← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

تعالى الدينيِّ (١) على هذا الرسم والسَّير به إلى النفس. ولعلَّ العامل على الفناء بهذه المثابة، وهو ملبوس عليه؛ فالعارف يستقصي التفتيش عن كمائن النفس. وأمَّا قولكم: كيف يشكر من لم يكن من لم يزل؟ فهذا بالشَّطح أليق منه بالمعرفة، فإنَّ من لم يزل إذا أَمَر من لم يكن بالشكر، ورضيه منه وأحبَّه، وأثنى عليه به، واستدعاه واقتضاه منه، وأوجب له به المزيد، وأضافه إليه، واشتقَّ له منه الاسم، وأوقع عليه به الحكم، وأخبر أنَّه غاية رضاه منه، وأمره مع ذلك أن يشهد أنَّ شكره به وبإذنه ومشيئته وتوفيقه= فهذا شكر من لم يكن لمن لم يزل، وهو محض العبوديَّة. وأمَّا ضرب مثل كسوة السُّلطان لعبده وأخذِه في الشُّكر له مكافأةً، فهذا من أبطل الأمثلة عقلًا ونقلًا وفطرةً، وهو الحجاب الذي أوجب لمن قال: (إنَّ شكر المنعم لا يجب عقلًا) ما قال، حتَّى زعم أنَّ شكره قبيحٌ عقلًا ولولا الشرع لما حَسُن الإقدام عليه، وضَرَب هذا المثل الذي ضربتموه بعينه (٢). وهذا من القياس الفاسد المتضمِّنِ قياسَ الخالق على المخلوق. وبمثله عُبدت الشمس والقمر والأوثان (٣)، إذ قال المشركون: جناب العظيم لا يُهجَم عليه بغير وسائل ووسائط. وسرت هاتان الرقيقتان فيمن فسد من أهل التعبُّد وأهل النظر والبحث، والمعصومُ من عصمه الله.

стр. 1332

فيقال: الفرق من وجوهٍ كثيرةٍ جدًّا تفوت الحصر. منها: أنَّ الملك محتاجٌ فقيرٌ إلى من أنعم عليه، لا يقوم ملكه إلَّا به، فهو محتاجٌ إلى معاوضته بتلك الكسوة ــ مثلًا ــ خدمةً له، وحفظًا له، وذبًّا عنه، وسعيًا في تحصيل مصالحه، فكسوته له من باب المعاوضة والمعاونة، فإذا أخذ في شكره فكأنَّه جعل ذلك ثمنًا لنعمته وليس بثمنٍ لها. وأمَّا إنعام الربِّ على عبده فإحسانٌ إليه وتفضُّلٌ عليه، ومجرَّد امتنانٍ، لا لحاجةٍ منه إليه، ولا لمعاوضةٍ، ولا لاستعانةٍ به، ولا يتكثَّر (١) به من قلَّةٍ، ولا يتعزَّز به من ذلَّةٍ، ولا يتقوَّى به من ضعفٍ؛ سبحانه وبحمده. وأمرُه له بالشُّكر أيضًا: إنعامٌ آخر عليه، وإحسانٌ منه إليه، إذ منفعة الشُّكر ترجع إلى العبد (٢) لا إلى الله، والعبد هو الذي ينتفع بشكره، كما قال تعالى: ﴿شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ﴾ [النمل: ٤٠]، فشكره (٣) إحسانٌ منه إلى نفسه، فلا يُذَمُّ ما أتى به من ذلك وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به (٤)، فإنَّه إنّما هو محسنٌ إلى نفسه بالشُّكر، لا أنّه مكافئٌ به لنعم الربِّ، فالربُّ لا يكافئ أحدٌ (٥) نعمه أبدًا، ولا أقلَّها (٦)؛ فالله أحسَنَ إلى عبده بنعمه،

стр. 1333

وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها، فشكرُه نعمةٌ منه (١) تحتاج إلى شكرٍ آخر، وهلمَّ جرًّا. ومن تمام نعمته سبحانه وعظيم برِّه وكرمه وجوده: محبَّته له على هذا الشُّكر، ورضاه منه به، وثناؤه عليه به؛ ومنفعتُه وعائدته (٢) مختصَّةٌ بالعبد، لا تعود منفعته على الله. وهذا غاية الكرم الذي لا كرم فوقه، يُنعم عليك ثمَّ يُوزعك شكر النِّعمة ويرضى عنك بذلك، ثمَّ يعيد إليك منفعة شكرك ويجعله سببًا لك لاتصال نعمه والزِّيادة منها (٣). وهذا الوجه وحده يكفي (٤)، وبه يتنبَّه اللبيب على ما بعده. وأمَّا كون الشُّهود يسقط الشُّكر، فلعَمْر الله إنَّه إسقاطٌ لحقِّ المشكور بحظِّ المشاهد. نعم، بحظٍّ عظيمٍ متعلِّقٍ بالحقِّ ، لا حظٍّ سفليٍّ متعلِّقٍ بالكائنات، ولكنَّ صاحبه قد سار من حرمٍ إلى حرمٍ. وكان يقع لي هذا القدر منذ زمانٍ، ولا أتجاسر على التصريح به، لأنَّ أصحابه يرون مَن ذاكرهم به بعين الفرق الأوَّل، فلا يُصغون إليهم البتَّة، لا سيَّما وقد ذاقوا حلاوته ولذَّته، ورأوا تخبيط أهل الفرق الأوَّل وتلوُّثَهم بنفوسهم وعوالمها، وانضاف إلى ذلك أن جعلوه غايةً، فتركَّب من هذه الأمور ما تركَّب. وإذا لاحت الحقائق فليقل القائل ما شاء.

стр. 1334

فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الشُّكر على المحابِّ . وهذا شكرٌ تشاركت فيه المسلمون واليهودُ والنصارى والمجوس. ومن سعة رحمة الباري سبحانه أنه عدَّه شكرًا، ووعد عليه الزِّيادة، وأوجب فيه المثوبة). إذا عُلِمت حقيقةُ الشكر وأنَّ جزء حقيقته الاستعانةُ بنعم المنعم على طاعته ومرضاته= عُلِم اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة، وأنَّ حقيقة الشُّكر على المحابِّ ليست لغيرهم. نعم، لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها، كالاعتراف بالنِّعمة والثناء على المنعم بها، فإنَّ جميع الخلق في نعم الله، وكلُّ من أقرَّ بالله وتفرُّدِه بالخلق والإحسان فإنَّه يضيف نعمته إليه، لكنَّ الشأن في تمام حقيقة الشُّكر، وهو الاستعانة بها على مرضاته (٢). وقد عُرف مراد الشيخ، وهو أنَّ هذا شكر مشترك، وهو الاعتراف بنعمه سبحانه، والثناءُ عليه بها، والإحسانُ إلى خلقه منها. وهذا بلا شكٍّ يوجب حفظَها عليهم والمزيدَ منها. فهذا الجزء من الشُّكر مشتركٌ. وقد تكون ثمرته في الدُّنيا بعاجل الثواب، وفي الآخرة بتخفيف العقاب، فإنَّ النار دركاتٌ ودرجاتُ أهلها في العقوبة مختلفة.

стр. 1335

فصل قال (١): (الدرجة الثانية: الشُّكر في المكاره ، وهذا ممَّن تستوي عنده الحالات: إظهارًا (٢) للرِّضا، وممَّن يميِّز (٣) بين الأحوال: كظم الغيظ والشكوى، ورعاية الأدب، وسلوك مسلك العلم. وهذا الشاكر أوَّل من يُدعى إلى الجنَّة). يعني أن الشُّكر على المكاره أشدُّ وأصعب من الشُّكر على المحابِّ، ولهذا كان فوقه في الدرجة. ولا يكون إلَّا من أحد رجلين: إمّا رجلٌ لا يميِّز بين الحالات، بل يستوي عنده المكروه والمحبوب، فشكر هذا إظهارٌ منه للرِّضا بما نزل به. وهذا مقام الرِّضا. الرجل الثاني: من يميِّز بين الأحوال، فهو لا يحبُّ المكروه، ولا يرضى بنزوله به، فإذا نزل به مكروهٌ شكر الله تعالى عليه، فكان شكره كظمًا للغيظ الذي أصابه وسترًا للشكوى، رعايةً (٤) منه للأدب وسلوكًا لمسلك العلم، فإنَّ العلم والأدب يأمران بشكر الله على السرَّاء والضرَّاء. فهو يسلك بهذا الشُّكر مسلك العلم، لا أنَّه شاكرٌ لله شكرَ من رضي بقضائه كحال الذي قبله، فالذي قبله أرفع منه. وإنَّما كان هذا الشّاكر أوَّل من يدعى إلى الجنّة لأنّه قابَلَ المكاره التي

стр. 1336

يقابلها أكثر الناس بالجزع والسَّخط، وأوساطُهم بالصبر، وخاصَّتهم بالرِّضا= فقابلها هو بأعلى من ذلك كلِّه، وهو الشُّكر. فكان أسبقهم دخولًا إلى الجنَّة، وأوَّل من يُدعى منهم إليها. وقسَّم أهلَ هذه الدرجة إلى قسمين: سابقين ومقرَّبين، بحسب انقسامهم إلى من يستوي عنده الحالاتُ من المكروه والمحبوب، فلا يؤثر أحدهما على الآخر، بل قد فني بإيثاره ما يرضى له به ربُّه عمَّا يرضاه هو لنفسه؛ وإلى من يؤثر المحبوب، ولكن إذا نزل به المكروه قابله بالشُّكر. فصل قال (١): (الدرجة الثالثة: أن لا يشهد العبدُ إلَّا المنعم ، فإذا شهد المنعم عُبودةً (٢) استعظم منه النِّعمة، وإذا شهده حبًّا استحلى منه الشدَّة، وإذا شهده تفريدًا لم يشهد منه نعمةً ولا شدَّةً). هذه الدرجة يستغرق صاحبُها بشهود المنعم عن النِّعمة، فلا يتَّسع شهودُه للمنعم ولغيره. وقسَّم أصحابها إلى ثلاثة أقسامٍ: أصحاب شهود العبوديَّة، وأصحاب شهود الحبِّ، وأصحاب شهود التفريد. وجعل لكلٍّ منهم حكمًا هو أولى به. فأمَّا شهوده عبوديَّةً، فهو مشاهدة العبد للسيِّد بحقيقة العبوديَّة والملك له، فإنَّ العبيد إذا حضروا بين يدي سيِّدهم، فإنَّهم ينسون ما هم فيه من الجاه

стр. 1337

والقرب الذي اختصُّوا به عن غيرهم باستغراقهم في أدب العبوديَّة وحقِّها وملاحظتهم لسيِّدهم، خوفًا أن يشير إليهم بأمرٍ فيجدَهم غافلين عن ملاحظته. وهذا أمرٌ يعرفه من شاهد أحوال الملوك وخواصَّهم. فهذا هو شهود العبد للمنعم بوصف عبوديَّته له، واستغراقِه عن الإحساس بما حصل له منه من (١) القرب الذي تميَّز به عن غيره. فصاحب هذا المشهد إذا أنعم عليه سيِّده في هذه الحال مع قيامه في مقام العبوديَّة= يوجب (٢) عليه أن يستصغر نفسه في حضرة سيِّده غاية الاستصغار، مع امتلاء قلبه من محبَّته، فأيُّ إحسانٍ ناله منه في هذه الحالة رآه عظيمًا. والواقع شاهدٌ بهذا في حال المحبِّ الكامل المحبَّة، المستغرقِ في مشاهدة محبوبه، إذا ناوله شيئًا يسيرًا فإنَّه يراه في ذلك المقام عظيمًا جدًّا، ولا يراه غيره كذلك. القسم الثاني: يشهد الحقَّ شهود محبَّةٍ غالبةٍ قاهرةٍ له، مستغرقٌ في شهوده كذلك (٣)، فإنَّه يستحلي في هذه الحال الشدَّة منه، لأنَّ المحبَّ يستحلي فعل المحبوب به. وأقلُّ ما في هذا المشهد: أن يخفَّ عليه حملُ الشدائد، إن لم تسمح نفسه باستحلائها. وفي هذا من الحكايات المعروفة عند الناس ما يغني عن ذكرها، كحال الذي كان يُضرَب بالسِّياط ولا يتحرَّك، حتَّى ضرب في الآخر سوطًا فصاح

стр. 1338

صياحًا شديدًا، فقيل له في ذلك، فقال: العين التي كانت تنظر إليَّ وقت الضرب كانت تمنعني من الإحساس بالألم، فلمَّا فقدتُها وجدتُ ألم الضرب (١). وهذه الحال عارضةٌ ليست بلازمة، فإنَّ الطبيعة تأبى استحلاء المُنافي كاستحلاء الموافق. نعم، قد يقوى سلطان المحبَّة حتَّى يستحلي المحبُّ ما يستمرُّه (٢) غيره، ويستخفَّ ما يستثقله غيره، وكذلك يأنس بما يستوحش منه الخليُّ، ويستوحش ممَّا يأنس به، ويستلين (٣) ما يستوعره. وقوَّة هذا وضعفه بحسب قهر سلطان المحبَّة وغلبته على قلب المحبِّ. القسم الثالث: أن يشهده تفريدًا، فإنَّه لا يشهد معه نعمةً ولا شدَّة. يقول: إنَّ شهود التفريد يُفني الرسم، وهذه حال صاحب الفناء المستغرق فيه، الذي لا يشهد نعمةً ولا بليَّةً، فإنَّه يغيب بمشهوده عن شهوده له، ويفنى به عنه، فكيف يشهد معه نعمةً أو بليَّةً؟ كما قال بعضهم في هذا: من كانت مواهبه لا تتعدَّى يديه فلا واهب ولا موهوب. وذلك مقام الجمع عندهم، وبعضهم يحرِّم العبارة عنه (٤). وحقيقته: اصطلامٌ يرفع إحساس صاحبه برسمه، فضلًا عن رسم غيره، لاستغراقه في مشهوده وغيبته به عمّا سواه، وهذا هو مطلوب القوم.

стр. 1339

وقد عرفت أنَّ فوقه مقامًا أعلى منه وأرفعَ وأجلَّ، وهو أن يصطلم بمراده عن غيره، فيكون في حال مشاهدته واستغراقه منفِّذًا لمراده ومراسيمه، ملاحظًا لِما محبوبُه ملاحظٌ له من المرادات والأوامر. فتأمَّل الآن عبدين بين يدي ملكٍ من ملوك الدُّنيا، وهما على موقفٍ واحدٍ بين يديه، أحدهما مشغولٌ بمشاهدته فانٍ في استغراقه في ملاحظة الملك، ليس فيه متَّسعٌ إلى ملاحظة شيءٍ من أمور الملك البتَّة. وآخر مشغولٌ بملاحظة حركات الملك وكلماته، وأيشٍ أمرُه، ولحظاتِه وخواطرِه، ليرتِّب على كلٍّ من ذلك ما هو مرادٌ للملك. وتأمَّل قصَّة بعض الملوك الذي كان له غلامٌ يخصُّه بإقباله عليه وإكرامه والحظوة عنده من بين سائر غلمانه، ولم يكن أكثرَهم قيمةً ولا أحسنهم صورةً، فقالوا له في ذلك، فأراد السُّلطان أن يبيِّن لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره، فيومًا من الأيَّام كان راكبًا (١) ومعه الحشم، وبالبعد منه جبلٌ عليه ثلج، فنظر السُّلطان إلى ذلك الثلج وأطرق، فركض الغلام فرسه، ولم يعلم القوم لماذا ركض، فلم يلبث أن جاء ومعه شيءٌ من الثلج، فقال السُّلطان: ما أدراك أنِّي أريد الثلج؟ فقال الغلام: لأنَّك نظرت إليه، ونظر السلطان (٢) إلى شيءٍ لا يكون عن غير قصدٍ، فقال السُّلطان: إنَّما أخصُّه بإكرامي وإقبالي لأنَّ لكلِّ واحدٍ (٣) شغلًا، وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة أحوالي ــ يعني في

стр. 1340

تحصيل مرادي (١). وسمعت بعض الشُّيوخ يقول (٢): لو قال ملكٌ لغلامَين له بين يديه، مستغرقَين في مشاهدته والإقبال عليه: اذهبا إلى بلاد عدوِّي، فأوصلا إليهم هذه الكتب، وطالعاني بأحوالهم، وافعلا كيت وكيت؛ فأحدهما مضى (٣) لوجهه وبادر ما أُمِر به؛ والآخر قال: أنا لا أدع مشاهدتك، والاستغراقَ فيك (٤)، ودوامَ النظر إليك، وأشتغلَ (٥) بغيرك= لكان هذا جديرًا بمقت الملك له، وبغضه إيَّاه، وسقوطه من عينه؛ إذ هو واقفٌ مع مجرَّد حظِّه من الملك، لا مع مراد الملك منه، بخلاف صاحبه (٦). وسمعته أيضًا يقول: لو أنَّ شخصين ادَّعيا محبَّة محبوبٍ، فجاءا حتى حضرا بين يديه، فأقبل أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط، وأقبل الآخر على استقراء مراداته ومراضيه وأوامره ليمتثلها؛ فقال: ما تريدان؟ فقال أحدهما: أريد دوام مشاهدتك والاستغراقَ في جمالك، وقال الآخر: أريد تنفيذ أوامرك وتحصيلَ مراضيك، فمرادي منك ما تريده منِّي (٧)، والآخر قال: مرادي منك تمتُّعي بمشاهدتك؛ أكانا عنده سواءً؟ ومن هو صاحب

стр. 1341

المحبَّة المعلولة (١) النفسانيَّة، وصاحب المحبَّة الصحيحة الصادقة (٢)؟ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يحكي عن بعض العارفين أنَّه قال: الناس يعبدون الله، والصُّوفيَّة (٣) يعبدون نفوسهم (٤). أراد هذا المعنى (٥)، وأنَّهم واقفون مع مرادهم من الله، لا مع مراد الله منهم، وهذا عين عبادة النفس. فليتأمَّل اللبيب هذا الموضع حقَّ التأمُّل، فإنّه محكٌّ وميزان. والله المستعان. * * * *

стр. 1342

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الحياء . قال الله تعالى: ﴿(١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ [العلق: ١٤] (١). وفي «الصحيحين» (٢) من حديث ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ برجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال: «دعه، فإنَّ الحياء من الإيمان». وفيهما (٣) عن عمران بن الحصينٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحياء لا يأتي إلَّا بخيرٍ». وفيهما (٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ : «الإيمان بضعٌ وسبعون ــ أو: بضعٌ وستُّون ــ شعبةً، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان». وفيهما (٥) عن أبي سعيد ﵁: كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه.

стр. 1343

وفي «الصحيح» (١) عنه ﷺ : «إنَّ ممَّا أدرك الناسُ من كلام النُّبوَّة الأولى: إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت». وفي هذا قولان: أحدهما: أنَّه أمرُ تهديدٍ، ومعناه الخبر، أي: من لم يستحي صنع ما شاء. والثّاني: أنَّه أمر إباحةٍ، أي: انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله، فإن كان ممَّا لا تستحيي منه فافعله. والأوَّل أصحُّ، وهو قول الأكثرين. وفي «الترمذيِّ» (٢) مرفوعًا: «استحيُوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا: إنَّا نستحيي يا رسول الله، قال: «ليس ذلك، ولكنَّ من استحيا من الله حقَّ الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدُّنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقَّ الحياء». فصل والحياء من الحياة، ومنه «الحيا» للمطر، لكن هو مقصور. وعلى حسب حياة القلب يكون (٣) فيه قوَّةُ خُلُق الحياء، وقلَّةُ الحياء من موت القلب والرُّوح، فكلَّما كان القلب أحيى كان الحياء أتمَّ.

стр. 1344

قال الجنيد ﵀: الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولَّد بينهما حالةٌ تسمَّى الحياء (١). وحقيقته: خلقٌ يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حقِّ صاحب الحقِّ. ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يُستحيا منه (٢). وعمارة القلب بالهيبة والحياء، فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خيرٌ (٣). وقال ذو النُّون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربِّك. والحبُّ يُنطق، والحياء يُسكت، والخوف يُقلق (٤). وقال السَّرِيُّ: إنَّ الحياء والأنس يَطرُقان القلب، فإن وجدا فيه الزُّهد والورع وإلَّا رحلا (٥). وفي أثرٍ إلهيٍّ يقول الله : «ابنَ آدم، إنَّك ما استحييتَ منِّي أَنْسيتَ

стр. 1345

الناس عيوبَك، وأَنسيت بقاعَ الأرض ذنوبَك، ومحوتُ من أمِّ الكتاب زلَّاتك. وإلَّا ناقشتُك الحساب يوم القيامة» (١). وفي أثرٍ آخر: «أوحى الله إلى عيسى ــ ﵇ ــ: عِظ نفسك، فإن اتعظتَ، وإلَّا فاستحي منِّي أن تعظ الناس» (٢). وقال الفضيل بن عياضٍ ﵀: خمسٌ من علامات الشِّقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلَّة الحياء، والرغبة في الدُّنيا، وطول الأمل (٣). وفي أثرٍ إلهيٍّ: «ما أنصفني عبدي، يدعوني فأستحيي أن أردَّه، ويعصيني ولا يستحيي منِّي» (٤). وقال يحيى بن معاذٍ ﵀: من استحيا من الله مطيعًا استحيا الله (٥) منه وهو مذنب (٦). وهذا الكلام يحتاج إلى شرحٍ. ومعناه: أنَّ من غلب عليه خلق الحياء من الله حتَّى في حال طاعته فقلبُه مطرقٌ بين يديه إطراق مستحيٍ خجلٍ، فإنَّه إذا واقع ذنبًا استحيا الله من نظره إليه في تلك الحال لكرامته عليه، فيستحيي أن يرى مِن وليِّه ومَن يكرُم عليه ما يشينه عنده. وفي

стр. 1346

الشاهد شاهدٌ بذلك، فإنَّ الرجل إذا اطَّلع على أخصِّ الناس به، وأحبِّهم إليه، وأقربهم منه من صاحبٍ أو ولدٍ أو من يحبُّه، وهو يخونه، فإنَّه يلحقه من ذلك الاطِّلاع عليه حياءٌ عجيب، حتَّى كأنَّه هو الجاني، وهذا غاية الكرم. وقد قيل: إنَّ سبب هذا الحياء أنّه يمثِّل نفسه أنه (١) الخائن (٢)، فيلحقه الحياء، كما إذا شاهد الرجل مضروبًا (٣)، أو من حَصِر (٤) على المنبر عن الكلام، فإنَّه يخجل أيضًا تمثيلًا لنفسه بتلك الحالة. وهذا قد يقع، ولكنَّ حياء من اطّلع على محبوب له (٥) يخونه ليس من هذا، فإنّه لو اطَّلع على غيره ممَّن هو فارغ البال منه لم يلحقه هذا الحياء، ولا قريبٌ منه، وإنَّما يلحقه مقتُه وسقوطه من عينه. وإنَّما سببه ــ والله أعلم ــ شدَّة تعلُّق قلبه ونفسه به، فينزل الوهمُ فعله بمنزلة فعله هو، ولا سيَّما إن قدِّر حصول المكاشفة بينهما، فإنَّ عند حصولها يهيج خُلُق الحياء منه تكرُّمًا، فعند تقديرها ينبعث ذلك الحياء. هذا في حقِّ الشاهد. وأمَّا حياء الربِّ من عبده ــ ﵎ ــ فذاك نوعٌ آخر، لا تدركه

стр. 1347

الأفهام ولا تكيِّفه العقول، فإنَّه حياء كرمٍ وبرٍّ وجودٍ وجلالٍ، فإنَّه حييٌّ كريمٌ يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صفرًا (١)، ويستحيي أن يعذِّب ذا شيبةٍ شابت في الإسلام (٢). وكان يحيى بن معاذٍ ﵀ يقول: سبحان من يذنب عبده ويستحيي هو (٣). وفي أثرٍ: «من استحيا من الله استحيا الله منه» (٤). وقد قُسِّم الحياء على عشرة أوجهٍ: حياء جنايةٍ، وحياء تقصيرٍ، وحياء جلالٍ (٥)، وحياء كرمٍ، وحياء حشمةٍ، وحياء استصغارٍ للنفس واحتقارٍ لها،

стр. 1348

وحياء محبَّةٍ، وحياء عبوديَّةٍ، وحياء شرفٍ وعزَّةٍ، وحياء المستحيي من نفسه (١). فأمَّا حياء الجناية: فمنه حياء آدم لمَّا فرَّ هاربًا في الجنَّة، قال الله: أفرارًا منِّي يا آدم؟ قال: لا يا ربِّ، بل حياءً منك (٢). وحياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حقَّ عبادتك (٣).

стр. 1349

وحياء الإجلال: هو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفة العبد بربِّه يكون حياؤه منه. وحياء الكرم: كحياء النبيِّ ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطوَّلوا عنده، فقام واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا (١). وحياء الحشمة: كحياء عليِّ بن أبي طالبٍ أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي لمكان ابنته منه (٢). وحياء الاستحقار واستصغار النفس: كحياء العبد من ربِّه حين يسأله حوائجه، احتقارًا لشأن نفسه واستصغارًا لها. وفي أثرٍ إسرائيليٍّ: إنَّ موسى قال: يا ربِّ، إنّه لتعرض لي الحاجة من الدُّنيا، فأستحيي أن أسألك يا ربِّ، فقال الله تعالى: «سلني حتَّى ملح عجينك وعلف شاتك» (٣). وقد يكون لهذا النوع من الحياء سببان. أحدهما: استحقار السائل نفسه (٤). والثاني: استعظامه مسؤولَه. وأمَّا حياء المحبة: فهو حياء المحبِّ من محبوبه، حتَّى إنَّه إذا خطر على قلبه في حال غيبته هاج الحياء من قلبه، وأحسَّ به في وجهه، ولا يدري (٥) ما

стр. 1350

سببه. وكذلك يعرض للمحبِّ عند ملاقاته محبوبه ومناجاته له روعةٌ شديدةٌ، ومنه قولهم: جمالٌ رائع. وسبب هذا الحياء والرَّوعة ممَّا لا يعرفه أكثر الناس. ولا ريب أنَّ للمحبة سلطانًا قاهرًا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن، فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك؟ ولذلك تعجَّبت الملوك والجبابرة من قهرهم للخلق وقهر المحبوب لهم، وذلِّهم له. فإذا فاجأ المحبوبُ محبَّه ورآه بغتةً أحسَّ القلب بهجوم سلطانه عليه، فاعتراه روعةٌ وخوف. وسألنا يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة، فذكرت أنا هذا الجواب، فتبسَّم ولم يقل شيئًا. وأمَّا الحياء الذي يعتريه منه وإن كان قادرًا عليه كأَمَته وزوجته، فسببه ــ والله أعلم ــ أنَّ هذا السُّلطان لمَّا زال خوفُه عن القلب بقيت هيبته واحتشامه، فتولَّد منها الحياء. وأمَّا حصول ذلك له في غيبة المحبوب فظاهر، لاستيلائه على قلبه، فوهمُه يغالطه عليه ويكابره حتَّى كأنَّه معه. وأمَّا حياء العبودية: فهو حياءٌ ممتزجٌ بين محبَّةٍ وخوفٍ، ومشاهدة عدم صلاح عبوديَّته لمعبوده، وأنَّ قدره أعلى وأجلُّ منها. فعبوديَّته له توجب استحياءه منه لا محالة. وأمّا حياء الشرف والعزَّة: فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذلٍ أو عطاءٍ وإحسانٍ (١)، فإنَّه يستحيي مع بذله حياءَ شرفِ نفسٍ وعزَّةٍ. وهذا له سببان: أحدهما هذا. والثاني: استحياؤه من الآخذ (٢)، حتَّى إنَّ بعض أهل

стр. 1351

الكرم لا تطاوعه نفسه بمواجهته لمن يعطيه حياءً منه. وهذا يدخل في حياء التكرُّم، لأنَّه يستحيي من خجلة الآخذ. وأمَّا حياء المرء من نفسه: فهو حياء النُّفوس الشريفة العزيزة (١) مِن رضاها لنفسها بالنقص وقَنَعِها بالدُّون، فيجد نفسه مستحييًا من نفسه، حتّى كأنَّ له نفسان (٢)، يستحيي بإحداهما من الأخرى. وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإنَّ العبد إذا استحيا من نفسه، فهو بأن يستحيي من غيره أجدر. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (الحياء من أوَّل مدارج أهل الخصوص؛ يتولَّد من تعظيمٍ منوطٍ بودٍّ). إنَّما جعل الحياء من أوَّل مدارج أهل الخصوص لِما فيه من ملاحظة حضور من يستحيي منه، وأوَّلُ سلوك أهل الخصوص: أن يروا الحقَّ سبحانه حاضرًا معهم، وعليه بناءُ سلوكهم. وقوله: (إنَّه يتولَّد من تعظيمٍ منوطٍ بودٍّ) يعني: أنَّ الحياء حالةٌ تحصل من امتزاج التعظيم بالمودَّة، فإذا اقترنا تولَّد بينهما الحياء. والجنيد ﵀ يقول: إنَّ تولُّده من مشاهدة النِّعم ورؤية التقصير (٤).

стр. 1352

ومنهم من يقول: تولُّده من شعور القلب بما يَستحيي منه، وشدَّة نفرته عنه، فيتولَّد من هذا الشُّعور والنُّفرة حالةٌ تسمَّى الحياء. ولا تنافي بين هذه الأقوال، فإنَّ للحياء عدَّة أسبابٍ قد تقدَّم ذكرُها، فكلٌّ أشار إلى بعضها. فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: حياءٌ يتولَّد من علم العبد بنظر الحقِّ إليه، فيجذبه إلى تحمُّل المجاهدة، ويحمله على استقباح الجناية، ويستكفُّه عن الشكوى). يعني: أنَّ العبد متى علم أنَّ الربَّ تعالى ناظرٌ إليه أورثه هذا العلمُ حياءً منه، يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة، مثل العبد إذا عمل الشُّغل بين يدي سيِّده فإنَّه يكون نشيطًا فيه متحمِّلًا لأعبائه (٢)، بخلاف ما إذا كان غائبًا عن سيِّده. والربُّ تعالى لا يغيب نظره عن عبده، ولكن يغيب نظر القلب والتفاته إلى نظره سبحانه إلى العبد (٣). وكذلك يحمله على استقباح جنايته، وهذا الاستقباح الحاصل بالحياء قدرٌ زائدٌ على استقباح ملاحظة الوعيد، وهو فوقه. وأرفع منه درجةً: الاستقباح الحاصل عن المحبَّة، فاستقباح المحبِّ أتمُّ من استقباح الخائف.

стр. 1353

وكذلك هذا الحياء يكفُّ العبد أن يشتكي إلى غير الله، فيكون قد شكا الله إلى خلقه. ولا يمنع الشكوى إليه سبحانه، فإنَّ الشكوى إليه فقرٌ وذلٌّ وفاقةٌ وعبوديَّة، فالحياء منه (١) لا ينافيها. فصل قال (٢): (الدرجة الثانية: حياءٌ يتولَّد من النظر في علم القرب، فيدعوه إلى ركوب المحبَّة، ويربطه بروح الأنس، ويكرِّه إليه ملابسة الخلق). النَّظر في علم القرب: تحقُّق القلب بالمعيَّة الخاصَّة مع الله، فإنَّ المعيَّة نوعان: عامَّةٌ، وهي معيَّة العلم والإحاطة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقولِه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]. وخاصَّةٌ: وهي معيَّة القرب، كقوله: ﴿(١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ﴾ [النحل: ١٢٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]؛ فهذه معيَّة قربٍ تتضمَّن الموالاة والنصر والحفظ. وكلا المعيَّتين مصاحَبةٌ منه للعبد، لكنَّ هذه مصاحبة اطِّلاعٍ وإحاطة، وهذه مصاحبة موالاةٍ ونصرٍ وإعانة. فـ «مع» في لغة العرب للصُّحبة اللائقة، لا تُشعر بامتزاجٍ ولا اختلاطٍ، ولا مجاورةٍ ولا مجانبةٍ. فمن فهم منها شيئًا من

стр. 1354

هذا فمن سوء فهمه أُتي. وأمّا القرب، فلا يقع في القرآن إلَّا خاصًّا. وهو نوعان: قربه من داعيه بالإجابة، وقربه من عابده بالإثابة. فالأوَّل كقوله: ﴿(١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. ولهذا نزلت جوابًا للصحابة ﵃، وقد سألوا رسول الله ﷺ : ربُّنا (١) قريبٌ فنناجيه؟ أم بعيدٌ فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢). والثاني كقول النبي ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد» (٣)، و «أقرب ما يكون الربُّ من عبده في جوف اللَّيل» (٤). فهذا قربه من أهل طاعته. وفي «الصحيح» (٥): عن أبي موسى ﵁ قال: كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سفرٍ فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: «أيُّها الناس، ارْبَعُوا على أنفسكم، إنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنَّ الذي تدعونه سميعٌ قريبٌ، أقرب إلى

стр. 1355

أحدكم من عنق راحلته». فهذا قربٌ خاصٌّ بالداعي دعاءَ العبادة والثناء والحمد. وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الربِّ لخلقه، واستواءَه على عرشه، بل يجامعه ويلازمه، فإنَّه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعضٍ ــ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ــ، ولكنَّه نوعٌ آخر. والعبد في الشاهد يجد روحه قريبةً جدًّا من محبوبٍ بينه وبينه مفاوز تنقطع فيها أعناق المطيِّ، ويجده أقرب إليه من جليسه، كما قيل (١): ألا ربّ من يدنو ويزعم أنَّه ... يحبُّك والنائي أحبُّ وأقرب وأهل السنة أولياءُ رسول الله ﷺ وورثته وأحبَّاؤه الذين (٢) هو عندهم أولى بهم من أنفسهم وأحبُّ إليهم منها= يجدون نفوسهم أقرب إليه وهم في الأقطار النائية عنه مِن جيران حجرته في المدينة. والمحبُّون المشتاقون للكعبة البيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقربَ إليها من جيرانها ومَن حولها. هذا مع عدم تأتِّي القربِ منها، فكيف بمن يقرُب من خلقه كيف يشاء وهو مستوٍ على عرشه؟! وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك إلى شبهة معطِّلٍ بعيدٍ من الله، خليٍّ من محبَّته ومعرفته. والقصد: أنَّ هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبَّة، وكلَّما ازداد حبًّا ازداد قربًا، فالمحبَّة بين قربين: قربٍ قبلها وقربٍ بعدها، وبين معرفتين:

стр. 1356

معرفةٍ قبلها حملت عليها ودعت إليها (١)، ومعرفةٍ بعدها هي من نتائجها وآثارها. وأمَّا (ربطه بروح الأنس)، فهو تعلُّق قلبه بالأنس بالله، تعلُّقًا لازمًا لا يفارقه، بل يجعل بين القلب والأنس رابطة لازمة. ولا ريب أنَّ هذا يكرِّه إليه ملابسة الخلق، بل يجد الوحشة في ملابستهم بقدر أنسه بربِّه، وقرَّةِ عينه بحبِّه، وقربه منه، فإنَّه ليس مع الله غيره. فإن لابسهم لابسهم برسمه دون سرِّه وروحه وقلبه، فقلبُه وروحه في ملأٍ، وبدنه ورسمه في ملأٍ. فصل قال (٢): (الدرجة الثالثة: حياءٌ يتولَّد من شهود الحضرة، وهي التي تشوبها هيبة، ولا تقارنها تفرقة، ولا يوقف لها على غاية). شهود الحضرة: انجذاب الرُّوح والقلب من الكائنات، وعكوفُه على ربِّ البريَّات، فهو في حضرة قربه مشاهدًا لها. وإذا وصل القلب إليها غشيَتْه الهيبة وزالت عنه التفرقة، إذ ما مع الله سواه، فلا يخطر بباله في تلك الحال سوى الله وحده. وهذا مقام الجمعيَّة. وأمَّا قوله: (ولا يوقف لها على غاية)، يعني أنَّ كلَّ مَن وصل إلى مطلوبه وظفر به وصل إلى الغاية، إلَّا صاحب هذا الشهود، فإنَّه لا يقف بحضرة الرُّبوبيَّة على غاية، فإنَّ ذلك مستحيل. بل إذا شهد تلك (٣) الحضرة التي هي

стр. 1357

غاية الغايات، شارف أمرًا لا غاية له ولا نهاية، والغايات والنِّهايات كلُّها إليه تنتهي، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]، فانتهت إليه الغايات والنِّهايات. وليس له سبحانه غايةٌ ولا نهاية، لا في وجوده، ولا في مزيده وَجُوده، إذ هو الأوَّل الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيء، ولا نهاية لمجده وحمده وعطائه. بل كلَّما ازداد منه قربًا لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك، وهكذا أبدًا لا يقف على غايةٍ ولا نهايةٍ. ولهذا جاء أنَّ أهل الجنَّة في مزيدٍ دائمٍ بلا انتهاء (١)، فإنَّ نعيمهم متَّصلٌ بمن لا نهاية لفضله ولا لعطائه (٢)، ولا لأوصافه، فتبارك ذو الجلال والإكرام! * * * *

стр. 1358

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الصِّدق . وهي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي مَن لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين. وبه تميَّز أهل النِّفاق من أهل الإيمان، وسكَّان الجنان من أهل النِّيران. وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيءٍ إلَّا قطعه، ولا واجه باطلًا إلَّا أرداه وصرعه. من صال به لم تردَّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته. فهو روح الأعمال، ومحكُّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي منه دخل الواصلون إلى حضرة ذي الجلال. وهو أساس بناء الدِّين، وعمود فسطاط اليقين. ودرجته تاليةٌ لدرجة النُّبوَّة التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكنهم في الجنان تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصِّدِّيقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مددٌ متَّصلٌ ومعينٌ. وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، وخصَّ المُنعَم عليهم بالنبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء والصالحين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾، فهم أهل الرفيق الأعلى، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].

стр. 1359

ولا يزال الله يمدُّهم بنعمه وألطافه ومزيده إحسانًا منه وتوفيقًا، ولهم مزيَّة المعيَّة مع الله، فإنَّ الله مع الصادقين. ولهم منزلة القرب منه، إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيِّين. وأخبر تعالى أنَّ من صدَقَه فهو خيرٌ له، فقال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا﴾ [محمد: ٢١]. وأخبر تعالى عن أهل البرِّ ــ وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم من الإيمان والإسلام والصدقة والصَّبر ــ بأنَّهم أهل الصِّدق، فقال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وهذا صريحٌ في أنَّ الصِّدق بالأعمال الظاهرة والباطنة، وأنَّ الصِّدق هو مقام الإسلام والإيمان. وقَسَم سبحانه الناسَ إلى صادقٍ ومنافقٍ، فقال: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤]. والإيمان أساسه الصِّدق، والنِّفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذبٌ وإيمانٌ إلَّا وأحدهما محاربٌ الآخرَ. وأخبر سبحانه أنَّه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلَّا صدقُه، قال الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ

стр. 1360

بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥]، فالذي جاء بالصِّدق هو مَن شأنه الصِّدق في قوله وعمله وحاله، فالصِّدق: في هذه الثلاثة. فالصِّدق في الأقوال: استواء اللِّسان على الأقوال، كاستواء السُّنبلة على ساقها. والصِّدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد. والصِّدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغُ الوسع وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصِّدق. وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صدِّيقيَّته، ولذلك كان لأبي بكرٍ الصِّدِّيق ذروةُ سنام الصدِّيقيَّة حتى سمِّي «الصِّدِّيق» على الإطلاق. والصدِّيق أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق. فأعلى مراتب الصِّدق: مرتبة الصدِّيقيَّة، وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمُرسِل. وقد أمر الله سبحانه رسوله أن يسأله أن يجعل مَدْخَله ومَخْرَجه (١) على الصِّدق، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]. وأخبر عن خليله إبراهيم ــ ﵇ ــ أنَّه سأله أن يهب له لسان صدقٍ في الناس (٢)، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].

стр. 1361

وبشَّر عباده أنَّ لهم عنده قدم صدقٍ ومقعد صدقٍ، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فهذه خمسة أشياء: مدخل الصِّدق، ومخرج الصِّدق، ولسان الصِّدق، وقدم الصِّدق، ومقعد الصِّدق. وحقيقة الصِّدق في هذه الأشياء: هو الحقُّ الثابت، المتَّصل بالله، الموصل إلى الله. وهو ما كان به وله، من الأعمال والأقوال. وجزاء ذلك في الدُّنيا والآخرة. فمدخل الصِّدق ومخرج الصِّدق: أن يكون دخوله وخروجه حقًّا ثابتًا بالله وفي مرضاته، متَّصلًا بالظفر بالبغية وحصول المطلوب، ضدُّ مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساقٌ ثابتةٌ يقوم عليها، كمخرج أعدائه يوم بدرٍ، ومخرجُ الصِّدق كمخرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة. وكذلك مدخله المدينة كان مدخل صدقٍ بالله ولله وابتغاء مرضاة الله، فاتَّصل به التأييدُ والظفر والنصر وإدراكُ ما طلبه في الدُّنيا والآخرة، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب، فإنَّه لم يكن بالله ولا لله، بل محادَّةً لله ورسوله، فلم يتَّصل به إلَّا الخذلان والبوار. وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله ﷺ حصن بني قريظة، فإنَّه لمَّا كان مدخل كذبٍ أصابه معهم ما أصابهم (١).

стр. 1362

فكلُّ مَدخلٍ ومَخرجٍ كان بالله ولله، وصاحبه ضامنٌ على الله= فهو مدخل صدقٍ، ومَخرج صدقٍ. وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء، وقال: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أَخرُج مَخرجًا لا أكون فيه ضامنًا عليك» (١)، يريد: أن لا يكون المخرج مخرج صدقٍ. ولذلك فُسِّر مدخل الصدق ومخرجه (٢): بخروجه ﷺ من مكَّة ودخوله المدينة. ولا ريب أنّ هذا على سبيل التمثيل، فإنَّ هذا المدخل والمخرج من أجلِّ مداخله ومخارجه ﷺ ، وإلَّا فمداخله ومخارجه كلُّها مداخل صدقٍ ومخارج صدقٍ، إذ هي بالله ولله، وبأمره ولابتغاء مرضاته. وما خرج أحدٌ من بيته ودخل سوقه أو مدخلًا آخر إلَّا بصدقٍ أو كذب، فمخرج كلِّ أحدٍ ومدخله لا يعدو الصِّدق والكذب. والله المستعان. وأمَّا لسان الصِّدق: فهو الثناء الحسن عليه من سائر الأمم بالصِّدق، ليس ثناءً بالكذب، كما قال عن أنبيائه ورسله (٣): ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ

стр. 1363

عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]. والمراد باللِّسان هاهنا: الثناء الحسن، فلمَّا كان (١) باللِّسان وهو محلُّه عَبَّر به عنه (٢). فإنَّ اللِّسان يراد به ثلاثة معانٍ: هذا، واللُّغة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، وقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ويراد به الجارحة نفسها كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. وأمَّا قدم الصِّدق: ففسِّر بالجنَّة، وفسِّر بمحمَّدٍ ﷺ ، وفسِّر بالأعمال الصالحة (٣). وحقيقة القدم ما قدَّموه، ويَقْدَمون عليه يوم القيامة. وهم قدَّموا الأعمال والإيمان بمحمَّدٍ ﷺ ، ويَقْدَمون على الجنَّة التي هي جزاء ذلك، فمن فسَّره بها أراد ما يَقْدَمون عليه. ومن فسَّره بالأعمال وبالنبيِّ ﷺ فلأنَّهم قدَّموها وقدَّموا الإيمان به بين أيديهم. فالثلاثة قَدَمُ صدقٍ. وأمَّا مقعد الصِّدق: فهو الجنة عند الربِّ ﵎. ووصفُ ذلك كلِّه بالصِّدق مستلزمٌ ثبوته واستقراره، وأنَّه حقٌّ، ودوامَه، ونفعَه، وكمالَ عائدته؛ فإنَّه متَّصلٌ بالحقِّ سبحانه، كائنٌ به وله، فهو صدقٌ غير كذبٍ، وحقٌّ غير باطلٍ، ودائمٌ غير زائلٍ، ونافعٌ غير ضارٍّ، وما للباطل ومتعلَّقاته إليه سبيلٌ ولا مدخل.

стр. 1364

و من علامات الصِّدق: طمأنينة القلب إليه ، ومن علامات الكذب: حصول الرِّيبة، كما في «الترمذي» (١) مرفوعًا من حديث الحسن بن عليٍّ ﵄: «الصِّدق طمأنينة، والكذب ريبة». وفي «الصحيحين» (٢) من حديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الصِّدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنَّة، وإنَّ الرجل ليصدق حتَّى يكتب عند الله صدِّيقًا، وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور (٣)، وإنَّ الرجل ليكذب حتَّى يكتب عند الله كذَّابًا». فجعل الصِّدق مفتاح الصدِّيقيَّة ومبدأها، وهي غايته، فلا ينال درجتها كاذبٌ البتَّة لا في قوله، ولا في عمله، ولا في حاله. ولا سيَّما كاذبٌ على الله في أسمائه وصفاته بنفي ما أثبته لنفسه، أو إثبات ما نفاه عن نفسه، فليس في هؤلاء صدِّيقٌ أبدًا. وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه بتحليل ما حرَّمه، وتحريم ما لم يحرِّمه، وإسقاط ما أوجبه، وإيجاب ما لم يوجبه، وكراهة ما أحبَّه، واستحباب ما لم يحبَّه؛ كلُّ ذلك منافٍ للصدِّيقيَّة. وكذلك الكذب معه في الأعمال بالتحلِّي بحلية الصادقين المخلصين الزاهدين المتوكِّلين وليس منهم. فلذلك كانت الصِّدِّيقيَّة: كمال الإخلاص والانقياد والمتابعةِ للخبر

стр. 1365

والأمر ظاهرًا وباطنًا، حتَّى إنَّ صِدق المتبايعين يُحِلُّ البركةَ في بيعهما، وكذبهما يمحق بركة بيعهما، كما في «الصحيحين» (١) عن حكيم بن حزامٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما». فصل في كلماتٍ في حقيقة الصِّدق قال عبد الواحد بن زيدٍ ﵀: الصِّدق: الوفاء لله بالعمل (٢). وقيل: موافقة السِّرِّ النُّطق (٣). وقيل: استواء السِّرِّ والعلانية (٤). يعني: أنَّ الكاذب علانيته خيرٌ من سريرته، كالمنافق الذي ظاهره خيرٌ من باطنه. وقيل: الصِّدق: القول بالحقِّ في مواطن الهلكة (٥). وقيل: كلمة الحقِّ عند من تخافه وترجوه. وقال الجنيد ﵀: الصادق يتقلَّب في اليوم أربعين مرَّةً، والمُرائي يثبت على حالةٍ واحدةٍ أربعين سنةً (٦).

стр. 1366

وهذا الكلام يحتاج إلى شرحٍ، وقد يسبق إلى الذِّهن خلافُه وأنَّ الكاذب متلوِّنٌ، لأنَّ الكذب ألوان فهو يتلوَّن بتلوُّنه، والصادق مستمرٌّ على حالةٍ واحدةٍ، فإنَّ الصِّدق واحدٌ في نفسه وصاحبُه لا يتلوَّن ولا يتغيَّر. لكنَّ مراد أبي القاسم صحيحٌ غير هذا. فإنَّ العارضات (١) والواردات التي ترد على الصادق لا ترد على الكذَّاب المرائي، بل هو فارغٌ منها، فإنَّه لا يرد عليه من قِبَل الحقِّ مواردُ الصادق (٢)، ولا يعارضه الشيطان كما يعارض الصادق (٣)، فإنَّه لا أَرَبَ له في خربةٍ (٤) لا شيء فيها. وهذه الواردات توجب تقلُّب الصادق (٥) بحسب اختلافها وتنوُّعها، فلا تراه إلَّا هاربًا من مكانٍ إلى مكانٍ، ومن عملٍ إلى عملٍ، ومن حالٍ إلى حالٍ، ومن سببٍ إلى سببٍ؛ لأنَّه يخاف في كلِّ حالٍ يطمئنُّ إليها ومكانٍ وسببٍ أن يقطعه عن مطلوبه، فهو لا يساكن حالةً ولا شيئًا دون مطلوبه، فهو كالجوَّال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء، فالأحوال والأسباب تتقلَّب به، وتقيمه وتقعده، وتحرِّكه وتسكِّنه، حتَّى يجد فيها ما يعينه على مطلبه (٦). وهذا عزيزٌ فيها، فقلبه في تقلُّبٍ وحركةٍ شديدةٍ بحسب

стр. 1367

سعة مطلوبه وعظمته، وهمَّتُه أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسمٍ أو حالٍ أو يساكن شيئًا غيره، فهو كالمحبِّ الصادق، الذي همَّته التفتيش على (١) محبوبه. وهكذا حال الصادق في طلب العلم، وحال الصادق في طلب الدُّنيا؛ فكلُّ صادقٍ في طلب شيءٍ لا يستقرُّ له قرار، ولا يدوم على حالة واحدة. وأيضًا: فإنَّ الصادق مطلوبه: رضا ربِّه، وتنفيذُ أوامره، وتتبُّع محابِّه. فهو متقلِّبٌ فيها يسير معها أين توجَّهت ركائبها، ويستقلُّ معها أنَّى استقلَّت مضاربها، فبينا هو في صلاةٍ إذ رأيتَه في ذكرٍ، ثمَّ في غزوٍ، ثمَّ في حجٍّ، ثمَّ في إحسانٍ للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع، ثمَّ في أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ، أو في قيامٍ بسببٍ فيه عمارةٌ للدِّين والدُّنيا (٢). فهو في تفرُّقٍ دائمٍ لله، وجمعيَّةٍ على الله، لا يملكه رسمٌ ولا عادةٌ ولا وضع، ولا يتقيَّد بقيدٍ ولا إشارة، ولا بمكانٍ معيَّنٍ لا يصلِّي إلا فيه (٣)، وزيٍّ معيَّنٍ لا يلبس سواه، وعبادةٍ معيَّنةٍ لا يلتفت إلى غيرها مع فضلها عليها في الدرجة؛ وبُعدُ ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض. فإنَّ البلاء والآفاتِ، والرِّياءَ والتصنُّع، وعبادةَ النفس وإيثارَ مرادها والإشارةَ إليها= كلَّها في هذه الأوضاع والرُّسوم والقيود التي حبست أربابها عن السَّير إلى قلوبهم، فضلًا عن السَّير من قلوبهم إلى الله تعالى. فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه

стр. 1368

وزيِّه وقيده وإشارته ــ ولو إلى أفضل منه ــ استهجن ذلك، ورآه نقصًا، وسقوطًا من أعين النَّاس، وانحطاطًا لرتبته عندهم (١). وهذا شأن الكذَّاب (٢) العامل على عمارة نفسه ومرتبته (٣). ولو كان عاملًا على مراد الله منه، وعلى الصِّدق مع الله= لأثقلته تلك القيود، وحبسته تلك الرُّسوم، ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه (٤). فكلام أبي القاسم الجنيد ﵀ حقٌّ، كلامُ راسخٍ في الصِّدق، عالمٍ بتفاصيله وآفاته ومواضع اشتباهه بالكذب. وأيضًا: فحمل الصِّدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلَّا أصحاب العزائم، فهم يتقلَّبون تحته تقلُّب الحامل بحمله الثقيل. والرِّياء والكذب خفيفٌ كالرِّيشة لا يجد له صاحبه (٥) ثقلًا البتَّة، فهو حاملٌ له في أيِّ موضعٍ اتَّفق، بلا تعبٍ ولا كلفةٍ ولا مشقَّة، ولا يتقلَّب تحت حمله ولا يجد ثقله. وقال بعضهم: لم يَشَمَّ روائح الصِّدق عبدٌ داهن نفسه أو غيره (٦).

стр. 1369

وقال بعضهم: الصادق: الذي يتهيَّأ له أن يموت ولا يستحيي مِن سرِّه لو كشف، قال تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] (١). قلت: هذه الآية فيها للناس كلامٌ معروفٌ. قالوا: إنَّها معجزة للنبيِّ ﷺ عجَّز بها اليهود، ودعاهم إلى تمنِّي الموت وأخبر أنَّهم لا يتمنَّونه أبدًا. وهذا عَلَم من أعلام نبوَّته، إذ لا يمكن الاطِّلاع على بواطنهم إلَّا بأخبار الغيب، ولم ينطق الله ألسنتهم بتمنِّيه أبدًا. وقالت طائفةٌ: لمَّا ادَّعت اليهود أنَّ لهم الدار الآخرة خالصةً عند الله من دون الناس، وأنَّهم أحبَّاؤه وأهل كرامته= أكذبهم الله في دعواهم، وقال: إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت لتصلوا إلى الجنَّة ودار النعيم، فإنَّ الحبيب يتمنَّى لقاء حبيبه، ثمَّ أخبر سبحانه أنَّهم لا يتمنَّونه بسبب ما قدَّمت أيديهم من الأوزار والذُّنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه، فقال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]. وقالت طائفةٌ منهم محمَّد بن إسحاق (٢) وغيره: هذه من جنس آية المباهلة، وأنَّهم لمَّا عاندوا، ودفعوا الهدى عيانًا، وكتموا الحقَّ= دعاهم إلى أمرٍ يحكم بينهم وبينه، وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب المفتري؛

стр. 1370

والتمنِّي: سؤال ودعاء، فتمنَّوا الموت وادعُوا به على المبطل الكاذب المفتري. وعلى هذا فليس المراد: تمنَّوه لأنفسكم خاصَّةً، كما قاله أصحاب القولين الأوَّلين. بل معناه: ادعُوا بالموت وتمنَّوه للمبطل. وهذا أبلغ في إقامة الحجَّة وبرهان الصِّدق، وأسلَمُ من أن يعارضوا (١) بقولهم: فتمنَّوه أنتم أيضًا إن كنتم محقِّين أنكم (٢) أهلُ الجنَّة، لتَقْدَموا على ثواب الله وكرامته. والقوم كانوا أحرص شيءٍ على معارضته، فلو فهموا منه ما ذكره أولئك لعارضوه بمثله. وأيضًا: فإنَّا نشاهد كثيرًا منهم يتمنَّى الموت لضرِّه وبلائه وشدَّة حاله، ويدعو به. وهذا بخلاف تمنِّيه والدُّعاء به على الفرقة الكاذبة، فإنَّ هذا لا يكون أبدًا، ولا وقع من أحدٍ منهم في حياة النبيِّ ﷺ البتَّة، وذلك لعلمهم بصحَّة نبوَّته وصدقه، وكفرهم حسدًا وبغيًا، فلا يتمنَّوه (٣) أبدًا لعلمهم أنَّهم هم الكاذبون. وهذا القول هو الذي نختاره، والله أعلم بما أراد من كتابه. وقال إبراهيم الخوَّاص: الصَّادق لا تراه إلَّا في فرضٍ يؤدِّيه، أو فضلٍ يعمل فيه (٤).
следующие страницы →