← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

التحرُّج: الخروج من حرج المخالفة. وبناء (تفعَّلَ) يكون للدُّخول في الشّيء، كـ (تمنَّى) إذا دخل في الأمنية، و (تولَّج في الأمر) ونحوه؛ وللخروج منه، كـ (تحرَّج) و (تحوَّب) و (تأثَّم)، إذا أراد الخروج من الحرج والحوب والإثم. أراد أنَّ الحرمة هي الخروج من حرج المخالفة وجسارة الإقدام عليها. ولمَّا كان المخالف قسمين جاسرًا وهائبًا قال: (عن المخالفات والمجاسرات). قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: تعظيم الأمر والنهي، لا خوفًا من العقوبة فيكونَ خصومةً للنفس، ولا طلبًا للمثوبة فيكونَ مستشرفًا (٢) للأُجرة، ولا مشاهدًا لأحدٍ فيكونَ متزيِّنًا (٣) بالمراياة؛ فإنَّ هذه الأوصاف كلَّها شُعَب من عبادة النفس). هذا الموضع يكثر في (٤) كلام القوم. والناس بين معظِّمٍ له ولأصحابه معتقدٍ أنَّ هذا أرفع درجات العبوديَّة (٥): أن لا يعبد الله ويقوم بأمره ونهيه خوفًا من عِقابه ولا طمعًا في ثوابه، فإنَّ هذا واقفٌ مع غرضه وحظِّ نفسه، وأنَّ

стр. 1052

المحبَّة تأبى ذلك، فإنَّ المحبَّ لا حظَّ له مع محبوبه، فوقوفه مع حظِّه علَّةٌ في محبَّته. وأنَّ طمعه في الثواب تطلُّعٌ إلى أنَّه يستحقُّ بعمله على الله أُجرةً، ففي هذا آفتان: تطلُّعه إلى الأُجرة، وإحسان ظنِّه بعمله، إذ تطلُّعه إلى استحقاق الأجرِ به (١)، وخوفُه من العقاب= خصومةٌ للنَّفس، فإنَّه لا يزال يخاصمها إذا خالفت (٢) ويقول: أَما تخافين النَّار وعذابَها وما أعدَّ الله لأهلها؟! فلا تزال الخصومة بذلك بينه وبين نفسه (٣). ومن وجهٍ آخرَ أيضًا: وهو أنَّه كالمخاصم عن نفسه، المدافع عنها لخصمه الذي يريد هلاكه، وهو عين الاهتمام بالنَّفس والالتفاتِ إلى حظوظها مخاصمةً عنها واستدعاءً لها ما تلتذُّ به. ولا يخلِّصه من هذه المخاصمة وذلك الاستشراف إلَّا تجريدُ القيام بالأمر والنهي من كلِّ علَّةٍ، بل يقوم به تعظيمًا للآمر الناهي، وأنَّه أهلٌ أن يعبد وتعظَّمَ حرماتُه ولو لم يخلق جنةً ولا نارًا، فهو يستحقُّ العبادة والتعظيم والإجلال لذاته، كما في الأثر الإسرائيليِّ: «لو لم أخلق جنةً ولا نارًا، أما كنتُ أهلًا أن أُعبَد؟» (٤).

стр. 1053

ومنه قول القائل (١): هَبِ البعثَ لم تأتنا رُسْلُه ... وجاحِمةُ النار لم تُضْرَمِ أليس من الواجب المُستَحَقّْ ... على ذي الورى الشُّكرُ للمنعم فالنُّفوس العليَّة الزكيَّة تعبده لأنَّه أهلٌ أن يُعبَد ويُجَلَّ ويحبَّ ويعظَّم، فهو لذاته مستحقٌّ للعبادة. قالوا: ولا يكون العبد كأجير السوء، إن أُعطي أجرَه عمل وإلَّا (٢) لم يعمل، فهذا عبد الأُجرة لا عبد المحبَّة والإرادة. قالوا: والعمَّال شاخصون إلى منزلتين: منزلة الأجرة، ومنزلة القربة (٣) من المطاع. قال تعالى في حقِّ نبيِّه داود ﷺ : ﴿عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ﴾ [ص: ٢٥]، فالزُّلفى منزلة القرب، وحسن المآب حسن الثواب والجزاء. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحسنى الجزاء، والزِّيادة منزلة القربة (٤)، ولهذا فسِّرت بالنظر إلى وجه الله (٥).

стр. 1054

وهذان هما اللَّذان وعدهما فرعون للسحرة إن غلبوا موسى، فقالوا له: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. قالوا: فالعارفون عملهم على المنزلة والدَّرجة، والعمَّال عملهم على الثواب والأجرة، وشتَّان ما بينهما! فصل وطائفةٌ ثانيةٌ تجعل هذا الكلام من شطحات القوم ورعوناتهم. وتحتجُّ بأحوال الأنبياء والرُّسل والصِّدِّيقين، ودعائهم وسؤالهم، والثَّناء عليهم (١) بخوفهم من النار ورجائهم للجنَّة، كما قال تعالى في حقِّ خواصِّ عباده الذين عبدهم المشركون: إنَّهم يرجون رحمته ويخافون عذابه كما تقدَّم (٢). وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]، أي رغبًا فيما عندنا ورهبًا من عذابنا. والضمير في قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ عائدٌ

стр. 1055

على الأنبياء المذكورين في هذه السُّورة عند عامَّة المفسِّرين (١). والرَّغَب والرَّهَب: رجاء الرحمة والخوف من النار عندهم أجمعين. وذكر سبحانه عباده الذين هم خواصُّه (٢)، وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم، وجعل منها استعاذتَهم به من النار فقال: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ [الفرقان: ٦٥ - ٦٦]. وأخبر عنهم أنَّهم توسَّلوا إليه بإيمانهم أن ينجيهم من النار، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦]، فجعلوا أعظم وسائلهم إليه ــ وسيلةَ الإيمان ــ أن ينجيهم من النار. وأخبر تعالى عن العارفين (٣) أولي الألباب والفكر أنَّهم كانوا يسألونه جنَّته ويتعوَّذون به من ناره، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا

стр. 1056

سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٤]، ولا خلاف أنَّ الموعود به على لسان رسله الذي (١) سألوه هو الجنة. وقال عن خليله إبراهيم ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلَّم ــ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٢ - ٨٧]، فسأل الله الجنَّة واستعاذ به من خزيِ يوم البعث. وأخبر سبحانه عن الجنَّة: أنَّها كانت وعدًا عليه مسؤولًا، أي يسأله إيَّاها عبادُه وأولياؤه (٢). وأمر النّبيُّ ﷺ أمَّته أن يسألوا له في وقت الإجابة عقيبَ الأذان أعلى منزلةٍ في الجنَّة، وأخبرهم أنَّ من سألها له حلَّت عليه شفاعته (٣).

стр. 1057

وقال له سُليمٌ الأنصاريُّ: أما إنِّي أسأل الله الجنة، وأعوذ (١) به من النار، لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذٍ، فقال: «أنا ومعاذٌ حولها نُدندِن» (٢). وفي «الصحيح» (٣) في حديث الملائكة السيَّارة الفُضُلِ عن كُتَّاب الناس: «إنَّ الله تعالى يسألهم عن عباده فيقولون: أتيناك من عند عبادٍ لك يهلِّلونك ويكبِّرونك ويحمدونك ويمجِّدونك، فيقول : وهل رأوني؟ فيقولون: لا يا ربِّ ما رأوك، فيقول : فكيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك لكانوا لك أشدَّ تمجيدًا. قالوا: يا ربِّ ويسألونك جنَّتك، فيقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا وعزَّتِك ما رأوها، فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا لها أشدَّ طلبًا. قالوا: ويستعيذونك (٤) من النار، فيقول : وهل رأوها؟ فيقولون: لا وعزَّتِك ما رأوها، فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشدَّ منها هربًا، فيقول: أشهدكم أنِّي قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأعذتهم ممَّا استعاذوا منه». والقرآن والسنَّة مملوءان من الثناء على عباده وأوليائه بسؤاله (٥) الجنَّة ورجائها، والاستعاذة من النار والخوف منها.

стр. 1058

قالوا: وقد قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: «استعيذوا بالله من النار» (١)، وقال لمن سأله مرافقته في الجنة: «أعنِّي على نفسك بكثرة السُّجود» (٢). قالوا: والعمل على طلب الجنة والنجاة من النار مقصودٌ للشارع من أمَّته ليكونا دائمًا على ذكرٍ منهم فلا ينسونهما، ولأنَّ الإيمان بهما شرطٌ في النجاة، والعملُ على حصول الجنَّة والنجاة من النار هو محض الإيمان. قالوا: وقد حضَّ النبيُّ ﷺ عليها أصحابَه وأمَّته بوصفها، وحلَّاها (٣) لهم ليخطبوها (٤)، وقال: «ألا مشمِّرٌ للجنَّة؟ فإنَّها ـ وربِّ الكعبة ــ نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وزوجة حسناء، وفاكهة نضيجة، وقصر مشيد، ونهر مطَّردٌ ... » الحديث، فقال الصحابة ﵃: يا رسول الله، نحن المشمِّرون لها، فقال: «قولوا: إن شاء الله» (٥). ولو ذهبنا نذكر ما في السنَّة من قوله: «من عمل كذا وكذا أدخله الله الجنَّة» تحريضًا على عمله لأجلها (٦)، وأن تكون هي الباعثة على العمل=

стр. 1059

لطال ذلك جدًّا، وذلك في جميع الأعمال. قالوا: فكيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف العقاب معلولًا ورسولُ الله ﷺ يحرِّض عليه؟! ويقول: «من فعل كذا فتحت له أبواب الجنَّة الثمانية» (١)، و «من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلةٌ في الجنَّة» (٢)، و «من كسا مسلمًا على عُرْيٍ كساه الله من حُلَل الجنَّة» (٣)، و «عائد المريض في خُرْفة الجنَّة» (٤)، والحديث مملوءٌ من ذلك. أفتراه يحرِّض الأمة (٥) على مطلبٍ معلولٍ ناقصٍ، ويدع المطلب العالي البريءَ من شوائب العلل لا يحرِّضهم عليه؟!

стр. 1060

قالوا: وأيضًا فإنه سبحانه يحبُّ من عباده أن يسألوه جنَّته ويستعيذوه من ناره، فإنّه يحبُّ أن يسأل، ومن لم يسأله يغضَبْ عليه، وأعظم ما سئل الجنَّةُ وأعظم ما استعيذ به منه النار. فالعمل لطلب الجنة محبوبٌ للربِّ مرضيٌّ له، وطلبها عبودية للربِّ، والقيام بعبوديَّته كلِّها أولى من تعطيل بعضها. قالوا: وإذا خلا العامل عن ملاحظة الجنَّة والنار، وطلبِ الجنَّة ورجائها (١) = فترت عزائمه، وضَعُفت همَّته، و (٢) وَهَى باعثُه. وكلَّما كان أشدَّ طلبًا للجنة وعملًا لها كان الباعث له أقوى، والهمَّةُ أشدَّ، والسعيُ أتمَّ. وهذا أمر معلوم بالذَّوق. قالوا: ولو لم يكن هذا مطلوبًا للشارع لما وصف الجنَّة للعباد وزيَّنها لهم وعرضها عليهم، وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها، وما عداه أخبرهم به مجملًا. كلُّ هذا تشويقًا لهم إليها، وحثًّا لهم على السعي لها سعيَها. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿(٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ﴾ [يونس: ٢٥]. وهذا حثٌّ على إجابة هذه الدعوة والمبادرةِ إليها والمسارعةِ في الإجابة. والتحقيق أن يقال: الجنَّة ليست اسمًا لمجرَّد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب، والحور العين، والأنهار والقصور. وأكثر الناس يغلطون في مسمَّى الجنَّة، فإنَّ الجنّة اسمٌ لدار النعيم المطلق الكامل. ومن أعظم نعيم الجنَّة: التمتُّع بالنظر إلى وجه الرب وسماعِ كلامه، وقرَّةُ العين بالقرب منه

стр. 1061

ورضوانِه. فلا نسبة لِلَذَّةِ ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصُّور إلى هذه اللَّذَّة أبدًا، فأيسر يسيرٍ من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وأتى به منكَّرًا في سياق الإثبات، أي: أيُّ شيءٍ كان من رضاه عن عبده فهو أكبر من الجنَّة. قليلٌ منك يقنعني ولكن ... قليلك لا يقال له قليلُ (١) وفي الحديث الصحيح حديث الرُّؤية: «فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى وجهه» (٢). وفي حديثٍ آخرَ أنَّه سبحانه إذا تجلَّى لهم ورأوا وجهَه عِيانًا، نَسُوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه، ولم يلتفتوا إليه (٣). ولا ريب أنّ الأمر هكذا. وهو أجلُّ ممَّا يخطر بالبال أو يدور في الخيال، ولا سيَّما عند فوز المحبِّين هناك بمعيّة المحبَّة، فإنَّ المرء مع مَن أحبَّ (٤)، ولا تخصيص في هذا الحكم، بل هو ثابتٌ شاهدًا وغائبًا. فأيُّ نعيم، وأيُّ لذَّةٍ، وأيُّ قرَّةِ عينٍ، وأيُّ فوزٍ يداني نعيم تلك المعيَّةِ ولذَّتَها وقرَّةَ العين بها؟ وهل فوق نعيم قرَّةِ العين بمعيَّة المحبوب الذي لا

стр. 1062

شيء أجلُّ منه ولا أكمل ولا أجمل= قرَّةٌ البتَّة؟ وهذا واللهِ هو العَلَم الذي شمَّر إليه المحبُّون، واللِّواء الذي أمَّه العارفون، وهو رُوح مسمَّى الجنَّة وحياتُها، وبه طابت الجنَّة وعليه قامت؛ فكيف يقال: لا يُعبَد الله طلبًا لجنَّته ولا خوفًا من ناره؟! وكذلك النار، فإنَّ ما (١) لأربابها من عذاب الحجاب عن الله، وإهانته، وغضبه وسخطه، والبُعدِ عنه= أعظمُ من التهاب النار في أجسامهم وأرواحهم، بل التهابُ هذه النار في قلوبهم هو الذي أوجب التهابَها في أبدانهم، ومنها سرت إليها. فمطلوب الأنبياء والمرسلين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصّالحين هو الجنَّة، وهَرَبُهم (٢) من النار. والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوَّة إلّا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ومقصد القوم: أنَّ العبد يعبد ربَّه بحقِّ العبوديَّة. والعبدُ إذا طلب من سيِّده أجرةً على خدمته له كان أحمقَ، ساقطًا من عين سيِّده إن لم يستوجب عقوبته، إذ عبوديَّتُه تقتضي خدمته له، وإنَّما يخدم بالأجرة من لا عبوديَّة للمخدوم عليه: إمَّا أن يكون حرًّا في نفسه، أو عبدًا لغيره. وأمَّا مَن الخلقُ عبيدُه حقًّا، وملكه على الحقيقة، ليس فيهم حرٌّ ولا عبد لغيره= فخدمتهم له بحقِّ العبوديَّة، فاقتضاؤهم للأجرة خروجٌ عن محض العبوديَّة. وهذا لا يُنكَر على الإطلاق، ولا يُقبَل على الإطلاق. وهو موضع

стр. 1063

تفصيل وتمييز. وقد تقدَّم في أوَّل الكتاب (١) ذكرُ طرق الخلق في هذا الموضع، وبيَّنَّا طريقة أهل الاستقامة. فالنَّاس (٢) أربعة أقسامٍ: أحدهم: من لا يريد ربَّه ولا يريد ثوابَه، فهؤلاء أعداؤه حقًّا، وهم أهل العذاب الدائم. وعدم إرادتهم لثوابه إمَّا لعدم تصديقهم به، وإمَّا لإيثار العاجل عليه ولو كان فيه سخطه. والقسم الثاني: من يريده ويريد ثوابه، وهؤلاء خواصُّ خلقه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]، فهذا خطابه لخير نساء العالم أزواجِ نبيِّه. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، فأخبر أنَّ السعي المشكور سعيُ من أراد الآخرة. وأصرح من هذا قوله لخواصِّ أوليائه ــ وهم أصحاب نبيِّه ﷺ ــ في يوم أحدٍ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، فقسمهم إلى هذين القسمين اللَّذين لا ثالث لهما. وقد غلط من قال: فأين من يريد الله؟ فإنَّ إرادة الآخرة عبارةٌ عن إرادة الله وثوابه، فإرادةُ الثواب لا تنافي إرادة الله. والقسم الثالث: من يريد من الله، ولا يريد الله. فهذا ناقصٌ غاية النَّقص.

стр. 1064

وهو حال الجاهل بربِّه، الذي سمع أنَّ ثمَّ (١) جنةً ونارًا، فليس في قلبه غير إرادة نعيم الجنَّة المخلوقة (٢)، لا يخطر بباله سواه البتَّة. بل هذا حال أكثر المتكلِّمين، المنكرين رؤيةَ الله والتلذُّذَ بالنظر إلى وجهه في الآخرة، وسماعَ كلامه وحبَّه، والمنكرين على من يزعم أنّه يحبُّ الله. وهم عبيد الأجرة المحضة، فهؤلاء لا يريدون الله تعالى. ومنهم من يصرِّح بأنَّ إرادة الله محالٌ. قالوا (٣): لأنَّ الإرادة إنَّما تتعلَّق بالحادث، فالقديم لا يراد (٤)، فهؤلاء منكرون لإرادة الله غاية الإنكار، وأعلى الإرادة عندهم: إرادة الأكل والشُّرب والنِّكاح واللِّباس في الجنَّة وتوابعِ ذلك. فهؤلاء في شقٍّ، وأولئك الذين قالوا: لم نعبده طلبًا لجنَّته ولا هربًا من ناره في شقٍّ. وهما طرفا نقيضٍ، بينهما أعظم من بعد المشرقَين. وهؤلاء من أكثف الناس حجابًا، وأغلظهم طباعًا، وأقساهم قلوبًا، وأبعدهم عن روح المحبَّة والتّألُّه، ونعيم الأرواح والقلوب. وهم يكفِّرون أصحاب المحبَّة والشوق إلى الله، والتّلذُّذِ بحبِّه والتصديق بلذَّة النظر إلى وجهه وسماعِ كلامه منه بلا واسطةٍ. وأولئك لا يعدُّونهم من البشر إلَّا بالصُّورة، ومرتبتهم عندهم قريبةٌ من

стр. 1065

مرتبة الجماد والحيوان البهيم. وهم عندهم في حجابٍ كثيفٍ عن معرفة نفوسهم وكمالها، ومعرفة معبودهم وسرِّ عبوديَّته. وحال الطائفتين عجبٌ لمن اطَّلع عليه. والقسم الرابع ــ وهو محال ــ: أن يريد الله ولا يريد منه، فهذا هو الذي يزعم هؤلاء أنَّه مطلوبهم، وأنَّ من لم يصل إليه ففي سيره علَّةٌ، وأنَّ العارف ينتهي إلى هذا المقام: أن يكون الله مرادَه ولا يريد منه شيئًا، كما يحكى عن أبي يزيد ﵁ أنَّه قال: قيل لي: ما تريد؟ فقلت: أريد أن لا أريد (١). وهذا في التحقيق عين المُحال الممتنع عقلًا وفطرةً وحسًّا وشرعًا، فإنَّ الإرادة من لوازم الحيِّ. وإنَّما يعرض له التجرُّد عنها بالغيبة عن حسِّه وعقله، كالسُّكر والإغماء والنَّوم. فنحن لا ننكر التجريد عن إرادة ما سواه من المخلوقات التي تزاحم إرادتُها إرادتَه. أفليس صاحب هذه الحال مريدًا لقربه ورضاه، ودوام مراقبته والحضور معه؟ وأيُّ إرادةٍ فوق هذه؟ نعم، قد زهد في مرادٍ لمرادٍ أجلَّ منه وأعلى، فما خرج عن الإرادة، وإنَّما انتقل من (٢) إرادةٍ إلى إرادةٍ، ومن مرادٍ إلى مرادٍ. وأمَّا خلوُّه عن صفة الإرادة بالكلِّيَّة مع حضور عقله وحسِّه فمحالٌ. وإن حاكمَنا في ذلك محاكمٌ إلى ذوقِ مصطلمٍ، مأخوذٍ عن نفسه، فانٍ عن عوالمها= لم ننكر ذلك، لكنَّ هذه حالة عارضة غير دائمةٍ، ولا هي غاية مطلوبة للسالكين، ولا مقدورة للبشر، ولا مأمور بها، ولا هي أعلى

стр. 1066

المقامات فيؤمرَ باكتساب أسبابها. فهذا فصل الخطاب في هذا الموضع. والله أعلم. فصل قوله: (ولا مشاهدًا لأحدٍ، فيكون متزيِّنًا (١) بالمراياة)، هذا فيه تفصيلٌ أيضًا، وهو أنَّ المشاهدة في العمل لغير الله نوعان: - مشاهدةٌ تبعث عليه أو تقوِّي باعثَه، فهذه مراياةٌ خالصةٌ أو مشوبةٌ. كما أنّ المشاهدة القاطعة عنه أيضًا من الآفات والحجب. - ومشاهدةٌ لا تبعث عليه ولا تعين الباعث، بل لا فرق عنده بين وجودها وعدمها. فهذه لا تُدخله في التّزيُّن بالمراياة، ولا سيَّما عند المصلحة الراجحة في هذه المشاهدة: إمَّا حفظًا له ورعايةً، كمشاهدة مريضٍ أو مشرفٍ على هلكةٍ يخاف وقوعه فيها. أو مشاهدة عدوٍّ يخاف هجومَه كصلاة الخوف عند المواجهة. أو مشاهدة ناظرٍ إليك يريد أن يتعلَّم منك، فتكون محسنًا إليه بالتعليم، وإلى نفسك بالإخلاص. أو قصدًا منك للاقتداء وتعريف الجاهل. فهذا رياءٌ محمود. والله عند نيَّة القلب وقصده. فالرِّياء المذموم أن يكون الباعث قصدَ التعظيم والمدح، والرغبةَ فيما عند من يرائيه، أو الرهبةَ منه. وأمَّا ما ذكرنا من قصد رعايته، أو تعليمه، أو إظهار السُّنة، وملاحظة هجوم العدوِّ، ونحو ذلك= فليس في هذه المشاهدة رياء. بل قد يتصدَّق العبد رياءً مثلًا، وتكون صدقته فوقَ صدقة صاحب

стр. 1067

السرِّ. مثال ذلك: رجلٌ مضرورٌ سأل قومًا ما هو محتاجٌ إليه، فعلم رجلٌ منهم أنَّه إن أعطاه سرًّا حيث لا يراه أحدٌ لم يقتدِ به أحدٌ ولم يحصل له سوى تلك العطيَّة، وأنَّه إن أعطاه جهرًا اقتُدي به واتُّبع، وأنف الحاضرون من تفرُّده عنهم بالعطيَّة، فجهر له بالعطاء، وكان الباعث له على الجهر إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين؛ فهذه مراياة محمودة، حيث لم يكن الباعث عليها قصدَ التعظيم والثناء، وصاحبُها جديرٌ بأن يحصل له مثلُ أجور أولئك المعطين. قوله: (فإنَّ هذه الأوصاف كلها من شُعَب عبادة النفس)، يعني أنَّ الخائف مشتغل بحفظ نفسه من العذاب، ففيه عبادة لنفسه، إذ هو متوجِّه إليها. وطالب المثوبة متوجِّهٌ إلى طلب حظِّ نفسه، وذلك شعبة من عبوديَّتها. والمشاهدُ للناس في عبادته فيه شعبةٌ من عبوديَّة نفسه، إذ هو طالبٌ لتعظيمهم وثنائهم ومدحهم. فهذه شعبٌ من شعب عبادة النفس (١). والأصل الذي هذه الشُّعب فروعُه هي النفس، فإذا ماتت بالمجاهدة، والإقبال على الله، والاشتغال به، ودوام المراقبة له= ماتت هذه الشُّعب. فلا جرم بناء أمر هذه الطائفة على ترك النفس (٢). وقد علمت أنَّ الخوف وطلب الثواب ليس من عبادة النفس في شيءٍ. نعم، التّزيُّن بالمراياة عين عبادة النفس والناس (٣). والكلامُ في أمرٍ أرفع من هذا، فإنَّ حال المرائي أخسُّ ونفسَه أسقطُ وهمَّتَه أدنى من أن يدخل في شأن

стр. 1068

الصادقين (١). فصل قال (٢): (الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره . وهو أن يُبقي (٣) أعلامَ توحيد العامَّة الخبريَّة على ظواهرها. ولا يَتحمَّل البحثَ عنها تعسُّفًا، ولا يتكلَّف لها تأويلًا، ولا يتجاوز ظواهرها تمثيلًا، ولا يدَّعي عليها إدراكًا أو توهُّمًا). يشير الشيخ ﵁ بذلك إلى أنَّ حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها. وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان (٤) العامَّة. ولا يعني بالعامَّة: الجهَّال، بل عامَّة الأمَّة، كما قال مالكٌ ﵀ وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فأطرق مالكٌ حتَّى علاه الرُّحَضاء، ثمَّ قال: الاستواء معلوم، والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجب، والسُّؤال عنه بدعة (٥)؛ فرَّق (٦) بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر.

стр. 1069

وهذا الجواب من مالكٍ ﵀ شافٍ عامٌّ في جميع مسائل الصِّفات، فمن سأل عن قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] كيف يسمع ويرى؟ أجيب بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقولٍ. وكذلك من سأل عن العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنُّزول، والغضب، والرِّضا، والرحمة، والضحك، وغير ذلك؛ فمعانيها كلُّها مفهومة (١). وأمَّا كيفيتها فغير معقولةٍ، إذ تعقُّل الكيف (٢) فرع العلم بكيفيَّة الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معقولٍ للبشر، فكيف تُعقل لهم كيفيَّة الصِّفات؟ والعصمة النافعة في هذا الباب: أن تصف (٣) الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ. بل تُثبت له الأسماء والصِّفات، وتنفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزَّهًا عن التشبيه، ونفيك منزَّهًا عن التعطيل. فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطِّل، ومن شبَّهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثِّل، ومن قال: هو استواءٌ ليس كمثله شيء فهو الموحِّد المنزِّه. وهكذا الكلام في السمع، والبصر، والحياة، والإرادة، والعلم، والقدرة، واليد، والوجه، والرِّضا، والغضب، والنُّزول والضّحك، وسائر ما وصف به نفسه.

стр. 1070

والمنحرفون في هذا الباب وقد (١) أشار الشيخ إليهم بقوله: (لا يتحمَّل البحث عنها تعسُّفًا)، أي لا يتكلَّف التّعسُّف في البحث عن كيفيَّاتها (٢). والتّعسُّف سلوك غير الطريق، يقال: ركب فلانٌ التعاسيف في سيره، إذا كان يسير يمينًا وشمالًا جائرًا عن الطريق. (ولا يتكلَّف لها تأويلًا): أراد بالتأويل هاهنا التأويل الاصطلاحي، وهو صرف اللفظ عن ظاهره عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح. وقد حكى غير واحدٍ من العلماء إجماع السلف على تركه. وممَّن حكاه البغويُّ (٣)، وأبو المعالي الجوينيُّ في رسالته «النِّظاميَّة» (٤) بخلاف ما سلكه في «شامله» (٥) و «إرشاده» (٦). وممَّن حكاه سعد بن عليٍّ الزَّنجاني (٧). وقبل

стр. 1071

هؤلاء خلائقُ من العلماء لا يحصيهم إلَّا الله. (وأن لا يتجاوز ظواهرها تمثيلًا) أي: لا يمثِّلها بصفات المخلوقين. وفي قوله: (لا يتجاوز ظواهرها) إشارة لطيفة، وهي أنَّ ظواهرها لا تقتضي التمثيل كما يظنُّه المعطِّلة النُّفاة، وأنَّ التمثيل تجاوزٌ لظواهرها إلى ما لا تقتضيه، كما أنَّ تأويلها (١) تكلُّفٌ وحملٌ لها على ما لا تقتضيه، فهي لا تقتضي ظواهرُها تمثيلًا، ولا تحتمل تأويلًا، بل إجراءً (٢) على ظاهرها (٣) بلا تأويلٍ ولا تمثيلٍ، فهذه طريقة السالكين بها سواء السبيل. وأمَّا قوله: (ولا يدَّعي عليها إدراكًا)، أي لا يدَّعي عليها استدراكًا، ولا فهمًا ولا معنًى غير فهم العامَّة، كما يدَّعيه أرباب الكلام الباطل المذموم بإجماع السَّلف. وقوله: (ولا توهُّمًا)، أي لا يعدل عن ظواهرها إلى التوهُّم. والتوهُّم نوعان: توهُّم كيفيَّةٍ لا يدلُّ عليه ظواهرها، أو توهُّم معنًى غير ما تقتضيه ظواهرها. وكلاهما توهُّم باطل. وهما توهُّم تشبيهٍ وتمثيلٍ أو تحريفٍ وتعطيلٍ. وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبيِّن مرتبته من السُّنَّة ومقدارَه في العلم، وأنّه بريءٌ ممَّا رماه به أعداؤه الجهميَّة من التشبيه والتمثيل (٤)، على عادتهم

стр. 1072

في رمي أهل الحديث والسنة بذلك، كرمي الرافضة لهم بأنَّهم نواصب، والمعتزلة بأنَّهم نوابت حشويَّة. وذلك ميراثٌ من أعداء رسول الله ﷺ في رميه ورمي أصحابه بأنَّهم صُباةٌ قد ابتدعوا دينًا محدَثًا، وميراثٌ لأهل الحديث والسنة من نبيِّهم وأصحابه بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة. وقدَّس الله روح الشافعيِّ حيث يقول وقد نُسِب إلى الرَّفض (١): إن كان رفضًا حبُّ آل محمَّدٍ ... فليشهد الثقلان أنِّي رافضي ورضي الله عن شيخنا أبي عبد الله (٢) ابن تيميَّة حيث يقول:

стр. 1073

إن كان نصبًا حبُّ صحب محمَّدٍ ... فليشهد الثقلان أنِّي ناصبي وعفا الله عن الثالث حيث يقول (١): فإن كان تجسيمًا ثبوتُ صفاته ... وتنزيهها عن كلِّ تأويل مفتري فإنِّي بحمد الله ربِّي مجسِّمٌ ... هلمُّوا شهودًا واملأوا كلَّ محضر فصل قال (٢): (الدرجة الثالثة: صيانة الانبساط أن تشوبه جرأة ، وصيانة السُّرور أن يداخله أمن، وصيانة الشُّهود أن يعارضه سبب). لمَّا كانت هذه الدرجة عنده مختصَّةً بأهل المشاهدة، والغالب عليهم الانبساط والسُّرور، فإنَّ صاحبها متعلِّقٌ باسمه الباسط= حذَّره من شائبة الجرأة، وهي ما تَخرج به (٣) عن أدب العبودية، وتُدخله في الشطح، كشطح من قال: سبحاني (٤)، ونحو ذلك من الشطحات المعروفة المُخرجة عن أدب

стр. 1074

العبوديَّة التي نهايةُ صاحبها أن يُعذَر بزوال عقله وغلبة سكر الحال عليه. فلا بدَّ من مقارنة التعظيم والإجلال لبسط المشاهدة، وإلَّا وقع في الجرأة ولا بدَّ، فالمراقبة تصونه عن ذلك. قوله: (وصيانة السُّرور أن يداخله أمن)، يعني أنَّ صاحب الانبساط والمشاهدة يداخله سرورٌ لا يشبهه سرورٌ البتَّة، فينبغي له أن لا يأمن في هذا الحال المكرَ، بل يصون سرورَه وفرحَه (١) بخوف العاقبةِ المطويِّ عنه علمُ غيبها، ولا يغترَّ. وأمَّا (صيانة الشُّهود أن يعارضه بسببٍ (٢))، يريد أنَّ صاحب الشُّهود قد يكون ضعيفًا في شهود حقيقة التوحيد فيتوهَّم أنَّه قد حصل له ما حصل بسبب الاجتهاد التامِّ والعبادة الخالصة (٣)، فينسب حصول ما حصل له من الشُّهود إلى سببٍ منه، وذلك نقصٌ في توحيده ومعرفته لأنَّ الشُّهود لا يكون إلا موهبةً، ليس كسبيًّا، ولو كان كسبيًّا فشهود سببه نقصٌ في التوحيد، وغيبةٌ عن شهود الحقيقة. ويحتمل أن يريد بالسبب المعارض للشُّهود: ورودَ خاطرٍ على الشاهد يكدِّر عليه صفو شهوده، فيصونه عن ورود سببٍ يعارضه: إمَّا معارض إرادةٍ، وإما معارض شبهةٍ؛ وقد يعمُّ كلامه الأمرين. والله أعلم. * * * *

стр. 1075

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإخلاص . قال تعالى: ﴿أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]. وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]. وقال (١): ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ [الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ] (٢) دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١١ - ١٥]. وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال: ﴿(٣) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]؛ قال الفُضَيل بن عياض ﵁: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا عليٍّ، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص: أن يكون لله، والصَّواب أن يكون على السُّنَّة. ثمّ قرأ قوله تعالى:

стр. 1076

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]؛ فإسلام الوجه لله تعالى: إخلاص القصد والعمل له، والإحسان فيه: متابعة رسوله ﷺ وسنَّته. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وهي الأعمال التي كانت على غير السُّنّة أو أريد بها غير وجه الله. وقال النبيُّ ﷺ لسعدٍ: «إنَّك لن تُخلَّفَ فتعملَ عملًا تبتغي به وجه الله إلَّا ازددتَ به (٢) درجةً ورفعة» (٣). وفي «الصحيح» (٤) من حديث أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ مسلمٍ: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمر، ولزومُ جماعة المسلمين، فإنَّ دعوتهم تحيط مِن

стр. 1077

ورائهم». أي: لا يبقى فيه غلٌّ، ولا يحمل الغلَّ مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غلَّه (١) وتخرجه منه، فإنَّ القلب يَغلُّ على الشِّرك أعظم غلٍّ، وكذلك يغلُّ على الغشِّ، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة؛ فهذه الثلاثة تملؤه غلًّا ودغلًا. ودواء هذا الغلِّ واستفراغُ أخلاطه بتجريد الإخلاص والنُّصح ومتابعة السُّنّة. وسئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل رياءً، ويقاتل شجاعةً، ويقاتل حميَّةً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢). وأخبر عن أوَّل ثلاثةٍ تسعَّر بهم النار: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدِّق بماله، الذين فعلوا ذلك ليقال: فلانٌ قارئ، وشجاع، ومتصدِّق (٣)؛ لم تكن أعمالهم لله (٤). وفي الحديث الصحيح الإلهيِّ يقول الله : «أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو للَّذي أشرك به، وأنا منه بريء» (٥).

стр. 1078

وفي أثرٍ آخر: «يقول له يوم القيامة: اذهب فخذ أجرك ممَّن عملتَ له، لا أجر لك عندنا» (١). وفي «الصحيح» (٢) عنه: «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم». وقال تعالى: ﴿يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ﴾ [الحج: ٣٧]. وفي أثرٍ مرويٍّ إلهيٍّ: «الإخلاص سرٌّ من سرِّي، استودعتُه قلبَ من أحببتُه مِن عبادي» (٣).

стр. 1079

وقد تنوَّعت عباراتهم في الإخلاص (١)، والقصد واحدٌ. فقيل: هو إفراد الحقِّ سبحانه بالقصد في الطاعة. وقيل: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. وقيل: التوقِّي عن ملاحظة الخلق (٢)، والصِّدقُ: التنقِّي من مطالعة (٣) النفس، فالمخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له (٤). ولا يتمُّ الإخلاص إلا بالصِّدق، ولا الصِّدق إلا بالإخلاص، ولا يتمَّان إلا بالصبر (٥). وقيل: من شهد في إخلاصه الإخلاصَ احتاج إخلاصُه إلى إخلاصٍ (٦). فنقصان كلِّ مخلصٍ في إخلاصه بقدر (٧) رؤية إخلاصه، فإذا سقط عن نفسه

стр. 1080

رؤيةُ إخلاصه صار مخلِصًا مخلَصًا (١). وقيل: الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن. والرِّياء: أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه. والصِّدق في الإخلاص: أن يكون باطنه أعمر من ظاهره. وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق (٢). ومن تزيَّن للناس بما ليس فيه سقط من عين الله (٣). ومن كلام الفُضَيل ﵀: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما (٤). وقال الجنيد ﵁: الإخلاص سرٌّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه مَلَك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيميله (٥). وقيل لسهلٍ: أيُّ شيءٍ أشدُّ على النفس؟ فقال: الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيبٌ (٦).

стр. 1081

وقال بعضهم: الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدًا غير الله، ولا مجازيًا سواه. وقال مكحولٌ: ما أخلص عبدٌ قطُّ أربعين يومًا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (١). وقال يوسف بن الحسين: أعزُّ شيءٍ في الدُّنيا: الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرِّياء عن قلبي فكأنَّه ينبت على لونٍ آخر (٢). وقال أبو سليمان الدارانيُّ: إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوساوس والرِّياء (٣). فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٤): (الإخلاص: تصفية العمل من كلِّ شوبٍ).

стр. 1082

أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس: إمَّا طلب التزيُّن في قلوب الخلق، وإمَّا طلب مدحهم والهرب من ذمِّهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم أو خدمتهم (١) وقضائهم حوائجه، أو طلب محبَّتهم له، أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عقدُ متفرِّقاتها هو إرادة ما سوى الله بعمله كائنًا ما كان. قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: إخراج رؤية العمل من العمل، والخلاص من طلب العوض على العمل، والنُّزول عن الرِّضا بالعمل). يعرض للعامل في عمله ثلاث آفاتٍ: رؤيته وملاحظته، وطلب العوض عليه، ورضاه به وسكونه إليه. ففي هذه الدرجة يتخلَّص من هذه الثلاثة (٣). فالذي يخلِّصه من رؤية عمله: مشاهدتُه لمنَّة الله عليه وفضله وتوفيقه له، وأنَّه بالله لا بنفسه، وأنَّه إنَّما أوجب عملَه مشيئةُ الله لا مشيئته هو، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]. فهنا ينفعه شهود الجبر، وأنَّه آلة محضة، وأنَّ فعله كحركات الأشجار وهبوب الرِّياح، وأنَّ المحرِّك غيرُه والفاعلَ فيه سواه، وأنَّه ميِّت والميِّت لا يفعل شيئًا، وأنَّه لو خلِّي ونفسَه لم يكن من فعله الصالح شيءٌ البتَّة، فإنَّ النفس جاهلة ظالمة، طبعها الكسل وإيثار الشهوات والبطالة، وهي منبع كلِّ شرٍّ ومأوى كلِّ سوءٍ. وما كان هكذا

стр. 1083

لم يصدر منه خيرٌ، ولا هو من شأنه. فالخير الذي صدر منها إنَّما هو من الله تعالى وبه، لا من العبد ولا به. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]. وقال أهل الجنَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿(٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. فكلُّ خيرٍ في العبد فهو مجرّد فضل الله ومنَّته وإحسانه ونعمته، وهو المحمود عليه، فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة كرؤيته لصفاته الخَلْقيَّة من سمعه وبصره وإدراكه وقوَّته، بل من صحَّته وسلامة أعضائه، ونحو ذلك؛ فالكلُّ مجرَّد عطاء الله ونعمته وفضله. فالذي يخلِّص العبد من هذه الآفة معرفةُ ربِّه ومعرفة نفسه. والّذي يخلِّصه من طلب العوض على العمل: علمه بأنَّه عبدٌ محض، والعبد لا يستحقُّ على خدمته لسيِّده عوضًا ولا أجرةً، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديَّته. فما يناله من سيِّده من الأجر والثواب تفضُّلٌ منه وإحسانٌ إليه وإنعامٌ عليه، لا معاوضة؛ إذ الأجرة إنَّما يستحقُّها الحرُّ أو عبد الغير، فأمَّا عبدُه نفسِه فلا.

стр. 1084

والذي يخلِّصه من رضاه بعمله وسكونه إليه أمران: أحدهما: مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه، وما فيه من حظِّ النفس ونصيب الشّيطان؛ فقلَّ عملٌ من الأعمال إلّا وللشيطان فيه نصيبٌ وإن قلَّ، وللنَّفس فيه حظٌّ. سئل النبيُّ ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال: «هو اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (١). فإذا كان هذا التفاتُ طَرْفِه ولحظه، فكيف التفاتُ قلبه إلى ما سوى الله؟ هذا أعظم نصيب الشيطان من العبوديَّة. وقال ابن مسعودٍ ﵁: لا يجعل أحدكم للشيطان حظًّا من صلاته، يرى أنَّ حقًّا عليه أن لا ينصرف إلَّا عن يمينه (٢)؛ فجعل هذا القدر اليسير النزر حظًّا ونصيبًا للشيطان من صلاة العبد، فما الظنُّ بما فوقه؟ وأمَّا حظُّ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون. الثاني: علمه بما يستحقُّه الربُّ ﷻ من حقوق العبوديَّة وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها، وأنَّ العبد أضعف وأعجز وأقلُّ من أن يوفِّيها حقَّها وأن يرضى بها لربِّه، فالعارف لا يرضى بشيءٍ من عمله لربِّه، ولا يرضى نفسه لله تعالى طرفة عينٍ، ويستحيي من مقابلة الله بعمله. فسوء ظنِّه بنفسه وعمله وبغضه لها، وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله يحول بينه وبين الرِّضا بعمله والرِّضا عن نفسه.

стр. 1085

وكان بعض السلف يصلِّي في اليوم والليلة أربعمائة ركعةٍ، ثمَّ يقبض على لحيته ويهزُّها ويقول: يا مأوى كلِّ سوءٍ، وهل رضيتُك لله طرفة عينٍ؟! (١). وقال بعضهم: آفة العبد رضاه عن نفسه (٢). ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيءٍ منها فقد أهلكها، ومن لم يتَّهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور (٣). فصل قال (٤): (الدرجة الثانية: الخجل من العمل مع بذل المجهود، وتوفير الجهد بالاحتماء من الشُّهود، ورؤية العمل في نور التوفيق من عين الجود). هذه ثلاثة أمور: خجله من عمله: وهو شدَّة حيائه من الله، إذ لم يَرَ ذلك العمل صالحًا له، مع بذل مجهوده فيه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قال النبيُّ ﷺ : «هو الرجل يصوم ويصلِّي

стр. 1086

ويتصدَّق، ويخاف أن لا يقبل منه» (١) (٢). فالمؤمن: جمع إحسانًا في مخافةٍ وسوءَ ظنٍّ بنفسه، والمغرور: حسن (٣) الظنِّ بنفسه مع إساءته. الثاني: (توفير الجهد باحتمائه من الشُّهود)، أي تأتي بجهد الطاقة في تصحيح العمل، محتميًا عن شهوده منك وبك. الثّالث: أن تحتمي بنور التوفيق الذي ينوِّر الله به بصيرة العبد، فترى في ضوء ذلك النُّور أنَّ عملك من عين جوده، لا بك ولا منك. فقد اشتملت هذه الدرجة على خمسة أشياء: عمل، واجتهاد فيه، وخجل وحياء من الله فيه، وصيانة عن شهوده منك، ورؤيته من عين جود الله ومنَّته. (الدرجة الثالثة: إخلاص العمل بالخلاص من العمل، تدعه يسير سير العلم. وتسير أنت مشاهدًا للحُكم حرًّا من رقِّ الرسم) (٤). قد فسَّر مراده بإخلاص العمل من العمل بقوله: (تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدًا للحكم). ومعنى كلامه: أنَّك تجعل عملك تابعًا للعلمٍ، موافقًا له، مؤتمًّا به، تسير بسيره وتقف بوقوفه، وتتحرَّك بحركته، نازلًا

стр. 1087

منازله، مرتويًا من موارده، فتكون ناظرًا إلى الحكم الدينيِّ الأمري، متقيِّدًا به فعلًا وتركًا وطلبًا وهربًا، ناظرًا إلى ترتُّب الثواب والعقاب عليه سببًا وكسبًا. ومع ذلك فتسير أنت بقلبك، مشاهدًا للحكم الكونيِّ القضائيِّ، الذي تنطوي فيه الأسباب والمسبَّبات والحركات والسكنات، ولا يبقى هناك غير محض المشيئة وتفرُّدِ الربِّ وحده بالأفعال، ومصدرها عن إرادته ومشيئته. فيكون قائمًا بالأمر والنهي فعلًا وتركًا سائرًا بسيره، وبالقضاء والقدر إيمانًا وشهودًا وحقيقةً؛ فهو ناظرٌ إلى الحقيقة قائمٌ بالشريعة. وهذان الأمران هما عبوديَّة هاتين الآيتين: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]. فتَرْكُ العمل يسير سير العلم: مشهد ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، وسير صاحبه مشاهدًا للحكم: مشهد ﴿وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وأمّا قوله: (حرًّا من رقِّ الرسم)؛ الحرِّيَّة التي يشيرون إليها: عدم الدُّخول تحت عبوديَّة الخلق والنفس، والدُّخولُ تحت رقِّ عبوديَّة الحقِّ وحده. ومرادهم بالرَّسم: ما سوى الله، فكلُّه رسومٌ، فإنَّ الرُّسوم هي الآثار، ورسوم المنازل والدِّيار هي الآثار التي تبقى بعد سكَّانها، والمخلوقات بأسرها في منزل الحقيقة رسومٌ وآثارٌ للقدرة. أي: فتُخلِّص نفسك من عبوديَّة كلِّ ما سوى الله، وتكون بقلبك مع القادر الحقِّ وحده، لا مع آثار قدرته التي هي رسوم، فلا تشتغل بغيره

стр. 1088

اشتغالًا بعبوديَّته. ولا تطلب بعبوديَّتك له حالًا ولا مقامًا، ولا مكاشفةً، ولا شيئًا سواه (١). فهذه أربعة أمورٍ: بذل الجهد، وتحكيم العلم، والنظر إلى الحقيقة، والتخلُّص من الالتفات إلى غيره. والله الموفِّق. فصل الإخلاص عدم انقسام المطلوب، والصِّدق عدم انقسام الطلب. فحقيقة الإخلاص: توحيد المطلوب، وحقيقة الصِّدق: توحيد الطلب والإرادة، ولا يثمران إلَّا بالاستسلام المحض للمتابعة. فهذه الأركان الثلاثة هي أركان السَّير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكهَ وسيرَه فهو مقطوعٌ وإن ظنَّ أنه سائر، فسَيره: إمَّا إلى عكس جهة مقصوده، وإمَّا سير المقعد والمقيَّد (٢)؛ فإنْ عَدِم الإخلاص والمتابعة انعكس سيره إلى خلفٍ، وإن لم يبذل جهده ويوحِّد طلبه سار سير المقيَّد. وإن اجتمعت له الثلاثة: فذلك الذي لا يجارى في مضمار سيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. * * * *

стр. 1089

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التهذيب والتصفية . وهو سبك العبوديَّة في كِير الامتحان طلبًا لإخراج ما فيها من الخبث والغشِّ. قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (التهذيب: محنة أرباب البدايات، وهو شريعةٌ من شرائع الرِّياضة). يريد أنَّه صعبٌ على المبتدي فهو له كالمحنة، وطريقةٌ (٢) للمرتاض الذي قد مرَّن نفسه حتى اعتادت قبوله وانقادت إليه. قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: تهذيب الخدمة أن لا يخالجها جهالة، ولا يشوبها (٤) عادة، ولا يقف عندها همَّة). أي: تخليص العبوديَّة وتصفيتها من هذه الأنواع الثلاثة، وهي: مخالجة الجهالة، وشوب العادة، ووقوف همَّة الطالب عندها. فإنَّ الجهالة متى خالطت العبوديَّة أوردها العبدُ غيرَ موردها، ووضعها في غير موضعها، وفعلها في غير مستحقِّها، وفعل أفعالًا يعتقد أنَّها صلاح، وهي إفسادٌ لخدمته وعبوديَّته، بأن يتحرَّك في موضع السُّكون، أو يسكن في

стр. 1090

موضع الحركة (١). أو يَفْرُق في موضع جمعٍ، أو يجمع في موضع فرقٍ، أو يطير في موضع سُفُون (٢)، أو يَسْفُن (٣) في موضع طيرانٍ، أو يُقدم في موضع إحجامٍ، أو يُحجم في موضع إقدامٍ، أو يتقدَّم في موضع وقوفٍ، أو يقف في موضع تقدُّمٍ، ونحو ذلك من الحركات التي هي في حقِّ الخدمة كحركات الثقيل البغيض في حقوق الناس. فالخدمة ما لم يصحبها علمٌ ثانٍ بآدابها وحقوقها، غير العلم بها نفسها، كانت في مظنَّة أن تُبعِد صاحبها وإن كان مراده بها التقرُّب. ولا يلزم حبوطُ ثوابها وأجرها، فهي إن لم تُبعِده عن الأجر والثواب أبعدته عن المنزلة والقربة. ولا تنفصل مسائل هذه الجملة إلَّا بمعرفةٍ خاصَّةٍ بالله وأمره، ومحبَّةٍ تامَّةٍ له، ومعرفةٍ بالنفس وما منها. النوع الثاني: شوب العادة، وهو أن يمازج العبوديَّة حكمٌ من أحكام عوائد النفس تكون منفِّذةً لها معينةً عليها، وصاحبُها يعتقدها قربةً وطاعةً، كمن اعتاد الصَّوم مثلًا وتمرَّن عليه، فألِفَتْه النفس وصار لها عادةً تتقاضاها أتمَّ (٤) اقتضاءٍ، فيظنُّ أنَّ هذا التقاضي محض العبوديَّة، وإنَّما هو تقاضي العادة.
следующие страницы →