ فقال: إذا علم أنَّ عليه رقيبًا (٣).
قال الجنيد ﵀: من تحقَّق في المراقبة خاف على فوت حظِّه (٤) من ربِّه لا غير (٥).
وقال ذو النُّون ﵀: علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظَّم الله، وتصغير ما صغَّر الله (٦).
وقيل: الرجاء يجرُّك (٧) إلى الطاعة، والخوف يبعدك عن المعاصي،
стр. 1038
والمراقبة تؤدِّيك إلى طريق الحقائق.
وقيل: المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحقِّ مع كلِّ خطرةٍ وخطوةٍ.
قال الجريريُّ ﵀: أمرُنا هذا مبنيٌّ على فصلين: أن تلزم نفسك المراقبةَ لله، ويكونَ العلم على ظاهرك قائمًا (١).
وقال إبراهيم الخوَّاص ﵀: المراقبة خلوص السِّرِّ والعلانية لله (٢).
وقيل: أفضل ما يُلزم الإنسان نفسَه في هذه الطريق: المحاسبة والمراقبة، وسياسة عمله بالعلم (٣).
وقال أبو حفصٍ لأبي عثمان النَّيسابوريِّ ــ رحمهما الله ــ: إذا جلست للناس فكن واعظًا لقلبك ولنفسك، ولا يغرَّنَّك اجتماعُهم عليك، فإنَّهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك (٤).
وأرباب الطريق مجمعون على أنَّ مراقبة الله في الخواطر: سببٌ لحفظه في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سرِّه حفظه الله في حركاته وعلانيته (٥).
والمراقبة هي التعبُّد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير؛ فمن عقل هذه الأسماء وتعبَّد بمقتضاها حصلت له المراقبة.
стр. 1039
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (المراقبة: دوام ملاحظة المقصود، وهي على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: مراقبة الحقِّ تعالى في السَّير إليه على الدّوام، بين تعظيمٍ مُذهلٍ، ومُداناةٍ حاملةٍ، وسرورٍ باعث).
فقوله: (دوام ملاحظة المقصود) أي دوام حضور القلب معه.
وقوله: (بين تعظيم مذهل) ــ وهو امتلاء القلب من عظمته بحيث يُذهله ذلك عن تعظيم غيره وعن الالتفات إليه ــ فلا ينسى هذا التعظيم عند حضور قلبه مع الله، بل يستصحبه دائمًا؛ فإنَّ الحضور مع الله يوجب أنسًا ومحبةً إن لم يقارنهما تعظيمٌ أورثاه خروجًا عن حق العبوديَّة ورعونةً، فكلُّ حبٍّ لا يقارنه تعظيم المحبوب كان سببًا (٢) للبعد عنه والسُّقوط من عينه.
فقد تضمَّن كلامه خمسة أمورٍ: سيرٌ إلى الله، واستدامة للسير، وحضور القلب معه، وتعظيمه، والذُّهول بعظمته عن غيره.
وأمَّا قوله: (ومداناة حاملة)؛ يريد دنوًّا وقربًا حاملًا على هذه الأمور الخمسة. وهذا الدُّنوُّ يحمله على التّعظيم الذي يذهله عن نفسه وعن غيره، فإنه كلَّما ازداد قربًا من الحقِّ ازداد تعظيمًا له وذهولًا عن (٣) سواه وبُعدًا عن الخلق.
وأمّا (السُّرور الباعث) فهو الفرحة والنعيم واللذَّة التي يجدها في تلك
стр. 1040
المداناة، فإنَّ سرور القلب من الله وفرحَه وقرَّةَ العين به لا يشبهه شيءٌ من نعيم الدُّنيا البتة، وليس له نظيرٌ يقاس به. وهو حالٌ من أحوال الجنَّة (١)، حتَّى قال بعض العارفين: إنّه ليمرُّ بي أوقاتٌ أقول فيها: إن كان أهل الجنَّة في مثل هذا إنَّهم لفي عيشٍ طيِّب.
ولا ريب أنَّ هذا السُّرور يبعثه على دوام السَّير إلى الله وبذل الجهد في طلبه وابتغاء مرضاته، ومن لم يجد هذا السُّرور ولا شيئًا منه فليتَّهم إيمانَه وأعماله، فإنَّ للإيمان حلاوةً من لم يذقها فليرجع وليقتبس نورًا يجد به حلاوة الإيمان.
وقد ذكر النبيُّ ﷺ ذوقَ طعم الإيمان ووَجْدَ حلاوته، فذكر الذوق والوجد وعلَّقه بالإيمان فقال: «ذاق طعمَ الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّدٍ رسولًا» (٢)، وقال: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوةَ الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما، ومن كان يحبُّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يُلقى في النار» (٣).
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوةً في قلبك وانشراحًا فاتَّهمه، فإنَّ الربَّ تعالى شكورٌ. يعني: أنَّه لا بدَّ أن يثيب العامل على عمله في الدُّنيا مِن حلاوةٍ يجدها في قلبه وقوَّةٍ وانشراحٍ وقرَّةِ عينٍ، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخولٌ.
стр. 1041
والقصد: أن السرور بالله وقربَه وقرةَ العين به تبعث على الازدياد من طاعته وتحثُّ على السير إليه.
قال (١): (و الدرجة الثانية: مراقبة نظر الحقِّ إليك برفض المعارضة ، بالإعراض (٢) عن الاعتراض ونقض رعونة التعرُّض).
هذه مراقبةٌ لمراقبة الله لك، فهي مراقبةٌ لصفةٍ خاصَّةٍ معيَّنةٍ، وهي توجب صيانة الباطن والظاهر، فصيانة الظاهر بحفظ الحركات الظاهرة، وصيانة الباطن بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة التي منها رَفضُ معارضةِ أمره وخبره، فيتجرّد الباطن من كلِّ شهوةٍ تعارض أمره، وإرادةٍ تعارض إرادته، ومن (٣) كلِّ شبهةٍ تعارض خبره، ومن كلِّ محبَّةٍ تزاحم محبَّته. وهذا حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله به. وهذا هو حقيقة تجريد الأبرار المقرَّبين العارفين، وكلُّ تجريدٍ سوى هذا فناقصٌ، وهذا تجريد أرباب العزائم.
ثم بيَّن الشيخ سبب المعارضة وبماذا يرفضها العبد، فقال: (بالإعراض عن الاعتراض)، فإنَّ المعارضة تتولَّد من الاعتراض. و الاعتراض ثلاثة أنواعٍ سارية في الناس ، والمعصوم من عصمه الله منها:
النوع الأوَّل: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشُّبه الباطلة التي يسمِّيها
стр. 1042
أربابُها قواطعَ عقليَّة، وهي في الحقيقة خيالاتٌ جهليَّة ومُحالاتٌ ذهنيَّة، اعترضوا بها على أسمائه وصفاته، وحكموا بها عليه، ونفوا لأجْلِها ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله، وأثبتوا ما نفاه، ووالَوا بها أعداءَه، وعادَوا بها أولياءه، وحرَّفوا بها الكلم عن مواضعه، وتركوا لها نصيبًا كبيرًا ممَّا ذكِّروا به، وتقطَّعوا لها أمرَهم بينهم زبرًا، كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون.
والعاصم من هذا الاعتراض: التسليم المحض للوحي. فإذا سلَّم له القلب رأى صحَّة ما جاء به وأنَّه الحقُّ بصريح العقل والفطرة، فاجتمع له السمع والعقل والفطرة، وهذا أكمل الإيمان، ليس كمن الحَرْبُ قائمٌ بين سمعه وعقله (١) وفطرته.
النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره . وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواعٍ:
أحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم، المتضمِّنةِ تحليلَ ما حرَّمه الله، وتحريمَ ما أباحه، وإسقاطَ ما أوجبه، وإيجابَ ما أسقطه، وإبطالَ ما صحَّحه، وتصحيحَ ما أبطله، واعتبارَ ما ألغاه، وإلغاءَ ما اعتبره، وتقييدَ ما أطلقه، وإطلاقَ ما قيَّده.
وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتَّفق السلفُ قاطبةً على ذمِّها والتّحذير منها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض وحذَّروا منهم (٢).
النوع الثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق
стр. 1043
والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمِّنةِ شرعَ دينٍ لم يأذن به الله، وإبطالَ دينه الذي شرعه على لسان رسوله ﷺ ، والتعوُّضَ (١) عن حقائق الإيمان بخُدَع الشيطان وحظوظ النُّفوس.
والعجب أنَّ أربابها ينكرون على أهل الحظوظ، وكلُّ ما هم فيه فحظٌّ ولكن حظٌّ (٢) تضمَّن مخالفةَ مراد الله، والإعراضَ عن دينه، واعتقادَ أنَّه قربةٌ إلى الله؛ فأين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات، المعترفين بذمِّها (٣)، المستغفرين منها، المقرِّين بنقصهم وعيبهم، وأنَّها منافيةٌ للدِّين؟
وهؤلاء في حظوظٍ اتَّخذوها دينًا، وقدَّموها على شرع الله ودينه، واجتالوا بها القلوب، واقتطعوها عن طريق الله؛ فتولَّد من معقول أولئك، وآراء الآخرين وأقيستهم الباطلة، وأذواق هؤلاء= خرابُ العالم، وفسادُ الوجود، وهدمُ قواعد الدِّين، وتفاقَمَ الأمرُ، وكاد (٤)، لولا أنَّ الله ضَمِن أنَّه لا يزال يقوم به مَن يحفظه ويبيِّن معالمه ويحميه مِن كيد مَن كاده ــ.
النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسِّياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدَّموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطَّلوا لها شرعَه وعدلَه وحدودَه.
فقال الأوَّلون: إذا تعارض العقل والنقل قدَّمنا العقل. وقال الآخرون:
стр. 1044
إذا تعارض الأثر والقياس قدَّمنا القياس. وقال أصحاب الذوق (١) إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع، قدَّمنا الذوق (٢) والكشف. وقال أصحاب السِّياسة: إذا تعارضت السِّياسة والشرع قدَّمنا السِّياسة.
فجعلت (٣) كلُّ طائفةٍ قُبالة دينِ الله وشرعِه طاغوتًا يتحاكمون إليه. فهؤلاء يقولون: لكم النقل ولنا العقل. والآخرون يقولون: أنتم أصحاب أخبارٍ وآثار ونحن أصحاب أقيسةٍ وآراء وأفكار. وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقيقة. والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السِّياسة.
فيا لها بليَّةً عمَّت فأعمت، ورزيَّةً رَمَتْ فأَصْمَتْ، وفتنةً دعت القلوب فأجابها كلُّ قلبٍ مفتونٍ، وأهويةً عصفت فصَمَّت منها الآذان وعَمِيت منها العيون!
عطِّلت لها واللهِ معالمُ الأحكام، كما نفيت لها صفات ذي الجلال والإكرام، واستند لأجلها (٤) كلُّ قومٍ إلى ظُلَمِ آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحيُ عرضةً لكلِّ تحريفٍ وتأويلٍ، والدِّينُ وقفًا على كلِّ إفسادٍ وتبديل.
النوع الثالث (٥): الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره. وهذا اعتراض
стр. 1045
الجهَّال. وهو ما بين جليٍّ وخفيٍّ، وهو أنواعٌ لا تحصى، وهو سارٍ في النُّفوس سَرَيان الحمَّى في بدن المحموم.
ولو تأمَّل العبدُ كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله، لرأى ذلك في قلبه عِيانًا، فكلُّ نفسٍ معترضةٌ على قَدَر الله وقَسْمه وأفعاله، إلَّا نفسًا قد اطمأنَّت إليه وعرفته حقَّ المعرفة التي يمكن وصولُ البشر إليها، فتلك حظُّها التسليمُ والانقيادُ والرِّضا كلُّ الرِّضاء.
وأمَّا (نقض رعونة التعرُّض)، فيشير به إلى معنًى آخر، لا تتمُّ المراقبة عنده إلَّا بنقضه، وهو إحساس العبد بنفسه وخواطره وأفكاره حالَ المراقبة والحضورِ (١) مع الله، فإنَّ ذلك تعرُّضٌ منه لحجاب الحقِّ له عن كمال الشُّهود، لأنَّ بقاء العبد مع مداركه وحواسِّه ومشاعره وأفكاره وخواطره عند الحضور والمشاهدة هو تعرُّضٌ للحجاب، فينبغي أنّ تتخلَّص (٢) مراقبةُ نظر الحقِّ إليك من هذه الآفات. وذلك يحصل بالاستغراق في الذِّكر، فتَذْهَل به عن نفسك وعمَّا منك، لتكون بذلك متهيِّئًا مستعدًّا للفناء عن وجودك وعن وجود كلِّ ما سوى المذكور سبحانه.
وهذا التهَيِّي (٣) والاستعداد لا يكون إلا بنقض تلك الرُّعونة. والذِّكر
стр. 1046
يوجب الغيبة عن الحسِّ، فمن كان ذاكرًا لنظر الحقِّ إليه مراقبًا له (١)، ثمَّ أحسَّ بشيءٍ من حديث نفسه وخواطره وأفكاره، فقد تعرَّض واستدعى عوالم نفسه واحتجابَ المذكور عنه، لأنَّ حضرة الحقِّ سبحانه لا يكون فيها غيره.
وهذه الدرجة لا يقدر عليها العبد إلَّا بملكةٍ قويَّةٍ من الذِّكر وجمعِ القلب فيه بكلِّيَّته على الله .
فصل
قال (٢): (الدرجة الثالثة: مراقبةُ الأزل بمطالعة عين السبق استقبالًا لعَلَم التوحيد، ومراقبةُ ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد، ومراقبةُ الإخلاص (٣) من ورطة المراقبة).
قوله: (مراقبة الأزل) أي شهود معنى الأزل، وهو القِدَم الذي لا أوَّل له.
(بمطالعة عين السبق) أي بشهود سبق الحقِّ تعالى لكلِّ ما سواه، إذ هو الأوَّل الذي ليس قبله شيءٌ. فمتى طالع القلب عينَ هذا السبق شهد معنى الأزل وعرف حقيقته، فبدا له حينئذٍ عَلَم التوحيد، فاستقبله كما يستقبل أعلام البلد وأعلام الجيش، ورُفع له فشمَّر إليه، وهو شهوده انفرادَ الحقِّ
стр. 1047
بأزليَّته وحده، وأنَّه كان ولم يكن شيءٌ غيره البتَّة، وكلُّ ما سواه فكائنٌ (١) بعد عدمه. فإذا عدمت الكائنات من شهوده، كما كانت معدومةً في الأزل، فطالع عين السبق، وفني بشهود من لم يزل عن شهود من لم يكن= فقد استقبل (عَلَم التوحيد).
وأمَّا (مراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد)، فقد تقدَّم (٢) أنَّ ما يظهر في الأبد هو عين ما كان معلومًا في الأزل، وأنَّه إنَّما (٣) تجدَّدت أحايينه، وهي أوقات ظهوره؛ فقد ظهرت إشارات الأزل ــ وهي ما يشير إليه العقل بالأزليَّة من المقدَّرات العلميَّة ــ على أحايين الأبد.
هذا معناه الصحيح عندي. والقوم يريدون به معنًى آخر وهو اتِّصال الأبد بالأزل في الشُّهود، وذلك بأن يطوي بساط الكائنات عن شهوده طيًّا كلِّيًّا، ويشهد استمرار وجود الحقِّ سبحانه وحده مجرَّدًا عن كلِّ ما سواه، فيتصل بهذا الشُّهود الأزلُ بالأبد ويصيران شيئًا واحدًا، وهو دوام وجوده سبحانه بقطع النظر عن كلِّ حادثٍ.
والشُّهود الأوّل أكمل وأتمُّ، وهو متعلِّقٌ بأسمائه وصفاته، وتقدُّمِ علمه بالأشياء ووقوعِها في الأبد مطابقةً لعلمه الأزليِّ، فهذا الشُّهود يعطي إيمانًا ومعرفةً، وإثباتًا للعلم والقدرة والفعل والقضاء والقدر.
стр. 1048
وأمَّا الشُّهود الثاني فلا يعطي صاحبَه معرفةً ولا إيمانًا، ولا إثباتًا لاسمٍ ولا صفةٍ، ولا عبوديَّةٍ نافعة، وهو أمرٌ مشترَك يشهده كلُّ من أقرَّ بالصانع، من مسلمٍ وكافرٍ. فإذا استغرق في شهود أزليَّته وتفرُّدِه بالقدم، وغاب عن الكائنات، اتَّصل في شهوده الأزل بالأبد؛ فأيُّ كبير أمرٍ في هذا؟! وأيُّ إيمانٍ ويقينٍ يحصل به؟ ونحن لا ننكر ذوقَه ولا نقدح في وجوده، وإنَّما نقدح في مرتبته وتفضيله على ما قبله من المراقبة، بحيث يكون لخاصَّة الخاصَّة وما قبلَه لمن هو دونهم، فهذا عين الوهم. والله الموفِّق.
فإذا اتَّصل في شهود الشاهدِ الأزلُ الذي لا بداية له بالأزمنة التي يُعقَل لها بدايةٌ ــ وهي أزمنة الحوادث ــ ثمَّ اتَّصل ذلك بما لا نهاية له، بحيث صارت الأزمنة الثلاثة واحدًا، لا ماضي فيه ولا حاضر ولا مستقبل، وذلك لا يكون إلَّا إذا شهد فناءَ الحوادث فناءً مطلقًا وعدمَها عدمًا كلِّيًّا= وذلك (١) تقدير وهميٌّ مخالف للواقع، وهو تجريد خياليٌّ يوقعه (٢) في بحرٍ طامسٍ لا ساحل له، وليلٍ دامسٍ لا فجر له.
فأين هذا من مشهد تنوُّع الأسماء والصِّفات، وتعلُّقها بأنواع الكائنات، وارتباطها بجميع الحادثات، وإعطاءِ كلِّ اسمٍ منها وكلِّ صفةٍ حقَّها من الشُّهود والعبوديَّة، والنظر إلى سَرَيان آثارها في الخلق والأمر، والعالمِ العلويِّ والسُّفليِّ، والظاهرِ والباطن، ودارِ الدُّنيا ودار الآخرة، وقيامِه بالفرق والجمع في ذلك علمًا ومعرفةً وحالًا؟! وبالله المستعان.
стр. 1049
قوله: (ومراقبة الإخلاص (١) من ورطة المراقبة)، يشير إلى فناء شهود المراقِب نفسه وما منها، وأنَّه يفنى بمن يراقبه عن نفسه وما منها. فإذا كان باقيًا بشهود مراقبته فهو في ورطتها لم يتخلَّص منها، لأنَّ شهود المراقبة لا يكون إلَّا مع بقائه (٢). والمقصود إنَّما هو الفناء والتخلُّص من نفسه ومن صفاتها وما منها.
وقد عرفتَ أنَّ فوق هذا درجةً أعلى منها وأرفع وأشرف، وهي مراقبة مواقع رضا الربِّ ومساخطه في كلِّ حركةٍ، والفناء عمَّا يسخطه بما يحبُّ، والتفرُّق له به (٣) وفيه، ناظرًا إلى عين جمع العبوديَّة، فانيًا عن مراده من ربِّه ــ ولو علا ــ بمراد ربِّه منه.
* * * *
стр. 1050
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة تعظيم حرمات الله .
قال تعالى: ﴿يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ﴾ [الحج: ٣٠]. قال جماعةٌ من المفسِّرين ﵃: حرمات الله هاهنا معاصيه وما نهى عنه، وتعظيمُها ترك ملابستها. قال اللَّيث ﵀ (١): حرمات الله: ما لا يحلُّ انتهاكها (٢). وقال قوم: الحرمات هي الأمر والنهي. قال الزجَّاج (٣): الحرمة ما وجب القيام به وحَرُم التفريط فيه. وقال قوم: الحرمات هاهنا المناسك ومشاعر الحجِّ زمانًا ومكانًا (٤).
والصواب: أنَّ الحرمات تعمُّ هذا كلَّه. وهي جمع حرمةٍ، وهي ما يجب احترامه وحفظُه من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن، فتعظيمها توفيتُها حقَّها وحفظُها من الإضاعة.
قال صاحب «المنازل» ﵀ (٥): (الحرمة: هي التحرُّج عن المخالفات والمجاسرات).
стр. 1051
التحرُّج: الخروج من حرج المخالفة. وبناء (تفعَّلَ) يكون للدُّخول في الشّيء، كـ (تمنَّى) إذا دخل في الأمنية، و (تولَّج في الأمر) ونحوه؛ وللخروج منه، كـ (تحرَّج) و (تحوَّب) و (تأثَّم)، إذا أراد الخروج من الحرج والحوب والإثم.
أراد أنَّ الحرمة هي الخروج من حرج المخالفة وجسارة الإقدام عليها. ولمَّا كان المخالف قسمين جاسرًا وهائبًا قال: (عن المخالفات والمجاسرات).
قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: تعظيم الأمر والنهي، لا خوفًا من العقوبة فيكونَ خصومةً للنفس، ولا طلبًا للمثوبة فيكونَ مستشرفًا (٢) للأُجرة، ولا مشاهدًا لأحدٍ فيكونَ متزيِّنًا (٣) بالمراياة؛ فإنَّ هذه الأوصاف كلَّها شُعَب من عبادة النفس).
هذا الموضع يكثر في (٤) كلام القوم. والناس بين معظِّمٍ له ولأصحابه معتقدٍ أنَّ هذا أرفع درجات العبوديَّة (٥): أن لا يعبد الله ويقوم بأمره ونهيه خوفًا من عِقابه ولا طمعًا في ثوابه، فإنَّ هذا واقفٌ مع غرضه وحظِّ نفسه، وأنَّ
стр. 1052
المحبَّة تأبى ذلك، فإنَّ المحبَّ لا حظَّ له مع محبوبه، فوقوفه مع حظِّه علَّةٌ في محبَّته. وأنَّ طمعه في الثواب تطلُّعٌ إلى أنَّه يستحقُّ بعمله على الله أُجرةً، ففي هذا آفتان: تطلُّعه إلى الأُجرة، وإحسان ظنِّه بعمله، إذ تطلُّعه إلى استحقاق الأجرِ به (١)، وخوفُه من العقاب= خصومةٌ للنَّفس، فإنَّه لا يزال يخاصمها إذا خالفت (٢) ويقول: أَما تخافين النَّار وعذابَها وما أعدَّ الله لأهلها؟! فلا تزال الخصومة بذلك بينه وبين نفسه (٣).
ومن وجهٍ آخرَ أيضًا: وهو أنَّه كالمخاصم عن نفسه، المدافع عنها لخصمه الذي يريد هلاكه، وهو عين الاهتمام بالنَّفس والالتفاتِ إلى حظوظها مخاصمةً عنها واستدعاءً لها ما تلتذُّ به.
ولا يخلِّصه من هذه المخاصمة وذلك الاستشراف إلَّا تجريدُ القيام بالأمر والنهي من كلِّ علَّةٍ، بل يقوم به تعظيمًا للآمر الناهي، وأنَّه أهلٌ أن يعبد وتعظَّمَ حرماتُه ولو لم يخلق جنةً ولا نارًا، فهو يستحقُّ العبادة والتعظيم والإجلال لذاته، كما في الأثر الإسرائيليِّ: «لو لم أخلق جنةً ولا نارًا، أما كنتُ أهلًا أن أُعبَد؟» (٤).
стр. 1053
ومنه قول القائل (١):
هَبِ البعثَ لم تأتنا رُسْلُه ... وجاحِمةُ النار لم تُضْرَمِ
أليس من الواجب المُستَحَقّْ ... على ذي الورى الشُّكرُ للمنعم
فالنُّفوس العليَّة الزكيَّة تعبده لأنَّه أهلٌ أن يُعبَد ويُجَلَّ ويحبَّ ويعظَّم، فهو لذاته مستحقٌّ للعبادة.
قالوا: ولا يكون العبد كأجير السوء، إن أُعطي أجرَه عمل وإلَّا (٢) لم يعمل، فهذا عبد الأُجرة لا عبد المحبَّة والإرادة.
قالوا: والعمَّال شاخصون إلى منزلتين: منزلة الأجرة، ومنزلة القربة (٣) من المطاع. قال تعالى في حقِّ نبيِّه داود ﷺ : ﴿عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ﴾ [ص: ٢٥]، فالزُّلفى منزلة القرب، وحسن المآب حسن الثواب والجزاء.
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحسنى الجزاء، والزِّيادة منزلة القربة (٤)، ولهذا فسِّرت بالنظر إلى وجه الله (٥).
стр. 1054
وهذان هما اللَّذان وعدهما فرعون للسحرة إن غلبوا موسى، فقالوا له: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢].
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].
قالوا: فالعارفون عملهم على المنزلة والدَّرجة، والعمَّال عملهم على الثواب والأجرة، وشتَّان ما بينهما!
فصل
وطائفةٌ ثانيةٌ تجعل هذا الكلام من شطحات القوم ورعوناتهم. وتحتجُّ بأحوال الأنبياء والرُّسل والصِّدِّيقين، ودعائهم وسؤالهم، والثَّناء عليهم (١) بخوفهم من النار ورجائهم للجنَّة، كما قال تعالى في حقِّ خواصِّ عباده الذين عبدهم المشركون: إنَّهم يرجون رحمته ويخافون عذابه كما تقدَّم (٢).
وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]، أي رغبًا فيما عندنا ورهبًا من عذابنا. والضمير في قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ عائدٌ
стр. 1055
على الأنبياء المذكورين في هذه السُّورة عند عامَّة المفسِّرين (١). والرَّغَب والرَّهَب: رجاء الرحمة والخوف من النار عندهم أجمعين.
وذكر سبحانه عباده الذين هم خواصُّه (٢)، وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم، وجعل منها استعاذتَهم به من النار فقال: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ [الفرقان: ٦٥ - ٦٦].
وأخبر عنهم أنَّهم توسَّلوا إليه بإيمانهم أن ينجيهم من النار، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦]، فجعلوا أعظم وسائلهم إليه ــ وسيلةَ الإيمان ــ أن ينجيهم من النار.
وأخبر تعالى عن العارفين (٣) أولي الألباب والفكر أنَّهم كانوا يسألونه جنَّته ويتعوَّذون به من ناره، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا