← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (التبتُّل: الانقطاع إلى الله تعالى بالكلِّيَّة. وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] أي التجريد المحض). ومراده بالتجريد المحض: تجريد التّبتُّل عن ملاحظة الأعواض، بحيث لا يكون المتبتِّل كالأجير الذي لا يخدم إلَّا لأجل الأجرة، فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر، بخلاف العبد فإنَّه يخدم سيدَه بمقتضى عبوديَّته لا للأجرة، فهو لا ينصرف عن بابه إلَّا إذا كان آبقًا. والآبق قد خرج من شرف العبوديَّة ولم يحصل له إطلاق الحرِّيَّة، فصار بذلك موكوسًا (٢) عند سيِّده وعند عبيده. وغاية شرف النفس دخولها تحت رقِّ العبوديّة طوعًا واختيارًا ومحبَّةً، لا كرهًا وقهرًا، كما قيل (٣):

стр. 982

شرف النُّفوس دخولها في رقِّهم (١) ... والعبد يحوي الفخر بالمتملِّك والذي حسَّن استشهاده بقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ في هذا الموضع إرادةُ هذا المعنى، وأنه سبحانه صاحب دعوة الحقِّ لذاته وصفاته. وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابًا، فإنَّه يستحقُّها لذاته، فهو أهلٌ أن يُعبد وحده، ويُدعى وحده، ويُقصد ويُشكر ويُحمد، ويُحبَّ ويُرجى ويُخاف، ويُتوكَّل عليه، ويستعان به، ويستجار به، ويلجأ إليه، ويصمد إليه، فتكون الدعوة الإلهيَّة الحقُّ له وحده. ومن قام بقلبه هذا معرفةً وذوقًا وحالًا صحَّ له مقام التبتُّل والتجريد المحض. وقد فسَّر السلف ﵃ دعوةَ الحقِّ بالتوحيد والإخلاص فيه والصِّدق، ومرادهم هذا المعنى، فقال عليٌّ: دعوة الحق: التّوحيد، وقال ابن عباسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الدُّعاء بالإخلاص، والدُّعاء الخالص لا يكون إلّا لله (٢). ودعوة الحقِّ هي: دعوة الإلهيَّة وحقوقها وتجريدها وإخلاصها. قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: تجريد الانقطاع عن الحظوظ واللُّحوظ إلى العالم خوفًا أو رجاءً أو مبالاةً بحالٍ). قلت: التّبتُّل يجمع أمرين: اتِّصالًا وانفصالًا، لا يصحُّ إلَّا بهما.

стр. 983

فالانفصال: انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الربِّ منه، وعن التفات قلبه إلى ما سوى الله خوفًا منه، أو رغبةً فيه، أو مبالاةً وفكرًا فيه بحيث يَشْغَل قلبَه عن الله تعالى. والاتِّصال لا يصحُّ إلّا بعد هذا الانفصال. وهو اتِّصال القلب بالله وإقبالُه عليه وإقامةُ وجهه له حبًّا وخوفًا ورجاءً وإنابةً وتوكُّلًا. ثمّ ذكر الشّيخ ﵀ ما يعين على هذا التّجريد وبأيِّ شيءٍ يحصل فقال (١): (بحسم الرجاء بالرِّضا، وقطع الخوف بالتسليم، ورفض المبالاة بشهود الحقيقة). يقول: إنَّ الذي يحسم مادَّة رجاء المخلوقين من قلبك هو الرِّضا بحكم الله وقَسْمُه لك، ومن رضي بحكم الله وقسمه لم يبقَ لرجاء الخلق في قلبه موضع. والذي يحسم مادَّة الخوف هو التسليم لله، فإنَّ من سلَّم لله واستسلم له، وعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعلم أنَّه لن يصيبه إلَّا ما كتب الله له= لم يبقَ لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضًا، فإنَّ نفسه التي (٢) يخاف عليها قد سلَّمها إلى وليِّها ومولاها، وعلم أنَّه لا (٣) يصيبها إلَّا ما كتب لها، وأنَّ ما كتب لها لا بدَّ أن يصيبها؛ فلا معنى للخوف من غير الله بوجهٍ.

стр. 984

وفي التسليم أيضًا فائدة لطيفة، وهي أنَّه إذا سلَّمها لله فقد أودعها عنده، وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه، حيث لا تناله يدُ عادٍ ولا بغيُ باغ (١). والذي يحسم مادَّة المبالاة بالناس شهودُ الحقيقة، وهو رؤية الأشياء كلِّها من الله، وبالله، وفي قبضته، وتحت قهره وسلطانه، لا يتحرَّك منها شيء إلا بحوله وقوَّته، ولا ينفع ولا يضرُّ إلَّا بإذنه ومشيئته؛ فما وجه المبالاة بالخلق بعد هذا الشُّهود؟ قال (٢): (الدرجة الثانية: تجريد الانقطاع عن التعريج على النفس بمجانبة الهوى، وتنسُّم رَوح الأنس، وشَيم برق الكشف). الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنَّ الأُولى انقطاع عن الخلق، وهذه انقطاع عن النفس. وجعله بثلاثة أشياء: أولاها (٣): مجانبة الهوى ومخالفتُه ونهيُ النفس (٤) عنه، لأن اتِّباعه يصدُّ عن التبتُّل. وثانيها وهو بعد مخالفة الهوى: تنسُّم رَوح الأنس، والرَّوح للرُّوح كالرُّوح للبدن، فهو رَوحها وراحتها. وإنّما حصل له هذا الرَّوح لمَّا أعرض عن هواه، فحينئذٍ تنسَّم رَوح الأنس بالله ووجد رائحته، إذ النفس لا بدَّ لها

стр. 985

من التعلُّق، فلمَّا انقطع تعلُّقها مِن هواها وجدت رَوح الأنس بالله وهبَّت عليها نسماته، فرَنَّحَتْها (١) وأَحْيَتها. وثالثها (٢): شَيم برق الكشف، وهو مطالعته واستشرافه والنظر إليه ليعلم به مواقع الغيث ومَساقط الرحمة. وليس مراده بالكشف هاهنا الكشفَ الجُزويَّ السُّفليَّ، المشتركَ بين البرِّ والفاجر والمؤمن والكافر، كالكشف عن مخبَّآت الناس ومستورهم. وإنّما هو الكشف عن ثلاثة أشياءَ هي منتهى كشف الصادقين أرباب البصائر: أحدها: الكشف عن منازل السير. والثاني: الكشف عن عيوب النفس وآفات الأعمال ومُفسداتها. والثالث: الكشف عن معاني الأسماء والصِّفات وحقائق التوحيد والمعرفة. وهذه الأبواب الثلاثة هي مجامع علوم القوم، وعليها يحومون (٣)، وإليها يشمِّرون، فمنهم من جُلُّ كلامه ومعظمُه في السير وصفة المنازل، ومنهم من جلُّ كلامه في الآفات والقواطع (٤)، ومنهم من جلُّ كلامه في التّوحيد والمعرفة وحقائق الأسماء والصِّفات.

стр. 986

والصادق الذَّكيُّ يأخذ من كلٍّ منهم ما عنده من الحقِّ فيستعين به على مطلبه، ولا يردُّ ما يجده عنده من الحقِّ بتقصيره في الحقِّ الآخر (١) ويُهدره به؛ فالكمال المطلق لله ربِّ العالمين، وما مِن العباد إلَّا مَن (٢) له مقامٌ معلومٌ. قال (٣): (الدرجة الثالثة: تجريد الانقطاع إلى السبق بتصحيح الاستقامة، والاستغراقِ في قصد الوصول، والنظر إلى أوائل الجمع). لمَّا جعل الدرجة الأولى انقطاعًا عن الخلق والثَّانيةَ انقطاعًا عن النَّفس جعل الثَّالثة لطلب السبق. وجعله بـ (تصحيح الاستقامة)، وهي الإعراض عمَّا سوى الحقِّ، ولزومُ الإقبال عليه، والاشتغالُ بمحابِّه. ثمَّ بـ (الاستغراق في قصد الوصول)، وهو أن يَشغَلَه طلبُ الوصول عن كلِّ شيءٍ بحيث يستغرق همومَه وعزائمه وإراداتِه وأوقاتَه. وإنَّما يكون ذلك بعد بدوِّ برق الكشف المذكور له. وأمَّا (النظر إلى أوائل الجمع)، فالجمع هو قيامُ الخلق كلِّهم بالحقِّ وحده، وقيامُه عليهم بالرُّبوبية والتدبير. والنظر إلى أوائل ذلك: الالتفات إلى مقدِّماته وبداياته، وهي العقبة التي ينحدر منها على وادي الفناء. وقد قيل: إنّها وقفةٌ تعترض القاطع لأودية التفرقة قبل وصوله إلى الجمع، ومنها يشرف عليه. وهذه الوقفة تعترض كلَّ طالب مُجِدٍّ في طلبه،

стр. 987

فمنها يرجع على عقبيه، أو يصل إلى مطلبه، كما قيل (١): لابدَّ للعاشق من وقفةٍ ... ما بين سلوانٍ وبين الغرامْ وعندها ينقل أقدامه ... إمَّا إلى خلفٍ وإمَّا أمامْ والذي يظهر لي من كلامه أنَّ أوائل الجمع مبادئه ولوائحه وبوارقه. وبعد هذا درجة رابعة، وهي الانقطاع عن مراده من ربِّه والفناءُ عنه (٢) إلى مراد ربِّه منه والفناءُ به، فلا يريد منه، بل يريد ما يريده، منقطعًا به عن كلِّ إرادةٍ، فينظر في أوائل الجمع في مراده الدِّينيِّ الأمريِّ الذي يحبُّه ويرضاه. وأكثر أرباب السُّلوك عندهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فرقٌ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جمعٌ. ثمَّ منهم من يرى أنَّ ترك الفرق زندقة وكفر، فهو يعرض عن الجمع إلى الفرق. ومنهم من يرى أنَّ مقام التفرقة مقام ناقص مرغوب عنه، ويرى سوء حالِ أهله وتشتُّتَهم، ويرغب عنه عاملًا على الجمع، يتوجَّه معه حيث توجَّهت ركائبه. والمستقيمون منهم يقولون: لا بدَّ للعبد السالك من جمعٍ وفرقٍ؛ وقيامُ العبوديَّة بهما، فمن لا تفرقة له لا عبوديَّة له، ومن لا جمع له لا معرفة له ولا حال، فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فرقٌ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جمعٌ. والحقُّ: أنّ كلًّا من مشهدَي (٣) ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

стр. 988

متضمِّنٌ للفرق والجمع، وكمالُ العبوديَّة بالقيام بهما في كلِّ مشهدٍ. ففرقُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (١): تنوُّع ما يُعبَد به، وكثرةُ تعلُّقاته وضروبه. وجمعه: توحيد المعبود بذلك كلِّه، وإرادةُ وجهه وحده، والفناءُ عن كلِّ حظٍّ ومرادٍ يزاحم حقَّه ومراده. فتضمَّن هذا المشهد فرقًا في جمعٍ، وكثرةً في وحدةٍ، فصاحبه يتنقَّل في منازل العبودية من عبادةٍ إلى عبادة، ومعبودُه واحد (٢). وأمَّا فرق ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: فشهود ما يستعين به عليه، ومرتبتِه ومنزلتِه، ومحلِّه من النفع والضر، وبدايته وعاقبته، واتِّصالِه بل وانفصاله، وما يترتَّب عليه من هذا الاتِّصال والانفصال؛ فيشهد مع ذلك فقرَ المستعين وحاجته ونقصه، وضرورتَه إلى كمالاته التي يستعين ربَّه (٣) في تحصيلها، وآفاتِه التي يستعينه في دفعها، ويشهد حقيقة الاستعانة وكفاية المستعان به. وهذا كلُّه فرقٌ يثمر عبوديَّةَ هذا المشهد. وأمّا جمعه: فشهود تفرُّده سبحانه بالأفعال، وصدورِ الكائنات بأسرها عن مشيئته، وتصريفها بإرادته وحكمه. فغيبته بهذا المشهد عمَّا قبله من الفرق نقصٌ في العبوديّة، كما أنَّ تفرُّقه في الذي قبله دون ملاحظته نقصٌ أيضًا. والكمالُ إعطاء الجمع والفرق حقَّهما في هذا المشهد والمشهدِ الأوَّل.

стр. 989

فتبيَّن تضمُّن (١) ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للجمع والفرق. وبالله المستعان. * * * *

стр. 990

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الرجاء . قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه بالعبودية والمحبَّة، فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحبَّ، والخوف، والرَّجاء. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (١). وفي «صحيح مسلم» (٢) عن جابرٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاثٍ: «لا يموتَنَّ أحدكم إلَّا وهو يحسن الظنَّ بربِّه». وفي «الصحيح» (٣) عنه ﷺ «يقول الله : أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء».

стр. 991

الرجاءُ حادٍ يحدو القلوب إلى (١) الله والدار الآخرة، ويطيب لها السَّير. وقيل: هو الاستبشار بوجود فضل الربِّ تعالى، والارتياح لمطالعة كرمه (٢). وقيل: هو الثقة بجود الربِّ. والفرق بينه وبين التمنِّي: أن التمنِّي يكون مع الكسل، ولا يسلك بصاحبه طريق الجدِّ والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكُّل. فالأوَّل كحال من يتمنَّى أن يكون له أرضٌ يَبْذُرها ويأخذ زرعها، والثاني كحال من يشقُّ أرضه ويَفْلَحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع. ولهذا أجمع العارفون على أنَّ الرجاء لا يصحُّ إلَّا مع العمل. قال شاهٌ الكرماني: علامة صحَّة الرجاء: حسن الطاعة (٣). والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوعٌ غرور مذموم. فالأوَّلان: رجاءُ رجلٍ عمل بطاعة الله على نورٍ من الله فهو راجٍ لثوابه، ورجلٍ أذنب ذنبًا ثمَّ تاب منه (٤) فهو راجٍ لمغفرته (٥). والثالث: رجلٌ مُتَمادٍ في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عملٍ، فهذا هو الغرور والتمنِّي والرجاء الكاذب.

стр. 992

وللسالك نظران: نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله، يفتح عليه باب الخوف. ونظرٌ إلى سعة فضل ربِّه وكرمه وبرِّه، يفتح عليه باب الرّجاء. ولهذا قيل في حدِّ الرجاء: هو النظر إلى سعة رحمة الله. وقال أبو عليٍّ الرُّوذْباري ﵀: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتمَّ طيرانُه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حدِّ الموت (١). وسئل أحمد بن عاصمٍ: ما علامة الرجاء في العبد؟ فقال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان أُلهم الشُّكر، راجيًا لتمام النِّعمة من الله عليه في الدُّنيا وتمامِ عفوه عنه في الآخرة (٢). واختلفوا أيُّ الرجائين أكمل: رجاء المحسنِ ثوابَ إحسانه، أو رجاء المذنب المسيء التائب مغفرةَ ربِّه وعفوه؟ فطائفةٌ رجَّحت رجاء المحسن لقوَّة أسباب الرجاء معه. وطائفةٌ رجَّحت رجاء (٣) المذنب لأنَّ رجاءه مجرَّدٌ عن علَّة رؤية العمل، مقرونٌ بذلَّة رؤية الذنب. قال يحيى بن معاذٍ: يكاد رجائي لك مع الذُّنوب يغلب على رجائي لك مع الأعمال، لأنِّي أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أحرزها وأنا بالآفات معروفٌ! وأجدني في الذُّنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوفٌ!

стр. 993

وقال أيضًا: إلهي، أحلى العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك، وأحبُّ الساعات إليَّ ساعةٌ يكون فيها لقاؤك (١). فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (الرجاء أضعف منازل المريد، لأنَّه معارَضةٌ من وجهٍ واعتراضٌ من وجه، وهو وقوعٌ في الرُّعونة في مذهب هذه الطّائفة. ولفائدةٍ واحدةٍ نطق به التنزيل والسُّنة (٣)، وتلك الفائدة هي كونه يبرِّد حرارة الخوف حتَّى لا يُفضي بصاحبه إلى الإياس). شيخ الإسلام حبيبٌ إلينا، والحقُّ أحبُّ إلينا منه، وكلُّ من عدا المعصوم فمأخوذٌ من قوله ومتروك. ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله، ثمَّ نبيِّن ما فيه: أمَّا قوله: (الرجاء أضعف منازل المريد)، يعني بالنِّسبة إلى ما فوقه من المنازل، كمنزلة المعرفة، والمحبَّة، والإخلاص، والصِّدق، والتوكُّل، لا أنَّ مراده ضعف حال هذه المنزلة في نفسها وأنَّها منزلة ناقصة. وأمَّا قوله: (لأنه معارضة من وجه، واعتراض من وجه)، فلأنَّه تعلُّق

стр. 994

بمراد العبد من ربِّه من الإحسان والثواب والإفضال، وقد يكون مراده تعالى من عبده استيفاءَ حقِّه ومعاملتَه بحكم عدله لِما له في ذلك من الحكمة؛ فإذا أراد العبد منه معاملته بحكم الفضل دخل في نوع معارَضةٍ، فكأنَّ الراجي تعلَّق قلبُه بما يعارض تصرُّفَ المالك في ملكه. وذلك ينافي حكم استسلامه وانقياده وانطراحه بين يدي ربِّه مستسلمًا لِما يحكم به فيه، فرجاؤه معارَضة لحكمه وإرادته، ووقوفٌ مع مراده من سيِّده، وذلك يعارض مراد سيِّده منه. والمحبُّ الصادق من فني بمراد محبوبه عن مراده منه، ولو كان فيه تعذيبُه! وأمَّا وجه الاعتراض فهو أن القلب إذا تعلَّق بالرجاء ولم يظفر بمرجوِّه اعترض، حيث لم يحصل له مرجوُّه ولم يظفر به. وإن ظفر به اعترض، حيث فات غيرَه ذلك المرجوُّ (١)، لأن كلَّ أحدٍ يرجو فضل الله ويحدِّث نفسه به. وفيه وجهٌ آخر من الاعتراض: وهو أنه يعترض على ربِّه بما يرجوه منه، لأنَّ الراجي متمنٍّ لما يرجو مُوثِرٌ له، وذلك اعتراضٌ على القدر، منافٍ لكمال الاستسلام والرِّضا بما سبق به القضاء؛ فإذا تيقَّن أنَّه قد سبق له القضاء بشيءٍ، وأنَّه لا بدَّ أن يناله، فعلَّق قلبه برجاء شيءٍ من الفضل= فقد اعترض على القضاء، ولم يعرف للاستسلام للحكم حقَّه. وذلك وقوعٌ في الرُّعونة في مذهب السائرين على درب الفناء الناظرين إلى عين الجمع، إذ الرُّعونة هي الوقوف مع حظِّ النّفس، والرجاء هو الوقوف مع الحظِّ لأنَّه يتعلَّق بالحظوظ.

стр. 995

وأصحابُ هذه الطريق أوَّلُ طريقهم: الخروج عن نفوسهم، فضلًا عن حظوظها لأنَّهم عاملون على أن يكونوا بالله لا بنفوسهم، فغاية المحبِّ أنّ يرضى بأحكام محبوبه عليه، ساءته أم سرَّته، حتّى تبلغ بأحدهم هذه الحال إلى أن ينشد (١): أحبُّك لا أحبُّك للثواب ... ولكنِّي أحبُّك للعقابِ وكلُّ مآربي قد نلت منها ... سوى ملذوذ وجدي بالعذاب ولو كان نفسُ تلذُّذِه بالعذاب مقصوده من العذاب لكان أيضًا واقفًا مع حظِّه، ولكن أراد أنَّ رضاه بمراد محبوبه منه ــ ولو كان عذابَه ــ لم يدَعْ فيه للرجاء موضعًا ولا للخوف، بل يقول: أنا أحبُّ ما تريده بي، ولو أنه عذابي. وقد كشف بعض المغرورين عن هذا بقوله: وتعذيبي مع الهجران عندي ... أحبُّ إليّ من طيب الوصال لأنِّي في الوصال عُبيد حظِّي ... وفي الهجران عبدٌ للموالي فأخبر أنَّ التعذيب بالهجران أحبُّ إليه من طيب الوصال لكون الوصال فيه ما تشتهيه النفس، وأمَّا التعذيب فليس فيه للنفس مقصود. ثمَّ أخبر (٢) أنَّه لم يأت في القرآن والسُّنّة إلا لفائدةٍ واحدةٍ، وهي تبريده لحرارة الخوف حتَّى لا يفضي بصاحبه إلى الإياس. فهذا وجه كلامه، وحملُه على أحسن محامله.

стр. 996

فيقال: هذا ونحوه من الشَّطحات التي ترجى مغفرتُها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمالُ الصِّدق وصحَّةُ المعاملة وقوَّةُ الإخلاص وتجريدُ التوحيد، ولم تُضمن العصمة لبشرٍ بعد رسول الله ﷺ . وهذه الشطحات أوجبت فتنةً على طائفتين من النّاس: إحداهما: حُجِبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطفِ نفوسهم وصدقِ معاملاتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساؤوا الظنَّ بهم مطلقًا. وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كلُّ من أخطأ أو غلط تُرِك جملةً وأُهدرت محاسنُه لفسدت العلوم والصِّناعات والحِكَم، وتعطَّلت معالمها. والطائفة الثانية: حُجبوا بما رأوه من محاسن الطائفة (١)، وصفاءِ قلوبهم، وصحَّة عزائمهم (٢)، وحسن معاملاتهم= عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها؛ فسَحَبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم. وهؤلاء أيضًا مُعتدون مُفرِطون. وأهل البصيرة والإنصاف أعطَوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وأنزلوا كلَّ ذي منزلةٍ منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يُقبَل، وردُّوا ما يردُّ. وهذه الشحطات ونحوها هي التي حذَّر منها سادات القوم، وذمُّوا

стр. 997

عاقبتها، وتبَرَّؤوا منها، حتَّى ذكر أبو القاسم القشيريُّ في «رسالته» (١) أنَّ أبا سليمان الداراني رؤي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وما كان شيء أضرَّ عليَّ من إشارات القوم. وقال أبو القاسم (٢): سمعت أبا سعيدٍ الشحَّام يقول: رأيت الأستاذ أبا سهلٍ الصُّعلوكيَّ في المنام، فقلت له: أيُّها الشّيخ، فقال: دع التَّشييخ! فقلت: وتلك الأحوال؟ فقال: لم تُغنِ عنَّا شيئًا! فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بمسائلَ كانت تسألُ عنها العُجُز (٣). وذكر (٤) عن الجُرَيريِّ: أنَّه رأى الجنيد في المنام بعد موته، فقال: كيف حالك يا أبا القاسم؟ قال: طاحت تلك الإشارات، وبادت تلك العبارات، وما نفعنا إلَّا تسبيحاتٌ كنَّا نقولها بالغدوات (٥). فأمَّا قوله: (الرّجاء أضعف منازل المريدين)، فليس كذلك، بل هو من

стр. 998

أجلِّ منازلهم وأعلاها وأشرفها. وعليه وعلى الحبِّ والخوف مدارُ السَّير إلى الله. وقد مدح الله أهله وأثنى عليهم فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وفي الحديث الصحيح الإلهيِّ عن النبيِّ ﷺ فيما يروي عن ربِّه : «ابنَ آدم، إنَّك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي» (١). وقد روى الأعمش عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «يقول الله : أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرتُه في ملإٍ هو (٢) خيرٌ منهم، وإن اقترب إليَّ شبرًا اقتربتُ إليه ذراعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً». رواه مسلم (٣). وقد أخبر تعالى عن خواصِّ عباده الذين كان المشركون يزعمون أنَّهم يتقرَّبون بهم إلى الله: أنَّهم كانوا راجين له خائفين منه، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦]. يقول تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم من دوني (٤) هم

стр. 999

عبادي، يتقرَّبون إليَّ بطاعتي ويرجون رحمتي ويخافون عذابي، فلماذا تدعونهم من دوني؟ فأثنى عليهم بأفضل أحوالهم ومقاماتهم من الحبِّ والخوف والرّجاء. قوله: (لأنه معارضة من وجهٍ، واعتراض من وجهٍ)، يقال: بل هو عبوديّة وتعلُّقٌ بالله من حيث اسمُه المُحسن البَرُّ، فذلك التّعلُّق والتّعبُّد بهذا الاسم والمعرفةُ بالله هو الذي أوجب له الرجاءَ مِن حيث يدري ومن حيث لا يدري، فقوّة الرجاء على حسب قوَّة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبةِ رحمته غضبَه. ولولا رَوح الرجاء لعطِّلت عبوديّةُ القلب والجوارح، وهدِّمت صوامعُ وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيرًا. بل لولا رَوح الرجاء لما تحرَّكت الجوارح بالطاعة. ولولا ريحه الطّيِّبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات. ولي من أبياتٍ: لولا التعلُّل (١) بالرجاء تقطَّعت ... نفسُ المحبِّ تحسُّرًا وتمزُّقا وكذاك لولا برده لحرارة الْـ ... أكباد ذابت بالحجاب تحرُّقا أيكون قطُّ حليفُ حبٍّ لا يُرى ... برجائه لحبيبه متعلِّقا؟! أم كلَّما قويت محبَّته له ... قوي الرّجاء فزاد فيه تشوُّقا لولا الرجا يحدو المطيَّ لما سرت ... بحمولها لديارهم ترجو اللِّقا وعلى حسب المحبَّة وقوَّتها يكون الرجاء. وكلُّ محبٍّ راجٍ خائفٌ بالضّرورة، فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحبَّ ما كان إليه. وكذلك خوفه، فإنّه

стр. 1000

يخاف سقوطَه من عينه، وطردَ محبوبه له وإبعادَه، واحتجابَه عنه؛ فخوفُه أشدُّ خوفٍ. ورجاؤه لمحبوبه ذاتيٌّ للمحبَّة، فإنَّه يرجوه قبل لقائه والوصولِ إليه، فإذا لقيه ووصل إليه اشتدَّ الرجاء له لِما يحصل به (١) حياةُ روحه ونعيمُ قلبه من ألطاف محبوبه، وبرِّه وإقبالِه عليه، ونظرِه إليه بعين الرِّضا، وتأهيلِه لمحبَّته، وغيرِ ذلك ممَّا لا حياة للمحبِّ ولا نعيمَ ولا فوزَ إلا بوصوله إليه من محبوبه؛ فرجاؤه أعظم رجاءٍ وأجلُّه وأتمُّه. فتأمَّل هذا الموضع حقَّ التّأمُّل يُطلعْك على أسرارٍ عظيمةٍ من أسرار العبودية والمحبة، فكلُّ محبة فهي مصحوبةٌ بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكُّنها من قلب المحبِّ يشتدُّ خوفه ورجاؤه. لكنَّ خوف المحبِّ لا تصحبه وحشة بخلاف خوف المسيء، ورجاء المحبِّ لا تصحبه علَّةٌ بخلاف رجاء الأجير، فأين رجاء المحبِّ من رجاء الأجير؟ بينهما كما بين حالَيهما. وبالجملة: فالرجاء ضروريٌّ للمريد والسالك والعارف، ولو فارقه لحظةً لتلف أو كاد، فإنَّه دائرٌ بين ذنبٍ يرجو غفرانه، وعيبٍ يرجو صلاحه (٢)، وعملٍ صالحٍ يرجو قبوله، واستقامةٍ يرجو حصولها أو دوامها، وقربٍ من الله ومنزلةٍ عنده يرجو وصوله إليها؛ ولا ينفكُّ أحدٌ من السالكين عن هذه الأمور أو عن بعضها، فكيف يكون الرجاء مِن أضعف منازله وهذا حاله؟

стр. 1001

وأمّا حديث المعارضة والاعتراض فباطل، فإنَّ الراجي ليس معارضًا (١) ولا معترضًا، بل راغبًا راهبًا مؤمِّلًا لفضل ربِّه، مُحسنَ (٢) الظنِّ به، متعلِّقَ الأمل ببرِّه وجوده، عابدًا له باسمه المحسن، البَرِّ، المعطي، الحليم، الغفور، العفو، الجواد، الوهَّاب، الرزاق. والله يحبُّ من عبده أن يرجوه، ولذلك كان عند رجاء العبد له وظنِّه به. والرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربِّه، بل هو من أقوى الأسباب. ولو تضمَّن معارضةً واعتراضًا لكان ذلك في الدُّعاء والمسألة أولى، فكان دعاء العبد ربَّه وسؤالُه أن يهديه ويوفِّقه ويسدِّده ويعينه على طاعته ويجنِّبه معصيته ويغفر ذنوبَه ويدخله الجنة وينجيه من النار= معارضةً واعتراضًا، لأنَّ الداعي راجٍ وطالبٌ، فمعه رجاء وطلب ما يرجوه، فهو أولى حينئذٍ بالمعارضة والاعتراض. والذي أوجب للشيخ هذا القَدْرَ الاسترسالُ في القَدَر والفناءُ في شهود الحقيقة الكونية، فإنَّه من الراسخين فيه، الذين لا يأخذهم فيه لومة لائمٍ. وهو شديدٌ في إنكار الأسباب. وهذا موضعٌ زلَّت فيه أقدام أئمَّةٍ أعلام. ولولا أنَّ حقَّ الحقِّ أوجب من حقِّ الخلق لكان في الإمساك فسحةٌ ومتَّسع. وليس في الرجاء ولا في الدُّعاء معارضةٌ لتصرُّف المالك في ملكه، فإنَّه إنما يرجو تصرُّفه في ملكه أيضًا بما هو أحبُّ الأمرين إليه، فإنَّ الفضل أحبُّ إليه من العدل، والعفو أحبُّ إليه (٣) من الانتقام، والمسامحة أحبُّ إليه من

стр. 1002

الاستقصاء، والتّرك أحبُّ إليه من الاستيفاء، ورحمته غلبت غضبه. فالراجي علَّق رجاءَه بتصرُّفه المحبوب له المَرضيِّ له، فلم يوجب رجاؤه خروجَه عن تصرُّفه في ملكه، بل اقتضى عبوديَّته وحصولَ أحبِّ التصرُّفين إليه. وهو سبحانه لا ينتفع باستيفاء حقِّه وعقوبة عبده، حتَّى يكون رجاؤه مبطلًا لذلك، وإنَّما العبدُ استدعى العقوبةَ وأَخْذَ الحقِّ منه لشركه بالله وكفره به واجتهاده في غضبه. ولغضبه موجباتٌ وآثارٌ ومقتضيات، والعبدُ موثِرٌ لها ساعٍ في تحصيلها عاملٌ عليها بإيثاره وسعيه في أسبابها، فهو المُهلك لنفسه. وربُّه يحذِّره ويبصِّره ويناديه: هلمَّ إليَّ أحمِك وأصُنْك، وأُنجيك (١) ممَّا تحذر، وأؤمِّنك من كلِّ ما تخاف، وهو يأبى إلا شِرادًا (٢) عليه ونِفارًا عنه، ومصالحةً لعدوِّه ومظاهرةً له على ربِّه، متطلِّبٌ لمرضاة خلقه بمساخطه، رضا المخلوق آثَرُ عنده من رضاه (٣)، وحقُّه آكد عنده من حقِّه، وخوفه ورجاؤه وحبُّه في قلبه أعظمُ (٤)، فلم يدع لفضل ربِّه وكرامته وثوابه إليه طريقًا، بل سدَّ دونه طرق مجاريها بجهده، وأعطى بيده لعدوِّه فصالحه وسمع له وأطاع وانقاد إلى مرضاته، فجاء من الظُّلم بأقبحه وأشدِّه، فهو الذي عارض مراد ربه منه بمراده وهواه وشهوته، واعترض لمحابِّه ومراضيه

стр. 1003

بالدفع، ولم يأذن لها في الدُّخول عليه، فأضاع حظَّه وبخس حقَّه وظلم نفسه، وعادى حبيبه ووالى عدوَّه، وأسخط مَن حياتُه في رضاه (١)، وأرضى مَن حياتُه في سخطه، وجاد بنفسه لعدوِّه، وبخل بها عن حبيبه ووليِّه. والرّبُّ تعالى ليس له ثأرٌ عند عبده فيدركه بعقوبته، ولا يتشفَّى بعقابه، ولا يزيد ذلك في ملكه مثقالَ ذرَّةٍ، ولا تَنقُص مغفرتُه لو غفر لأهل الأرض كلِّهم (٢) مثقالَ ذرَّةٍ من ملكه، كيف والرحمةُ أوسع من العقوبة وأسبقُ مِن الغضب وأغلب له ــ وهو قد كتب على نفسه الرحمة ــ؟! فرجاء العبد له لا ينقص شيئًا من حكمته، ولا ينقص ذرَّةً من ملكه، ولا يخرجه عن كمال تصرُّفه، ولا يوجب خلاف كماله، ولا تعطيل أوصافه وأسمائه. ولولا أنَّ العبد هو الذي سدَّ على نفسه طرق الخيرات وأغلق دونها أبواب الرحمة بسوء اختياره لنفسه لكان ربُّه له فوقَ رجائه وفوقَ أمله. وأمَّا استسلام العبد لربِّه، وانطراحُه بين يديه، ورضاه بمواقعِ (٣) حُكمه فيه= فما ذاك إلَّا رجاءً منه أن يرحمه ويقبله (٤)، ويقيله عثرتَه ويعفو عنه، ويقبلَ حسناتِه مع عيوب أعماله وآفاتها، ويتجاوزَ عن سيِّئاته؛ فقوَّة رجائه أوجبت له هذا الاستسلام والانقياد والانطراح بالباب، ولا يُتصوَّر هذا بدون

стр. 1004

الرجاء البتَّة، فالرجاء حياةُ الطَّلب والإرادةِ وروحُها (١). وأمَّا رضاه بمراده منه وإن كان عذابَه، فهذا هو الرُّعونة كلُّ الرُّعونة، فإنَّ مراده سبحانه نوعان: - مرادٌ يحبُّه ويرضاه ويمدح فاعله ويواليه، فموافقته في هذا المراد هي عين محبَّته، وإرادةُ خلافه رعونةٌ ومعارضةٌ واعتراضٌ. - ومرادٌ يبغضه ويكرهه ويمقت (٢) فاعلَه ويعاديه، فموافقته في هذا المراد عين مشاقَّته ومعاداته ومخالفته والتعرُّضِ لمقته وسخطه. فهذا الموضع موضع فرقانٍ، فالموافقة كلُّ الموافقة معارضة هذا المراد واعتراضُه بالدفع والردِّ بالمراد الآخر. فالعبودية الحقُّ: معارضةُ مراده بمراده، ومزاحمة أحكامه بأحكامه. فاستسلامه لهذا المراد المكروهِ المسخوطِ وما يوجبه ويقتضيه عينُ الرُّعونة والخروجُ عن العبودية. وهو عين الدعوى الكاذبة، إذ لو كان مصدرُ ذلك الاستسلامَ والموافقةَ وتركَ الاعتراضِ والمعارضةِ لكان ذلك مخصوصًا بمحابِّه ومراضيه وأوامره التي الاستسلامُ لها والموافقةُ فيها وتركُ معارضتها والاعتراضِ عليها هو عين المحبة والموالاة. وأمَّا الفناء بمراد ربِّه عن مراده، فقد تقدَّم أنَّ المحمود من ذلك: الفناءُ بمراده الدينيِّ الأمريِّ، لا الكونيِّ القدريِّ، فإنَّ الكون كلَّه مرادُه القدريُّ خيره وشرُّه.

стр. 1005

وأمَّا تعلُّق الرجاء بمراده دون مراد سيِّده، فهو إنَّما علَّقه بمراده المحبوب له، هاربًا من مراده المسخوط المكروه له. وعلى تقدير أن يكون محبوبًا له إذا كان انتقامًا، فالعفو والفضل أحبُّ إليه منه؛ فهو إنَّما علَّق رجاءه بأحبِّ المرادين إليه. وأمَّا كون الرجاء اعتراضًا على ما سبق به الحكم، فليس كذلك، بل تعلُّقًا بما سبق به الحكم، فإنَّه إنَّما يرجو فضلًا وإحسانًا ورحمةً سبق بها القضاء والقدر وجُعل الرجاءُ أحدَ أسباب حصولها، فليس الرجاء اعتراضًا على القدر ولا معارضةً للقدر، بل طلبًا لما سبق به القدر. وأمَّا اعتراضه إذا لم يحصل له مرجوُّه فهذا نقصٌ في العبودية وجهلٌ بحقِّ الرُّبوبيَّة، فإنَّ الراجي والداعي يرجو ويدعو فضلًا لا يستحقُّه ولا يستوجبه بمعاوضةٍ، فإن أُعطيه (١) فمحض المنَّة (٢) والصدقة عليه، وإن منعه فلم يمنع حقًّا هو له، فاعتراضه رعونة وجهالة. ولا يلزم من فوات المرجوِّ وعدمِ حصول المدعوِّ به في حقِّ العبد الصَّادقِ معارضةٌ ولا اعتراض. وقد سأل رسول الله ﷺ ربَّه ثلاث خصالٍ لأمَّته، فأعطاه اثنتين ومنعه واحدةً، فرضي بما أعطاه ولم يعترض فيما منعه، بل رضي وسلَّم (٣). وأمَّا كون الرجاء وقوفًا مع الحظِّ، فأصحابُ هذه الطريق قد خرجوا عن نفوسهم فكيف حظوظِهم (٤)؟ فيا لله العجب! أيُّ رعونةٍ فيمن يجعل رجاءَ

стр. 1006

العبد ربَّه، وطمعَه في برِّه وإحسانه وفضله، وسؤالَه ذلك بقلبه ولسانه؟! (١) فإن الرجاء هو استشراف القلب لنيل ما يرجوه، فإذا كان العبد دائمًا مستشرفًا بقلبه، سائلًا بلسانه، طالبًا لفضل ربِّه، فأيُّ رعونةٍ هاهنا؟ وهل الرُّعونة كلُّ الرُّعونة إلا خلاف ذلك؟ ومن العجب دعواهم خروجَهم عن نفوسهم، وهم أعظم الناس عبادةً لنفوسهم! وليس الخارج عن نفسه إلَّا من جعلها حبسًا على مراد الله الدينيِّ الأمريِّ النبويِّ، وبذلها لله في إقامة دينه وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي، فانغمس فيهم يمزِّقون أديمه ويرمونه بالعظائم ويخيفونه بأنواع المخاوف ويتطلَّبون دمَه (٢) بجهدهم (٣)، لا يأخذه في جهادهم في الله لومةُ لائمٍ، يصدع بالحقِّ عند من يخافه ويرجوه، قد زهد في مدحهم وثنائهم وتعظيمهم وتشييخهم له وتقبيل يده وقضاء حوائجه، يصيح فيهم بالنصائح جهارًا، ويعلن لهم بها ويسرُّ لهم إسرارًا. وقد تجرَّد عن الأوضاع والقيود والرُّسوم، وتعلَّق بمراضي الحيِّ القيُّوم؛ مقامه ساعةً في جهاد أعداء الله، ورباطُه ليلةً على ثغر الإيمان= آثر عنده وأحبُّ إليه من فناءٍ ومشاهداتٍ وأحوالٍ هي أعظم عيش النفس وأعلى قوتها وأوفرُ حظِّها، ويزعم أنه قد خرج عن نفسه فكيف حظِّها! (٤) ولعلَّه قد خرج عن مراد ربِّه من عبوديَّته إلى

стр. 1007

عينِ مرادِه هو وحظِّه (١)، ولو فتَّش نفسه لرأى ذلك فيها عيانًا. وهل الرُّعونة كلُّ الرُّعونة إلا دعواه أنه يحبُّ ربَّه لعذابه لا لثوابه، وأنَّه إذا أحبَّه وأطاعه للثواب كان ذلك حظًّا وإيثارًا لمراد النفس، بخلاف ما إذا أحبَّه وأطاعه ليعذِّبه فإنَّه لا حظَّ للنفس في ذلك. فوالله ليس في أنواع الرُّعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج! وماذا يلعب الشيطان بالنُّفوس؟! وإنَّ نفسًا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال المعافاة. فنزِّل أحوال الأنبياء والرُّسل والصدِّيقين وسؤالَهم ربَّهم على أحوال هؤلاء الغالطين (٢)، ثمَّ قايس بينهما وانظر التفاوت. فأين هذا من دعاء النبيِّ ﷺ : «اللهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك» (٣) وقولِه لعمِّه: «يا عبَّاسُ، يا عمَّ رسول الله، سل الله العافية» (٤)، وقولِه للصدِّيق الأكبر وقد سأله أن يعلِّمه دعاءً يدعو به في صلاته: «قل: اللهم إنِّي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذُّنوب إلّا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم» (٥)، وقولِه

стр. 1008

لصدِّيقة النساء وقد سألَتْه دعاءً تدعو به إن (١) وافقت ليلة القدر فقال: «قولي: اللهم إنك عفوٌ تحبُّ العفو فاعف عنِّي» (٢)، وقولِه في دعائه الذي كان لا يدعه، وإن دعا بدعاءٍ أردفه به (٣): «ربنا آتنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النّار» (٤). وقد أثنى تعالى على خاصَّته (٥) أولي الألباب (٦) بأنَّهم سألوه أن يقيهم عذاب النار، فقال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقال لأمِّ حبيبة ﵂: «لو سألتِ الله أن يُجيرَكِ من عذاب النار لكان خيرًا لك» (٧).

стр. 1009

وكان يستعيذ كثيرًا من عذاب النار وعذاب القبر. وأمر المسلمين أن يستعيذوا في تشهُّدهم من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجَّال (١)؛ حتّى قيل إنَّ هذا الدُّعاء واجبٌ في الصلاة، لا تصحُّ إلا به (٢). وهذا أعظم من أن نستقصيه. ودخل رسول الله ﷺ على مريضٍ يعوده فرآه مثل الفرخ، فقال: «ما كنت تدعو به؟» فقال: كنت أقول: اللهمَّ ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعاقِبْني به في الدُّنيا، فقال: «سبحان الله! إنك لا تطيق ذلك، ألا سألت الله العفو والعافية؟» (٣). وفي «المسند» (٤) عنه: «ما سئل الله شيئًا أحبَّ إليه من سؤال العفو والعافية». وقال لبعض أصحابه: «ما تقول إذا صلَّيت؟» فقال: أسأل الله الجنَّة وأعوذ به من النار، أما إنِّي لا أحسن دندنتَك، ولا دندنةَ معاذٍ، فقال رسول الله

стр. 1010

- ﷺ : «(١) حولها ندندن» (٢). فأين هذا من حال من قال: لا أحبُّك لثوابك لأنَّه عين حظِّي، وإنَّما أحبُّك لعقابك لأنَّه لا حظَّ لي فيه، والرجاء عين الحظِّ، ونحن قد خرجنا عن نفوسنا فما لنا وللرجاء؟ فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيه: إنَّه شطح قد يُعذَر فيه صاحبُه إذا كان مغلوبًا على عقله كالسكران ونحوه، ولا تُهدَر محاسنُه ومعاملاته وأحواله وزهده. ولكنَّ الذي ننكر كونُ هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العَليَّة التي يتعاطاها العبد ويشمِّر إليها، فهذا الذي لا تُلبَس (٣) عليه الثِّياب ولا تَصبر عليه نفوسُ العلماء، وحاشا سادات القوم وأئمَّتهم من هذه الرُّعونات، بل هم أبعد الناس منها. نعم، قد يعرض لأحدهم حالٌ يحدِّث نفسَه بأنَّه لو عذَّبه لكان راضيًا بعذابه كرضا صاحب الثواب بثوابه، ويعزم على ذلك بقلبه، ولكن هذا عزمٌ وأمنية، وعند الحقيقة لا يكون لذلك (٤) أثرٌ البتَّة، ولو امتحنه بأدنى محنةٍ

стр. 1011

لصاح واستغاث وسأل العافية، كما جرى للقائل (١): وليس لي من هواك بدٌّ ... فكيفما شئتَ فامتحنِّي فامتحنه بعسر البول، فطاحت هذه الدعوى عنه واضمحلَّ خيالها، وجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول: ادعوا لعمِّكم الكذَّاب! فالعزم على الرِّضا لونٌ، وحقيقته لونٌ آخر. وأمَّا قوله: (إن التنزيل نطق به (٢) لفائدةٍ واحدة، وهي كونه يبرِّد حرارة الخوف)، فيقال: بل لفوائد كثيرةٍ أُخَر سوى هذه: منها: إظهار العبودية والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه من ربِّه ويستشرفه من إحسانه، وأنَّه لا يستغني عن فضله طرفةَ عينٍ. ومنها: أنَّه سبحانه يحبُّ من عباده أن يؤمِّلوه ويرجوه ويسألوه من فضله، لأنَّه المَلِك الحقُّ الجواد، أجوَدُ من سئل وأوسع من أعطى، وأحبُّ ما إلى الجواد أن يُرجى ويؤمَّل ويُسأل. وفي الحديث: «من لم يسأل الله يغضَبْ عليه» (٣)، والسائل راجٍ وطالب، فمن لم يَرجُ الله يغضب عليه، فهذه فائدة

стр. 1012

أخرى من فوائد الرجاء: التخلُّص به من غضب الله. ومنها: أنَّ الرجاء حادٍ يحدو به في سيره إلى الله، ويطيِّب له المسير، ويحثُّه عليه، ويبعثه على ملازمته. فلولا الرجاء لما سرى أحدٌ، فإن الخوف وحده لا يحرِّك العبد، وإنّما يحرِّكه الحبُّ، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرّجاء. ومنها: أنَّ الرجاء يطرحه على عتبة المحبَّة ويلقيه في دِهليزها، فإنَّه كلَّما اشتدَّ رجاؤه وحصل له ما يرجوه ازداد حبًّا لله وشكرًا له ورضًا عنه (١). ومنها: أنَّه يبعثه على أعلى المقامات، وهو مقام الشُّكر الذي هو خلاصة العبوديّة، فإنَّه إذا حصل له مرجوُّه كان ذلك أدعى لشكره. ومنها: أنَّه يوجب له المزيد من معرفته بأسمائه (٢) ومعانيها والتعلُّق بها، فإنَّ الرجاء تعلُّقٌ بأسماء الإحسان (٣) وتعبُّدٌ بها ودعاءٌ بها، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فلا ينبغي أن يعطَّل دعاؤه بأسماء الإحسان (٤) التي هي أعظم ما يدعوه بها الداعي، فالقدح في مقام الرجاء تعطيلٌ لعبودية هذه الأسماء والدُّعاء بها.

стр. 1013

ومنها: أنّ المحبة لا تنفكُّ عن الرّجاء كما تقدّم، فكلُّ واحدٍ منهما يمدُّ الآخر ويقوِّيه. ومنها: أنَّ الخوف مستلزمٌ للرجاء، والرجاء مستلزمٌ للخوف، فكلُّ راجٍ خائف، وكلُّ خائفٍ راجٍ. ولأجل هذا حسُن وقوع الرجاء في موضعٍ يحسن فيه وقوع الخوف؛ قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، قال كثيرٌ من المفسِّرين: المعنى ما لكم لا تخافون لله عظمةً؟ قالوا: والرجاء بمعنى الخوف (١). والتحقيق أنَّه ملازمٌ له، فكلُّ راجٍ خائفٌ من فوات مرجوِّه، والخوف بلا رجاءٍ يأس وقنوط. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، قالوا في تفسيرها: لا يخافون وقائع الله بهم، كوقائعه بمن قبلهم من الأمم. ومنها: أن العبد إذا تعلَّق قلبُه برجاء ربِّه فأعطاه ما رجاه، كان ذلك ألطفَ موقعًا وأحلى عند العبد وأبلغَ من حصول ما لم يرجه. وهذا أحد الأسباب والحكم في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار، فعلى قدر رجائهم وخوفهم يكون فرحهم في القيامة بحصول مرجوِّهم (٢) واندفاع مَخُوفهم. ومنها: أنّ الله سبحانه يريد من عباده تكميلَ مراتبِ عبوديته من الذُّلِّ والانكسار، والتّوكُّل والاستعانة، والخوف والرجاء، والصّبر والشُّكر،

стр. 1014

والرِّضا والإنابة وغيرها. ولهذا قدَّر عليه الذنب وابتلاه به ليُكمِّل (١) مراتبَ عبوديَّته بالتوبة التي هي من أحبِّ عبوديَّات عبده إليه، فكذلك يُكمِّلها (٢) بالرّجاء والخوف. ومنها: أنَّ في الرجاء من الانتظار والترقُّب والتوقُّع لفضل الله ما يوجب تعلُّقَ القلب بذكره، ودوامَ الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته، وتنقُّلَ القلب في رياضها الأنيقة، وأخذَه بنصيبه من كلِّ اسم وصفةٍ كما تقدَّم بيانه، فإذا فني عن ذلك وغاب عنه فاته حظُّه ونصيبه من معاني هذه الأسماء والصِّفات. إلى فوائد أخرى كثيرةٍ يطالعها من أحسن تأمُّلَه وتفكُّرَه في استخراجها. وبالله التوفيق. والله يشكر لشيخ الإسلام (٣) سعيَه، ويُعلي درجته، ويَجزيه أفضل جزائه، ويجمع بيننا وبينه في محلِّ كرامته. فلو وَجَد مريدُه سعةً وفسحةً في ترك الاعتراض عليه واعتراض كلامه لَمَا فعل، كيف وقد نفعه الله بكلامه، وجلس بين يديه مجلس التِّلميذ من أستاذه، وهو أحدُ مَن كان على يديه فتحُه يقظةً ومنامًا. وهذا غاية جهد المقلِّ في هذا الموضع، فمن كان عنده فضلُ علمٍ فليَجُد به، أو فليُعذِر ولا يبادر إلى الإنكار؛ فكم بين الهدهد وسليمان نبيِّ الله ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلَّم ــ وهو يقول (٤): ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]!

стр. 1015

وليس شيخ الإسلام أعلم من نبيِّ الله، ولا المعترض عليه بأجهل من هدهد! وبالله المستعان. فصل قال صاحب «المنازل» قدس الله روحه (١): (والرجاء على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: رجاءٌ يبعث العاملَ على الاجتهاد، ويولِّد التلذُّذ بالخدمة، ويوقظ الطِّباع للسماحة بترك المناهي). أي ينشِّطه لبذل جهده لِما يرجوه من ثواب ربِّه، فإنَّ مَن عرف قدر مطلوبه هان عليه ما يبذل فيه. وأمَّا (توليده للتلذُّذ بالخدمة)، فإنَّه كلَّما طالع قلبُه ثمرها (٢) وحسنَ عاقبتها التذَّ بها. وهذا كحال من يرجو الأرباح العظيمة في سفره ويقاسي (٣) مشاقَّ السفر لأجلها، فكلَّما صوَّرها لقلبه هانت عليه تلك المشاقُّ والتذَّ بها. وكذلك المحبُّ الصادق الساعي في مراضي محبوبه الشاقَّة عليه (٤)، كلَّما تأمَّل ثمرةَ رضاه عنه وقبولِه سعيَه وقُربَه منه تلذَّذ بتلك المساعي، وكلَّما قوي علم العبد بإفضاء ذلك السبب إلى المسبَّب المطلوب، وقوي علمه بقدر المسبَّب وقرب السبب منه= ازداد التذاذًا بتعاطيه. وأمَّا (إيقاظ الطِّباع للسماحة بترك المناهي)، فإنَّ الطِّباع لها معلومٌ

стр. 1016

ورسومٌ تتقاضاها من العبد، ولا تسمح له بتركها إلا بعوضٍ هو أحبُّ إليها من معلومها ورسومها، وأجلُّ عنده (١) منه وأنفع لها، فإذا قوي تعلُّق الرجاءِ بهذا العوض الأفضل والأشرف سمحت الطِّباعُ بترك تلك الرُّسوم وذلك المعلوم، فإنَّ النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوبٍ هو أحبُّ إليها منه، أو حذرًا من مَخُوفٍ هو أعظمُ مفسدةً لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب. وفي الحقيقة ففرارُها من ذلك المَخُوف إيثارٌ لضدِّه المحبوب لها، فما تركت محبوبًا إلا لِما هو أحبُّ إليها منه؛ فإنَّ من قُدِّم إليه طعام (٢) يضرُّه ويوجب له السقم، فإنَّما يتركه محبةً للعافية التي هي أحبُّ إليه من ذلك الطعام. قال صاحب «المنازل» (٣): (الدرجة الثانية: رجاء أرباب الرِّياضات أن يبلغوا موقفًا تصفو فيه هممهم برفض الملذوذات، ولزوم شروط العلم، واستقصاء حدود الحِمْية (٤)). أرباب الرِّياضات (٥) هم المجاهدون لأنفسهم بترك مألوفها (٦) والاستبدالِ بها مألوفاتٍ هي خيرٌ منها وأكمل، فرجاؤهم أن يبلغوا

стр. 1017

مقصودهم بصفاء الوقت والهمَّةِ من تعلُّقها بالملذوذات، وتجريدِ الهمِّ عن الالتفات إليها. (وبلزوم شروط العلم) وهو الوقوف عند حدود الأحكام الدينيَّة، فإنَّ رجاءهم متعلِّق بحصول ذلك لهم. (واستقصاء حدود الحِمْيَة)، الحِمْيَة هي العصمة والامتناع من تناول ما يخشى ضرره آجلًا أو عاجلًا. ولها حدودٌ متى خرج العبد عنها انتقض عليه مطلوبُه. والوقوفُ على حدودها بلزوم شروط العلم. والاستقصاء في تلك الحدود بأمرين: بذل الجهد في معرفتها علمًا، وأخذ النفس بالوقوف عندها طلبًا وقصدًا. قال (١): (الدرجة الثالثة: رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الحق الباعث على الاشتياق، المنغِّصِ للعيش، المزهِّدِ في الخلق). هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته، وإليه شخصت أبصارُ المشتاقين. ولذلك سلَّاهم الله بإتيان أجل لقائه، وضرب لهم أجلًا له يسكِّن نفوسهم ويُطَمئنها. والاشتياق هو سفر القلب في طلب محبوبه. واختلف المحبُّون: هل

стр. 1018

يبقى عند لقاء المحبوب أم يزول؟ على قولين: فقالت طائفة: يزول، لأنه إنَّما يكون مع الغَيبة، وهو سفر القلب إلاه (١)، فإذا انتهى السفر (٢) وضع عصا (٣) الاشتياق عن عاتقه، وصار الاشتياق أنسًا به ولذَّةً بقربه. وقالت طائفة: بل يزيد الاشتياق (٤) ولا يزول باللِّقاء. قالوا: لأنَّ الحبَّ يقوى بمشاهدة جمال المحبوب أضعافَ ما كان حال غيبته. وإنَّما يواري سلطانَه فناؤُه ودهشتُه بمعاينة محبوبه، حتَّى إذا توارى عنه ظهر سلطانُ شوقه إليه. ولهذا قيل (٥): وأعظم ما يكون الشّوق يومًا ... إذا دنت الخيام من الخيام وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاةً وتوابعَها في كتابنا الكبير في المحبَّة (٦)

стр. 1019

وفي كتاب «سفر الهجرتين» (١)، وسنعود إليها إذا انتهينا إلى منزلتها إن شاء الله تعالى (٢). وقوله: (المنغِّص للعيش)، فلا ريب أنَّ عيش المشتاق منغَّصٌ حتى يلقى محبوبه، فهناك تقرُّ عينُه ويزول عن عيشه تنغيصُه. وكذلك يزهد في الخلق غاية التزهيد، لأنَّ صاحبه طالبٌ للأنس بالله والقرب منه، فهو أزهد شيءٍ في الخلق، إلّا من أعانه على هذا المطلوب لقاؤه منهم وأوصله إليه، فهو أحبُّ خلق الله إليه، ولا يأنس من الخلق بغيره ولا يسكن إلى سواه. فعليك بطلب هذا الرَّفيق جهدك، فإن لم تظفر به فاتَّخذ الله صاحبًا، ودع الناس كلَّهم جانبًا و (٣): مُت بداء الهوى، وإلَّا فخاطرْ ... واطرق الحيَّ والعيونُ نواظرْ لا تخَفْ وحشة الطريق إذا جئْ ... ـتَ وكن في خفارة الحبِّ سائرْ واصبر النفس ساعةً عن سواهمْ ... فإذا لم تُجِب لصبرٍ فصابِرْ وصم اليوم واجعل الفطر يومًا ... فيه تلقى الحبيب بالبشر شاكِرْ وافطم النفس عن سواه فكلُّ الْـ ... ـعيش بعد الفطام نحوك صائرْ وتأمَّل سريرة القلب واستحْ ... ـيِ من الله يوم تبلى السرائرْ

стр. 1020

واجعل الهمَّ واحدًا يكفك اللّاـ ... ـهُ همومًا شتَّى فربُّك قادرْ وانتظر يوم دعوة الخلق إلى الْـ ... ـلاهِ ربِّهم من بطون المقابرْ واستمع ما الذي به أنت تُدعى ... من صفاتٍ تلوح وسط المحاضرْ وسماتٍ تبدو على أوجه الخلـ ... ـقِ عيانًا تُجْلى على كلِّ ناظرْ يا أخا اللُّبِّ إنما السير عزمٌ ... ثمَّ صبرٌ مؤيَّدٌ بالبصائرْ يا لَها مِن ثلاثةٍ مَن ينلها ... يرقَ يوم المزيد فوق المنابرْ فاجتهد في الذي يقال لك البشـ ... ـرى بذا يوم ضرب البشائرْ (١) عملٌ خالصٌ بميزان وحيٍ ... مع سرٍّ هناك في القلب حاضرْ * * * *
следующие страницы →