← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وهذا الكلام يحتاج إلى شرحٍ، وقد يسبق إلى الذِّهن خلافُه وأنَّ الكاذب متلوِّنٌ، لأنَّ الكذب ألوان فهو يتلوَّن بتلوُّنه، والصادق مستمرٌّ على حالةٍ واحدةٍ، فإنَّ الصِّدق واحدٌ في نفسه وصاحبُه لا يتلوَّن ولا يتغيَّر. لكنَّ مراد أبي القاسم صحيحٌ غير هذا. فإنَّ العارضات (١) والواردات التي ترد على الصادق لا ترد على الكذَّاب المرائي، بل هو فارغٌ منها، فإنَّه لا يرد عليه من قِبَل الحقِّ مواردُ الصادق (٢)، ولا يعارضه الشيطان كما يعارض الصادق (٣)، فإنَّه لا أَرَبَ له في خربةٍ (٤) لا شيء فيها. وهذه الواردات توجب تقلُّب الصادق (٥) بحسب اختلافها وتنوُّعها، فلا تراه إلَّا هاربًا من مكانٍ إلى مكانٍ، ومن عملٍ إلى عملٍ، ومن حالٍ إلى حالٍ، ومن سببٍ إلى سببٍ؛ لأنَّه يخاف في كلِّ حالٍ يطمئنُّ إليها ومكانٍ وسببٍ أن يقطعه عن مطلوبه، فهو لا يساكن حالةً ولا شيئًا دون مطلوبه، فهو كالجوَّال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء، فالأحوال والأسباب تتقلَّب به، وتقيمه وتقعده، وتحرِّكه وتسكِّنه، حتَّى يجد فيها ما يعينه على مطلبه (٦). وهذا عزيزٌ فيها، فقلبه في تقلُّبٍ وحركةٍ شديدةٍ بحسب

стр. 1367

سعة مطلوبه وعظمته، وهمَّتُه أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسمٍ أو حالٍ أو يساكن شيئًا غيره، فهو كالمحبِّ الصادق، الذي همَّته التفتيش على (١) محبوبه. وهكذا حال الصادق في طلب العلم، وحال الصادق في طلب الدُّنيا؛ فكلُّ صادقٍ في طلب شيءٍ لا يستقرُّ له قرار، ولا يدوم على حالة واحدة. وأيضًا: فإنَّ الصادق مطلوبه: رضا ربِّه، وتنفيذُ أوامره، وتتبُّع محابِّه. فهو متقلِّبٌ فيها يسير معها أين توجَّهت ركائبها، ويستقلُّ معها أنَّى استقلَّت مضاربها، فبينا هو في صلاةٍ إذ رأيتَه في ذكرٍ، ثمَّ في غزوٍ، ثمَّ في حجٍّ، ثمَّ في إحسانٍ للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع، ثمَّ في أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ، أو في قيامٍ بسببٍ فيه عمارةٌ للدِّين والدُّنيا (٢). فهو في تفرُّقٍ دائمٍ لله، وجمعيَّةٍ على الله، لا يملكه رسمٌ ولا عادةٌ ولا وضع، ولا يتقيَّد بقيدٍ ولا إشارة، ولا بمكانٍ معيَّنٍ لا يصلِّي إلا فيه (٣)، وزيٍّ معيَّنٍ لا يلبس سواه، وعبادةٍ معيَّنةٍ لا يلتفت إلى غيرها مع فضلها عليها في الدرجة؛ وبُعدُ ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض. فإنَّ البلاء والآفاتِ، والرِّياءَ والتصنُّع، وعبادةَ النفس وإيثارَ مرادها والإشارةَ إليها= كلَّها في هذه الأوضاع والرُّسوم والقيود التي حبست أربابها عن السَّير إلى قلوبهم، فضلًا عن السَّير من قلوبهم إلى الله تعالى. فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه

стр. 1368

وزيِّه وقيده وإشارته ــ ولو إلى أفضل منه ــ استهجن ذلك، ورآه نقصًا، وسقوطًا من أعين النَّاس، وانحطاطًا لرتبته عندهم (١). وهذا شأن الكذَّاب (٢) العامل على عمارة نفسه ومرتبته (٣). ولو كان عاملًا على مراد الله منه، وعلى الصِّدق مع الله= لأثقلته تلك القيود، وحبسته تلك الرُّسوم، ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه (٤). فكلام أبي القاسم الجنيد ﵀ حقٌّ، كلامُ راسخٍ في الصِّدق، عالمٍ بتفاصيله وآفاته ومواضع اشتباهه بالكذب. وأيضًا: فحمل الصِّدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلَّا أصحاب العزائم، فهم يتقلَّبون تحته تقلُّب الحامل بحمله الثقيل. والرِّياء والكذب خفيفٌ كالرِّيشة لا يجد له صاحبه (٥) ثقلًا البتَّة، فهو حاملٌ له في أيِّ موضعٍ اتَّفق، بلا تعبٍ ولا كلفةٍ ولا مشقَّة، ولا يتقلَّب تحت حمله ولا يجد ثقله. وقال بعضهم: لم يَشَمَّ روائح الصِّدق عبدٌ داهن نفسه أو غيره (٦).

стр. 1369

وقال بعضهم: الصادق: الذي يتهيَّأ له أن يموت ولا يستحيي مِن سرِّه لو كشف، قال تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] (١). قلت: هذه الآية فيها للناس كلامٌ معروفٌ. قالوا: إنَّها معجزة للنبيِّ ﷺ عجَّز بها اليهود، ودعاهم إلى تمنِّي الموت وأخبر أنَّهم لا يتمنَّونه أبدًا. وهذا عَلَم من أعلام نبوَّته، إذ لا يمكن الاطِّلاع على بواطنهم إلَّا بأخبار الغيب، ولم ينطق الله ألسنتهم بتمنِّيه أبدًا. وقالت طائفةٌ: لمَّا ادَّعت اليهود أنَّ لهم الدار الآخرة خالصةً عند الله من دون الناس، وأنَّهم أحبَّاؤه وأهل كرامته= أكذبهم الله في دعواهم، وقال: إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت لتصلوا إلى الجنَّة ودار النعيم، فإنَّ الحبيب يتمنَّى لقاء حبيبه، ثمَّ أخبر سبحانه أنَّهم لا يتمنَّونه بسبب ما قدَّمت أيديهم من الأوزار والذُّنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه، فقال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]. وقالت طائفةٌ منهم محمَّد بن إسحاق (٢) وغيره: هذه من جنس آية المباهلة، وأنَّهم لمَّا عاندوا، ودفعوا الهدى عيانًا، وكتموا الحقَّ= دعاهم إلى أمرٍ يحكم بينهم وبينه، وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب المفتري؛

стр. 1370

والتمنِّي: سؤال ودعاء، فتمنَّوا الموت وادعُوا به على المبطل الكاذب المفتري. وعلى هذا فليس المراد: تمنَّوه لأنفسكم خاصَّةً، كما قاله أصحاب القولين الأوَّلين. بل معناه: ادعُوا بالموت وتمنَّوه للمبطل. وهذا أبلغ في إقامة الحجَّة وبرهان الصِّدق، وأسلَمُ من أن يعارضوا (١) بقولهم: فتمنَّوه أنتم أيضًا إن كنتم محقِّين أنكم (٢) أهلُ الجنَّة، لتَقْدَموا على ثواب الله وكرامته. والقوم كانوا أحرص شيءٍ على معارضته، فلو فهموا منه ما ذكره أولئك لعارضوه بمثله. وأيضًا: فإنَّا نشاهد كثيرًا منهم يتمنَّى الموت لضرِّه وبلائه وشدَّة حاله، ويدعو به. وهذا بخلاف تمنِّيه والدُّعاء به على الفرقة الكاذبة، فإنَّ هذا لا يكون أبدًا، ولا وقع من أحدٍ منهم في حياة النبيِّ ﷺ البتَّة، وذلك لعلمهم بصحَّة نبوَّته وصدقه، وكفرهم حسدًا وبغيًا، فلا يتمنَّوه (٣) أبدًا لعلمهم أنَّهم هم الكاذبون. وهذا القول هو الذي نختاره، والله أعلم بما أراد من كتابه. وقال إبراهيم الخوَّاص: الصَّادق لا تراه إلَّا في فرضٍ يؤدِّيه، أو فضلٍ يعمل فيه (٤).

стр. 1371

وقال الجنيد ﵀: حقيقة الصِّدق: أن تصدق في موطنٍ (١) لا ينجيك منه إلَّا الكذب (٢). وقيل: ثلاثٌ لا تخطئ الصّادق: الحلاوة، والهيبة، والملاحة (٣). وفي أثرٍ إلهيٍّ: «من صَدَقني في سريرته صدقتُه في علانيته عند خلقي» (٤). وقال سهل بن عبد الله ﵀: أوَّل خيانة الصِّدِّيقين: حديثهم مع أنفسهم (٥). وقال يوسف بن أسباطٍ ﵀: لأن أبيت ليلةً أعامل الله بالصِّدق أحبُّ إليَّ من أن أضرب بسيفي في سبيل الله (٦). وقال الحارث المحاسبيُّ ﵀ (٧): الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كلُّ قدرٍ له في قلوب الخلق من أجل صلاح (٨) قلبه، ولا يحبُّ اطِّلاع الناس على مثاقيل الذَّرِّ من حسن عمله، ولا يكره أن يطَّلع النّاس على السيِّئ من عمله، فإنَّ كراهته لذلك دليلٌ على أنه يحبُّ الزيادة عندهم، وليس هذا من علامات الصدِّيقين.

стр. 1372

وفي هذا نظر، لأنَّ كراهته لاطِّلاع الناس على مساوئ عمله من جنس كراهته للضرب والمرض وسائر الآلام، وهذا أمرٌ جبليٌّ طبعيٌّ، ولا يخرج صاحبه عن الصِّدق، لاسيَّما إذا كان قدوةً متَّبعًا، فإنَّ كراهته لذلك من علامات صدقه، لأنَّ فيها مفسدتين: مفسدةَ ترك الاقتداء به واتِّباعه على الخير وتنفيذه، ومفسدةَ اقتداء الجهَّال به فيها. فكراهته لاطِّلاعهم على مساوئ عمله لا تنافي صدقه، بل قد تكون من علامات صدقه. نعم، المنافي للصِّدق: أن لا يكون له مرادٌ سوى عمارة حاله عندهم، وسكناه في قلوبهم تعظيمًا له (١). فلو كان مراده ذلك تنفيذًا لأمر الله، ونشرًا لدينه (٢)، ودعوةً إلى الله= فهذا الصَّادق حقًّا، والله يعلم سرائر القلوب ومقاصدَها (٣). وقال بعضهم: من لم يؤدِّ الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقَّت.

стр. 1373

قيل: وما الفرض الدائم؟ قال: الصِّدق (١). وقيل: من طلب الله بالصِّدق أعطاه مرآةً يبصر فيها الحقَّ والباطل (٢). وقيل: عليك بالصِّدق حيث تخاف أنَّه يضرُّك، فإنَّه ينفعك. ودع الكذب حيث ترى أنَّه ينفعك، فإنَّه يضرُّك (٣). وقيل: ما أملق تاجرٌ صدوقٌ (٤). فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٥): (الصِّدق: اسمٌ لحقيقة الشيء بعينه (٦) حصولًا ووجودًا). الصِّدق هو حصول الشيء وتمامه، وكمال قوَّته واجتماع أجزائه، كما يقال: عزيمةٌ صادقةٌ، إذا كانت قويَّةً تامَّةً، وكذلك: محبَّةٌ صادقةٌ، وإرادةٌ صادقةٌ. وكذلك قولهم: حلاوة صادقة، إذا كانت قويَّةً تامَّةً ثابتة الحقيقة، لم ينقص منها شيء (٧).

стр. 1374

ومن هذا أيضًا: صدق الخبر، لأنَّه وجود المخبَر بتمام حقيقته في ذهن السامع. فالتمام والوجود نوعان: خارجيٌّ وذهنيٌّ، فإذا أخبرت المخاطَب بخبرٍ صادقٍ حصلت له حقيقة المخبَر بكماله وتمامه في ذهنه. ومن هذا: وصفهم الرُّمح بأنّه صَدْق الكعوبِ إذا كانت كعوبه صلبةً قويَّةً ممتلئةً (١). قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: صدق القصد ، وبه يصحُّ الدخول في هذا الشَّأن، ويتلافى به كلُّ تفريطٍ، ويتدارك كلُّ فائتٍ، ويعمر كلُّ خرابٍ. وعلامة هذا الصادق: أن لا يحتمل داعيةً تدعو إلى نقض عهدٍ، ولا يصبر على صحبة ضدٍّ، ولا يقعد عن الجدِّ بحال). يعني بـ (صدق القصد) كمال العزم، وقوَّة الإرادة، بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السُّلوك، وميلٌ شديدٌ يقهر السرَّ على صحَّة التوجُّه. فهو طلبٌ لا يمازجه رياءٌ ولا فتور، ولا يكون فيه قسمةٌ بحالٍ. ولا يصحُّ الدخولُ في شأن السفر إلى الله والاستعدادُ للقائه إلَّا به، ويُتلافى به كلُّ تفريطٍ، فإنَّه حاملٌ على كلِّ سببٍ ينال به الوصول، وقطعِ كلِّ سببٍ يحول بينه وبينه، فلا يترك فرصةً تفوته، وما فاته من الفرص السابقة تداركها بحسب الإمكان. فيُصلح من قلبه ما مزَّقته يدُ الغفلة والشهوة، ويعمِّر منه ما خرَّبته يدُ البطالة، ويوقد منه ما أطفأته أهوية النفس، ويلمُّ منه ما شعَّثته

стр. 1375

يدُ التفريط والإضاعة، ويستردُّ منه ما سرقته يدُ اللصوص والسُّرَّاق (١)، ويستفرغ منه ما ملأته موادُّ الأخلاط الرديَّة الفاسدة المترامية إلى الهلاك والعطب، ويداوي منه الجراحات التي أصابته عند الغارة عليه (٢)، ويغسل منه الحوبات والأوساخ التي تراكبت عليه على تقادم الأوقات، حتَّى لو اطَّلع عليه لأحزنه سوادُه ووسخه الذي صار دباغًا له، فيطهِّره بالماء البارد (٣) قبل أن يكون طهوره بالحميم (٤)، فإنَّه لا يجاور الرّحمن قلبٌ دنسٌ (٥) أبدًا، ولا بدَّ من طهورٍ، فاللبيب يؤثر أسهل الطَّهورين وأنفعهما. والله المستعان. قوله: (وعلامة هذا الصادق (٦): أن لا يحتمل داعيةً تدعو إلى نقض عهدٍ)، يعني: أنَّ الصادق حقيقةً هو الذي قد انجذبت قوى روحه كلُّها إلى إرادة الله وطلبه، والسَّير إليه، والاستعداد للقائه. ومن هذه حاله لا يحتمل سببًا يدعوه إلى نقض عهده مع الله بوجهٍ. وقوله: (ولا يصبر على صحبة ضدٍّ)، الضِّدُّ عند القوم هم أهل الغفلة

стр. 1376

وقطَّاع طريق القلب إلى الله. وأضرُّ شيءٍ على الصادق صحبتهم، بل لا تصبر نفسه على ذلك أبدًا، إلَّا جمعَ ضرورةٍ، وتكون صحبتهم له (١) بقالبه وشبحه، دون قلبه وروحه. فإنَّ هذا لمَّا استحكمت فيه الغفلةُ كما استحكم الصِّدق في الصّادق= أحسَّت روحه بالأجنبيَّة التي بينه وبينه والمضادَّة، فاشتدَّت النُّفرة (٢). وبحسب هذه الأجنبيَّة وإحساس الصادق بها تكون نفرته (٣) عن الأضداد. فإنَّ هذا الضدَّ إن نطق أحسَّ قلبُ الصادق أنَّه نطق بلسان الغفلة والرِّياء والكبر وطلب الظهور (٤)، فنفر قلبُه منه. وإن صمت أحسَّ قلبُه أنَّه صمت على غير حضورٍ وجمعيَّةٍ على الله، وإقبالٍ بالقلب عليه، وعكوف السرِّ، فيفر منه أيضًا. وقلب الصّادق قويُّ الإحساس، فيجد الغيريَّة والأجنبيَّة من الضدِّ، ويَشَمُّ القلبُ القلبَ كما يشمُّ الرائحة الخبيثة، فينزوي وجهه لذلك، ويعتريه عُبوسٌ، فلا يأنس به إلَّا تكلُّفًا، ولا يصاحبه إلَّا ضرورةً، فيأخذ من صحبته قدر الحاجة، كصحبة من يشتري منه، أو يحتاج إليه في مصالحه (٥). قوله: (ولا يقعد عن الجدِّ بحالٍ) يعني: أنَّه لمَّا كان في طلبه صادقًا مستجمع القوة، لم يَقعُد به عزمه عن الجدِّ في جميع أحواله، فلا تراه إلَّا جادًّا، وأمره كلُّه جدٌّ.

стр. 1377

فصل قال (١): (الدرجة الثانية: أن لا يتمنَّى الحياة إلا للحقِّ ، ولا يشهد من نفسه إلا أثر النُّقصان، ولا يلتفت إلى ترفيه الرُّخص). أي لا يحبُّ أن يعيش إلا ليشبع من رضا محبوبه، ويقوم بعبوديَّته، ويستكثر من الأسباب التي تقرِّبه منه (٢)، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لولا ثلاثٌ في الدنيا لما أحببت البقاء: لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة اللَّيل، ومجالسة أقوامٍ ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر (٣). يريد ﵁: الجهاد، والصلاة، والعلم (٤). وهذه درجات الفضائل، وأهلها هم أهل الزُّلفى والدرجات العالية. وقال بعض الصحابة ﵃ (٥) عند موته: اللهمَّ إنَّك تعلم أنِّي لم أكن أحبُّ الدنيا لغرس الأشجار ولا لِكَرْي الأنهار (٦)، وإنما كنت أحبُّها

стр. 1378

لظمأ الهواجر، ومكابدة هذا اللَّيل (١). وقوله: (ولا يشهد من نفسه إلّا أثر النُّقصان) يعني: لا يرى نفسه إلَّا مقصِّرًا. والموجب له هذه الرُّؤيةَ: استعظامُ مطلوبه، واستصغارُ نفسه، ومعرفتُه بعيوبها، وقلَّةُ زاده في عينه. فمن عرف الله وعرف نفسه لم يَرَ نفسه إلَّا بعين النُّقصان. وأمَّا قوله: (ولا يلتفت إلى ترفيه الرُّخص)، فلأنَّه لكمال صدقه، وقوَّة إرادته، وطلبه للتقدُّم، يحمل نفسه على العزائم، ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرُّخص. وهذا لا بدَّ فيه من التفصيل، فإنَّ الصادق يعمل على رضا الحقِّ تعالى ومحابِّه، فإذا كانت الرُّخص أحبَّ إليه من العزائم كان التفاته إلى ترفُّهها هو عين صدقه (٢). فإذا أفطر في السفر، وقصر وجمع بين الصلاتين عند الحاجة إليه، وخفَّف الصلاة عند الشُّغل، ونحو ذلك من الرُّخص التي يحبُّ الله تعالى أن يؤخذ بها= فهذه (٣): الالتفاتُ إلى ترفيهها لا ينافي الصِّدق. بل هاهنا نكتة، وهي أنَّه فرقٌ بين أن يكون التفاته إليها ترفُّهًا وراحةً، وأن

стр. 1379

يكون متابعةً وموافقةً، ومع هذا فالالتفات إليها ترفُّهًا وراحةً لا ينافي الصِّدق، فإنَّ هذا هو المقصود منها. وفيه شهود نعمة الله على العبد، وتعبُّدٌ باسمه البَرِّ اللطيفِ المحسنِ الرفيقِ، فإنَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفق (١)، وفي «الصحيح» (٢): «ما خيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا»؛ لِما فيه من روح التعبُّد باسم الرفيق اللطيف، وإجمام القلب به لعبوديَّةٍ أخرى، فإنَّ القلب لا يزال يتنقَّل في منازل العبوديَّة، فإذا أخذ بترفيه رخصةِ محبوبه (٣) استعدَّ بها لعبوديَّةٍ أخرى. وقد تقطعه عزيمتُها عن عبوديَّةٍ هي أحبُّ إلى الله منها، كالصائم في السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه، والمفطر الذي يضرب الأبنية، ويسقي الرِّكاب، ويضمُّ المتاع؛ ولهذا قال فيهم النبيُّ ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (٤). وأمَّا الرُّخص التأويليَّة المستندةُ إلى اختلاف المذاهب والآراء التي تصيب وتخطئ، فالأخذ بها عندهم عين البطالة ومنافٍ للصِّدق. فصل قال (٥): (الدرجة الثالثة: الصِّدق في معرفة الصِّدق . فإنّ الصِّدق لا يستقيم في علم أهل الخصوص إلَّا على حرفٍ واحدٍ، وهو أن يتَّفق (٦) رضا

стр. 1380

الحقِّ بعمل العبد أو حاله أو وقته، وإيقانِ العبد (١) وقصدِه؛ [فـ]ـيكون العبد راضيًا مرضيًّا، فأعماله إذًا مرضيَّة، وأحواله صادقة، وقصوده مستقيمة. وإن كان العبد كُسي ثوبًا مُعارًا، فأحسن أعماله ذنبٌ، وأصدق أحواله زورٌ، وأصفى قصوده قعود). يعني: أنَّ الصِّدق المحقَّق إنَّما يحصل لمن صدق في معرفة الصِّدق، فكأنَّه قال: لا يحصل حال الصِّدق إلَّا بعد معرفة علم الصِّدق. ثمّ عرَّف حقيقة الصِّدق فقال: (لا يستقيم الصِّدق في علم أهل الخصوص إلَّا على حرفٍ واحدٍ، وهو أن يتَّفق (٢) رضا الحقِّ بعمل العبد أو حاله أو وقته، وإيقانِه وقصدِه). وهذا موجَب الصِّدق وفائدته وثمرته. فالشيخ ﵀ ذكر الغاية الدالَّة على الحقيقة التي يُعرف انتفاءُ الحقيقة بانتفائها، وثبوتُها بثبوتها. فإنَّ العبد إذا صدق الله رضي الله بعمله وحاله ويقينه وقصده، لا أنَّ رضا الله نفس الصِّدق، وإنَّما يُعلَم الصِّدق بموافقة رضاه سبحانه. ولكن من أين يعلم العبد رضاه؟ فمن هاهنا كان الصادق مضطرًّا أشدَّ ضرورةٍ إلى متابعة الأمر، والتسليم للرسول ﷺ في ظاهره وباطنه (٣)، والتعبُّد به في كلِّ حركةٍ وسكونٍ، مع إخلاص القصد لله، فإنَّ الله لا يرضيه من عبده

стр. 1381

إلَّا ذلك. وما عدا هذا فقُوت النفس ومجرَّدُ حظِّها (١)، وإن كان فيه من المجاهدات والرِّياضات والخلوات ما كان، فإنَّ الله سبحانه أبى أن يقبل من عبده عملًا أو يرضى به حتَّى يكون على متابعة رسوله وخالصًا لوجهه. ومن هاهنا يفارق الصادق أكثر السالكين، بل يستوحش في طريقه (٢)، فإنَّ أكثرهم سائرون على أذواق نفوسهم (٣)، ومتابعة رسوم شيوخهم. والصَّادق في وادٍ، وهؤلاء في واد. وقوله: (فيكون العبد راضيًا مرضيًّا). لأنَّه قد رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا، فرضي الله به عبدًا، فأعماله إذًا مرضيَّةٌ لله، وأحواله صادقةٌ مع الله، وقصوده مستقيمةٌ على متابعة أوامر الله. قوله: (وإن كان العبد كُسي ثوبًا معارًا، فأحسن أعماله ذنبٌ، وأصدق أحواله زورٌ، وأصفى قصوده قعود). هذا يراد به أمران: أحدهما: أن يُكسى حلية الصادقين، ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم، فثوب الصِّدق عاريةٌ له لا مِلْك، فهو كالمتشبِّع بما لم يعط، فإنَّه كلابس ثوبي زورٍ. فهذا أحسن أعماله ذنبٌ يعاقَب عليه، كما يعاقَب المقتول في الجهاد، والقارئُ القرآنِ المتنسِّك، والمتصدِّقُ، ويكونون أوَّل من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة لمَّا لبسوا ثياب الصادقين على قلوب المرائين (٤). فهذا

стр. 1382

معنًى صحيحٌ، وما أظنُّ الشيخ قصده. وإنَّما أظنُّه قصد معنًى آخر، وهو: أنَّه متى تيقَّن العبد أنَّ وجوده ثوبٌ معارٌ ليس منه، فإنه ليس به ولا له، وإنَّما إيجاده وصفاته وإرادته وقدرته وأعماله عاريةٌ من الفعَّال وحده، والعبد ليس له من ذاته إلَّا العدم، فوجوده وحياته ثوبٌ أُعيرَه= فمتى نظر بعين الحقيقة إلى كسوته رأى أحسن أعماله ذنوبًا في هذا المقام، وأصدق أحواله زورًا، وأصفى قصوده قعودًا. فلا يرى لنفسه عملًا، ولا حالًا ولا قصدًا، فإنّه ليس له من نفسه إلَّا الجهل والظُّلم، فكلُّ ما من نفسه فهو ذنب وزور وقعود، وما كان مرضيًّا فهو بالله ومن الله ولله، لا بالنفس ولا منها ولا لها، فإنَّ العبد إذا رأى أنَّه قد فعل الطاعة كان رؤيته لذلك ذنبًا، فإنَّه نسب الفعل إليه، والله في الحقيقة هو المتفرِّد بالفعل. فعلى هذا لا يتخلَّص العبد من الذنب قطُّ، فإنَّه إذا خلَّص فعله من الرِّياء (١) ومن كلِّ شيءٍ يفسده، اقترن به آخَرُ لا يمكنه الخلاص منه، وهو اعتقاده أنَّه هو الفاعل (٢). والصواب: أنَّ هذا ليس بذنبٍ، ولا هو مقدورٌ للعبد ولا مأمور. والكمال في حقِّه: أن يشهد الأمر كما هو عليه، وأنَّه فاعلٌ حقيقةً، كما أضاف الله إليه الفعل في كتابه كلِّه، والله هو الذي جعله فاعلًا. فإذا شهد نفسه فاعلًا حقيقةً، وشهد فاعليَّته بالله ومن الله، لا من نفسه= فلا ذنب في هذا الشُّهود، ولا زور بحمد الله. وهو نظر بمجموع عينيه إلى السبب والمسبَّب، والشرع

стр. 1383

والقدر، والخلق والأمر. ثم لو صحَّ ما ذكروه لكان الكافر والعاصي والفاسق أيضًا لا ذنب له ولا معصية في حقيقة الأمر (١)، وأنَّه متى شهد نفسه عاصيًا مخالفًا مذنبًا= كان عاصيًا بهذا الشُّهود، لأنَّ الفاعل فيه غيره. وهذا منافٍ للعبوديَّة أشدَّ منافاةٍ، وهو من سير القوم إلى شهود الحقيقة الكونيَّة واعتقاد أنَّه غاية السالكين. فإن قيل (٢): الشيخ ﵀ هاهنا ما نطق بلسان الأبرار، بل بلسان المقرَّبين. ولا ريب أنَّ حسنات الأبرار سيِّئات المقرَّبين، ولسنا نريد أنّ شهود فعله ذنبٌ في الشرع، بل يكون حسنةً كما ذكرتم، لكن هو حسنةٌ للبرِّ، ذنبٌ للمقرَّب، فإنَّ نصيب البرِّ من السيِّئة ما جاء به العلم، ونصيبَ المقرَّب ما جاءت به المعرفة التي هي أخصُّ من العلم. قيل: هذا أيضًا باطلٌ قطعًا، بل المعرفة الصحيحة مطابقةٌ للحقِّ (٣) في نفسه شرعًا وقدرًا، وما خالف ذلك فمعرفةٌ فاسدةٌ. والحقُّ في نفس الأمر: نسبة الأفعال إلى الفاعلين قيامًا ومباشرةً وصدورًا منهم. وذلك محلُّ الأمر والنهي، والثواب والعقاب. والقدح في ذلك مستلزمٌ لإبطال الشرع والجزاء، فإنَّ الشرع إنَّما أمر بأفعالها (٤) ونهى عنها، والجزاء إنَّما ترتَّب عليها، فشهود أفعالها كذلك من تمام الإيمان

стр. 1384

بالشرع والجزاء. ونسبتها إلى الربِّ تعالى قضاءً وقدرًا، وخلقًا للأسباب التي منها إرادتنا وقدرتنا، فلم يجبرنا عليها ولم يكرهنا، بل خلقها بما أعطانا من القدرة والإرادة اللَّتين هما من أسباب الفعل. فهذا المشهد يحقِّق عبوديّة: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والمشهد الأوَّل يحقِّق عبوديّة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، و (١) يحقِّقان مشهدي: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]، وقولِه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]. وما جاء به العلم لا يناقض ما جاءت به المعرفة، بل المعرفة روح العلم ولبُّه وكماله، وحقيقتها: العلم الذي أثمر لصاحبه مقصوده. ولسان الأبرار لا يخالف لسان المقرَّبين، إنَّما يخالف لسان الفجَّار. نعم، لسان المقرَّبين أعلى منه وأرفع على مقتضى أعمالهم وأحوالهم، فنسبته إليه كنسبة مقام التوكُّل إلى الرِّضا، والرِّضا إلى الحمد والشُّكر. فإن قيل: كلامكم هذا بلسان العلم. ولو تكلَّمتم بلسان الحال لعلمتم صحَّة ما ذكرناه، فإنَّ صاحب الحال صاحبُ شهودٍ، وصاحبَ العلم صاحبُ غيبةٍ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. ونحن نشير إليكم إشارةً حاليَّةً علميَّةً، تنزُّلًا من الحال إلى العلم، فنقول (٢): الحال تأثُّرٌ عن نورٍ من أنوار الأحديَّة والفردانيَّة، تستر العبد عن نفسه، وتبدي ظهور مشهوده. ولا ريب أنَّه في هذه الحال قد يعتقد أنَّ الشاهد هو المشهود، حتَّى قال أبو يزيد في مثل هذه

стр. 1385

الحال: سبحاني، وما في الجبَّة إلَّا الله (١). ولا شكَّ أنَّ هذا الاعتقاد زورٌ وإن كان سببه نورًا من أنوار الأحديَّة، وصاحبه معذورٌ ما دام مستورًا عن نفسه بوارده، فإذا رُدَّ إلى رسمه وعقله وحسِّه حال ذلك الحال (٢)، وعلم صاحبه أنَّه كان زورًا حيث ظنَّ أنَّ الشاهد هو المشهود. فإن أنكرتم ذلك فلا كلام معكم، وإن اعترفتم به حصل المقصود. فهذا معنى كون أصدق أحوال الصادق زورًا. وإذا عُرف هذا في الحال عرف مثله في كون أحسن أعماله ذنبًا. فإنَّه لصدقه في الطلب، وبذله الجهد في العمل، واستفراغه الوسع فيه= يغيب بذلك عن شهود الحقيقة الكونيَّة، وأنَّ المحرِّك له سواه، وأنَّه آلةٌ ومجرًى للمشيئة، وأنَّ نفسه أعجز وأضعف من أن يكون لها أو بها أو منها فعلٌ أو إرادةٌ أو حركةٌ. فإذا رجع إلى الحقيقة وشهد منَّة الله عليه، وأنَّه هو المحرِّك له، وأنَّ مشيئته هي التي أوجبت سعيه= رأى أحسن أعماله ذنبًا بهذا الاعتبار. وأمَّا رؤيته أصفى قصوده قعودًا، فلأنَّ القاصد إلى الحقيقة متى شهد مقصوده قعد عن قصده، فإنَّ المقصود المراد أقربُ إلى اللِّسان من نطقه، وإلى القلب من قصده، فالقصد إليه: هو عين القعود عن القصد، لأنَّ القصد إنَّما يكون لبعيدٍ عن المقصود (٣). أمَّا من هو أقرب إلى القاصد من ذاته، فمتى شاهد القاصدُ الحقيقةَ علم أنَّ قصده عين القعود عن قصده. والعبارة تزيد هذا المعنى جفوةً، والحوالة فيه على الحال والذوق.

стр. 1386

فالجواب أن يقال: من أحالك على الحال فما أنصفك! فإنَّه أحالك على أمرٍ مشتركٍ بين الحقِّ والباطل، فإنَّ كلَّ من اعتقد شيئًا وطلبه طلبًا صادقًا، واستفرغ وسعه في الوصول إليه، كان له لا محالة فيه حالٌ ليست لغيره بحسب صدقه في طلبه وجمع همَّته وقصده عليه. وهذا يكون للأبرار والفجَّار، بل لأولياء الله وأعدائه، فكونُ الرجل له شهودٌ بمشهوده وحالٌ في طلبه لا يوجب كونه حقًّا ولا باطلًا. فإنَّ كلَّ من اعتقد عقيدةً، وارتاض وصقل قلبَه بأنواع الرِّياضة، وجزم بما اعتقده= تجلَّى له صورة معتقده في عالم نفسه، فيظنُّ ذلك كشفًا صحيحًا. وإن كان صادقًا في طلبه وحبِّه لما اعتقده كان له فيه حالٌ وتأثيرٌ بحسبه، فالحوالة على الحال حوالة مفلسٍ من العلم على غير مليءٍ به. ومن هاهنا دخل الداخل على أكثر السالكين وانعكس سيرهم، حيث أحالوا العلم على الحال وحكَّموه عليه. وسير أولياء الله وعباده الأبرار والمقرَّبين بخلاف هذا. وهو إحالة الحال على العلم، وتحكيمُه عليه وتقديمُه، ووزنه به وحكُّه (١) به. فإن وافقه العلم، وإلَّا كان حالًا فاسدًا منحرفًا عن أحوال الصدِّيقين بحسب بُعده عن العلم. فالعلم حاكمٌ والحال محكومٌ عليه، والعلم راعٍ والحال من رعيَّته. فمن لم يكن هذا أصلَ بناءِ سلوكه فسلوكُه فاسد، وغايته الانسلاخ من العلم والدِّين، كما جرى ذلك لمن جرى له. وبالله المستعان.

стр. 1387

ونحن لا ننكر ما ذكرتم من غَيبة الشاهد بمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، وبمحبوبه عن حبِّه؛ لكن ننكر كون هذا أكملَ حالًا من صاحب البقاء والتمييز وشهودِ الحقائق على ما هي عليه، فلا يحتاج يشهد حاله زورًا، لأنَّه لم يحصل له ما حصل لصاحب السُّكر والاصطلام من الزُّور، فهو أكمل منه حقيقةً وشرعًا. وأمّا الغائب عن الحقيقة الكونيَّة بشهود فعله، فإنّه متى صحبه استصحاب عقد التوحيد، وأنّ مصدر كلِّ شيءٍ مشيئة الله وحده، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنّه لا يتحرّك متحرِّكٌ في ظاهره وباطنه إلَّا به سبحانه= فلا تضرُّه الغيبة عن هذا المشهد باستغراقه في القصد والطلب والفعل إذ حكمه جارٍ عليه في هذه الحال. وليس ضيقُ قلبه عن استحضار ذلك وقت استجماعِ إرادته وطلبه وفعله = ذنبًا، لا للخاصَّة ولا للعامَّة، ولا بالنِّسبة إلى مقامه أيضًا؛ فإنَّ الذنب تعمُّد مخالفة الأمر، وهذا ليس كذلك، ولا هذا مطالبٌ بالغيبة بشهود الحقيقة والفناءِ فيها عن شهود الفعل وقيامه به، مع اعتقاده أنَّه بمشيئة الله وحوله وقوَّته. وأمَّا ما ذكرتم من أنَّ مشاهدة القرب تجعل القصد قعودًا، فكلامٌ له خبيء، وقد أفصح عنه بعض المغرورين المخدوعين بقوله (١): ما بال عِيسِك لا يقرُّ قرارها ... وإلامَ ظِلُّك لا يني متنقِّلا؟

стр. 1388

فلسوف تعلم أنَّ سيرك لم يكن ... إلَّا إليك إذا بلغت المنزلا وكأنَّ صاحبه يشير (١) إلى أنَّه وجود قلبه ولسانه، ووجوده أقرب إليه من إرادته ونطقه. هذا خبيءُ هذا الكلام. وتعالى الله عن إلحاد هذا وأمثالِه وإفكهم علوًّا كبيرًا (٢)، بل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائنٌ من خلقه. وأمَّا ما ذكرتم من القرب، فإن أردتم عموم قربه إلى كلِّ لسانٍ مِن نطقه وإلى كلِّ قلبٍ مِن قصده، فهذا لو صحَّ لكان قرب قدرةٍ وعلمٍ وإحاطةٍ، لا قربًا بالذات والوجود، فإنَّه سبحانه لا يمازج خلقه، ولا يخالطهم، ولا يتَّحد بهم. مع أنَّ هذا المعنى لم يرد عن الله ورسوله ولا أحدٍ من السلف الأخيار تسميتُه قربًا، ولم يجئ القرب في القرآن والسُّنَّة قطُّ إلَّا خاصًّا كما تقدَّم. وإن أردتم القرب الخاصَّ إلى اللِّسان والقلب، فهذا قرب المحبَّة وقرب الرِّضا والأنس، كقرب العبد من ربِّه وهو ساجد. وهو نوعٌ آخر من القرب، لا مثال له ولا نظير، فإنَّ الرُّوح والقلب يقرب من الله تعالى وهو على عرشه، والرُّوح في البدن، وقد تقدَّم الإشارة إلى ذلك. وهذا القرب لا ينافي القصد والطّلب، بل هو مشروطٌ بالقصد، فيستحيل وجوده بدونه. وكلَّما كان الطلب والقصد أتمَّ كان هذا القرب أقوى. فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]؟

стр. 1389

قيل: هذه الآية فيها قولان للناس: أحدهما: أنَّه قربه بعلمه، ولهذا قرَنَه بعلمه (١). وحبل الوريد هو حبل العنق: عرقٌ بين الحلقوم والودجين، متى قُطع مات صاحبه. وأجزاء القلب وهذا الحبل يحجب بعضها بعضًا، وعلمُ الله بأسرار العبد وما في ضميره لا يحجبه شيء. والقول الثاني: أنَّه قربه من العبد بملائكته الذين يصلون إلى قلبه، فتكون (٢) أقرب إليه من ذلك العرق. اختاره شيخنا (٣)، وسمعتُه يقول: هذا مثل قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، فإنَّ جبريل ﵇ هو الذي قصَّه عليه بأمر الله، فنسب تعليمه إليه إذ هو بأمره، وكذلك جبريل هو الذي قرأه عليه كما في «صحيح البخاري» (٤) عن ابن عبَّاس في تفسير هذه الآية: فإذا قرأه رسولُنا فأنصت لقراءته حتَّى يقضيها. قلت له: فأوَّل الآية يأبى ذلك، قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]. فقال: وكذلك خلقه الإنسانَ إنَّما هو بالأسباب وتخليق الملائكة. قلت: وفي «صحيح مسلم» (٥) من حديث حذيفة بن أسيدٍ ﵁ في

стр. 1390

تخليق النطفة: «فيقول الملك الذي يخلقه: يا ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أسويٌّ أم غير سويٍّ؟ فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب الملك»، فهو سبحانه الخالق وحده، ولا ينافي ذلك استعمال ملائكته (١) بإذنه ومشيئته وقدرته في التخليق، فإنَّ أفعالهم وتخليقهم خلقٌ له سبحانه، فما ثمَّ خالقٌ على الحقيقة غيره. والمقصود: أنَّ هذا موضعٌ ضلَّت فيه أفهام، وزلَّت فيه أقدام، واشتبه فيه معيَّة العلم والقدرة والإحاطة بالقرب، واشتبه فيه آثار قرب المحبَّة والرِّضا والموافقة وغلبة ذكره ومراقبته بقرب ذاته، واشتبه فيه ما في الذِّهن بما في الخارج، واشتبه فيه اضمحلال شهود الرسم وانمحاؤه من القلب بعدمه وفنائه، واشتبه فيه آثار الصِّفات بحقيقتها، وأنوار المعرفة بأنوار الذات. وأصحابه لتحكيمهم الحال والذوق لا يلتفتون إلى لسان العلم، ولا يصغون إليه. وفي هذا كفاية، والله المستعان (٢). * * * *

стр. 1391

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإيثار . قال الله تعالى في مدح أهله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. ف الإيثار ضدّ الشُّحِّ ، فإنّ المؤثِرَ على نفسه تاركٌ لما هو محتاجٌ إليه، والشّحيح حريصٌ على ما ليس بيده، فإذا حصل بيده شَحَّ عليه وبَخِلَ بإخراجه. فالبخل ثمرة الشُّحِّ، والشُّحُّ يأمر بالبخل، كما قال النّبيُّ ﷺ : «إيّاكم والشُّحَّ، فإنّ الشُّحّ أهلك مَن كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخِلُوا، وأمرهم بالقطيعة فقطَعوا» (١). فالبخيل: من أجاب داعيَ الشُّحِّ، والمُؤثِر: من أجاب داعيَ الجود. وكذلك السّخاء عمّا في أيدي النّاس هو السّخاء، وهو أفضلُ من سخاء البذل. قال عبد الله بن المبارك ﵁: سخاء النّفس عمّا في أيدي النّاس أفضلُ من سخاء النّفس بالبذل (٢).

стр. 1392

وهذا المنزل هو منزل الجود والسّخاء والإحسان، وسمِّي بمنزل «الإيثار» لأنّه أعلى مراتبه، فإنّ المراتب ثلاثةٌ (١): إحداها: أن لا ينقصه البذل، ولا يصعب عليه. فهو منزلة «السّخاء». الثّانية: أن يُعطي الأكثر، ويُبقي له شيئًا، أو يُبقي مثل ما أعطى. فهو «الجود». الثّالثة: أن يُؤثِر غيره بالشّيء مع حاجته إليه، فهي مرتبة «الإيثار». وعكسها الأَثَرة، وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاجٌ إليه، وهي المرتبة التي قال فيها النبي ﷺ للأنصار: «إنّكم ستَلْقَون بعدي أَثَرةً، فاصبروا حتّى تَلْقَوني على الحوض» (٢). والأنصار: هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، فوصفهم بأعلى مراتب السّخاء، وكان ذلك فيهم معروفًا. وكان قيس بن سعد بن عُبادة من الأجواد المعروفين، حتّى إنّه مرِضَ مرّةً، فاستبطأ إخوانَه في العيادة، فسأل عنهم، فقالوا: إنّهم يَستحْيُون ممّا لك عليهم من الدَّين، فقال: أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزِّيارة! ثمّ أمر مَن ينادي: من كان لقيسٍ عليه مالٌ فهو منه في حلٍّ. فما أمسى حتّى كُسِرتْ عَتبةُ بابه، لكثرة من عاده (٣).

стр. 1393

وقالوا له يومًا: هل رأيتَ أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأةٍ، فحضر زوجها، فقالت: إنّه نزل بك ضِيفانٌ. فجاء بناقةٍ فنحرها، وقال: شأْنَكم! فلمّا كان من الغد جاء بأخرى فنحرَها، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرتَ البارحةَ إلّا اليسير، فقال: إنِّي لا أُطعِم أضيافي البائتَ. فبقينا عنده يومين أو ثلاثةً، والسّماء تُمطِر، وهو يفعل ذلك. فلمّا أردنا الرّحيلَ وضعنا مائة دينارٍ في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه. ومضينا، فلمّا مَتَعَ (١) النّهارُ إذا نحن برجلٍ يصيح خلفنا: قِفُوا أيُّها الرّكْبُ اللِّئام، أعطيتموني ثمنَ قِرَايَ؟ لحِقَنا، وقال: لتأخذُنَّه أو لأُطاعِننَّكم برمحي، فأخذناه وانصرف (٢). فتأمّلْ سرَّ التّقدير، حيث قدَّر الحكيم الخبير سبحانَه استئثارَ النّاس على الأنصار بالدُّنيا ــ وهم أهل الإيثار ــ ليجازِيَهم على إيثارهم في الدُّنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنّاتِ عدنٍ على النّاس، فيظهر حينئذٍ فضيلةُ إيثارهم ودرجتُه، ويَغْبِطُهم من استأثر عليهم بالدُّنيا أعظمَ غِبْطةٍ. وذلك فضلُ الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فإذا رأيتَ النّاس يستأثرون عليك ــ مع كونك من أهل الإيثار ــ فاعلَمْ أنّه لخيرٍ يُراد بك.

стр. 1394

فصل والجود عشر مراتبَ: إحداها: الجود بالنّفس، وهو أعلى مراتبه، كما قال الشّاعر (١): يجودُ بالنّفس إذ ضَنَّ (٢) الجوادُ بها ... والجودُ بالنّفسِ أقصى غايةِ الجُود الثّانية: الجود بالرِّئاسة، وهو ثاني مراتب الجود، فيَحمِلُ الجوادَ جودُه على امتهانِ رئاسته، والجودِ بها، والإيثارِ في قضاء حاجة الملتمس. الثّالثة: الجود براحته ورفاهيتِه وإجمامِ نفسه، فيجود بها نَصَبًا وكَدًّا في مصلحة غيره. ومن هذا جود الإنسان بنومه ولذّته لمُسامِرِه، كما قيل (٣): مُتيَّمٌ بالنّدى لو قال سائلُه ... هَبْ لي جميعَ كَرَى عينيكَ لم يَنَم الرّابعة: الجود بالعلم وبذْله، وهو من أعلى مراتب الجود، والجودُ به أفضلُ من الجود بالمال؛ لأنّ العلم أشرف من المال. والنّاس في الجود به على مراتب متفاوتةٍ، وقد اقتضت حكمةُ الله وتقديره النّافذ أن لا ينفعَ به بخيلًا أبدًا. ومن الجود به: أن تبذله لمن لم (٤) يسألك عنه، بل تَطْرحه عليه طَرْحًا (٥).

стр. 1395

ومن الجود به: أنّ السّائل إذا سألك عن مسألةٍ استقصيتَ له جوابَها شافيًا، لا يكون جوابك له بقدرِ ما تُدفع به الضّرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا «نعم» أو «لا»، مقتصرًا عليها. ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك أمرًا عجيبًا: كان إذا سُئل عن مسألةٍ حكميّةٍ، ذكر في جوابها مذاهبَ الأئمّة الأربعة إذا قدَرَ عليه، ومأخذَ الخلاف، وترجيحَ القول الرّاجح، وذكر متعلّقاتِ المسألة التي ربّما تكون أنفعَ للسّائل من مسألته، فيكون فرحُه بتلك المتعلّقات (١) واللّوازم أعظمَ من فرحه بمسألته. وهذه فتاواه بين النّاس، فمن أحبَّ الوقوفَ عليها رأى ذلك. فمن جود الإنسان بالعلم: أنّه لا يقتصر على مسألة السّائل، بل يذكر له نظيرَها ومتعلَّقها ومأخذَها، بحيث يشفيه ويكفيه. وقد سأل الصّحابة ﵃ النّبيَّ ﷺ عن التَّوضِّي (٢) بماء البحر؟ فقال: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه» (٣). فأجابهم عن سؤالهم، وجاد عليهم

стр. 1396

بما لعلَّهم في الأحيان (١) إليه أحوجُ ممّا سألوه عنه. وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبَّهَهم على علّته وحكمته، كما سألوه عن بيع الرُّطَب بالتّمر؟ فقال: «أيَنقُصُ الرُّطَب إذا جَفَّ؟»، قالوا: نعم. قال (٢): «فلا إذَنْ» (٣). ولم يكن يخفى عليه ﷺ نقصان الرُّطب بجفافه، ولكن نبَّههم على علّة الحكم. وهذا كثيرٌ جدًّا في أجوبته ﷺ ، مثل قوله: «إن بِعتَ من أخيك ثَمَرًا فأصابتْها جائحةٌ، فلا يحلُّ لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا، بِمَ يأخذُ أحدكم مالَ أخيه بغير حقٍّ؟» (٤). وفي لفظٍ: «أرأيتَ إن منعَ الله الثّمرة بِمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه بغير حقٍّ؟» (٥)، فصرّح بالعلّة التي يَحرُم لأجلها إلزامُه بالثّمن، وهي منعُ اللهِ الثّمرة الذي (٦) ليس للمشتري فيه صنعٌ. وكان خصومه (٧) يعيبونه بذلك، ويقولون: يسأله السّائل عن طريق مصر مثلًا، فيذكر له معها طريق مكّة والمدينة وخراسان والعراق والهند، وأيُّ حاجةٍ بالسّائل إلى ذلك؟

стр. 1397

ولَعَمرُ الله ليس ذلك بعيبٍ، وإنّما العيب: الجهل والكبر، وهذا موضع المثل المشهور (١): لَقَّبوه بحامضٍ وهو حُلْوٌ ... مثلَ من لم يَصِلْ إلى العُنْقود الخامسة: الجود بالنّفع بالجاه، كالشّفاعة والمشي مع الرّجل إلى ذي سلطانٍ ونحوه. وذلك زكاة الجاه المُطالَبُ بها العبد، كما أنّ التّعليم وبذْلَ العلم زكاته. السّادسة: الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه، كما قال النبي ﷺ : «يصبح على كلِّ سُلَامى من أحدكم صدقةٌ كلَّ يومٍ تَطلُع فيه الشّمس، يَعدِلُ بين الاثنين: صدقةٌ، ويعين الرّجل في دابّته فيحمِله (٢) عليها أو يرفع له عليها متاعَه: صدقةٌ، والكلمة الطّيِّبة: صدقةٌ، وبكلِّ خطوةٍ يمشيها الرّجل إلى الصّلاة: صدقةٌ، ويُمِيط الأذى عن الطّريق: صدقةٌ». متّفقٌ عليه (٣). السّابعة: الجود بالعِرض، كجود أبي ضَمْضمٍ من الصّحابة (٤)

стр. 1398

- ﵃، كان إذا أصبح قال: اللهمَّ إنّه لا مالَ لي فأتصدَّقَ به على النّاس، وقد تصدّقتُ عليهم بعِرضي، فمن شَتَمني أو قَذَفني فهو في حِلٍّ. فقال النّبيُّ ﷺ : «مَن يستطيع منكم أن يكون كأبي ضَمْضَمٍ؟» (١). وفي هذا الجود من سلامة الصّدر، وراحة القلب، والتّخلُّص من معاداة الخلق= ما فيه. الثّامنة: الجود بالصّبر والاحتمالِ والإغضاءِ. وهذه مرتبةٌ شريفةٌ من مراتبه، وهي أنفعُ لصاحبها من الجود بالمال، وأعزُّ له وأنصرُ، وأملكُ لنفسه، وأشرفُ لها. ولا يقدِر عليها إلّا النُّفوس الكبار.

стр. 1399

فمن صعُبَ عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود، فإنّه يَجتني ثمرةَ عواقبه الحميدة في الدُّنيا قبل الآخرة. وهذا جود الفُتُوَّة، قال تعالى: ﴿وَاَلْجُرُوحُ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهْوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]. وفي هذا الجود قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]، فذكر المقاماتِ الثّلاثةَ في هذه الآية: مقام العدل، وأذِن فيه. ومقام الفضل، وندَبَ إليه. ومقام الظُّلم، وحرّمه. التّاسعة: الجود بالخُلُق والبِشْر والبَسْطة، وهو فوق الجود بالصّبر والاحتمالِ والعفوِ، وهو الذي بلغ بصاحبه درجةَ الصّائم القائم، وهو أثقلُ ما يوضع في الميزان. قال النّبيُّ ﷺ : «لا تَحْقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تَلقى أخاك ووجهُك منبسطٌ إليه» (١). وفي هذا الجود من المنافع والمسارِّ وأنواعِ المصالح ما فيه، والعبد لا يُمكِنه أن يسعَ الناسَ بماله، ويُمكِنُه أن يَسَعَهم بخُلقه (٢) واحتماله. العاشرة: الجود بتَرْفيهِ (٣) ما في أيدي النّاس عليهم، فلا يلتفت إليه، ولا يَستشرِف له بقلبه، ولا يتعرّض له بحاله ولا لسانه. وهذا هو الذي قال

стр. 1400

عبد الله بن المبارك (١): إنّه أفضلُ من جُود البذل. فلسان حال القدر يقول للفقير الجواد: إن لم أُعطِك مالًا تَجود به على النّاس، فجُدْ عليهم بأموالهم؛ تُزاحِمْهم (٢) في الجود، وتنفرِدْ عنهم بالرّاحة. ولكلِّ مرتبةٍ من مراتب الجود مَزيَّةٌ وتأثيرٌ خاصٌّ في القلب والحال، والله سبحانه قد ضَمِنَ المزيدَ للجواد، والإتلافَ على الممسِك (٣). والله المستعان. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٤): (الإيثار تخصيصٌ واختيارٌ. والأَثَرة تَحسُن طَوعًا، وتصحُّ كرهًا). فرّق الشّيخ بين الإيثار والأثرة، وجعل الإيثار اختيارًا، والأثرة منقسمةً إلى اختياريّةٍ واضطراريّةٍ، وبالفرق بينهما يُعلَم معنى كلامه، فإنّ الإيثار هو البذلُ، وتخصيصُ مَن تُؤثِره على نفسك، وهذا لا يكون إلّا اختيارًا. وأمّا الأَثَرة فهي استئثار صاحب الشّيء به عليك، وحَوْزُه لنفسه دونك. فهذه لا يُحمَد عليها المستأثر عليه إلّا إذا كانت طوعًا، مثل أن يقدر على منازعته

стр. 1401

ومجاذبته، فلا يفعل، ويَدَعُه وأثرتَه طوعًا، فهذا حسنٌ. وإن لم يقدر على ذلك كانت أثرةَ كَرْهٍ. ويعني بالصِّحّة: الوجود، أي تُوجد كَرْهًا. ولكن إنّما تَحسُن إذا كانت طَوعًا من المستأثر عليه. فحقيقة الإيثار بذلُ صاحبِه وإعطاؤه. والأثرة استبداده هو بالمُؤْثَر به، فيتركه وما استبدَّ به: إمّا طوعًا وإمّا كَرهًا. فكأنّك آثرتَه باستئثاره، حيث خلَّيتَ بينه وبينه ولم تُنازِعه. قال عُبادة بن الصّامت ﵁: بايعنا رسولَ الله ﷺ على السّمع والطّاعة، في عُسرنا ويُسرنا، ومَنْشَطِنا ومَكْرهِنا، وأَثَرةٍ علينا، وأن لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه (١). فالسّمع والطّاعة في العسر واليسر والمَنْشط والمَكْره لهم معه ومع الأئمّة بعده، والأَثَرة وعدمُ منازعة الأمر مع الأئمّة بعده خاصّةً، فإنّه لم يستأثر عليهم ﷺ . فصل قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: أن تُؤثِرَ الخلقَ على نفسك فيما لا يَخْرِم (٣) عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يُفسِد عليك وقتًا). يعني: أن تُقدِّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تُطعِمهم وتجوع،

стр. 1402

وتكسوهم وتَعْرى، وتَسقيهم وتَظْمأ، بحيث لا يؤدِّي ذلك إلى ارتكاب ثلاث (١) لا يجوز في الدِّين، مثل (٢) أن تُؤثِرهم بمالك وتقعد كَلًّا مضطرًّا، مستشرفًا للنّاس أو سائلًا، وكذلك إيثارهم بكلِّ ما يَخْرِم على المؤثر دينَه، فإنّه سَفَهٌ وعَجْزٌ يُذَمُّ المؤثِرُ به عند الله وعند النّاس. وأمّا قوله: (ولا يقطع عليك طريقًا)، أي لا يقطع عليك طريق الطّلب والمسيرِ إلى الله تعالى، مثل أن تُؤثِر جليسَك على ذكرِك بتوجُّهِك وجمعيّتك على الله، فتكون قد آثرتَه على الله، وآثرتَ بنصيبك من الله مَن لا يستحقُّ الإيثار، فيكون مَثَلُك كمَثَلِ مسافرٍ سائرٍ على الطّريق لقيه رجلٌ فاستوقفه، وأخذ يُحدِّثه ويُلهِيه حتّى فاتَه الرِّفاق. وهذا حال أكثر الخلق مع الصّادق السّائر إلى الله تعالى، فإيثارهم عليه عَيْنُ الغَبْن. وما أكثرَ المؤثرين على الله تعالى غيرَه، وما أقلَّ المؤثرين الله على غيره (٣)! وكذلك الإيثار بما يُفْسِد على المؤثِرِ وقتَه قبيحٌ أيضًا، مثل (٤) أن يُؤثِر بقُوتِه ويتفرَّق قلبه في طلب خلفه، أو يؤثر بأمرٍ قد جمع قلبَه وهمَّه (٥) على الله، فيتفرَّق قلبه عليه بعد جمعيّته ويتشتَّت خاطرُه. فهذا أيضًا إيثارٌ غير محمودٍ.

стр. 1403

وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهمّاتهم ومصالحهم التي لا تتعيّن عليك، على الفكرِ في العلم النّافع واشتغالِ القلب بالله. ونظائر ذلك لا تخفى، بل ذلك حالُ الخلق الغالبُ عليهم. وكلُّ سببٍ يعود (١) بصلاح قلبك (٢) وحالك مع الله: فلا تُؤثِرْ به أبدًا، فإنّما تُؤثِر الشّيطانَ على الله وأنت لا تعلم. وتأمّلْ أحوالَ أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرُّهم إيثارهم له ولا ينفعهم، وأيُّ جهالةٍ وسَفَهٍ فوق هذا؟ ومن هذا تكلّم الفقهاء في الإيثار بالقُرَب، وقالوا: إنّه مكروهٌ أو محرَّم (٣). كمن يُؤثِر بالصّفِّ الأوّل غيرَه ويتأخّر هو، أو يُؤثِر بقربه من الإمام يومَ الجمعة، أو يُؤثِر غيرَه بالأذان والإمامة، أو يُؤثره بعلمٍ يَحرِمُه نفسَه، ويُرفِّهُه (٤) عليه، فيفوز به دونه. وتكلّموا في إيثار عائشة لعمر بن الخطّاب ﵄ بمدفنه عند رسول الله ﷺ في حجرتها (٥).

стр. 1404

وأجابوا عنه بأنّ الميِّت ينقطع عملُه بموته وتقرُّبه. فلا يُتصوّر في حقِّه الإيثار بالقرب بعد الموت، إذ لا تقرُّبَ في حقِّ الميِّت. وإنّما هذا إيثارٌ بمسكنٍ شريفٍ فاضلٍ لمن هو أولى به منه، فالإيثار به قربةٌ إلى الله للمؤثر. فصل قال (١): (ولا يُستطاع إلّا بثلاثة أشياء: بتعظيم الحقوق، ومَقْتِ الشُّحِّ، والرّغبةِ في مكارم الأخلاق). ذَكر ما يُعِين على الإيثار ويبعث عليه، وهو ثلاثة أشياء: تعظيم الحقوق، فإنّ من عظُمت الحقوق عنده قام بواجبها، ورعاها حقَّ رعايتها، واستعظمَ إضاعتَها، وعلمَ أنّه إن لم يبلغ درجةَ الإيثار لم يُؤدِّها كما ينبغي، فيجعل إيثاره احتياطًا لأدائها. الثّاني: مَقْتُ الشُّحِّ، فإنّه إذا مَقتَه وأبغضَه التزم الإيثار، فإنّه يرى أنّه لا خلاصَ له من هذا المَقِيت البغيض إلّا بالإيثار. الثّالث: الرّغبة في مكارم الأخلاق، وبحسبِ رغبته فيها يكون إيثاره، لأنّ الإيثار أفضلُ درجاتِ مكارم الأخلاق. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّانية: إيثار رضا الله على رضا غيره، وإن عظُمتْ فيه المِحَن، وثَقُلَتْ فيه المُؤَن، وضعُفَ عنه الطَّوْلُ والبدن). إيثار رضا الله على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاتُه،

стр. 1405

ولو أغضب الخلق. وهذه هي درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبيِّنا محمد (١) ﷺ ، فإنّه قاومَ العالمَ كلّه، وتجرَّد للدّعوة إلى الله، واحتملَ عداوةَ القريب والبعيد في الله تعالى، وآثرَ رضا الله على الخلقِ من كلِّ وجهٍ، ولم يأخذْه في إيثار رضاه لومةُ لائمٍ. بل كان همُّه وعزمُه وسعْيُه كلُّه مقصورًا على إيثار مرضاة الله، وتبليغِ رسالاته، وإعلاءِ كلماته، وجهادِ أعدائه، حتّى ظهر دينُ الله على كلِّ دينٍ، وقامت حُجَّتُه على العالمين، وتمَّتْ نعمتُه على المؤمنين. فبلَّغ الرِّسالة، وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمّة، وجاهد في الله حقَّ الجهاد، وعبَدَ الله حتّى أتاه اليقينُ، فلم ينَلْ أحدٌ من درجة هذا الإيثار ما نالَه صلوات الله وسلامه عليه. وأمّا قوله: (وإن عظُمتْ فيه المِحَن، وثَقُلَتْ فيه المُؤَن)، فإنّ المحنة تعظُم فيه أولًا ليتأخَّر من ليس من أهله، فإذا احتملَها وتقدَّم انقلبتْ تلك المِحَنُ مِنَحًا، وصارت تلك المُؤَنُ عونًا. وهذا معروفٌ بالتّجربة الخاصّة والعامّة، فإنّه ما آثرَ عبدٌ (٢) مرضاةَ الله على مرضاة الخلق، وتحمّلَ ثِقَلَ ذلك ومُؤْنَتَه، وصبرَ على محنتِه= إلّا أنشأَ الله من تلك المحنة والمُؤْنةِ نعمةً ومسرّةً ومعونةً بقدر ما تحمَّلَه من مرضاته. فانقلبتْ مخاوِفُه أمانًا، ومظانُّ عَطَبِه نجاةً، وتعبه راحةً، ومُؤْنته معونةً، وبليّته نعمةً، ومحنته مِنْحةً، وسَخَطه رضًا. فيا خيبةَ المتخلِّفين، ويا ذِلّةَ المتهيِّبين! هذا، وقد جرت سنّة الله ــ التي لا تبديلَ لها ــ أنّ من آثرَ مرضاةَ الخلق
следующие страницы →