← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ويتصدَّق، ويخاف أن لا يقبل منه» (١) (٢). فالمؤمن: جمع إحسانًا في مخافةٍ وسوءَ ظنٍّ بنفسه، والمغرور: حسن (٣) الظنِّ بنفسه مع إساءته. الثاني: (توفير الجهد باحتمائه من الشُّهود)، أي تأتي بجهد الطاقة في تصحيح العمل، محتميًا عن شهوده منك وبك. الثّالث: أن تحتمي بنور التوفيق الذي ينوِّر الله به بصيرة العبد، فترى في ضوء ذلك النُّور أنَّ عملك من عين جوده، لا بك ولا منك. فقد اشتملت هذه الدرجة على خمسة أشياء: عمل، واجتهاد فيه، وخجل وحياء من الله فيه، وصيانة عن شهوده منك، ورؤيته من عين جود الله ومنَّته. (الدرجة الثالثة: إخلاص العمل بالخلاص من العمل، تدعه يسير سير العلم. وتسير أنت مشاهدًا للحُكم حرًّا من رقِّ الرسم) (٤). قد فسَّر مراده بإخلاص العمل من العمل بقوله: (تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدًا للحكم). ومعنى كلامه: أنَّك تجعل عملك تابعًا للعلمٍ، موافقًا له، مؤتمًّا به، تسير بسيره وتقف بوقوفه، وتتحرَّك بحركته، نازلًا

стр. 1087

منازله، مرتويًا من موارده، فتكون ناظرًا إلى الحكم الدينيِّ الأمري، متقيِّدًا به فعلًا وتركًا وطلبًا وهربًا، ناظرًا إلى ترتُّب الثواب والعقاب عليه سببًا وكسبًا. ومع ذلك فتسير أنت بقلبك، مشاهدًا للحكم الكونيِّ القضائيِّ، الذي تنطوي فيه الأسباب والمسبَّبات والحركات والسكنات، ولا يبقى هناك غير محض المشيئة وتفرُّدِ الربِّ وحده بالأفعال، ومصدرها عن إرادته ومشيئته. فيكون قائمًا بالأمر والنهي فعلًا وتركًا سائرًا بسيره، وبالقضاء والقدر إيمانًا وشهودًا وحقيقةً؛ فهو ناظرٌ إلى الحقيقة قائمٌ بالشريعة. وهذان الأمران هما عبوديَّة هاتين الآيتين: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]. فتَرْكُ العمل يسير سير العلم: مشهد ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، وسير صاحبه مشاهدًا للحكم: مشهد ﴿وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وأمّا قوله: (حرًّا من رقِّ الرسم)؛ الحرِّيَّة التي يشيرون إليها: عدم الدُّخول تحت عبوديَّة الخلق والنفس، والدُّخولُ تحت رقِّ عبوديَّة الحقِّ وحده. ومرادهم بالرَّسم: ما سوى الله، فكلُّه رسومٌ، فإنَّ الرُّسوم هي الآثار، ورسوم المنازل والدِّيار هي الآثار التي تبقى بعد سكَّانها، والمخلوقات بأسرها في منزل الحقيقة رسومٌ وآثارٌ للقدرة. أي: فتُخلِّص نفسك من عبوديَّة كلِّ ما سوى الله، وتكون بقلبك مع القادر الحقِّ وحده، لا مع آثار قدرته التي هي رسوم، فلا تشتغل بغيره

стр. 1088

اشتغالًا بعبوديَّته. ولا تطلب بعبوديَّتك له حالًا ولا مقامًا، ولا مكاشفةً، ولا شيئًا سواه (١). فهذه أربعة أمورٍ: بذل الجهد، وتحكيم العلم، والنظر إلى الحقيقة، والتخلُّص من الالتفات إلى غيره. والله الموفِّق. فصل الإخلاص عدم انقسام المطلوب، والصِّدق عدم انقسام الطلب. فحقيقة الإخلاص: توحيد المطلوب، وحقيقة الصِّدق: توحيد الطلب والإرادة، ولا يثمران إلَّا بالاستسلام المحض للمتابعة. فهذه الأركان الثلاثة هي أركان السَّير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكهَ وسيرَه فهو مقطوعٌ وإن ظنَّ أنه سائر، فسَيره: إمَّا إلى عكس جهة مقصوده، وإمَّا سير المقعد والمقيَّد (٢)؛ فإنْ عَدِم الإخلاص والمتابعة انعكس سيره إلى خلفٍ، وإن لم يبذل جهده ويوحِّد طلبه سار سير المقيَّد. وإن اجتمعت له الثلاثة: فذلك الذي لا يجارى في مضمار سيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. * * * *

стр. 1089

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التهذيب والتصفية . وهو سبك العبوديَّة في كِير الامتحان طلبًا لإخراج ما فيها من الخبث والغشِّ. قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (التهذيب: محنة أرباب البدايات، وهو شريعةٌ من شرائع الرِّياضة). يريد أنَّه صعبٌ على المبتدي فهو له كالمحنة، وطريقةٌ (٢) للمرتاض الذي قد مرَّن نفسه حتى اعتادت قبوله وانقادت إليه. قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: تهذيب الخدمة أن لا يخالجها جهالة، ولا يشوبها (٤) عادة، ولا يقف عندها همَّة). أي: تخليص العبوديَّة وتصفيتها من هذه الأنواع الثلاثة، وهي: مخالجة الجهالة، وشوب العادة، ووقوف همَّة الطالب عندها. فإنَّ الجهالة متى خالطت العبوديَّة أوردها العبدُ غيرَ موردها، ووضعها في غير موضعها، وفعلها في غير مستحقِّها، وفعل أفعالًا يعتقد أنَّها صلاح، وهي إفسادٌ لخدمته وعبوديَّته، بأن يتحرَّك في موضع السُّكون، أو يسكن في

стр. 1090

موضع الحركة (١). أو يَفْرُق في موضع جمعٍ، أو يجمع في موضع فرقٍ، أو يطير في موضع سُفُون (٢)، أو يَسْفُن (٣) في موضع طيرانٍ، أو يُقدم في موضع إحجامٍ، أو يُحجم في موضع إقدامٍ، أو يتقدَّم في موضع وقوفٍ، أو يقف في موضع تقدُّمٍ، ونحو ذلك من الحركات التي هي في حقِّ الخدمة كحركات الثقيل البغيض في حقوق الناس. فالخدمة ما لم يصحبها علمٌ ثانٍ بآدابها وحقوقها، غير العلم بها نفسها، كانت في مظنَّة أن تُبعِد صاحبها وإن كان مراده بها التقرُّب. ولا يلزم حبوطُ ثوابها وأجرها، فهي إن لم تُبعِده عن الأجر والثواب أبعدته عن المنزلة والقربة. ولا تنفصل مسائل هذه الجملة إلَّا بمعرفةٍ خاصَّةٍ بالله وأمره، ومحبَّةٍ تامَّةٍ له، ومعرفةٍ بالنفس وما منها. النوع الثاني: شوب العادة، وهو أن يمازج العبوديَّة حكمٌ من أحكام عوائد النفس تكون منفِّذةً لها معينةً عليها، وصاحبُها يعتقدها قربةً وطاعةً، كمن اعتاد الصَّوم مثلًا وتمرَّن عليه، فألِفَتْه النفس وصار لها عادةً تتقاضاها أتمَّ (٤) اقتضاءٍ، فيظنُّ أنَّ هذا التقاضي محض العبوديَّة، وإنَّما هو تقاضي العادة.

стр. 1091

وعلامة هذا: أنَّه إذا عرض عليها طاعةً دون ذلك، وأيسرَ منه، وأتمَّ مصلحةً= لم تؤثرها إيثارًا (١) لِما اعتادته وألِفَته. كما يحكى (٢) عن بعض الصوفية (٣) قال: حججت كذا وكذا حجَّةً على التجريد، فبان لي أنَّ جميع ذلك كان مشوبًا بحظِّي، وذلك أنَّ والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماءٍ، فثَقُل ذلك على نفسي، فعلمت أنَّ مطاوعة نفسي في الحجَّات كان بحظِّ (٤) نفسي وإرادتها، إذ لو كانت نفسي فانيةً لم يصعب عليها ما هو حقٌّ (٥) في الشَّرع (٦). النوع الثالث: وقوف همَّته عند الخدمة. وذلك علامة ضعفها وقصورها، فإنَّ العبد المحض لا تقف همَّته عند خدمته، بل همَّته (٧) أعلى من ذلك، إذ هي طالبةٌ لرضا مخدومه، فهو دائمًا مستصغرٌ خدمته له، ليس واقفًا عندها. والقناعة تُحمَد من صاحبها إلَّا في هذا الموضع، فإنَّها عين الحرمان، فالمحبُّ لا يقنع بشيءٍ دون محبوبه، فوقوف همَّة العبد مع خدمته وأُجرتِها سقوط فيها وحرمان.

стр. 1092

قال (١): (الدرجة الثانية: تهذيب الحال، وهو أن لا يجنح الحال (٢) إلى علمٍ، ولا يخضع لرسمٍ، ولا يلتفت إلى حظٍّ). أمّا جنوح الحال إلى العلم، فهو نوعان: ممدوح ومذموم. فالممدوح: التفاته إليه، وإصغاؤه إلى ما يأمر به، وتحكيمه عليه. فمتى لم يجنح إليه (٣) هذا الجنوحَ كان حالًا مذمومًا ناقصًا مُبعدًا عن الله تعالى، فإنَّ كلَّ حالٍ لا يصحبه علمٌ يُخاف عليه أن يكون من خُدَع الشيطان. وهذا القدر هو الذي أفسد على أرباب الأحوال أحوالهم (٤)، وشرَّدهم عن الله كلَّ مشرَّدٍ، وطردهم عنه كلَّ مطردٍ، حيث لم يحكِّموا عليه العلم، وأعرضوا عنه صفحًا، حتى قادهم إلى الانسلاخ من حقائق الإيمان وشرائع الإسلام. وهم الذين قال فيهم سيِّد الطّائفة الجنيد بن محمَّد ﵀ لمَّا قيل له: أهل المعرفة يصلون إلى ترك الحركات من باب البرِّ والتقرُّب إلى الله تعالى، فقال الجنيد ﵀: هذا كلام قومٍ تكلَّموا بإسقاط الأعمال (٥)، وهو عندي عظيمةٌ. والذي يسرق ويزني أحسن حالًا من الذي يقول هذا، فإنَّ العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عامٍ لم أنقص

стр. 1093

من أعمال البر ذرَّةً، إلا أن يُحال بي دونها (١). وقال: الطُّرق كلُّها مسدودةٌ على الخلق، إلَّا من اقتفى أثر الرسول ﷺ (٢). وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأنَّ علمنا (٣) مقيَّد بالكتاب والسنَّة (٤). وقال: علمنا هذا مشيَّدٌ بحديث رسول الله ﷺ (٥). والبليَّة التي عرضت لهؤلاء: أنَّ أحكام العلم تتعلَّق بالعمل وتدعو إليه، وأحكام الحال تتعلَّق بالكشف، وصاحب الحال ترد عليه أمورٌ ليست في طور العلم، فإن أقام عليها ميزانَ العلم ومعيارَه تعارض عنده العلمُ والحال، فلم يجد بدًّا من الحكم على أحدهما بالإبطال. فمن حصلت له أحوال الكشف ثمَّ جنح إلى أحكام العلم، فقد رجع القهقرى وتأخَّر في سيره إلى وراء. فتأمَّل هذا الوارد وهذه الشُّبهةَ التي هي سمٌّ ناقعٌ تُخرج صاحبها من

стр. 1094

المعرفة والدِّين كإخراج الشعرة من العجين! واعلم أنَّ المعرفة الصحيحة هي روح العلم، والحال الصحيح هي روح العمل المستقيم، فكلُّ حالٍ لا يكون نتيجةَ العمل المستقيم مطابقًا للعلم فهو بمنزلة الرُّوح الخبيثة الفاجرة. ولا ننكر أن تكون لهذه الرُّوح أحوالًا (١)، لكنَّ الشأن في مرتبة تلك الأحوال ومنازلها. ومتى عارض الحال حكمٌ من أحكام العلم، فذلك الحال إمَّا فاسد وإمَّا ناقص، ولا يكون مستقيمًا أبدًا. فالعلم الصحيح والعلم المستقيم: هما ميزان المعرفة الصحيحة والحال الصحيح، وهما كالبدَنَين لروحَيهما. فأحسن ما يحمل عليه قوله: (أن لا يجنح الحال إلى علم) أنَّ العلم يدعو إلى التفرقة دائمًا، والحال يدعو إلى الجمعيَّة، والقلب بين هذين الدّاعيين، فهو (٢) يجيب (٣) هذا مرَّةً وهذا مرَّةً، فتهذيب الحال وتصفيته: أن يجيب داعي الحال لا داعي العلم. ولا يلزم من هذا إعراضُه عن العلم، وعدمُ تحكيمه والتسليمِ له، بل هو متعبِّدٌ بالعلم، محكِّمٌ له، مستسلمٌ له، غير مجيبٍ لداعيه من التفرقة. بل هو مجيبٌ لداعي الحال والجمعيَّة، آخذٌ من العلم ما يصحِّح له حاله وجمعيَّته، غير مستغرقٍ فيه استغراقَ مَن هو مَطْرَحُ همَّته وغايةُ مقصده، لا مطلوب له سواه، ولا مراد له إلَّا إيَّاه.

стр. 1095

فالعلم عنده آلة ووسيلة وطريق توصله إلى مقصده ومطلوبه، فهو كالدليل بين يديه يدعوه إلى الطريق ويدلُّه عليها، فهو يجيب داعيه للدلالة ومعرفة الطريق. وما في قلبه من ملاحظة مقصده ومطلبه من سيره وسفره، وباعث همَّته على الخروج من أوطانه ومُربَّاه، ومِن بين أصحابه وخلطائه، الحامل له على الاغتراب والتفرُّد في طريق الطلب= هو المُسيِّر له والمحرِّك والباعث؛ فلا يجنح عن داعيه إلى اشتغاله بجزويَّاتِ أو أحوال الدليل (١) وما هو خارجٌ عن دلالته له على طريقه. فهذا مقصد شيخ الإسلام ــ إن شاء الله ــ لا الوجه الأوَّل. والله أعلم. فصل وأمَّا قوله: (ولا يخضع لرسمٍ)، أي لا يستولي على قلبه شيءٌ من الكائنات، بحيث يخضع له قلبه، فإنَّ صاحب الحال إنَّما يطلب الحيَّ القيُّوم، لا يقف (٢) عند المعاهد والرُّسوم. وأمّا قوله: (ولا يلتفت إلى حظٍّ)، أي إذا حصل له الحال التامُّ لم يشتغل بفرحه به وحظِّه منه واستلذاذه، فإنَّ ذلك حظٌّ من حظوظ النفس وبقيَّةٌ من بقاياها. فصل قال (٣): (الدرجة الثالثة: تهذيب القصد، وهو تصفيته من ذلِّ الإكراه،

стр. 1096

وتحفُّظُه من مرض الفتور، ونصرتُه على منازعات العلم). هذه أيضًا ثلاثة أشياء تهذِّب قصده وتصفِّيه: أحدها: (تصفيته من ذلِّ الإكراه)، أي لا يسوق نفسه إلى الله كَرهًا، كالأجير المسخَّر المكلَّف، بل تكون دواعي قلبه وجواذبُه منساقةً إلى الله طوعًا ومحبَّةً وإيثارًا، كجريان الماء في منحدره. وهذه حال المحبِّين الصّادقين، فإنَّ عبادتهم طوعٌ ومحبَّة ورضًا، ففيها قرَّة عيونهم وسرورُ قلوبهم ولذَّةُ أرواحهم، كما قال ﷺ : «وجُعلت قرَّةُ عيني في الصلاة» (١)، وكان يقول: «يا بلال، أرحنا بالصلاة» (٢). فقرَّة عين المحبِّ ولذَّتُه ونعيمُ روحه في طاعة محبوبه، بخلاف المطيع

стр. 1097

كرهًا المتحمِّلِ للخدمة ثقلًا. وفي قوله: (ذلُّ الإكراه) لطيفة، وهي أنَّ المطيع كرهًا يرى أنَّه لولا ذلُّ قهره وعقوبةُ سيِّده له لما أطاعه، فهو يتحمَّل طاعته كالمكره الذي قد أذلَّه مُكرِهه وقاهره، بخلاف المحبِّ الذي يَعُدُّ طاعة محبوبه قوتًا ونعيمًا ولذَّةً وسرورًا، فهذا ليس الحامل له ذلُّ الإكراه. الثاني: (تحفظُّه من مرض الفتور)، أي توقِّيه من مرض فتور قصده وخمود نار طلبه، فإنَّ العزم هو روح القلب ونشاطُه كالصحَّةِ له، وفتورُه مرضٌ من أمراضه، فتهذيبُ قصده وتصفيتُه بحِمْيته (١) من أسباب هذا المرض الذي هو فتوره. وإنَّما يتحفَّظ منه بالحِمْية من أسبابه، وهي أن يلهو عن الفضول من كلِّ شيءٍ، ويحرص على ترك ما لا يعنيه، ولا يتكلَّم إلا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع الله تعالى، ولا يصحب إلا من يعينه على ذلك، فإن بلي بمن لا يعينه فليدرأه عنه ما استطاع ويدفعه دفع الصائل. الثّالث: (نصرة قصده على منازِعات العلم)، ومعنى ذلك نصرة خاطر العبوديَّة المحضة، والجمعيَّةِ فيها، والإقبالِ على الله فيها بكلِّيَّة القلب= على جواذب (٢) العلم، والفكرة في دقائقه وتفاريع مسائله وفضلاته. أو: أنَّ العلم يطلب من العبد العملَ للرغبة (٣) والرهبة والثواب وخوف

стр. 1098

العقاب، فتهذيب القصد: تصفيتُه من ملاحظة ذلك، وتجريده: أن يكون قصده وعبوديَّته محبَّةً لله بلا علَّةٍ، وأن لا يحبَّ الله لما يُعطيه ويَحميه منه، فتكونَ محبَّته لله محبَّة الوسائل، ومحبَّته بالقصد الأوَّل لِما يناله من الثواب المخلوق، فهو المحبوب له بالذَّات، بحيث إذا حصل له محبوبه تسلَّى به عن محبَّة مَن أعطاه إيَّاه، فإنَّ من أحبَّك لأمرٍ ولَّى عند حصوله وملَّك عند انقضائه. فالمحبُّ الصادق يخاف أن تكون محبَّته لغرضٍ من الأغراض، فتنقضي محبَّته عند انقضاء ذلك الغرض. وإنَّما مراده: أنَّ محبَّته تدوم ولا تنقضي أبدًا، وأن لا يجعل محبوبه وسيلةً له إلى غيره، بل يجعل ما سواه وسيلةً له إلى محبوبه. وهذا القدر هو الذي حام عليه القوم (١) وتكلَّموا فيه وشمَّروا إليه، فمنهم من أحسن التعبير عنه، ومنهم من أساء العبارة وقصدُه وصِدقُه يُصلح فسادَ عبارته. ومن النَّاس من لم يفهم هذا كما ينبغي، فلم يجد له ملجأً غير الإنكار، والله يغفر لكلِّ من قصدُه الحقُّ واتِّباعُ مرضاته، فإنَّه واسع المغفرة. * * * *

стр. 1099

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الاستقامة . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ - ١٤]. وقال لرسوله ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]، فبيَّن أنَّ الاستقامة بعدم الطُّغيان، وهو مجاوزة الحدود (١). وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦] (٢). سئل صدِّيق الأمة وأعظمُها (٣) استقامةً أبو بكرٍ الصدِّيق ﵁ عن الاستقامة، فقال: أن لا تشرك بالله شيئًا (٤)؛ يريد الاستقامة على محض

стр. 1100

التوحيد. وقال عمر بن الخطَّاب ﵁: الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تَرُوغ رَوَغان الثعالب (١). وقال عثمان بن عفان ﵁: ﴿اسْتَقَامُوا﴾ أخلصوا العمل لله. وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿اسْتَقَامُوا﴾ أدَّوا الفرائض (٢). وقال الحسن: استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته (٣). وقال مجاهدٌ: استقاموا على شهادة أن لا إله إلَّا الله حتى لحقوا بالله (٤). وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة يقول: استقاموا على محبَّته وعبوديَّته،

стр. 1101

فلم يلتفتوا عنه يمنةً ولا يسرةً (١). وفي «صحيح مسلمٍ» (٢) عن سفيان بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: «قل آمنت بالله، ثمَّ استقم». وفيه (٣) عن ثوبان عن النبيِّ ﷺ قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلَّا مؤمن». والمطلوب من العبد: الاستقامة وهي السَّداد، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة، فإن نزل عنها فالتَّفريط والإضاعة. كما في «صحيح مسلم» (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ : «سدِّدوا وقاربوا، واعلموا أنَّه لن ينجوَ أحدٌ منكم بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضل». فجمع في هذا الحديث مقامات الدِّين كلَّها، فأمر بالاستقامة وهي السَّدادُ والإصابةُ في النيَّات والأقوال والأعمال، وأخبر في حديث ثوبان أنَّهم

стр. 1102

لا يطيقونها، فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم، كالذي يرمي إلى الغرض، فإن لم يصبه يقاربه. ومع هذا فأخبرهم أنَّ الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة، فلا يركن أحدٌ إلى عمله (١) ولا يرى أنَّ نجاته به، بل إنَّما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله. فالاستقامة كلمةٌ جامعةٌ، آخذةٌ مجامعَ الدِّين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصِّدق والوفاء بالعهد. والاستقامة تتعلَّق بالأقوال والأفعال والأحوال والنِّيّات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله. قال بعض العارفين: كن صاحب الاستقامة، لا طالب الكرامة، فإنَّ نفسك متحرِّكة في طلب الكرامة، وربُّك يطالبك بالاستقامة (٢). وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله تعالى روحه ــ يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة (٣). فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٤) في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦]: (إنَّه إشارة إلى عين التفريد). يريد: أنَّه أرشدهم إلى شهود تفريده، وهو أن لا يروا غير فردانيَّته. وتفريده نوعان: تفريد في العلم والمعرفة والشُّهود، وتفريد في الطَّلب

стр. 1103

والإرادة، وهما نوعا التوحيد (١). وفي قوله: (عين التفريد) إشارةٌ إلى حال الجمع وأحديَّته التي هي عنده فوق علمه ومعرفته، لأنَّ التفرقة قد تجامع علم الجمع، وأمَّا حاله فلا تجامعه التفرقة. فصل قال (٢): (والاستقامة روحٌ تحيا بها الأحوال، كما تربو للعامَّة عليها الأعمال، وهي برزخ بين وهاد التفرُّق وروابي الجمع). شبَّه الاستقامة للحال بمنزلة الرُّوح للبدن، فكما أنَّ البدن إذا خلا عن الرُّوح فهو ميِّت، فكذلك الحال إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد، وكما أنَّ حياة الأحوال بها، فزيادة أعمال الزاهدين أيضًا ورُبُوُّها وزكاؤُها بها، فلا زكاء للعمل ولا صحَّة للحال بدونها. وأمَّا كونها برزخًا بين وهاد التفرُّق وروابي الجمع، فالبرزخ: الحاجز بين شيئين متغايرين، والوهاد: الأمكنة المنخفضة من الأرض، واستعارها للتفرُّق لأنها تحجب من يكون فيها عن مطالعة ما يراه من هو على الروابي، كما أنَّ صاحب التفرُّق محجوبٌ عن مطالعة ما يراه صاحب الجمع ويشاهده. وأيضًا: فإنَّ حاله أنزل من حاله، فهو كصاحب الوهاد، وحال صاحب الجمع

стр. 1104

أعلى، فهو كصاحب الروابي. وشبَّه حال صاحب الجمع بحال من على الروابي لعلوِّه وأنَّ (١) الرَّوابي تكشف لمَن عليها القريبَ والبعيد، وصاحب الجمع تُكشَف له الحقائق المحجوبة عن صاحب التفرقة. إذا عرف هذا، فمعنى كونها برزخًا: أنَّ السالك يكون في أوَّل سلوكه في أودية التفرقة، سائرًا إلى روابي الجمع، فيستقيم في طريق سيره غايةَ الاستقامة ليصل باستقامته إلى روابي الجمع، فاستقامته برزخٌ بين تلك التفرقة التي كان فيها وبين الجمع الذي يؤمُّه ويقصده. وهذا بمنزلة تفرقة المقيم في البلد في أنواع التصرُّفات؛ فإذا عزم على السفر، وخرج وفارق البلد، واستمرَّ على السير= كان طريق سفره برزخًا بين البلد الذي كان فيه والبلد الذي يقصده ويؤمُّه. فصل قال (٢): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد ، لا عاديًا رسم العلم، ولا متجاوزًا حدَّ الإخلاص، ولا مخالفًا نهج السُّنّة). هذه الدرجة تتضمّن ستَّة أمورٍ: عملًا، واجتهادًا فيه وهو بذل المجهود، واقتصادًا وهو السُّلوك بين طرفي الإفراط والجورِ على النُّفوس والتفريط بالإضاعة، ووقوفًا مع ما يرسمه العلم لا وقوفًا مع دواعي الحال (٣)، وإفرادَ

стр. 1105

المعبود (١) بالإرادة وهو الإخلاص، ووقوعَ الأعمال على الأمر وهو متابعة السُّنة. فبهذه (٢) الأمور السِّتَّة تتمُّ لأهل هذه الدرجة استقامتُهم، وبالخروج عن واحدٍ منها يخرجون عن الاستقامة، إمَّا خروجًا كليًّا وإمَّا خروجًا جزوِيًّا. والسَّلف ﵃ يذكرون هذين الأصلين كثيرًا، وهما: الاقتصاد في الأعمال، والاعتصام بالسُّنَّة. فإنَّ الشيطان يَشَمُّ قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعيةً للبدعة وإعراضًا عن كمال الانقياد للسنة أخرجه عن الاعتصام بها. وإن رأى فيه حرصًا عليها وشدَّةَ طلبٍ لها لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حدِّ الاقتصاد فيها، قائلًا له: إنَّ هذا خيرٌ وطاعة، والزِّيادةُ والاجتهادُ فيها أولى (٣)، فلا تفتر مع أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النوم؛ فلا يزال يحثُّه ويحرِّضه حتَّى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيَخرُج عن حدِّها؛ كما أنَّ الأوَّل خارج عن (٤) هذا الحدِّ، فكذا هذا الآخر خارجٌ عن الحدِّ الآخر. وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة (٥) صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم. وكِلا الأمرين خروجٌ عن السنة إلى البدعة، لكن هذا إلى بدعة

стр. 1106

التفريط والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف (١). وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمرٍ إلَّا وللشّيطان فيه نزغتان: إمَّا إلى تفريطٍ، وإمَّا إلى مجاوزةٍ (٢)؛ لا يبالي بأيِّهما ظفر (٣). (٤) فكلُّ الخير في اجتهادٍ باقتصادٍ مقرونٍ بالاتِّباع، كما قال بعض الصحابة ﵃: اقتصادٌ في سبيلٍ وسنَّةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في خلاف سبيلٍ وسنَّة، فاحرصوا أن تكون أعمالكم على منهاج الأنبياء وسنَّتهم (٥). وكذلك الرِّياء في الأعمال يخرجه عن الاستقامة. والفتور والتواني يخرجه عنها أيضًا. فصل قال (٦): (الدرجة الثانية: استقامة الأحوال . وهي شهود الحقيقة لا كسبًا،

стр. 1107

ورفض الدعوى لا علمًا، والبقاء مع نور اليقظة لا تحفُّظًا). يعني أنَّ استقامة الحال بهذه الثلاثة. أمَّا (شهود الحقيقة) , فالحقيقة حقيقتان: حقيقة كونيَّة وحقيقة دينيَّة، يجمعهما حقيقة ثالثة، وهي مصدرهما ومنشؤهما وغايتهما. وأكثر أرباب السُّلوك من المتأخِّرين إنَّما يريدون بالحقيقة: الكونيَّةَ، وشهودها هو شهود تفرُّد الربِّ بالفعل، وأنَّ ما سواه محلٌّ لجريان أحكامه وأفعاله، فهو كالحفير الذي هو محلٌّ لجريان الماء حسب. وعندهم (١) شهودُ هذه الحقيقة والفناءُ فيها غاية السّالكين. ومنهم من يشهد حقيقة الأزليَّة والدوام، وفناءَ الحادثات وطيَّها في ضمن بساط الأزليَّة والأبديَّة، وتلاشيَها في ذلك، فيشهدها معدومةً، ويشهد تفرُّد مُوجِدها بالوجود الحقِّ، وأنَّ وجود ما سواه رسومٌ وظِلال (٢). فالأوَّل يشهد تفرُّده بالأفعال، وهذا يشهد تفرُّده بالوجود (٣). وصاحب الحقيقة الدينيَّة في طورٍ آخر، فإنَّه في مشهد الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والموالاة والمعاداة، والفرق بين ما يحبُّه ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه. فهو في مقام الفرق الثَّاني الذي لا يحصل للعبد درجةُ الإسلام ــ فضلًا عن مقام الإحسان ــ إلَّا به، فالمعرض عنه صفحًا لا نصيب

стр. 1108

له في الإسلام البتَّة. وهو الذي كان الجنيد ﵁ يوصي (١) أصحابه فيقول: «عليكم بالفرق الثاني» (٢). وإنَّما سمِّي ثانيًا لأنَّ الفرق الأوَّل فرقٌ بالطبع والنفس، وهذا فرقٌ بالأمر. والجمع أيضًا جمعان: جمعٌ في فرقٍ وهو جمع أهل الاستقامة والتوحيد، وجمعٌ بلا فرقٍ وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد. فالناس ثلاثة: - صاحب فرقٍ بلا جمعٍ، فهو مذموم ناقص مخذول. - وصاحب جمعٍ بلا فرقٍ، فهو (٣) ملحد زنديق. - صاحب فرقٍ وجمعٍ، يشهد الفرق في الجمع والكثرةَ في الوحدة، فهو المستقيم الموحِّد الفارق. وهذا صاحب الحقيقة الثالثة، الجامعةِ للحقيقتين الدينيَّة والكونيَّة، فشهود هذه الحقيقة الجامعة هو عين الاستقامة. وأمَّا شهود الحقيقة الكونيَّة أو الأزليَّة والفناء فيها، فأمرٌ مشترَك بين المؤمنين والكفار، فإنَّ الكافر مُقِرٌّ بقدر الله وقضائه وأزليَّته وأبديَّته، فإذا استغرق في هذا الشُّهود وفني به عن سواه فقد شهد الحقيقة. وأمّا قوله: (لا كسبًا)، أي يتحقَّق عند مشاهدة الحقيقة أنَّ شهودها لم يكن بالكسب، لأنَّ الكسب من أعمال النفس، والحقيقة لا تبدو مع بقاء النفس، إذ الحقيقة فردانيَّة أحديَّة نورانيَّة، فلا بدَّ من زوال ظلمة النفس ورؤية

стр. 1109

كسبها، وإلَّا لم يشهد الحقيقة. وأمَّا (رفض الدعوى لا علمًا)، فالدعوى نسبة الحال وغيره إلى نفسك وإنِّيَّتك (١)، فالاستقامة لا تصحُّ إلَّا بتركها، سواءٌ كانت حقًّا أو باطلًا، فإنَّ الدعوى الصادقة تطفئ نور المعرفة، فكيف بالكاذبة! وأمَّا قوله: (لا علمًا)، أي لا يكون الحامل له على ترك الدعوى مجرَّدُ علمه بفساد الدعوى ومنافاتها للاستقامة، فإذا تركها يكون تركها لكون العلم قد نهى عنها، فيكون تاركًا لها ظاهرًا لا حقيقةً، أو تاركًا لها لفظًا قائمًا بها حالًا، لأنَّه يرى أنَّه قد قام بحقِّ العلم في تركها، فيتركها تواضعًا؛ بل يتركها حالًا وحقيقةً، كما يترك من أحبَّ شيئًا تضرُّه محبَّتُه حبَّه حالًا وحقيقةً. فإذا تحقَّق أنَّه ليس له من الأمر شيء، كما قال الله لخير خلقه على الإطلاق: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] = ترَكَ الدعوى شهودًا وحقيقةً وحالًا. وأمَّا (البقاء مع نور اليقظة)، فهو الدوام في اليقظة، وأن لا يطفئ نورَها بظلمة الغفلة، بل يستديم يقظته، ويرى أنَّه في ذلك كالمجذوب المأخوذ عن نفسه حفظًا من الله له، لا أنَّ ذلك حصل بتحفُّظه واحترازه. فهذه ثلاثة أمورٍ: يقظةٌ، واستدامةٌ لها، وشهود أنَّ ذلك بالحقِّ سبحانه لا بك؛ فليس السببُ (٢) في نور اليقظة تحفُّظه، بل حفظ الله له. وكأنَّ الشيخ ﵀ يشير إلى أنَّ الاستقامة في هذه الدرجة لا تحصل

стр. 1110

بكسبٍ، وإنَّما هو مجرَّد موهبة، فإنَّه قال في الأولى: (الاستقامة على الاجتهاد) وفي الثانية: (استقامة الأحوال، لا كسبًا، ولا تحفُّظًا). ومنازعته في ذلك متوجِّهة، وأنَّ ذلك ممَّا يمكن تحصيلُه كسبًا بتعاطي الأسباب التي تَهجم صاحبَها (١) على هذا المقام. نعم، الذي يُنفى في هذا المقام: شهود (٢) الكسب، وأنَّ هذا حصل (٣) له بكسبه؛ فنفي الكسب شيءٌ ونفي شهوده شيء (٤). ولعلَّ أن نُشبع الكلام في هذا فيما يأتي إن شاء الله. فصل قال (٥): (الدرجة الثالثة: استقامةٌ بترك رؤية الاستقامة ، وبالغيبة عن تطلُّب الاستقامة، بشهود إقامة (٦) الحق وتقويمه عزَّ اسمُه (٧)). هذه الاستقامة معناها الذُّهول بمشهوده عن شهوده، فيغيب بالمشهود المقصود سبحانه عن رؤية استقامته في طلبه، فإنَّ رؤية الاستقامة تحجبه عن حقيقة الشُّهود.

стр. 1111

وأمَّا (الغيبة عن تطلُّب الاستقامة) فهو غيبته عن طلبها بشهود إقامة الحقِّ للعبد وتقويمه إيَّاه، فإنَّه إذا شهد أنَّ الله هو المقيم له والمقوِّم، وأنَّ استقامته وقيامه بالله، لا بنفسه ولا بطلبه= غاب بهذا الشُّهود عن استشعار طلبه لها. وهذا القدر من موجبات شهود معنى اسمه القيُّوم، وهو الذي قام بنفسه فلم يحتج إلى أحدٍ، وقام كلُّ شيءٍ به، فكلُّ ما سواه محتاجٌ (١) إليه بالذات. وليست حاجته إليه معلَّلةً بحدوثٍ كما يقول المتكلِّمون، ولا بإمكانٍ كما يقول الفلاسفة المشَّاؤون، بل حاجته إليه ذاتيَّةٌ له، وما بالذات لا يعلَّل. نعم، الحدوث والإمكان دليلان على الحاجة، فالتعليل بهما من باب التعريف (٢)، لا من باب العلل المؤثِّرة. والله أعلم. * * * *

стр. 1112

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التوكُّل . قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال عن أوليائه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩]. وقال لرسوله ﷺ : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢]، وقال عن أصحاب نبيِّه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] (١).

стр. 1113

وفي «الصحيحين» (١) ــ حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ ــ: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون». وفي «صحيح البخاري» (٢) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمَّدٌ ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وفي «الصحيحين» (٣): أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهمَّ لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكَّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهمَّ أعوذ بعزَّتك ــ لا إله إلّا أنت ــ أن تضلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموت والجنُّ والإنس يموتون». وفي «الترمذي» (٤) عن عمر ﵁ مرفوعًا: «لو أنَّكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطَّير، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا». وفي «السُّنن» (٥) عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال

стр. 1114

ــ يعني إذا خرج من بيته ــ بسم الله، توكَّلت على الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، يقال له: هُديت وكُفيت ووُقيت، فيقول الشيطان لشيطانٍ آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدي وكُفي ووُقي؟». التّوكُّل نصف الدِّين، ونصفه الثاني الإنابة، فإنَّ الدين استعانة وعبادة، فالتوكُّل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة. ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورةً بالنازلين لسعة متعلَّق التوكُّل، وكثرةِ حوائج العالمين، وعمومِ التوكُّل، ووقوعِه من المؤمنين والكفار، والأبرار والفجَّار، والطير والوحش والبهائم. فأهل السّماوات والأرض ــ المكلَّفون وغيرهم ــ في مقام التوكُّل وإن تباين متعلَّق توكُّلهم: فأولياؤه وخاصَّته متوكِّلون عليه في حصول ما يرضيه منهم وفي إقامته في الخَلْق، فيتوكلون عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه، وفي محابِّه وتنفيذ أوامره. ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغًا من الناس.

стр. 1115

ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في معلومٍ (١) يناله منه من رزقٍ، أو عافيةٍ، أو نصرٍ على عدوٍّ، أو زوجةٍ أو ولدٍ، ونحو ذلك. ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في حصول ما لا يحبه ويرضاه من الظلم والعُدوان وحصول الإثم والفواحش، فإنَّ أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلَّا باستعانتهم بالله وتوكُّلهم عليه، بل قد يكون توكُّلهم أقوى من توكُّل كثيرٍ من أصحاب الطاعات. ولهذا يُلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلِّمهم ويُظْفِرهم بمطالبهم. فأفضل التوكُّل: التوكُّل في الواجب، أعني: واجبَ الحقِّ، وواجب الخلق، وواجب النفس. وأوسعه وأنفعه: التوكُّل في التأثير في الخارج في مصلحةٍ دينيَّةٍ، أو في دفع مفسدةٍ دينيّةٍ، وهو توكُّل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكُّل ورثتهم. ثمَّ الناس بعدُ في التوكُّل على حسب هممهم ومقاصدهم، فمن متوكِّلٍ (٢) على الله في حصول الملك، ومتوكِّلٍ في حصول رغيفٍ. ومن صدق توكُّله على الله في حصول شيءٍ ناله، فإن كان محبوبًا له مرضيًّا كانت له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطًا مبغوضًا كان ما حصل له بتوكُّله مضرَّةً عليه، وإن كان مباحًا حصلت له مصلحة التوكُّل دون مصلحة ما توكَّل فيه إن لم يستعن به على طاعة (٣).

стр. 1116

فصل فلنذكر معنى التوكُّل ودرجاته وما قيل فيه. قال الإمام أحمد ﵁: التوكُّل عمل القلب (١). ومعنى ذلك أنَّه عملٌ قلبيٌّ، ليس بقول اللِّسان ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات (٢). ومن الناس من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: هو علم القلب بكفاية الربِّ للعبد. ومنهم من يفسِّره بالسُّكون وخمود حركة القلب، فيقول: التوكُّل هو انطراح القلب بين يدي الله، كانطراح الميِّت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء (٣). أو تركِ الاختيار والاسترسالِ مع مجاري الأقدار (٤).

стр. 1117

قال سهلٌ: التوكُّل الاسترسال مع الله على (١) ما يريد (٢). ومنهم من يفسِّره بالرِّضا، فيقول: هو الرِّضا بالمقدور. قال بشرٌ الحافي ﵀: يقول أحدهم: توكَّلت على الله؛ يكذب على الله، لو توكَّل على الله رضي بما يفعل الله (٣). وسُئل يحيى بن معاذٍ ﵁: متى يكون الرجل متوكلًا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلًا (٤). ومنهم من يفسِّره بالثِّقة بالله، والطُّمأنينة إليه، والسُّكون إليه. قال ابن عطاءٍ ﵁: التوكُّل أن لا يظهر فيك انزعاجٌ إلى الأسباب مع شدَّةِ فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السُّكون إلى الحقِّ مع وقوفك عليها (٥). وقال ذو النُّون: هو ترك تدبير النفس والانخلاعُ من الحول والقوَّة (٦). وإنَّما يقوى العبد على التوكُّل إذا علم أنَّ الحقَّ سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه.

стр. 1118

وقال بعضهم: التوكُّل التعلُّق بالله في كلِّ حالٍ (١). وقيل: التوكُّل أن تَرِد عليك موارد الفاقات، فلا تسمو إلَّا إلى من إليه الكفايات (٢). وقيل: نفي الشُّكوك والتفويض إلى مالك الملوك. وقال ذو النُّون ﵀: خلع الأرباب وقطع الأسباب (٣)؛ يريد قطعها من تعلُّق القلب بها، لا من ملابسة الجوارح لها. ومنهم من جعله مركَّبًا من أمرين أو أمورٍ. فقال أبو سعيدٍ الخرَّاز ــ رحمة الله عليه ــ: التوكُّل اضطرابٌ بلا سكونٍ وسكونٌ بلا اضطرابٍ (٤). يريد: حركةَ ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن، وسكونًا إلى المسبِّب وركونًا إليه، فلا يضطرب قلبه معه، ولا تسكن (٥) حركته في الأسباب الموصلة إلى رضاه. وقال أبو ترابٍ النَّخشبيُّ: هو طرح البدن في العبوديَّة، وتعلُّق القلب

стр. 1119

بالرُّبوبيَّة، والطُّمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطي شكر وإن مُنع صبر (١). فجعله مركّبًا من خمسة أمورٍ: القيام بحركات العبوديَّة، وتعلُّق القلب بتدبير الربِّ وسكونُه إلى قضائه وقدره، وطمأنينته بكفايته (٢)، وشكره إذا أُعطي، وصبره إذا مُنع. قال أبو يعقوب النَّهرَجُوريُّ: التوكُّل على الله بكمال الحقيقة وقع لإبراهيم الخليل ﷺ في الوقت الذي قال لجبريل ﵇: أمَّا إليك فلا؛ لأنَّه غابت نفسه بالله، فلم ير مع الله غير الله (٣). وأجمع القوم على أنَّ التوكُّل لا ينافي القيام بالأسباب، بل لا (٤) يصحُّ التوكُّل إلَّا مع القيام بها، وإلَّا فهو بطالة وتوكُّل فاسد (٥).

стр. 1120

قال سهل بن عبد الله ﵁: من طعن في الحركة فقد طعن في السُّنَّة، ومن طعن في التوكُّل فقد طعن في الإيمان، فالتوكُّل حال النبيِّ ﷺ والكسبُ سنَّته، فمن عمل على حاله فلا يتركنَّ سنَّته (١). وهذا معنى قول أبي سعيدٍ: هو اضطرابٌ بلا سكونٍ وسكونٌ بلا اضطرابٍ، وقول سهلٍ أبين وأرفع. وقيل: التوكُّل قطع علائق القلب بغير الله. سئل سهلٌ عن التوكُّل فقال: قلبٌ عاش مع الله بلا علاقةٍ (٢). وقيل: التوكُّل هجر (٣) العلائق ومواصلة الحقائق. وقيل: التوكُّل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال (٤). وهذا من موجَباته وآثاره، لا أنَّه حقيقته. وقيل: هو ترك كلِّ سببٍ يُوصل (٥) إلى مسبَّبٍ، حتَّى يكون الحقُّ هو المتولِّي لذلك (٦). وهذا صحيح من وجهٍ، باطل من وجهٍ، فترك الأسبابِ المأمورِ بها قادحٌ في التوكُّل، وقد تولَّى الحقُّ إيصال العبد بها. وأمَّا ترك

стр. 1121

الأسباب المباحة، فإنْ ترَكها لما هو أرجح منها مصلحةً فممدوحٌ، وإلَّا فمذموم. وقيل: هو إلقاء النفس في العبوديَّة، وإخراجها من الرُّبوبيَّة (١). يريد استرسالها مع الأمر، وبراءتها من حولها وقوَّتها وشهودِ ذلك بها، بل بالربِّ وحده. ومنهم من قال: التوكُّل هو التسليم لأمر الربِّ وقضائه. ومنهم من قال: هو التفويض إليه في كلِّ حالٍ. ومنهم من جعل التّوكُّل بدايةً، والتسليم وساطةً، والتفويض نهايةً. قال أبو علي الدَّقَّاق ﵀: التوكُّل ثلاث درجاتٍ: التوكُّل، ثم التسليم، ثم التفويض؛ فالمتوكِّل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه؛ فالتوكُّل بداية، والتسليم وساطة، والتفويض نهاية. فالتوكُّل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحِّدين. التوكُّل صفة العوامِّ، والتسليم صفة الخواصِّ، والتفويض صفة خاصَّة الخاصَّة. التوكُّل صفة الأنبياء، والتسليم (٢) صفة إبراهيم الخليل، والتفويض صفة نبيِّنا ﷺ . هذا كلُّه كلام الدَّقَّاق (٣).

стр. 1122

ومعنى هذا أن التوكُّل اعتمادٌ على الوكيل، وقد يعتمد الموكِّل (١) على وكيله مع نوع اقتراحٍ عليه وإرادةٍ وشائبةِ منازعةٍ، فإذا سلَّم إليه زال عنه ذلك، ورضي بما يفعله وكيله. وحال المفوِّض فوق هذا، فإنَّه طالبٌ مريدٌ ممَّن فوَّض إليه ملتمسٌ منه أن يتولَّى أموره، فهو رضًا واختيار وتسليم واعتماد؛ فالتوكُّل يندرج في التسليم، وهو والتسليم يندرجان في التفويض. فصل وحقيقة الأمر: أنَّ التوكُّل حالٌ مركَّبةٌ من مجموع أمورٍ، لا تتمُّ حقيقة التوكُّل إلا بها. وكلٌّ أشار إلى واحدٍ من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر. فأوَّل ذلك: معرفةٌ بالربِّ وصفاته من قدرته، وكفايته، وقيُّوميَّته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته. وهذه المعرفة أوَّل درجةٍ يضع بها العبد قدمه في مقام التوكُّل. قال شيخنا ﵁: ولذلك لا يصحُّ التوكُّل ولا يُتصوَّر من فيلسوف، ولا من القدريَّة النُّفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاؤه، ولا يستقيم أيضًا من الجهميَّة النُّفاة لصفات الربِّ، ولا يستقيم التوكُّل إلّا من أهل الإثبات (٢). فأيُّ توكُّلٍ لمن يعتقد أنَّ الله لا يعلم جزويَّات العالم (٣)، ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ولا مشيئة، ولا يقوم به صفة؟! فكلُّ من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكُّله أصحَّ وأقوى.

стр. 1123

فصل الدرجة الثانية: إثبات الأسباب والمسبَّبات ، فإنَّ من نفاها فتوكُّله مدخول. وهذا عكس ما يظهر في بَدَوات الرَّأي: أنَّ إثبات الأسباب يقدح في التوكُّل، وأنَّ بنفيها تمام التوكُّل. فاعلم أنَّ نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكُّل البتَّة، لأنَّ التوكُّل (١) من أقوى الأسباب في حصول المتوكَّل فيه، فهو كالدُّعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعوِّ به، فإذا اعتقد العبد أنَّ توكُّله لم ينصبه الله سببًا، ولا جعل دعاءه سببًا لنيل شيءٍ، فإنَّ المتوكَّل فيه المدعوَّ بحصوله إن كان قد قدِّر حصل، توكَّل أو لم يتوكَّل، دعا أو لم يدع، وإن لم يُقدَّر لم يحصل، توكَّل أيضًا أو ترك التوكُّل (٢). وصرَّح هؤلاء أنَّ التوكُّل والدُّعاء عبوديَّة محضة، لا فائدة لهما إلَّا ذلك، ولو ترك العبد التوكُّل والدُّعاء لما فاته شيءٌ ممَّا قدِّر له! ومِن غُلاتهم من يجعل الدُّعاء بعدم المؤاخذة على الخطإ والنِّسيان عديم الفائدة، إذ هو مضمون الحصول (٣).

стр. 1124

ورأيت بعض متعمِّقي هؤلاء في كتابٍ له لا يجوِّز الدُّعاء بهذا، وإنَّما يجوِّزه تلاوةً لا دعاءً. قال: لأنَّ الدُّعاء به يتضمَّن الشكَّ في وقوعه، لأنَّ الداعي بين الخوف والرجاء، والشكُّ في وقوع ذلك شكٌّ في خبر الله تعالى. فانظر إلى ما قاد إنكارُ الأسباب من العظائم، وتحريمِ الدُّعاء بما أثنى الله على عباده وأوليائه بالدُّعاء به وبطلبه. ولم يزل المسلمون من عهد نبيِّهم وإلى الآن يدعون به في مقامات الدُّعاء، وهو من أفضل الدعوات. وجواب هذا الوهم الباطل أن يقال: بقي قسم ثالث غير ما ذكرتم من القسمين لم تذكروه، وهو الواقع، وهو أن يكون قضى بحصول الشيء عند حصول سببه من التوكُّل والدُّعاء، فنصب الدُّعاء والتوكُّل سببين لحصول المطلوب، وقضى بحصوله إذا فعل العبد سببه، فإذا لم يأت بالسبب امتنع المسبَّب. وهذا كما قضى بحصول الولد إذا جامع الرجل من يُحبلها، فإذا لم يجامع لم يخلق منه الولد. وقضى بحصول الشِّبع إذا أكل والريِّ إذا شرب، فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يَرْوَ. وقضى بحصول الحجِّ والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق، فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة أبدًا. وقضى بدخول الجنَّة إذا أسلم وأتى بالأعمال الصّالحة، فإذا ترك الإسلام لم يدخلها أبدًا. وقضى بإنضاج الطعام بإيقاد النار تحته. وقضى بطلوع الحبوب التي تزرع بشقِّ الأرض وإلقاء البذر فيها، فما لم يأت بذلك لم يحصد (١) إلا الخيبة.

стр. 1125

فوِزان ما قاله منكرو الأسباب: أن يترك كلٌّ مِن هؤلاء السببَ الموصلَ ويقول: إن كان قُضي لي وسبق في الأزل حصولُ الولد والشِّبع والريِّ والحجِّ ونحوها= فلابدَّ أن يصل إليَّ، تحرَّكت أو سكنت، تزوَّجت أو تركت، سافرت أو قعدت, وإن لم يكن قضي لي لم يحصل لي أيضًا فعلت أو تركت. فهل يَعدُّ أحدٌ هذا من جملة العقلاء؟ وهل البهائم إلَّا أفقه منه؟ فإنَّ البهيمة تسعى في السبب بالهداية العامَّة. فالتوكُّل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التّوكُّل. ولكن من تمام التوكُّل عدم الرُّكون إلى الأسباب، وقطعُ علاقة القلب بها؛ فيكون حالُ قلبِه قيامَه بالله لا بها، وحالُ بدنه قيامَه (١) بها. فالأسباب محلُّ حكمة الله وأمره ودينه، والتوكُّل متعلِّقٌ بربوبيَّته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبوديَّة الأسباب إلّا على ساق التوكُّل، ولا يقوم ساق التوكُّل إلّا على قدم العبوديَّة. فصل الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام التوحيد (٢)، فإنَّه لا يستقيم توكُّل العبد حتى يصحَّ له توحيده، بل حقيقة التّوكُّل توحيد القلب, فما دامت فيه علائق الشِّرك فتوكُّله معلول مدخول. وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحَّة التوكُّل، فإنَّ العبد متى التفت
следующие страницы →