← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الأسباب المباحة، فإنْ ترَكها لما هو أرجح منها مصلحةً فممدوحٌ، وإلَّا فمذموم. وقيل: هو إلقاء النفس في العبوديَّة، وإخراجها من الرُّبوبيَّة (١). يريد استرسالها مع الأمر، وبراءتها من حولها وقوَّتها وشهودِ ذلك بها، بل بالربِّ وحده. ومنهم من قال: التوكُّل هو التسليم لأمر الربِّ وقضائه. ومنهم من قال: هو التفويض إليه في كلِّ حالٍ. ومنهم من جعل التّوكُّل بدايةً، والتسليم وساطةً، والتفويض نهايةً. قال أبو علي الدَّقَّاق ﵀: التوكُّل ثلاث درجاتٍ: التوكُّل، ثم التسليم، ثم التفويض؛ فالمتوكِّل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه؛ فالتوكُّل بداية، والتسليم وساطة، والتفويض نهاية. فالتوكُّل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحِّدين. التوكُّل صفة العوامِّ، والتسليم صفة الخواصِّ، والتفويض صفة خاصَّة الخاصَّة. التوكُّل صفة الأنبياء، والتسليم (٢) صفة إبراهيم الخليل، والتفويض صفة نبيِّنا ﷺ . هذا كلُّه كلام الدَّقَّاق (٣).

стр. 1122

ومعنى هذا أن التوكُّل اعتمادٌ على الوكيل، وقد يعتمد الموكِّل (١) على وكيله مع نوع اقتراحٍ عليه وإرادةٍ وشائبةِ منازعةٍ، فإذا سلَّم إليه زال عنه ذلك، ورضي بما يفعله وكيله. وحال المفوِّض فوق هذا، فإنَّه طالبٌ مريدٌ ممَّن فوَّض إليه ملتمسٌ منه أن يتولَّى أموره، فهو رضًا واختيار وتسليم واعتماد؛ فالتوكُّل يندرج في التسليم، وهو والتسليم يندرجان في التفويض. فصل وحقيقة الأمر: أنَّ التوكُّل حالٌ مركَّبةٌ من مجموع أمورٍ، لا تتمُّ حقيقة التوكُّل إلا بها. وكلٌّ أشار إلى واحدٍ من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر. فأوَّل ذلك: معرفةٌ بالربِّ وصفاته من قدرته، وكفايته، وقيُّوميَّته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته. وهذه المعرفة أوَّل درجةٍ يضع بها العبد قدمه في مقام التوكُّل. قال شيخنا ﵁: ولذلك لا يصحُّ التوكُّل ولا يُتصوَّر من فيلسوف، ولا من القدريَّة النُّفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاؤه، ولا يستقيم أيضًا من الجهميَّة النُّفاة لصفات الربِّ، ولا يستقيم التوكُّل إلّا من أهل الإثبات (٢). فأيُّ توكُّلٍ لمن يعتقد أنَّ الله لا يعلم جزويَّات العالم (٣)، ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ولا مشيئة، ولا يقوم به صفة؟! فكلُّ من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكُّله أصحَّ وأقوى.

стр. 1123

فصل الدرجة الثانية: إثبات الأسباب والمسبَّبات ، فإنَّ من نفاها فتوكُّله مدخول. وهذا عكس ما يظهر في بَدَوات الرَّأي: أنَّ إثبات الأسباب يقدح في التوكُّل، وأنَّ بنفيها تمام التوكُّل. فاعلم أنَّ نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكُّل البتَّة، لأنَّ التوكُّل (١) من أقوى الأسباب في حصول المتوكَّل فيه، فهو كالدُّعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعوِّ به، فإذا اعتقد العبد أنَّ توكُّله لم ينصبه الله سببًا، ولا جعل دعاءه سببًا لنيل شيءٍ، فإنَّ المتوكَّل فيه المدعوَّ بحصوله إن كان قد قدِّر حصل، توكَّل أو لم يتوكَّل، دعا أو لم يدع، وإن لم يُقدَّر لم يحصل، توكَّل أيضًا أو ترك التوكُّل (٢). وصرَّح هؤلاء أنَّ التوكُّل والدُّعاء عبوديَّة محضة، لا فائدة لهما إلَّا ذلك، ولو ترك العبد التوكُّل والدُّعاء لما فاته شيءٌ ممَّا قدِّر له! ومِن غُلاتهم من يجعل الدُّعاء بعدم المؤاخذة على الخطإ والنِّسيان عديم الفائدة، إذ هو مضمون الحصول (٣).

стр. 1124

ورأيت بعض متعمِّقي هؤلاء في كتابٍ له لا يجوِّز الدُّعاء بهذا، وإنَّما يجوِّزه تلاوةً لا دعاءً. قال: لأنَّ الدُّعاء به يتضمَّن الشكَّ في وقوعه، لأنَّ الداعي بين الخوف والرجاء، والشكُّ في وقوع ذلك شكٌّ في خبر الله تعالى. فانظر إلى ما قاد إنكارُ الأسباب من العظائم، وتحريمِ الدُّعاء بما أثنى الله على عباده وأوليائه بالدُّعاء به وبطلبه. ولم يزل المسلمون من عهد نبيِّهم وإلى الآن يدعون به في مقامات الدُّعاء، وهو من أفضل الدعوات. وجواب هذا الوهم الباطل أن يقال: بقي قسم ثالث غير ما ذكرتم من القسمين لم تذكروه، وهو الواقع، وهو أن يكون قضى بحصول الشيء عند حصول سببه من التوكُّل والدُّعاء، فنصب الدُّعاء والتوكُّل سببين لحصول المطلوب، وقضى بحصوله إذا فعل العبد سببه، فإذا لم يأت بالسبب امتنع المسبَّب. وهذا كما قضى بحصول الولد إذا جامع الرجل من يُحبلها، فإذا لم يجامع لم يخلق منه الولد. وقضى بحصول الشِّبع إذا أكل والريِّ إذا شرب، فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يَرْوَ. وقضى بحصول الحجِّ والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق، فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة أبدًا. وقضى بدخول الجنَّة إذا أسلم وأتى بالأعمال الصّالحة، فإذا ترك الإسلام لم يدخلها أبدًا. وقضى بإنضاج الطعام بإيقاد النار تحته. وقضى بطلوع الحبوب التي تزرع بشقِّ الأرض وإلقاء البذر فيها، فما لم يأت بذلك لم يحصد (١) إلا الخيبة.

стр. 1125

فوِزان ما قاله منكرو الأسباب: أن يترك كلٌّ مِن هؤلاء السببَ الموصلَ ويقول: إن كان قُضي لي وسبق في الأزل حصولُ الولد والشِّبع والريِّ والحجِّ ونحوها= فلابدَّ أن يصل إليَّ، تحرَّكت أو سكنت، تزوَّجت أو تركت، سافرت أو قعدت, وإن لم يكن قضي لي لم يحصل لي أيضًا فعلت أو تركت. فهل يَعدُّ أحدٌ هذا من جملة العقلاء؟ وهل البهائم إلَّا أفقه منه؟ فإنَّ البهيمة تسعى في السبب بالهداية العامَّة. فالتوكُّل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التّوكُّل. ولكن من تمام التوكُّل عدم الرُّكون إلى الأسباب، وقطعُ علاقة القلب بها؛ فيكون حالُ قلبِه قيامَه بالله لا بها، وحالُ بدنه قيامَه (١) بها. فالأسباب محلُّ حكمة الله وأمره ودينه، والتوكُّل متعلِّقٌ بربوبيَّته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبوديَّة الأسباب إلّا على ساق التوكُّل، ولا يقوم ساق التوكُّل إلّا على قدم العبوديَّة. فصل الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام التوحيد (٢)، فإنَّه لا يستقيم توكُّل العبد حتى يصحَّ له توحيده، بل حقيقة التّوكُّل توحيد القلب, فما دامت فيه علائق الشِّرك فتوكُّله معلول مدخول. وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحَّة التوكُّل، فإنَّ العبد متى التفت

стр. 1126

إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبةً من شعب قلبه، فنقص من توكُّله على الله بقدر ذهاب تلك الشُّعبة، ومن هاهنا ظنَّ من ظنَّ أنَّ التوكُّل لا يصحُّ إلا برفض الأسباب. وهذا حق، لكن رفضها عن القلب أو (١) عن الجوارح؟ فالتوكُّل لا يتمُّ إلا برفض الأسباب عن القلب وتعلُّق الجوارح بها، فيكون منقطعًا منها متصلًا بها. فصل الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكونٌ إليها، بل يخلع السُّكون إليها من قلبه، ويلبس السُّكون إلى مسبِّبها. وعلامة هذا أنَّه لا يبالي بإقبالها وإدبارها، ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحبُّ منها وإقبالِ ما يكره، لأنَّ اعتمادَه على الله وسكونَه إليه واستنادَه إليه قد حصَّنه مِن خوفها ورجائها. فحاله حال من خرج عليه عدوٌّ عظيمٌ لا طاقة له به، فرأى حصنًا مفتوحًا، فأدخله ربُّه إليه، وأغلق عليه باب الحصن، فهو يشاهد عدوَّه خارج الحصن، فاضطرابُ قلبه وخوفُه منهم في هذه الحال لا معنى له. وكذلك من أعطاه ملِكٌ درهمًا، فسُرق منه، فقال له الملك: عندي أضعافه، لا تهتمَّ، متى جئت إليَّ أعطيتك من خزائني أضعافه. فإذا علم صحَّة قول الملك، ووثق به، واطمأنَّ إليه، وعلم أنَّ خزائنه مليَّة (٢) بذلك = لم

стр. 1127

يحزنه فوتُه. وقد مثِّل ذلك بحال الطِّفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمِّه لا يَعرف غيره، وليس في قلبه التفاتٌ إلى غيره. كما قال بعض العارفين: المتوكِّل كالطِّفل، لا يعرف شيئًا يأوي إليه إلَّا ثدي أمِّه، كذلك المتوكِّل لا يأوي إلَّا إلى ربِّه (١). فصل الدرجة الخامسة: حسن الظنِّ بالله تعالى، فعلى قدر حسن ظنِّك به ورجائك له يكون توكُّلك عليه. ولذلك فسّر بعضهم التوكُّل بحسن الظن فقال: التوكل حسن الظنِّ بالله (٢). والتحقيق: أن حسن الظنِّ به يدعوه إلى التوكُّل عليه، إذ لا يتصوَّر التوكُّل على من تُسيء ظنَّك به، ولا التوكُّل على من لا ترجوه. فصل الدرجة السّادسة: استسلام القلب له ، وانجذاب دواعيه كلِّها إليه، وقطع منازعاته. وبهذا فسَّره من قال: أن يكون العبد بين يدي الله كالميِّت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد، (٣) لا يكون له حركة ولا تدبير. وهذا معنى قول بعضهم: التوكُّل إسقاط التدبير، يعني الاستسلام لتدبير

стр. 1128

الربِّ لك. وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل فيما يفعله بك، لا فيما أمرك بفعله. فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيِّده، وانقياده له، وترك منازعات نفسه وإراداتها (١) مع سيِّده. فصل الدرجة السابعة: التفويض . وهو روح التوكُّل ولبُّه وحقيقته. وهو إلقاء أموره كلِّها إلى الله، وإنزالُها به طلبًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارًا، بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب أمورَه إلى أبيه، العالمِ (٢) بشفقته عليه ورحمته، وتمام كفايته، وحسن ولايته له وتدبيره له؛ فهو يرى أنَّ تدبيره له خيرٌ من تدبيره لنفسه، وقيامَه بمصالحه وتولِّيَه لها خيرٌ من قيامه هو بمصالح نفسه وتولِّيه لها (٣)، فلا يجد له أصلح ولا أوفق (٤) من تفويضه أمورَه كلَّها إلى أبيه، وراحتِه من حمل كَلِّها وثقل حملها، مع عجزه عنها وجهله بوجوه المصالح فيها، وعلمِه بكمالِ مَن فَوَّض إليه وقدرته وشفقته. فصل فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة، انتقل منها إلى درجة الرِّضا. وهي ثمرة

стр. 1129

التوكُّل. ومن فسَّر التّوكُّل بها فإنّما فسَّره بأجلِّ ثمراته وأعظم فوائده، فإنَّه إذا توكَّل حقَّ التوكُّل رضي بما يفعله وكيله. وكان شيخنا ﵁ يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكُّل قبله، والرِّضا بعده، فمن توكَّل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضيِّ له بعد الفعل فقد قام بالعبودية. أو معنى هذا (١). قلت: وهذا معنى قوله ﷺ في دعاء الاستخارة: «اللهمَّ إنِّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك»، فهذا توكُّل وتفويض. ثمَّ قال: «فإنَّك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علَّام الغيوب»، فهذا تبرُّؤٌ إليه من العلم والحول والقوَّة، وتوسُّلٌ إليه سبحانه بصفاته التي هي أحبُّ ما توسَّل إليه بها المتوسِّلون. ثمَّ سأل ربَّه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلًا وآجلًا، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرَّته عاجلًا وآجلًا. فهذا هو حاجته التي سألها، فلم يبق عليه إلّا الرِّضا بما يقضيه له فقال: «واقدر لي الخير حيث كان ثمَّ رضِّني به». فقد اشتمل هذا الدُّعاء على هذه المعارف الإلهيَّة والحقائق الإيمانيَّة التي من جملتها التوكُّل والتفويض قبل وقوع المقدور، والرِّضا بعده، وهو ثمرة التوكُّلِ والتفويضِ وعلامةُ صحَّته، فإن لم يرض بما قضى له فتفويضه معلول فاسد. فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقامَ التوكُّل، وتثبت قدمُه فيه. وهذا معنى قول بشرٍ الحافي: يقول أحدهم: توكَّلتُ على الله؛

стр. 1130

يكذب على الله، لو توكَّل على الله لرضي بما يفعل الله (١). وقولِ يحيى بن معاذٍ ﵁ وقد سئل: متى يكون الرجل متوكِّلًا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلًا (٢). فصل وكثيرًا ما يشتبه في هذا البابِ المحمودُ الكامل بالمذموم الناقص، فيشتبه (٣) التفويض بالإضاعة، فيضيِّع العبد حظَّه ظنًّا أنَّ ذلك منه تفويض وتوكُّل، وإنَّما هو تضييعٌ لا تفويض، فالتضييع في حقِّ الله، والتفويض في حقِّك. ومنه: اشتباه التوكُّل بالراحة وإلقاء حَمْل الكَلِّ، فيظنُّ صاحبه أنَّه متوكِّل، وإنَّما هو عاملٌ على قدم الراحة. وعلامة ذلك أنَّ المتوكِّل مجتهد في الأسباب المأمور بها غايةَ الاجتهاد، مستريحٌ من غيرها لتعبه بها، والعامل على الراحة آخذٌ من الأمر مقدار ما تندفع به الضرورة وتسقط به عنه مطالبة الشرع؛ فهذا لون، وهذا لون. ومنه: اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها. فخلعها توحيد، وتعطيلها إلحاد وزندقة، فخلعها عدمُ اعتماد القلب عليها ووثوقِه (٤) بها وركونِه إليها مع قيامه بها، وتعطيلُها إلغاؤها من الجوارح.

стр. 1131

ومنه: اشتباه الثِّقة بالله بالغرَّة والعجز. والفرق بينهما: أنَّ الواثق بالله قد فعل ما أُمر به، ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها (١)، كغارس الشجر وباذر الأرض؛ والمغترُّ العاجز قد فرَّط فيما أُمر به، وزعم أنَّه واثقٌ بالله. والثِّقة إنما تصحُّ مع بذل المجهود. ومنه: اشتباه الطُّمأنينة إلى الله والسُّكون إليه بالطُّمأنينة إلى المعلوم وسكون القلب إليه. ولا يميِّز بينهما إلَّا صاحب البصيرة، كما يُذكر عن أبي سليمان الداراني ﵁ أنه رأى رجلًا بمكَّة ــ أعزَّها الله (٢) ــ لا يتناول شيئًا إلا شربةً من ماء زمزم، فمضى عليه أيام، فقال له أبو سليمان يومًا: أرأيت لو غارت زمزم، أيشٍ كنت تشرب؟ فقام وقبَّل رأسه وقال: جزاك الله خيرًا حيث أرشدتَني، فإنِّي كنت أعبد زمزم منذ أيام (٣)، ومضى (٤). وأكثر المتوكِّلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم، وهم يظنُّون أنه إلى الله، وعلامة ذلك أنّه متى انقطع معلومُ أحدهم حضره همُّه وبثُّه وخوفه. فعُلِم أنَّ طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله. ومنه: اشتباه الرِّضا عن الله بكلِّ ما يفعل بعبده ممَّا يحبُّه ويكرهه بالعزم على ذلك وحديث النفس به، وذلك شيءٌ والحقيقة شيءٌ آخر. كما يحكى عن أبي سليمان ﵁ أنَّه قال: أرجو أن أكون قد أُعطيت طرفًا من الرِّضا، لو أدخلني النَّار كنت بذلك راضيًا! فسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀

стр. 1132

يقول: هذا عزمٌ منه على الرِّضا وحديثُ نفسٍ به، ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء، وفرقٌ بين العزم على الشيء وبين حقيقته (١). ومنه: اشتباه علم التوكُّل بحال التوكُّل (٢)، فكثيرٌ من الناس يعرف التوكُّل وحقيقته وتفاصيله، فيظنُّ أنَّه بذلك متوكِّلٌ، وليس من أهل التوكُّل، فحال التوكُّل أمرٌ (٣) وراء العلم به. وهذا كمعرفة المحبَّة والعلم بها وأسبابها ودواعيها وحال المحبِّ العاشق (٤)، ومعرفةِ (٥) علم الخوف وحال الخوف (٦). وهو شبيهٌ بمعرفة المريض ماهيَّة الصحَّة وحقيقتها وحالُه بخلافها. فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوي فيه بالحقائق، والعوارض بالمطالب، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ. فصل والتوكُّل من أعمِّ المقامات تعلُّقًا بالأسماء الحسنى، فإنَّ له تعلُّقًا خاصًّا بعامَّة أسماء الأفعال وأسماء الصِّفات. فله تعلُّقٌ باسم الغفَّار، والتوَّاب،

стр. 1133

والعفوِّ (١)، والرحيم. وتعلُّقًا (٢) باسم الفتَّاح، والوهَّاب، والرزَّاق، والمعطي، والمحسن. وتعلُّقًا باسم المعزِّ المذلِّ، الخافض (٣) الرَّافع، المانع، من جهة توكُّله عليه في إذلال أعداء دينه وخفضِهم ومنعِهم أسباب النصر. وتعلُّقًا بأسماء القدرة والإرادة. وله تعلُّق عامٌّ بجميع الأسماء الحسنى، ولهذا فسَّره من فسَّره من الأئمة بأنَّه المعرفة بالله. وإنَّما أراد أنَّه بحسب معرفة العبد يصحُّ له مقام التوكُّل، فكلَّما كان بالله أعرف كان توكُّله عليه أقوى. فصل وكثيرٌ من المتوكِّلين يكون مغبونًا في توكُّله، وقد توكَّل حقيقةَ التوكُّل وهو مغبونٌ، كمن صرف توكُّله إلى حاجةٍ جزويَّةٍ (٤) استفرغ فيها قوَّة توكُّله، ويمكنه نيلها (٥) بأيسر شيءٍ، وتفريغُ قلبه للتوكُّل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدِّين والتأثير في العالم خيرًا؛ فهذا توكُّل العاجز القاصر الهمَّة. كما يصرف بعضهم همَّته وتوكُّله ودعاءه إلى وجعٍ يمكن مداواته بأدنى شيءٍ، أو

стр. 1134

جوعٍ يمكن زواله بنصف درهمٍ (١)، ويدع صرفه إلى نصرة الدِّين وقمع المبتدعين (٢) ومصالح المسلمين. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (التوكُّل كِلَة الأمر إلى مالكه، والتعويل على وكالته. وهو من أصعب منازل العامَّة عليهم، وأوهى السُّبل عند الخاصَّة، لأنَّ الحقَّ قد وكل الأمور كلَّها إلى نفسه، وأَيأَس العالَم مِن ملك شيءٍ منها). قوله: (كلة الأمر إلى مالكه)، أي تسليمه إلى من هو بيده. (والتعويل على وكالته)، أي الاعتماد على قيامه بالأمر، والاستغناء بفعله عن فعلك، وإرادته عن إرادتك. والوكالة يراد بها أمران، أحدهما: التوكيل (٤)، وهو الاستنابة والتفويض. والثاني: التوكُّل، وهو التصرُّف بطريق النِّيابة عن الموكِّل، وهذا من الجانبين، فإنَّ الله يوكِّل العبد ويقيمه في حفظ (٥) ما وكَّله فيه، والعبد يوكِّل الربَّ ويعتمد عليه. فأمَّا وكالة الربِّ عبدَه، ففي قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، قال قتادة: وكَّلنا بها الأنبياء الثمانية عشر

стр. 1135

الذين ذكرناهم ــ يعني قبل هذه الآية. وقال أبو رجاءٍ العُطارديُّ: معناه: إن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكَّلنا بها أهل السماء وهم الملائكة. وقال ابن عباسٍ ومجاهدٌ: هم الأنصار وأهل المدينة (١). والصواب: أنَّ المراد من قام بها إيمانًا ودعوةً وجهادًا ونصرةً، فهؤلاء هم الذين وكّلهم الله بها. فإن قلت: فهل يصحُّ أن يقال: إنَّ أحدًا وكيل الله؟ قلت: لا، فإنَّ الوكيل من يتصرَّف عن (٢) موكِّله بطريق النِّيابة، واللهُ لا نائب له، ولا يخلفه أحدٌ، بل هو الذي يخلف عبده كما قال النبيُّ ﷺ : «اللهمَّ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل» (٣). على أنّه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنّه مأمورٌ بحفظ ما وُكِّل فيه ورعايته والقيام به (٤). وأمَّا توكيل العبد ربَّه فهو تفويضه إليه وعزلُ نفسه عن التصرُّف، وإثباته لأهله ووليِّه. ولهذا قيل في التوكُّل: إنَّه عزلُ النفس عن الرُّبوبيَّة وقيامُها بالعبوديَّة (٥). وهذا معنى كون الربِّ وكيلَ عبده، أي كافيه والقائم بأموره ومصالحه، لا أنه نائبه في التصرُّف. فوكالة الربِّ عبده أمرٌ وتعبُّد وإحسانٌ إليه، وخلعةٌ منه عليه، لا عن ح

стр. 1136

اجةٍ منه وافتقارٍ إليه، كموالاته له. وأمَّا توكيل العبد ربّه فتسليمٌ لربوبيَّته وقيامٌ بعبوديَّته. وقوله: (وهو من أصعب منازل العامَّة عليهم)، لأنَّ العامَّة لم يخرجوا عن نفوسهم ومألوفاتهم، ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصَّة، وهي التي تشهد (١) التوكل (٢)، فهم في رقِّ الأسباب، فيصعب عليهم الخروجُ عنها، وخلوُّ القلب منها، والاشتغالُ بملاحظة المسبِّب وحده. وأمّا كونه (أوهى السُّبل عند الخاصَّة)، فليس على إطلاقه، بل هو من أجلِّ السُّبل عندهم وأفضلها وأعظمها قدرًا. وقد تقدَّم في صدر الباب أمرُ الله رسولَه بذلك، وحضُّه عليه هو والمؤمنين. ومن أسمائه ﷺ : المتوكِّل (٣)، وتوكُّله أعظم توكُّلٍ. وقد قال الله (٤): ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، وفي ذكر أمره بالتوكُّل (٥) مع إخباره بأنَّه على الحقِّ دلالةٌ على أن الدِّين مجموعُه (٦) في هذين الأمرين: أن يكون العبد على الحقِّ في قوله وعمله

стр. 1137

واعتقاده ونيَّته، وأن يكون متوكِّلًا على الله واثقًا به؛ فالدِّين كلُّه في هذين المقامين. وقال رسل الله وأنبياؤه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢]، فالعبد آفته إمَّا من عدم الهداية، وإمّا من عدم التّوكُّل، فإذا جمع التوكُّل إلى الهداية فقد جمع الإيمان كلَّه. نعم، التوكُّل على الله في معلوم الرِّزق المضمون، والاشتغالُ به عن التّوكُّل في نصرة الحقِّ والدِّين= من أوهى منازل الخاصَّة. أمَّا التوكُّل عليه في حصول ما يحبُّه ويرضاه فيه وفي الخلق، فهذا توكُّل الرُّسل والأنبياء، فكيف يكون من أوهى منازل الخاصَّة؟! قوله: (لأنَّ الحقَّ قد وكل الأمور إلى نفسه، وأيأس العالم من ملك شيءٍ منها). جوابه (١): أنَّ الذي تولَّى ذلك أسند (٢) إلى عباده كسبًا وفعلًا وإقدارًا واختيارًا وأمرًا ونهيًا ما استعبدهم به، وامتحن به من يطيعه ممَّن يعصيه، ومن يُؤْثره ممَّن يؤثر عليه. وأمرهم بتوكُّلهم عليه فيما أسنده إليهم وأمرهم به وتعبَّدهم به. وأخبر أنَّه يحبُّ المتوكِّلين عليه، كما يحبُّ الشاكرين، وكما يحبُّ المحسنين، وكما يحبُّ الصّابرين (٣). وأخبر أنَّ كفايته لهم مقرونةٌ بتوكُّلهم عليه، وأنَّه كافي مَن توكَّل عليه وحَسْبُه.

стр. 1138

وجعل لكلِّ عملٍ من أعمال البرِّ ومقامٍ من مقاماته جزاءً معلومًا، وجعل نفسَه جزاء المتوكِّل عليه وكفايتَه، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [الطلاق: ٥]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، ثمَّ قال في التوكُّل (١): ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكِّل (٢)، ولم يجعله لغيره. وهذا يدلُّ على أنَّ التوكُّل أقوى السُّبل عنده وأحبُّها إليه. وليس كونه وكل الأمور إلى نفسه بمنافٍ لتوكُّل العبد عليه. بل هذا تحقيق كون الأمور كلِّها موكولةً إلى نفسه، لأنَّ العبد إذا علم ذلك وتحقَّقه معرفةً صارت حالُه التوكُّلَ قطعًا على من هذا شأنه، لعلمه بأنَّ الأمور كلَّها موكولة إليه وأنَّ العبد لا يملك شيئًا منها البتة. فهو لا يجد بدًّا من اعتماده عليه، وتفويضه إليه، واستناده إليه، وثقته به؛ من الوجهين: من جهة فقره وعدم ملكه شيئًا البتَّة، ومن جهة كون الأمر كلِّه بيده وإليه، والتوكُّل ينشأ من هذين العِلمين. فإن قيل: فإذا كان الأمر كلُّه لله، وليس للعبد من الأمر شيء، فكيف يوكِّل المالكَ على ملكه؟ وكيف يستنيبه فيما هو ملكٌ له دون هذا الموكِّل؟ فالخاصَّة لمَّا تحقَّقوا هذا نزلوا عن مقام التوكُّل وسلَّموه إلى العامَّة، وبقي الخطاب بالتوكُّل لهم دون الخاصَّة.

стр. 1139

قيل: لمَّا كان الأمر كلُّه لله ، وليس للعبد فيه شيءٌ البتَّة= كان توكُّله على الله تسليمَ الأمر إلى من هو له، وعزلَ نفسه عن منازعات مالكه، واعتمادَه عليه فيه، وخروجَه عن تصرُّفه بنفسه وحوله وقوَّته وكونه به إلى تصرُّفه بربِّه وكونه به سبحانه دون نفسه. وهذا مقصود التوكُّل. وأمَّا عزل العبد نفسه عن مقام التوكُّل، فهو عزلٌ لها عن حقيقة العبودية. وأمّا توجُّه الخطاب به إلى العامَّة، فيا سبحان الله! هل خاطب الله بالتوكُّل في كتابه إلا خواصَّ خلقه، وأقربهم إليه، وأكرمهم عليه؟ وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكِّلين، والمعلَّق على الشرط عدمٌ عند عدمه، وهذا يدلُّ على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكُّل، فمن لا توكُّل له لا إيمان له، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. وهذا يدلُّ على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصِّفة. وأخبر عن رسله بأنَّ التوكُّل ملجؤهم ومعاذهم. وأمر به رسوله في أربع (١) مواضع من كتابه (٢). فكيف يكون من أوهى السُّبل وهذا شأنه؟

стр. 1140

فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ، كلُّها تسير مسير العامَّة. الدرجة الأولى: التوكُّل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس، ونفع الخلق، وترك الدعوى). يقول: إنَّ صاحب هذه الدرجة متوكِّل (٢) على الله ولا يترك الأسباب، بل يتعاطاها على نيَّة شَغْل النفس بالسبب مخافةَ أن تفرغ فتشتغل بالهوى والحظوظ، فإن من لم يَشْغَل نفسه بما ينفعها شغلته بما يضرُّه، لا سيَّما إذا كان الفراغ مع حدَّة الشباب وملك الجِدَة (٣)، كما قيل (٤): إنَّ الشَّباب والفراغ والجِدَهْ ... مفسدةٌ للمرء أيُّ مفسدَهْ ويكون أيضًا قيامه بالسبب على نيَّة نفع الناس (٥) بذلك، فيحصل له نفعُ نفسه ونفع غيره. وأمَّا تضمُّن ذلك لترك الدعوى، فإنَّه إذا اشتغل بالسبب تخلَّص من

стр. 1141

إشارة الخلق إليه، الموجبةِ لحسن ظنِّه بنفسه الموجبِ لدعواه، فالسبب سترٌ لحاله ومقامه وحجابٌ مسبلٌ عليه. ومن وجهٍ آخر، وهو أنه يشهد به فقرَه وذلَّه وامتهانَه امتهانَ العبيد والفَعَلةِ (١)، فيتخلَّص من رعونة دعوى النفس، فإنَّه إذا امتهن نفسه بمعاطاة الأسباب سَلِم من هذه الأمراض. فيقال: إذا كانت الأسباب مأمورًا بها ففيها فائدةٌ أجلُّ من هذه الثلاث، وهي المقصودة بالقصد الأوَّل، وهذه مقصودةٌ قصدَ الوسائل، وهي القيام بالعبوديَّة؛ الأمر (٢) الذي خلق له العبد، وأرسلت به الرُّسل، وأنزلت لأجله الكتب، وبه قامت السّماوات والأرض، وله وُجدت الجنة والنار. فالقيام بالأسباب المأمور بها محضُ العبوديَّة وحقُّ الله على عبده الذي توجَّهت به نحوه المطالب، وترتَّب عليه الثواب والعقاب. فصل قال (٣): (الدرجة الثانية: التوكُّل مع إسقاط الطلب ، وغضِّ العين عن السبب؛ اجتهادًا لتصحيح التوكُّل، وقمعًا لشرف النفس، وتفرُّغًا إلى حفظ الواجبات). قوله: (مع إسقاط الطلب)، أي من الخلق (٤)، فلا يطلب من أحدٍ شيئًا.

стр. 1142

وهذا من أحسن الكلام وأنفعه للمريد، فإنَّ الطلب من الخلق في الأصل محظور، وغايته أن يباح للضرورة كإباحة الميتة للمضطرِّ، ونصَّ أحمد ﵁ على أنَّه لا يجب (١). وكذلك كان شيخنا يشير إليه؛ أنَّه لا يجب الطلب والسُّؤال (٢). وسمعته يقول في السُّؤال: «ظلمٌ في حقِّ الربوبيَّة، وظلمٌ في حقِّ الخلق، وظلمٌ في حقِّ النفس. أمَّا في حقِّ الربوبية فلِما فيه من الذُّلِّ لغير الله، وإراقة ماء الوجه لغير خالقه، والتعوُّض عن سؤاله بسؤال المخلوقين. وأمَّا في حقِّ الناس فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسُّؤال واستخراجه منهم. وأبغض ما إليهم من يسألهم، وأحبُّ ما إليهم من لا يسألهم، فإنَّ أموالهم محبوباتهم، ومن سألك محبوبك تعرَّض لمقتك وبغضك. وأمَّا في ظلم السَّائل لنفسه (٣): حيث امتهنها وأقامها في مقام ذلِّ السُّؤال، ورضي لها بذلِّ الطّلب (٤) وأهانها بذلك، ورضي أن يكون شحَّاذًا من شحَّاذٍ مثله، فإنَّ من تشحذه فهو أيضًا شحَّاذ مثلك، واللهُ وحده هو الغنيُّ، فسؤال

стр. 1143

المخلوق للمخلوق سؤال الفقير للفقير» (١). والربُّ تعالى كلَّما سألته كَرُمتَ عليه ورضي عنك وأحبَّك، والمخلوق كلَّما سألته هنت عليه وأبغضك (٢) وقلاك، كما قيل (٣): الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبُنيُّ آدمَ حين يُسأل يغضبُ وقبيحٌ بالعبد المريد، أن يتعرَّض لسؤال العبيد، وهو يجد عند مولاه كلَّ ما يريد. وفي «صحيح مسلم» (٤) عن عوف بن مالكٍ الأشجعيِّ ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعةً ــ أو ثمانيةً أو سبعةً ــ فقال: «ألا تبايعون رسول الله ــ ﷺ ــ؟»، وكنَّا حديثَ عهدٍ ببيعةٍ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثمَّ قال: «ألا تبايعون رسول الله؟»، فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ فقال: «أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، والصَّلوات الخمس» وأسرَّ كلمةً خفيَّةً: «ولا تسألوا الناس شيئًا»، ولقد رأيت بعض أولئك النّفر يسقط سوطُ أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إيَّاه. وفي «الصحيحين» (٥) عن ابن عمر عن النبيِّ ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللهَ وليس في وجهه مُزعة لحمٍ».

стр. 1144

وفيهما (١) أيضًا عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر ــ وذكر الصَّدقة والتعفُّف عن المسألة ــ: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى. واليد العليا هي المنفقة، والسُّفلى هي السائلة». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ : «من سأل الناس تكثُّرًا فإنَّما يسأل جمرًا، فليستقلَّ أو ليستكثِرْ». وفي «الترمذي» (٣) عن سمرة بن جندبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ المسألة كدٌّ يكُدُّ بها الرجل وجهه (٤)، إلَّا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمرٍ لا بدَّ منه». قال الترمذي: حديث صحيح. وفيه (٥) عن ابن مسعودٍ ﵁ مرفوعًا: «من أصابته فاقةٌ فأنزلها بالنَّاس لم تُسَدَّ فاقتُه، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزقٍ عاجلٍ أو آجلٍ».

стр. 1145

وفي «السُّنن» و «المسند» (١) عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يَكْفُلُ لي أن لا يسأل الناس شيئًا أتكفَّلُ له بالجنَّة؟»، فقلت: أنا. فكان لا يسأل أحدًا شيئًا. وفي «صحيح مسلم» (٢) عن قبيصة ﵁ عن النبيِّ ﷺ : «إنَّ المسألة لا تحلُّ إلَّا لأحد ثلاثةٍ: رجلٌ تحمَّل حَمالةً، فحلَّت له المسألة حتَّى يصيبها ثمَّ يمسك. ورجلٌ أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيشٍ ــ أو قال: سدادًا من عيشٍ ــ. ورجل أصابته فاقةٌ حتَّى يقول ثلاثةٌ من ذوي الحِجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتّى يصيب قِوامًا من عيشٍ ــ أو قال: سدادًا من عيشٍ ــ. فما سِواهنَّ من المسألة ــ يا قبيصةُ ــ فسحتٌ يأكلها صاحبها سحتًا». فالتوكُّل مع إسقاط هذا الطلب والسُّؤال هو محض العبوديَّة. قوله: (وغضِّ العين عن التسبُّب (٣) اجتهادًا في تصحيح التوكُّل). معناه: أنَّه يُعرض عن الاشتغال بالسبب لتصحيح التوكُّل بامتحان النفس، لأنَّ المتعاطي للسبب قد يظنُّ أنَّه حصَّل التوكُّل، ولم يحصِّله لثقته

стр. 1146

بمعلومه، فإذا أعرض عن السبب صحَّ له التوكُّل. وهذا الذي أشار إليه مذهبُ قومٍ من العبَّاد والسالكين. وكثيرٌ منهم كان يدخل البادية بلا زادٍ، ويرى حمل الزَّاد قدحًا في التوكُّل، ولهم في ذلك حكايات مشهورة. وهؤلاء في خفارة صدقهم، وإلَّا فدرجتهم ناقصةٌ عند العارفين. ومع هذا فلا يمكن بشرًا البتَّة تركُ الأسباب جملةً. فهذا إبراهيم الخوَّاص ﵀ كان مجرِّدًا في التوكُّل يدقِّق فيه، ويدخل البادية بغير زادٍ، وكان لا تفارقه الإبرة والخيوط والرَّكوة والمقراض. فقيل له: لم تحمل هذا وأنت تمنع من كلِّ شيءٍ؟ فقال: مثل هذا لا ينقص التّوكُّل، لأنَّ لله تعالى علينا فرائض، والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد، فربَّما تخرَّق ثوبه، فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتَفسُد عليه صلاتُه، وإذا لم يكن معه ركوةٌ فسد (١) عليه طهارتُه. وإذا رأيت الفقير بلا ركوةٍ ولا إبرةٍ وخيوطٍ (٢) فاتَّهمه في صلاته (٣). أفلا تراه لم يستقم له دينه إلَّا بالأسباب؟ أَوَليست (٤) حركةُ أقدامه،

стр. 1147

ونقلُها في الطريق، والاستدلالُ على أعلامها إذا خفيت عليه= مِن الأسباب؟ فالتجرُّد من الأسباب جملةً ممتنعٌ عقلًا وشرعًا وحسًّا. نعم، قد تعرِض للصادق أحيانًا قوَّةُ ثقةٍ بالله، وحالٌ مع الله تحمله على ترك كلِّ سببٍ غير مفروضٍ عليه، كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة. ويكون ذلك الوقت بالله لا به، فيأتيه مددٌ من الله على مقتضى حاله. ولكن لا يدوم له هذا الحال، وليست في مقتضى الطبيعة، فإنها كانت هجمةً هجمت عليه بلا استدعاءٍ فحمل عليها. فإذا استدعى مثلَها وتكلَّفها لم يُجَب إلى ذلك. وفي تلك الحال إذا ترك السبب يكون (١) معذورًا لقوَّة الوارد وعجزه عن الاشتغال بالسبب، فيكون في وارده عونٌ له، ويكون حاملًا له. فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال. وكلُّ تلك الحكايات الصحيحة التي تُحكى عن القوم فهي جزئيَّة حصلت لهم أحيانًا، ليست طريقًا مأمورًا بسلوكها، ولا مقدورة. وصارت فتنةً لطائفتين: طائفةٌ ظنَّتها طريقًا ومقامًا، فعملوا عليها، فمنهم من انقطع، ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها (٢). وطائفةٌ قدحوا في أربابها، وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل، مدَّعين لأنفسهم حالًا أكمل من حال رسول الله ﷺ وأصحابه، إذ لم يكن فيهم أحدٌ

стр. 1148

قطُّ فعل ذلك، ولا أخلَّ بشيءٍ من الأسباب. وقد ظاهر رسول الله ﷺ بين درعين يوم أحدٍ (١)، ولم يحضر الصفَّ قطُّ عريانًا كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة. واستأجر دليلًا مشركًا على دين قومه يدلُّه على طريق الهجرةوقد هدى الله به العالمين (٢). وكان يَدَّخر لأهله قوت سنةٍ وهو سيِّد المتوكِّلين (٣). وكان إذا سافر في جهادٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ حمل معه الزاد والمزاد وجميعُ أصحابه، وهم أهل التوكُّل حقًّا. وأكمل المتوكِّلين بعدهم من اشتمَّ رائحة توكُّلهم من مسيرةٍ بعيدةٍ، أو لحق أثرَ غباره (٤). فأحوال القوم (٥) محكُّ الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها. وكانت هممهم (٦) في التوكُّل أعلى من همم من بعدهم، فإنَّ توكُّلهم كان في فتح القلوب (٧) والبلاد (٨). فملؤوا بذلك التوكُّلِ القلوبَ هدًى

стр. 1149

وإيمانًا، وفتحوا به بلاد الكفر وجعلوها ديار إيمانٍ (١). وكانت هممهم (٢) أعلى وأجلَّ من أن يصرف أحدُهم قوَّةَ توكُّله واعتماده على الله في شيءٍ يحصل بأدنى حيلةٍ وسعيٍ، فيجعله نُصبَ عينيه ويحمل عليه قوى توكُّله. قوله: (وقمعًا لشرف النفس)، يريد أنَّ المتسبِّب قد يكون متسبِّبًا بالولايات الشريفة في العبادة (٣)، أو التِّجارات الرفيعة، والأسباب التي له بها جاهٌ وشرفٌ في الناس، فإذا تركها يكون تركُها قمعًا لشرف نفسه وإيثارًا للتواضع. وقوله: (وتفرُّغًا لحفظ الواجبات)، أي يتفرَّغ بتركها لحفظ واجباته التي تزاحمها تلك الأسباب. فصل قال (٤): (الدرجة الثالثة: التوكُّل مع معرفة التوكُّل، النازعةِ إلى الخلاص من علَّة التوكُّل. وهي أن يعلم أنَّ مَلَكة الحقِّ تعالى للأشياء هي مَلَكةُ عزَّةٍ، لا يشاركه فيها مشارك، فيكِلَ شركتَه إليه، فإنَّ من ضرورة العبوديَّة أن يعلم العبد أنَّ الحقَّ هو مالك الأشياء وحده).

стр. 1150

يريد أنَّ صاحب هذه الدرجة متى قطع الأسباب والطلب، وتعدَّى تلك الدرجتين، فتوكُّله فوق توكُّل من قبله. وهو إنّما يكون بعد معرفته بحقيقة التوكُّل، وأنَّه دون مقامه، فتكون معرفته به وبحقيقته (١) نازعةً ــ أي باعثةً وداعيةً ــ إلى تخلُّصه من علَّة التوكُّل. أي: لا يعرف علّة التّوكُّل حتّى يعرف حقيقته، فحينئذٍ يعرف التوكُّل المعرفةَ التي تدعوه إلى التخلُّص من علَّته. ثمَّ بيَّن المعرفة التي يعلم بها (٢) علَّة التوكُّل، فقال: (أن يعلم أنَّ ملكة الحقِّ للأشياء ملكة عزَّةٍ)، أي: ملكة امتناعٍ وقوَّةٍ وقهرٍ، تمنع أن يشاركه في ملكه لشيءٍ من الأشياء مشاركٌ، فهو العزيز في ملكه، الذي لا يشاركه غيره في ذرَّةٍ منه، كما هو المتفرِّد (٣) بعزَّته التي لا يشاركه فيها مشاركٌ. فالمتوكِّل يرى أنَّ له شيئًا قد وكَّل الحقَّ فيه، وأنّه سبحانه صار وكيلَه عليه. وهذا مخالفٌ لحقيقة الأمر، إذ ليس لأحدٍ من الأمر مع الله تعالى شيءٌ، فلهذا قال: (لا يشاركه فيه مشارك، فيكِلَ شركته إليه)، فلسان الحال يقول لمن جعل الربَّ تعالى وكيله: في ماذا وكَّلتَ ربَّك؟ أفيما هو له وحده، أو لك وحدك، أو بينكما؟ فالثاني والثالث ممتنعٌ بتفرُّده بالملك وحده، والتَّوكيل في الأوَّل ممتنع، فكيف تُوكِّله فيما ليس لك منه شيءٌ البتَّة؟! فيقال: هاهنا أمران: توكُّل وتوكيل. فالتوكُّل: محض الاعتماد والثِّقة والسُّكون إلى من له الأمر كلُّه. وعلمُ العبد بتفرُّد الحقِّ سبحانه بملك الأشياء كلِّها، وأنَّه ليس له مشاركٌ في ذرَّةٍ من ذرَّات الكون= من أقوى أسباب

стр. 1151

توكُّله وأعظمِ دواعيه. فإذا تحقَّق ذلك علمًا ومعرفةً، وباشر قلبَه حالًا، لم يجد بدًّا من اعتماد قلبه على الحقِّ وحدَه، وثقته به، وسكونه إليه وحده، وطمأنينته به وحده؛ لعلمه أنَّ حاجاتِه وفاقاتِه وضروراتِه وجميعَ مصالحه بيده وحده، لا بيد غيره. فأين يجد قلبُه مناصًا من التوكُّل بعد هذا؟ فعلَّة التوكُّل حينئدٍ: التفاتُ قلبه إلى من ليس له شِرْكةٌ في ملك الحقِّ، ولا يملك مثقالَ ذرَّةٍ في السّماوات ولا في الأرض. هذه علَّة توكُّله، فهو يعمل على خلاص (١) توكُّله من هذه العلَّة. نعم، ومن علَّةٍ أخرى، وهي رؤية توكُّله، فإنَّه التفاتٌ إلى عوالم نفسه. وعلَّةٍ ثالثةٍ: وهي صرفه قوَّةَ توكُّله إلى شيءٍ غيرُه أحبُّ إلى الله منه. فهذه العلل الثَّلاث هي علل التوكل. وأمَّا التوكيل (٢): فليس المراد منه إلا مجرَّد التفويض، وهو من أخصِّ مقامات العارفين (٣)، كما كان النبيُّ ﷺ يقول: «اللهمَّ إنِّي أسلمتُ نفسي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك» (٤). وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ فكان جزاء هذا التّفويض قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥].

стр. 1152

فإن كان التّوكُّل معلولًا بما ذُكِر، فالتَّفويض أيضًا كذلك؛ وليس (١) فليس. ولولا أنَّ الحقَّ لله ورسوله، وأنَّ كلَّ من عدا الله ورسوله فمأخوذٌ من قوله ومتروك، وهو عرضة الوهم والخطإ= لما اعترضنا على من لا نلحق غبارهم، ولا نجري معهم في مضمارهم، ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان ومنازل السائرين كالنُّجوم الدَّراريِّ. ومن كان عنده علمٌ فليرشد (٢) إليه، ومن رأى في كلامنا زيغًا وخطأً (٣) فليُهدِ إلينا الصواب، نشكُرْ له سعيَه ونقابِلْه بالقبول والإذعان والانقياد والتسليم. والله الموفِّق. * * * *

стр. 1153

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التفويض . قال صاحب «المنازل» (١): (وهو ألطف إشارةً وأوسع معنًى من التوكُّل، فإنَّ التوكُّل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده. وهو عين الاستسلام، والتوكُّل شعبةٌ منه). يعني أنَّ المفوِّض يتبرَّأ من الحول والقوَّة، ويفوِّض الأمر إلى صاحبه، من غير أن يقيمه مقام نفسه في مصالحه، بخلاف التوكُّل (٢)، فإنَّ الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل مقام الموكِّل. فالتفويض: براءةٌ وخروجٌ من الحول والقوَّة، وتسليمُ الأمر كلِّه إلى مالكه (٣). فيقال: وكذلك التوكُّل أيضًا، وما قدحتم به في التوكُّل يَرِد عليكم نظيرُه في التفويض سواء، فإنَّك كيف تفوِّض شيئًا لا تملكه البتَّة إلى مالكه؟ وهل يصحُّ أن يفوِّض واحدٌ من آحاد الرعيَّة المُلكَ إلى مَلِك زمانه؟ فالعلَّة إذن في التفويض أعظم منها في التوكُّل. بل لو قال القائل: التوكُّل فوق التفويض وأجلُّ منه وأرفع، لكان مصيبًا. ولهذا، القرآنُ مملوء به أمرًا وإخبارًا عن خاصَّة الله وأوليائه وصفوته (٤) المؤمنين بأنَّه حالهم (٥).

стр. 1154

وأمر الله به رسولَه في أربعة مواضع من كتابه (١)، وسمَّاه المتوكِّل (٢) كما في «صحيح البخاري» (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: قرأت في التوراة (٤) صفة النبيِّ ﷺ : «محمَّدٌ رسول الله، سمَّيته المتوكِّل، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا صخَّابٍ (٥) في الأسواق (٦)». وأخبر عن رسله بأنَّ حالهم كان التوكُّل، وبه انتصروا على قومهم (٧). وأخبر النبيُّ ﷺ عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ أنَّهم أهل مقام التوكُّل (٨). ولم يجئ التفويض في القرآن إلَّا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤]. وقد أمر الله رسوله ﷺ بأن يتَّخذه وكيلًا، فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ

стр. 1155

إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. وهذا يُبطل قول من قال من جهلة القوم (١): إنَّ توكيل الربِّ فيه جسارةٌ على الباري، لأنَّ التوكيل يقتضي إقامة الوكيل مقام الموكِّل، وذلك عين الجسارة. قال: ولولا أنّ الله أباح ذلك وندب إليه لما جاز للعبد تعاطيه. وهذا من أعظم الجهل، فإنَّ اتِّخاذه وكيلًا هو محض العبوديَّة وخالص التوحيد إذا قام به صاحبه حقيقةً. ولله درُّ سيِّد القوم وشيخ الطائفة سهل بن عبد الله إذ يقول: العلم كلُّه بابٌ من التعبُّد، والتعبُّد كلُّه باب من الورع، والورعُ كلُّه باب من الزهد، والزهد كلُّه باب من التوكُّل (٢). فالذي نذهب إليه: أنَّ التوكُّل أوسع من التفويض وأعلى وأرفع. قوله: (فإنَّ التوكُّل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده). يعني بالسبب: الاكتساب، فالمفوِّض قد فوَّض أمره إلى الله قبل اكتسابه وبعد اكتسابه (٣)، والمتوكِّل قد قام بالسبب وتوكَّل فيه على الله، فصار التفويض أوسع. فيقال: والتوكُّل قد يكون قبل السبب ومعه وبعده، فيتوكَّل على الله أن يقيمه في سببٍ يوصله إلى مطلوبه، فإذا قام به توكَّلَ على الله حال مباشرته، فإذا أتمَّه توكَّل على الله في حصول ثمرته؛ فيتوكَّل على الله قبله ومعه وبعده.

стр. 1156

فعلى هذا هو أوسع من التفويض على ما ذكر. قوله: (وهو عين الاستسلام)، أي التفويض عين الانقياد بالكليَّة إلى الحقِّ سبحانه، ولا يبالي أكان ما يقضي له الخير أم خلافه؟ والمتوكِّل يتوكَّل على الله في مصالحه (١). وهذا القدر هو الذي لحظه القوم في هضم مقام التوكُّل ورفع مقام التفويض عليه، وجوابه من وجهين. أحدهما: أنّ المفوِّض لا يفوِّض أمره إلى الله إلَّا لإرادته أن يقضي له ما هو خيرٌ له في معاشه ومعاده. وإن كان المقضيُّ له خلاف ما يظنُّه خيرًا فهو راضٍ به، لأنَّه يعلم أنَّه خير له وإن خفيت عليه جهة المصلحة فيه. وهكذا حال المتوكِّل سواء، بل أرفع من المفوِّض، لأنَّ معه من عمل القلب ما ليس مع المفوِّض، فالمتوكِّل مفوِّض وزيادة، فلا يستقيم مقام التوكُّل إلَّا بالتفويض، فإنَّه إذا فوَّض أمره إليه اعتمد بقلبه كلِّه عليه بعد تفويضه. ونظير هذا: أنَّ من فوَّض أمره إلى رجلٍ وجعله إليه، فإنَّه يجد مِن نفسه بعد تفويضه اعتمادًا خاصًّا وسكونًا وطمأنينةً إلى المفوِّض إليه أكثر ممَّا كان قبل التفويض، وهذا هو حقيقة التّوكُّل. الوجه الثاني: أنَّ أهمَّ مصالح المتوكِّل حصولُ مراضي محبوبه ومحابِّه، فهو يتوكَّل عليه في تحصيلها له، فأيُّ مصلحةٍ أعظم من هذا؟ وأمَّا التفويض فهو تفويض حاجات العبد المعيشيَّة وأسبابها إلى الله، فإنَّه لا يفوِّض إليه محابَّه، والمتوكِّل يتوكَّل عليه في محابِّه.

стр. 1157

والوهم إنَّما دخل حيث يظنُّ الظانُّ أنَّ التوكُّل مقصور على معلوم الرِّزق، وقوت البدن، وصحَّة الجسم. ولا ريب أنَّ هذا التوكُّل ناقصٌ بالنِّسبة إلى التوكُّل في إقامة الدِّين والدعوة إلى الله. قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: أن يعلم أنَّ العبد لا يملك قبل عمله استطاعةً، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعوِّل على نيَّة). أي: يتحقَّق أنَّ استطاعته بيد الله لا بيده، فهو مالكها دونه، فإن لم (٢) يعطه الاستطاعة فهو عاجز، فهو لا يتحرَّك إلَّا بالله لا بنفسه، فكيف يأمن المكر؟! وهو: أن لا يحرِّكَه مَن حركتُه بيده، بل يُثبِّطه ويُقعده مع القاعدين (٣)، كما قال فيمن منعه مِن هذا التوفيق: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]. فهذا مكر الله بالعبد: أن يقطع عنه موادَّ توفيقه، ويخلِّي بينه وبين نفسه، ولا يبعث دواعيه ولا يحرِّكه إلى مرضاته ومحابِّه. وليس هذا حقًّا علاه يكون ظالمًا بمنعه، بل هو مجرَّد فضله الذي يُحمَد على بذله لمن بذله له، وعلى منعه لمن منعه (٤) إيَّاه، فله الحمد على هذا وهذا.

стр. 1158

ومن فهم هذا فهم بابًا عظيمًا من سرِّ القدر، وانحلَّت له إشكالات كثيرة، فهو سبحانه لا يريد من نفسه فعلًا يفعله بعبده يقع منه ما يحبُّه ويرضاه، فيمنعه فعلَ نفسه به ــ وهو توفيقه ــ، لا أنَّه يُكرهه ويقهره على فعل مساخطه، بل يكله إلى نفسه وحوله وقوَّتِه ويتخلَّى عنه، فهذا هو المكر. قوله: (ولا ييأس من معونة)، يعني إذا كان المحرِّك له هو الربُّ ﷻ ، وهو أقدر القادرين، وهو الذي تفرَّد بخلقه ورزقه، وهو أرحم الراحمين= فكيف ييأس من معونته له؟ وقوله: (ولا يعوِّل على نية)، أي لا يعتمد على نيَّته وعزمه ويثق بها، فإنَّ نيّته وعزمه بيد الله تعالى لا بيده، وهي إلى الله لا إليه، فلتكن ثقته بمن هي في يده حقًّا، لا بمن هي جاريةٌ عليه حكمًا. فصل قال (١): (الدرجة الثانية: معاينة الاضطرار، فلا يرى عملًا منجيًا، ولا ذنبًا مهلكًا، ولا سببًا حاملًا). أي: يعاين فقره وفاقته وضرورته التامَّة إلى الله، بحيث (٢) يرى في كلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاته الباطنة والظاهرة ضرورةً وفاقةً تامَّةً إلى الله، فنجاته إنَّما هي بالله لا بعمله. وأمَّا قوله: (ولا ذنبًا مهلكًا)، فإن أراد به أنَّ هلاكه بالله لا بسبب ذنوبه فباطلٌ معاذَ الله من ذلك. وإن أراد به أنَّ فضل الله وسعةَ مغفرته ورحمته،

стр. 1159

ومشاهدةَ شدَّةِ ضرورته وفاقته إليه توجب (١) أن لا يرى ذنبًا مُهلكًا، فإنَّ افتقاره وفاقته وضرورته إلى الله تمنعه (٢) من الهلاك بذنوبه (٣)، إذ صاحب هذا المقام لا يصرُّ على ذنوبٍ تُهلكه وهذا حاله= فهذا حقٌّ، وهو من مشاهد أهل المعرفة. وقوله: (ولا سببًا حاملًا)، أي يشهد أنَّ الحامل له هو الحقُّ تعالى، لا الأسباب التي يقوم بها، فإنَّه وإيَّاها محمولان بالله وحده. فصل قال (٤): (الدرجة الثالثة: شهود انفراد الحقِّ بملك الحركة والسُّكون، والقبض والبسط، ومعرفتُه بتصريف التفرقة والجمع). هذه الدرجة تتعلَّق بشهود وصف الله وشأنِه، والتي قبلها تتعلَّق بشهود حال العبد ووصفه. أي: يشهد حركاتِ العالم وسكونَه صادرةً عن الحقِّ تعالى في كلِّ متحرِّك وساكن، فيشهد تعلُّق الحركة باسمه الباسط وتعلُّق السُّكون باسمه القابض، فيشهد تفرُّده سبحانه بالبسط والقبض. وأمَّا (معرفته بتصريف التفرقة والجمع)، أي يكون المُشاهِد عارفًا بمواضع التفرقة والجمع. والمراد بالتفرقة: نظر الأغيار، ونسبةُ الأفعال إلى الخلق. والمراد بالجمع: شهود الأفعال منسوبةً إلى موجدها الحقِّ.

стр. 1160

وقد يريدون بالتفرقة والجمع معنًى وراء هذا الشُّهود، وهو حال التفرقة والجمع، فحال التفرقة: تفرُّق القلب في أودية الإرادات وشعابها، وحال الجمع: جمعيَّته على مراد الحقِّ وحده. فالأوَّل علم التفرقة والجمع، والثاني حالهما. * * * *
следующие страницы →