← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ومجاذبته، فلا يفعل، ويَدَعُه وأثرتَه طوعًا، فهذا حسنٌ. وإن لم يقدر على ذلك كانت أثرةَ كَرْهٍ. ويعني بالصِّحّة: الوجود، أي تُوجد كَرْهًا. ولكن إنّما تَحسُن إذا كانت طَوعًا من المستأثر عليه. فحقيقة الإيثار بذلُ صاحبِه وإعطاؤه. والأثرة استبداده هو بالمُؤْثَر به، فيتركه وما استبدَّ به: إمّا طوعًا وإمّا كَرهًا. فكأنّك آثرتَه باستئثاره، حيث خلَّيتَ بينه وبينه ولم تُنازِعه. قال عُبادة بن الصّامت ﵁: بايعنا رسولَ الله ﷺ على السّمع والطّاعة، في عُسرنا ويُسرنا، ومَنْشَطِنا ومَكْرهِنا، وأَثَرةٍ علينا، وأن لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه (١). فالسّمع والطّاعة في العسر واليسر والمَنْشط والمَكْره لهم معه ومع الأئمّة بعده، والأَثَرة وعدمُ منازعة الأمر مع الأئمّة بعده خاصّةً، فإنّه لم يستأثر عليهم ﷺ . فصل قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: أن تُؤثِرَ الخلقَ على نفسك فيما لا يَخْرِم (٣) عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يُفسِد عليك وقتًا). يعني: أن تُقدِّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تُطعِمهم وتجوع،

стр. 1402

وتكسوهم وتَعْرى، وتَسقيهم وتَظْمأ، بحيث لا يؤدِّي ذلك إلى ارتكاب ثلاث (١) لا يجوز في الدِّين، مثل (٢) أن تُؤثِرهم بمالك وتقعد كَلًّا مضطرًّا، مستشرفًا للنّاس أو سائلًا، وكذلك إيثارهم بكلِّ ما يَخْرِم على المؤثر دينَه، فإنّه سَفَهٌ وعَجْزٌ يُذَمُّ المؤثِرُ به عند الله وعند النّاس. وأمّا قوله: (ولا يقطع عليك طريقًا)، أي لا يقطع عليك طريق الطّلب والمسيرِ إلى الله تعالى، مثل أن تُؤثِر جليسَك على ذكرِك بتوجُّهِك وجمعيّتك على الله، فتكون قد آثرتَه على الله، وآثرتَ بنصيبك من الله مَن لا يستحقُّ الإيثار، فيكون مَثَلُك كمَثَلِ مسافرٍ سائرٍ على الطّريق لقيه رجلٌ فاستوقفه، وأخذ يُحدِّثه ويُلهِيه حتّى فاتَه الرِّفاق. وهذا حال أكثر الخلق مع الصّادق السّائر إلى الله تعالى، فإيثارهم عليه عَيْنُ الغَبْن. وما أكثرَ المؤثرين على الله تعالى غيرَه، وما أقلَّ المؤثرين الله على غيره (٣)! وكذلك الإيثار بما يُفْسِد على المؤثِرِ وقتَه قبيحٌ أيضًا، مثل (٤) أن يُؤثِر بقُوتِه ويتفرَّق قلبه في طلب خلفه، أو يؤثر بأمرٍ قد جمع قلبَه وهمَّه (٥) على الله، فيتفرَّق قلبه عليه بعد جمعيّته ويتشتَّت خاطرُه. فهذا أيضًا إيثارٌ غير محمودٍ.

стр. 1403

وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهمّاتهم ومصالحهم التي لا تتعيّن عليك، على الفكرِ في العلم النّافع واشتغالِ القلب بالله. ونظائر ذلك لا تخفى، بل ذلك حالُ الخلق الغالبُ عليهم. وكلُّ سببٍ يعود (١) بصلاح قلبك (٢) وحالك مع الله: فلا تُؤثِرْ به أبدًا، فإنّما تُؤثِر الشّيطانَ على الله وأنت لا تعلم. وتأمّلْ أحوالَ أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرُّهم إيثارهم له ولا ينفعهم، وأيُّ جهالةٍ وسَفَهٍ فوق هذا؟ ومن هذا تكلّم الفقهاء في الإيثار بالقُرَب، وقالوا: إنّه مكروهٌ أو محرَّم (٣). كمن يُؤثِر بالصّفِّ الأوّل غيرَه ويتأخّر هو، أو يُؤثِر بقربه من الإمام يومَ الجمعة، أو يُؤثِر غيرَه بالأذان والإمامة، أو يُؤثره بعلمٍ يَحرِمُه نفسَه، ويُرفِّهُه (٤) عليه، فيفوز به دونه. وتكلّموا في إيثار عائشة لعمر بن الخطّاب ﵄ بمدفنه عند رسول الله ﷺ في حجرتها (٥).

стр. 1404

وأجابوا عنه بأنّ الميِّت ينقطع عملُه بموته وتقرُّبه. فلا يُتصوّر في حقِّه الإيثار بالقرب بعد الموت، إذ لا تقرُّبَ في حقِّ الميِّت. وإنّما هذا إيثارٌ بمسكنٍ شريفٍ فاضلٍ لمن هو أولى به منه، فالإيثار به قربةٌ إلى الله للمؤثر. فصل قال (١): (ولا يُستطاع إلّا بثلاثة أشياء: بتعظيم الحقوق، ومَقْتِ الشُّحِّ، والرّغبةِ في مكارم الأخلاق). ذَكر ما يُعِين على الإيثار ويبعث عليه، وهو ثلاثة أشياء: تعظيم الحقوق، فإنّ من عظُمت الحقوق عنده قام بواجبها، ورعاها حقَّ رعايتها، واستعظمَ إضاعتَها، وعلمَ أنّه إن لم يبلغ درجةَ الإيثار لم يُؤدِّها كما ينبغي، فيجعل إيثاره احتياطًا لأدائها. الثّاني: مَقْتُ الشُّحِّ، فإنّه إذا مَقتَه وأبغضَه التزم الإيثار، فإنّه يرى أنّه لا خلاصَ له من هذا المَقِيت البغيض إلّا بالإيثار. الثّالث: الرّغبة في مكارم الأخلاق، وبحسبِ رغبته فيها يكون إيثاره، لأنّ الإيثار أفضلُ درجاتِ مكارم الأخلاق. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّانية: إيثار رضا الله على رضا غيره، وإن عظُمتْ فيه المِحَن، وثَقُلَتْ فيه المُؤَن، وضعُفَ عنه الطَّوْلُ والبدن). إيثار رضا الله على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاتُه،

стр. 1405

ولو أغضب الخلق. وهذه هي درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبيِّنا محمد (١) ﷺ ، فإنّه قاومَ العالمَ كلّه، وتجرَّد للدّعوة إلى الله، واحتملَ عداوةَ القريب والبعيد في الله تعالى، وآثرَ رضا الله على الخلقِ من كلِّ وجهٍ، ولم يأخذْه في إيثار رضاه لومةُ لائمٍ. بل كان همُّه وعزمُه وسعْيُه كلُّه مقصورًا على إيثار مرضاة الله، وتبليغِ رسالاته، وإعلاءِ كلماته، وجهادِ أعدائه، حتّى ظهر دينُ الله على كلِّ دينٍ، وقامت حُجَّتُه على العالمين، وتمَّتْ نعمتُه على المؤمنين. فبلَّغ الرِّسالة، وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمّة، وجاهد في الله حقَّ الجهاد، وعبَدَ الله حتّى أتاه اليقينُ، فلم ينَلْ أحدٌ من درجة هذا الإيثار ما نالَه صلوات الله وسلامه عليه. وأمّا قوله: (وإن عظُمتْ فيه المِحَن، وثَقُلَتْ فيه المُؤَن)، فإنّ المحنة تعظُم فيه أولًا ليتأخَّر من ليس من أهله، فإذا احتملَها وتقدَّم انقلبتْ تلك المِحَنُ مِنَحًا، وصارت تلك المُؤَنُ عونًا. وهذا معروفٌ بالتّجربة الخاصّة والعامّة، فإنّه ما آثرَ عبدٌ (٢) مرضاةَ الله على مرضاة الخلق، وتحمّلَ ثِقَلَ ذلك ومُؤْنَتَه، وصبرَ على محنتِه= إلّا أنشأَ الله من تلك المحنة والمُؤْنةِ نعمةً ومسرّةً ومعونةً بقدر ما تحمَّلَه من مرضاته. فانقلبتْ مخاوِفُه أمانًا، ومظانُّ عَطَبِه نجاةً، وتعبه راحةً، ومُؤْنته معونةً، وبليّته نعمةً، ومحنته مِنْحةً، وسَخَطه رضًا. فيا خيبةَ المتخلِّفين، ويا ذِلّةَ المتهيِّبين! هذا، وقد جرت سنّة الله ــ التي لا تبديلَ لها ــ أنّ من آثرَ مرضاةَ الخلق

стр. 1406

على مرضاته: أن يَسخَطَ عليه مَن آثرَ رضاه، ويَخْذُلَه مِن جهته، ويجعلَ محنتَه على يديه، فيعودَ حامدُه ذامًّا. ومن آثرَ مرضاتَه ساخطًا، فلا على مقصوده منهم حصلَ، ولا إلى ثوابِ مرضاةِ (١) ربِّه وصلَ. وهذا أعجزُ الخلق وأحمقُهم. هذا مع أنّ رضا الخلق لا مقدورٌ ولا مأمورٌ، فهو مستحيلٌ، بل لا بدَّ من سَخَطِهم عليك، فلَأَنْ يَسخَطُوا عليك وتفوزَ برضا الله عنك أحبُّ إليك وأنفعُ لك من أن يَسخطوا عليك والله عنك غيرُ راضٍ. فإذا كان سَخَطُهم لا بدَّ منه على التّقديرين، فآثِرْ سَخَطَهم الذي تَنال به رضا الله، فإن هم رَضُوا عنك بعد هذا، وإلّا فأهونُ شيءٍ رضا من لا ينفعك رضاه (٢)، ولا يضرُّك سخطُه في دينك ولا في إيمانك ولا في آخرتك، وإن ضَرَّك في أمرٍ يسيرٍ في الدُّنيا فمضرّةُ سَخَطِ الله أعظمُ وأعظمُ. وخاصَّةُ العقلِ: احتمالُ أدنى المفسدتينِ لدفع أعلاهما، وتفويتُ أدنى المصلحتينِ لتحصيل أعلاهما. فوازِنْ بعقلك، ثمّ انظُرْ أيُّ الأمرينِ خيرٌ فآثِرْه، وأيُّهما شرٌّ فابعدْ عنه. فهذا برهانٌ قطعيٌّ ضروريٌّ في إيثار رضا الله على رضا الخلق. هذا مع أنّه إذا آثرَ رضا الله كفاه الله مُؤْنةَ غضبِ الخلق، وإذا آثرَ رضاهم (٣) لم يَكْفُوه مُؤنةَ غضبِ الله عليه.

стр. 1407

قال بعض السّلف (١): لمصانعةُ وجهٍ واحدٍ أيسرُ عليك من مصانعة وجوهٍ كثيرةٍ، إنّك إذا صانعتَ ذلك الوجهَ الواحدَ كفاك الوجوهَ كلَّها. وقال الشّافعيُّ ﵁ (٢): رِضا النّاس غايةٌ لا تُدْرَك، فعليك بما فيه صلاحُ نفسك فالزَمْه. ومعلومٌ أنّه لا صلاحَ للنّفس إلّا بإيثار رضا بارِئها ومولاها على غيره. ولقد أحسن أبو فراسٍ ﵀ في قوله، إلّا أنّه أساء كلَّ الإساءة إذ يقوله لمخلوقٍ لا يملك له ولا لنفسِه ضَرًّا ولا نفعًا: فليتك تَحْلُو والحياةُ مَرِيرةٌ ... وليتك تَرضى والأنامُ غِضابُ وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ ... وبيني وبين العالمين خَرابُ إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هيِّنٌ ... وكلُّ الذي فوقَ التُّراب ترابُ (٣)

стр. 1408

ثمّ ذكر الشّيخ ﵀ ما يُستطاع به هذا الإيثار العظيم الشّأن، فقال (١): (ويُستطاع هذا بثلاثة أشياء: بطَلَبِ العَود (٢)، وحُسْنِ الإسلام، وقوّةِ الصّبر). من المعلوم: أنّ المُؤثِر لرضا الله متصدٍّ لمعاداة الخلق وأذاهم وسعيِهم في إتلافه ولا بدَّ، هذه سنّة الله في خلقه. وإلّا فما ذنبُ الأنبياء والرُّسل، والّذين يأمرون بالقسط من النّاس، والقائمين بدين الله، الذّابِّين عن كتابه وسنّة رسوله عندهم؟ فمن آثر رضا الله فلا بدّ أن يُعادِيَه رُذالةُ العالَم وسَقَطُهم (٣)، وغَرَثُهم (٤) وجُهَّالُهم، وأهل البدع والفجور منهم، وأهلُ الرِّياسات الباطلة، وكلُّ من يخالف هدْيُه هدْيَه. فما يُقدِم على معاداة هؤلاء إلّا طالبٌ للرجوع إلى الله، عاملٌ على سماع خطاب ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، ومَن إسلامه صلبٌ كاملٌ لا تُزعزِعه الرِّجال، ولا تُلَقْلِقُه (٥) الجبال، ومَن عقدُ عزيمةِ صبره مُحكمٌ لا تَحُلُّه المِحَنُ والشّدائد والمخاوف.

стр. 1409

قلت: ومِلاك ذلك أمران (١): الزُّهد في الحياة والثّناء. فما ضعُفَ من ضعُفَ وتأخَّر من تأخَّر إلّا بحبِّه للحياة والبقاء، وثناءِ الخلق عليه، ونفرتِه من ذمِّهم له. فإذا زَهِد في هذين الشّيئين تأخّرتْ عنه العوارضُ كلُّها، وانغمس حينئذٍ في العساكر. ومِلاكُ هذين الشّيئين بشيئين: صحّة اليقين، وقوّة المحبّة. ومِلاكُ هذين بشيئين أيضًا: بصدق اللّجأ والطّلب، والتّصدِّي للأسباب الموصلة إليهما. فإلى هاهنا تنتهي معرفة الخلق وقدرتهم، والتّوفيق بعدُ بيدِ مَن أزِمّةُ الأمور كلِّها بيدَيْه، ﴿وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠ - ٣١]. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: إيثارُ إيثارِ الله، فإنّ الخوض في الإيثار دعوى في المُلْك، ثمّ تَرْك شهودِ رؤيتك إيثارَ الله، ثمّ غَيْبتك عن التّرك). معنى إيثار إيثار الله: أن تَنسُب إيثارك إلى الله دون نفسك، وأنّه هو الذي تفرَّد بالإيثار لا أنت، فكأنّك سلَّمتَ الإيثار إليه، فإذا آثرتَ غيرَك بشيءٍ فإنّ الذي آثره هو الحقُّ لا أنت، فهو المؤثِر حقيقةً، إذ هو المعطي حقيقةً. ثمّ بيّن (٣) الشّيخ ﵀ السّببَ الذي يصحُّ به نسبةُ الإيثار إلى الله، وتركُ

стр. 1410

نسبتِه إلى نفسه، فقال: (فإنّ الخوضَ في الإيثار دعوى في المُلك). فإذا ادّعى العبد أنّه مُؤثِرٌ فقد ادّعى مُلْكَ ما آثر به غيره، والملك في الحقيقة إنّما هو لله الذي له كلُّ شيءٍ، فإذا خرج العبدُ عن دعوى الملك فقد آثر إيثارَ الله ــ وهو إعطاؤه ــ على إيثارِ نفسه، وشهد أنّ الله وحده هو المُؤثِر بملكه، وأمّا من لا مُلكَ له فأيُّ إيثارٍ له؟ وقوله: (ثمّ تَرْك شهودِ رؤيتك إيثار الله)، يعني أنّك إذا آثرتَ إيثارَ الله بتسليمك معنى الإيثار إليه، بَقِيَتْ عليك من نفسك بقيّةٌ أخرى لا بدّ من الخروج عنها، وهو أن تُعرِض عن شهودك ورؤيتِك أنّك آثرتَ الحقَّ بإيثارك، وأنّك نسبتَ الإيثار إليه لا إليك، فإنّ في شهودِك ذلك ورؤيتِك له دعوى أخرى هي أعظمُ من دعوى المُلْك، وهي أنّك ادّعيتَ أنّ لك شيئًا آثرتَ به الله وقدّمتَه على نفسك فيه، بعدَ أن كان لك (١). وهذه الدّعوى أصعبُ من الأولى، فإنّها تتضمَّنُ ما تضمَّنَتْه الأولى من الملك، وتزيد عليها برؤية الإيثار به، فالأوّل مُدّعٍ للملك مؤثرٌ به، وهذا مُدّعٍ للملك ومُدّعٍ للإيثار به (٢). فإذنْ يجب عليه تركُ شهود رؤيته لهذا الإيثار، فلا يعتقد أنّه آثرَ الله بهذا الإيثار، بل الله هو الذي استأثر به دونك، فإنّ الأَثَرة واجبةٌ له بإيجابه (٣) إيّاها لنفسه، لا بإيجاب العبد إيّاها له. قوله: (ثمّ غيبتك عن التّرك)، يريد: أنّك إذا تركتَ هذا الشُّهود وهذه

стр. 1411

الرُّؤية بقيتْ عليك بقيّةٌ أخرى، وهي رؤيتك لهذا التّرك المتضمِّنةُ (١) لدعوى ملكك للتّرك، وهي دعوى كاذبةٌ، إذ ليس للعبد شيءٌ من الأمر، ولا بيده فعلٌ (٢) ولا تركٌ، وإنّما الأمر كلُّه لله. وقد تبيَّنَ في الكشف والشُّهود والعلم والمعرفة: أنّ العبد ليس له شيءٌ أصلًا، والعبد لا يملك حقيقةً، إنّما المالك بالحقيقة سيِّده. فالأَثَرة والإيثار والاستئثار كلُّها لله ومنه وإليه، سواءٌ اختار العبد ذلك وعلمَه أو (٣) جهِلَه، أو لم يَخْتَرْه، فالأَثَرة واقعةٌ، كرِه العبد أم رضي، فإنّها استئثار المالكِ الحقِّ بمُلْكه تعالى. وقد فهمتَ من هذا المعنى قوله (٤): (فإنّ الأثرةَ تَحسُنُ طَوْعًا، وتَصِحُّ كَرْهًا). والله أعلم. * * * *

стр. 1412

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الخُلُق . قال الله تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. قال ابنُ عبّاسٍ ومجاهدٌ: لعلى دينٍ عظيمٍ، لا دينَ أحبُّ إليّ ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام (١). وقال الحسن: هو آداب القرآن (٢). وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمرِ الله، وينتهي عنه من نهيِ الله (٣). والمعنى: إنّك لعلى الخُلق الذي آثرك الله به في القرآن. وفي «الصّحيحين» (٤): أنّ هشام بن حكيمٍ سأل عائشة ﵂ عن خُلُق رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خُلُقُه القرآن، فقال: لقد هممتُ أن أقومَ فلا أسألَ شيئًا. وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].

стр. 1413

قال جعفر بن محمّدٍ ﵄: أمر الله نبيّه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آيةٌ أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية (١). وقد ذُكر أنّه لمّا نزلتْ هذه الآية قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما هذا؟»، قال: لا أدري حتّى أسأل، ثمّ رجع إليه فقال: إنّ الله يأمرك أن تَصِلَ مَن قَطعَك، وتُعطِي من حَرَمَك، وتَعفُوَ عمّن ظلمك (٢). ولا ريبَ أنّ للمُطَاع مع النّاس ثلاثةَ أحوالٍ: أحدها: أمرُهم ونهيُهم بما فيه مصلحتهم. الثّاني: أخذُه منهم ما يبذلونه ممّا عليهم من الطّاعة. الثّالث: أنّ النّاس معه قسمان: مُوافقٌ له مُوالٍ، ومُعادٍ معارضٌ. وعليه في كلِّ واحدٍ من هذه الأحوال واجبٌ. فواجبُه في أمرهم ونهيهم: أن يأمر بالمعروف، وهو المعروف الذي (٣) به صلاحُهم وصلاح شأنهم، وينهاهم عن ضدِّه. وواجبُه فيما يبذلونه له من الطّاعة: أن يأخذ منهم ما سهُلَ عليهم،

стр. 1414

وطَوَّعتْ له به أنفسُهم سَماحةً واختيارًا، ولا يَحمِلهم على العَنَت والمشقّة فيُفسِدهم. وواجبُه عند جهل الجاهلين عليه: الإعراض عنهم (١)، وعدمُ مقابلتِهم والانتقامِ منهم (٢) لنفسه،. فقال الله لنبيِّه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (٣). قال عبد الله بن الزُّبير ﵄: أمر الله نبيَّه أن يأخذَ العَفْو من أخلاق النّاس (٤). وقال مجاهدٌ: يعني خذ العفْوَ من أخلاقِ النّاس وأعمالِهم من غير تجسيس (٥). مثل قبول الاعتذار، والعفو والمساهلة، وترك الاستقصاءِ والبحثِ (٦) والتّفتيشِ عن حقائق بواطنهم. وقال ابن عبّاسٍ ﵄: خُذْ ما عفا لك من أموالهم (٧). وهو الفضل عن العيال، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ اِلْعَفْوُ كَذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. ثمّ قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، وهو كلُّ معروفٍ، وأعرَفُه: التّوحيد، ثمّ حقوق العبوديّة وحقوق العبيد.

стр. 1415

ثمّ قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، يعني إذا تَسَفَّهَ (١) عليك الجاهلُ فلا تُقابِلْه بالسَّفه، كقوله: ﴿خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]. وعلى هذا فليست بمنسوخةٍ، بل يُعرِض عنه مع إقامة حقِّ الله عليه، ولا ينتقم لنفسه. وهكذا كان خُلقه ﷺ . قال أنسٌ ﵁: «كان رسولُ الله ﷺ أحسنَ النّاس خُلُقًا» (٢). وقال: «ما مَسِسْتُ ديباجًا ولا حريرًا ألينَ من كفِّ رسول الله ﷺ ، ولا شَمِمْتُ رائحةً قطُّ أطيبَ من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خَدمتُ رسول الله ﷺ عشرَ سنين، فما قال لي أفٍّ قطُّ، ولا قال لشيءٍ فعلتُه: لِمَ فعلتَه (٣)؟ ولا لشيءٍ لم أفعلْه: ألا فعلتَ كذا؟». متّفقٌ عليهما (٤). وأخبر ﷺ أنّ البرَّ هو (٥) حسنُ الخلق، ففي «صحيح مسلمٍ» (٦) عن النَّوّاس بن سَمْعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البرِّ والإثم؟ فقال: «البرُّ حسنُ الخلق ، والإثمُ ما حاكَ في صدرك، وكرهتَ أن يطّلعَ عليه النّاسُ». فقابلَ البرَّ بالإثم، وأخبر أنّ البرّ حسنُ الخُلق، والإثم حَوَازُّ (٧)

стр. 1416

الصُّدور. وهذا يدلُّ على أنّ حسن الخلق هو الدِّين كلُّه ، وهو حقائق الإيمان، وشرائع الإسلام، ولهذا قابلَه بالإثم. وفي حديثٍ آخر: «البرُّ ما اطمأنَّتْ إليه النّفسُ، والإثم ما حاك في الصَّدر» (١)، وقد فسِّر حسنُ الخلق بأنّه البرُّ، فدلَّ على أنّ حسنَ الخلق طمأنينةُ النّفس والقلب. والإثم حَوَازُّ (٢) الصُّدور، وما حاكَ فيها، واسترابتْ به. وهذا غيرُ حسنِ الخلق وسوئِه في عُرف كثيرٍ من النّاس، كما سيأتي. وفي «الصّحيحين» (٣) عنه: «خِيارُكم أحاسِنُكم أخلاقًا». وفي التِّرمذيِّ (٤) عنه ﷺ : «ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة

стр. 1417

من حسن الخلق، وإنّ الله تعالى يُبغِضُ الفاحشَ (١) البذيء». قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفيه أيضًا وصحّحه (٢): أنّ رسول الله ﷺ سُئل عن أكثر ما يُدخِل النّاسَ الجنَّة؟ فقال: «تقوى الله وحسنُ الخلق». وسئل عن أكثر ما يُدخِلُ النّاسَ النّار؟ فقال: «الفم والفرج». وفيه أيضًا وصحّحه (٣): «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا وخيارُكم خيارُكم لنسائهم». وفي «الصّحيح» (٤) عنه ﷺ : «إنّ المؤمن لَيُدْرِك بحسنِ خُلقِه درجةَ الصّائم القائم». وفيه (٥) عنه ﷺ : «أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنّة لمن ترك المِراءَ وإن

стр. 1418

كان مُحِقًّا، وببيتٍ في وسط الجنّة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنّة لمن حسُن خلقُه». وإسناده صحيحٌ. فجعل البيت العُلْويّ جزاءً لأعلى المقامات الثّلاثة، وهي حسن الخلق؛ والأوسط لأوسطها، وهو ترك الكذب؛ والأدنى لأدناها، وهو ترك المماراة وإن كان معه حقٌّ. ولا ريبَ أنّ حسن الخلق مشتملٌ على هذا كلِّه. وفي التِّرمذيّ (١) عنه ﷺ : «إنّ من أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يوم القيامة: أحاسِنَكم أخلاقًا. وإنّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم منِّي يومَ القيامة: الثَّرثارون والمتشدِّقون والمتفيهقون». قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثّرثارون والمتشدِّقون، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبِّرون». الثّرثار: هو كثير الكلام بغير فائدةٍ دينيّةٍ. والمتشدِّق: المتكلِّم بمِلْء (٢) فيه تفاصحًا وتعاظمًا وتطاولًا، وإظهارًا لفضله على غيره، وأصله من الفَهْق وهو الامتلاء. فصل الدِّين كلُّه خُلقٌ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدِّين. وكذلك التّصوُّف، قال الكَتَّانيُّ (٣): هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخُلق فقد زاد عليك

стр. 1419

في التّصوُّف (١). وقد قيل: إنّ أحسنَ الخُلُق بذلُ النّدى، وكفُّ الأذى، واحتمال الأذى (٢). وقيل: حسنُ الخُلق: بذلُ الجميل، وكفُّ القبيح. وقيل: التّخلِّي من الرّذائل، والتّحلِّي بالفضائل. وحسنُ الخُلق يقوم على أربعة أركانٍ لا يُتصوَّر قيامُ ساقِه إلّا عليها: الصّبر، والعفّة، والشّجاعة، والعدل. فالصّبر: يحمله على الاحتمال, وكَظْمِ (٣) الغيظ، وكفِّ الأذى، والحِلْمِ والأناة والرِّفق، وعدمِ الطَّيش والعَجَلة. والعفّة: تحمله على اجتناب الرّذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله على الحياء، وهو رأس كلِّ خيرٍ. وتمنعه من الفُحش، والبخل (٤) والكذب والغيبة والنّميمة. والشّجاعة: تحمله على عزّة النّفس، وإيثارِ معالي الأخلاق والشِّيَم، وعلى البذل والنّدى الذي هو شجاعة النّفس وقوّتها على إخراج المحبوب

стр. 1420

ومفارقتِه، وتحمله على كظْم الغيظ (١) والحِلم، فإنّه بقوّة نفسه وشجاعتها أمسكَ عِنانَها، وكبَحَها بلجامها عن التسرُّع والبَطْش، كما قال النّبيُّ ﷺ : «ليس الشّديدُ بالصُّرَعة، إنّما الشّديد الذي يملك نفسَه عند الغضب» (٢). وهذه حقيقة الشّجاعة، وهي ملكةٌ يقتدر بها على قَهْر (٣) خصمه. والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسُّطِه فيها بين طرفَي الإفراط والتّفريط، فيحمله على خُلُق الجود والسّخاء الذي هو توسُّطٌ بين الإمساك والإسراف والتبذير، وعلى خُلق الحياء الذي هو توسُّطٌ بين الذُّلِّ والقِحَة، وعلى خُلق الشّجاعة الذي هو توسُّطٌ بين الجُبْن والتّهوُّر، وعلى خُلق الحِلم الذي هو توسُّطٌ بين الغضب والمَهانة وسقوط النّفس. ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة (٤). ومنشأ جميع الأخلاق السّافلة وبناؤها على أربعة أركانٍ: الجهل، والظُّلم، والشّهوة، والغضب. فالجهل: يُرِيه الحَسنَ في صورة القبيح، والقبيحَ في صورة الحسن، والكمالَ نقصًا والنّقصَ كمالًا. والظُّلم: يحمله على وضع الشّيء في غير موضعه، فيغضب في موضع

стр. 1421

الرِّضا، ويعجل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل، ويُحجِم في موضع الإقدام، أو يُقدِم في موضع الإحجام، ويَلِين في موضع الشِّدّة، ويشتدُّ في موضع اللِّين، ويتواضع في موضع العزّة، ويتكبّر في موضع التّواضع. والشّهوة: تحمله على الحرص، والشُّحِّ والبخل، وعدمِ العفّة، والنَّهْمة (١) والجَشَع، والذُّلِّ، والدَّناءاتِ (٢) كلِّها. والغضب: يحمله على الكِبر والحِقد والحسد والعدوان والسَّفَه. ويتركّب من بين كلِّ خُلقينِ من هذه أخلاقٌ مذمومةٌ. ومِلَاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النّفس في الضّعف، وإفراطها في القوّة. فيتولّد من إفراطها في الضّعف: المَهانةُ والبخل، والخِسَّة واللُّؤم، والذُّلُّ والحرص، والشُّحُّ وسَفْسَاف الأمور والأخلاق. ويتولّد من إفراطها في القوّة: الظُّلم والغضب والحدّة والفُحش والطَّيش. ويتولّد من تزوُّج أحدِ الخُلقين بالآخر أولادُ غِيَّةٍ (٣) كثيرون، فإنّ النّفس قد تجمع قوّةً وضعفًا، فيكون صاحبها أجبرَ (٤) النّاس إذا قَدر، وأذلَّهم إذا قُهِر، ظالم عَسُوفٌ جَبَّار، فإذا قُهِر صار أذلَّ من امرأةٍ، جَبانٌ عن القويِّ، جريء على الضّعيف.

стр. 1422

فالأخلاق الذّميمة تُولِّد بعضها بعضًا، كما أنّ الأخلاق الحميدة تُولِّد بعضها بعضًا. وكلُّ خُلقٍ محمودٍ مكتنَفٌ بخُلُقين ذميمين، وهو وسطٌ بينهما، وطرفاه خُلقان ذميمان، كالجود: الذي يكتنفه خُلُقا البخل والتّبذير، والتّواضع: الذي يكتنفه خُلُقا الذُّلِّ والمَهانة والكِبر والعلوِّ. فإنّ النّفس متى انحرفت عن الوسط انحرفت إلى أحد الخُلقين الذّميمين ولا بدَّ، فإذا انحرفت عن خُلق «التّواضع» انحرفت: إمّا إلى كبرٍ وعلوٍّ، وإمّا إلى ذلٍّ ومَهانةٍ وحقارةٍ. وإذا انحرفت عن خُلق «الحياء» انحرفت: إمّا إلى قِحَةٍ وجرأةٍ، وإمّا إلى عَجْزٍ وخَوَرٍ ومهانةٍ، بحيث يُطمِع في نفسه عدوّه, ويفوته كثيرٌ من مصالحه, ويزعم أنّ الحامل له على ذلك الحياء. وإنّما هو المهانة والعجز وموتُ النّفس. وكذلك إذا انحرفتْ عن خُلق «الصّبر» المحمود انحرفتْ: إمّا إلى جَزَعٍ وهَلَعٍ وجَشَعٍ وتسخُّطٍ، وإمّا إلى غِلظةِ كبدٍ وقسوةِ قلبٍ وحَجريَّةِ طبعٍ، كما قال بعضهم (١): يُبكَى علينا ولا نَبكِي على أحدٍ ... أنحنُ أغلظُ أكبادًا أم الإبلُ (٢)

стр. 1423

وإذا انحرفت عن خلق «الحِلْم» انحرفت: إمّا إلى الطَّيش والنَّزَق (١) والحدّة والخفّة، وإمّا إلى الذُّلِّ والمَهانة والحَقارة. ففرقٌ بين من حِلْمه حِلْمُ ذلٍّ ومهانةٍ وحقارةٍ وعجزٍ، وبين مَن حِلمه حلمُ اقتدارٍ وعزّةٍ وشرفٍ، كما قيل (٢): كلُّ حِلْمٍ أتى بغيرِ اقتدارٍ ... حجّةٌ لاجئٌ إليها اللِّئامُ وإذا انحرفت عن خلق «الأَناة والرِّفق» انحرفت: إمّا إلى عَجَلةٍ وطَيْشٍ وعُنْفٍ (٣)، وإمّا إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، والرِّفق والأناة بينهما. وإذا انحرفت عن خلق «العِزّة» التي وهبَها الله للمؤمنين، انحرفت: إمّا إلى كِبْرٍ، وإمّا إلى ذُلٍّ، والعزّة المحمودة بينهما. وإذا انحرفت عن خلق «الشّجاعة» انحرفت: إمّا إلى تهوُّرٍ وإقدامٍ غيرِ محمودٍ، وإمّا إلى جُبْنٍ وتأخُّرٍ مذمومٍ. وإذا انحرفت عن خلق «المنافسة في المراتب العالية والغِبطة» انحرفت: إمّا إلى حسدٍ، وإمّا إلى مَهانةٍ وعَجزٍ وذُلٍّ ورضًا بالدُّون. وإذا انحرفت عن «القناعة» (٤) انحرفت: إمّا إلى حِرصٍ وكَلَبٍ (٥)، وإمّا إلى خِسّةٍ ومَهانةٍ وإضاعةٍ.

стр. 1424

وإذا انحرفت عن خلق «الرّحمة» انحرفت: إمّا إلى قسوةٍ، وإمّا إلى ضعف قلبٍ وجُبْن نفسٍ، كمن لا يُقدِم على ذبح شاةٍ ولا إقامةِ حدٍّ ولا تأديبِ ولدٍ، ويزعم أنّ الرّحمة تحمله على ذلك. وقد ذبحَ أرحمُ الخلق بيده في موقفٍ واحدٍ ثلاثًا وستِّين بدنةً، وقطعَ الأيديَ من الرِّجال والنِّساء، وضربَ الأعناق، وأقام الحدودَ، ورجمَ بالحجارة حتّى مات المرجوم. وكان أرحمَ خلقِ الله على الإطلاق وأرأفَهم. وكذلك «طلاقةُ الوجه والبِشْرُ المحمود»، فإنّه وسطٌ بين التّعبيس والتّقطيبِ وتصعيرِ الخدِّ وطَيِّ البِشْر عن البَشَر، وبين الاسترسال بذلك مع كلِّ أحدٍ، بحيث يُذهِب الهيبة ويُزِيل الوقار ويُطمِع في الجانب، كما أنّ الانحراف الأوّل يُوقِع الوحشةَ والبِغْضةَ والنُّفرةَ في قلوب الخلق. وصاحب الخلق الوسط: مَهِيبٌ محبوبٌ، عزيزٌ جانبه، حبيبٌ لقاؤه. وفي صفة النبي ﷺ : «من رآه بديهةً هَابَه، ومن خالطَه عِشْرةً أحبَّه» (١). فصلٌ نافعٌ جدًّا عظيمُ النّفع للسّالك، يُوصِله عن قُربٍ، ويُسيِّره بأخلاقه التي لا يمكنه إزالتها، فإنّ أصعبَ ما على الطّبيعة الإنسانيّة تغيُّر الأخلاق التي طُبِعتْ عليها. وأصحابُ الرِّياضات الصّعبة والمجاهدات الشّاقّة إنّما عملوا عليها، ولم يَظْفَر أكثرهم بتبديلها, لكنّ النّفس اشتغلتْ بتلك الرِّياضات عن ظهور

стр. 1425

سلطانها, فإذا جاء سلطانُ تلك الأخلاق وبرزَ كسرَ جيوشَ الرِّياضة وشتَّتَها, واستولى على مملكة الطَّبع. وهذا فصلٌ يَصِل به السّالك مع تلك الأخلاق, ولا يحتاج إلى علاجها وإزالتها, ويكون سَيره أقوى وأجلَّ (١) وأسرعَ من سَيْرِ العامل على إزالتها. ونُقدِّم قبلَ هذا مثلًا نضربه, مطابقًا لما نريده, وهو: نهرٌ جارٍ في صَبَبِه ومنحدَرِه، مُنتهٍ إلى تغريقِ أرضٍ وعُمرانٍ ودُورٍ، وأصحابها يعلمون أنّه لا ينتهي حتّى يُخرِّب دورَهم، ويُتلِف أراضيَهم وأموالَهم. فانقسموا ثلاثَ فِرقٍ: ففرقةٌ صرفتْ قواها وقوى أعمالها إلى سَكْره (٢) وحَبْسِه وإيقافِه، فلم تصنع هذه الفرقة كبيرَ أمرٍ، فإنّه يوشك أن يجتمع ويَحمِل (٣) على السَّكْر، فيكون إفسادُه وتخريبُه أعظمَ. وفرقةٌ رأتْ هذه الحالَ، وعلمتْ أنّه لا يُغني عنها شيئًا، فقالت: لا خلاصَ من محذوره إلّا بقطعه من أصلِ المنبوع (٤)، فرامتْ قطْعه من أصله، فتعذَّر عليها ذلك غايةَ التّعذُّر، وأَبتِ الطّبيعة النَّهريّة ذلك أشدَّ الإباء، فهم دائمًا في قطع المنبوع، وكلّما سدُّوه من موضعٍ نَبعَ من موضعٍ، فاشتغل هؤلاء

стр. 1426

بشأن هذا النّهر عن الزِّراعات والعمارة وغِراس (١) الأشجار. فجاءت فرقةٌ ثالثةٌ خالفتْ رأي الفرقتين (٢)، وعلموا أنّهم قد ضاعتْ عليهم كثيرٌ من مصالحهم، فأخذوا في صرف ذلك النّهر عن مجراه المنتهي إلى خراب العمران، وصرفوه إلى موضعٍ ينتفعون بوصوله إليه ولا يتضرَّرون، فصَرَفوه إلى أرضٍ قابلةٍ للنّبات، وسَقَوها به، فأنبتتْ لهم أنواعَ العُشْب والكَلَأ والثِّمارِ المختلفة الأصناف، فكانت هذه الفرقة هم (٣) أصوب الفرق في شأن هذا النّهر. فإذا تبيّن هذا المثل، فالله سبحانه قد اقتضت حكمته: أن ركَّب الإنسان ــ بل سائر الحيوان ــ على طبيعةٍ محمولةٍ على قوّتين: غضبيّةٍ، وشهوانيّةٍ وهي الإراديّة. وهاتان القوّتان هما الحاملتان لأخلاق النّفس وصفاتها، وهما مركوزتان في جبلّة كلِّ حيوانٍ. فبقوّة الشّهوة والإرادة: يَجذِب المنافعَ إلى نفسه، وبقوّةِ الغضب: يدفع المضارَّ عنها. فإذا استعمل الشّهوة في طلب ما يحتاج إليه تولَّدَ منها الحرص، وإذا استعمل الغضب في دفع المضرّة عن نفسه تولَّدَ منه القوّة والعزَّة. فإذا أعجزَه ذلك المضادُّ (٤) أورثه قوّة الحقد، وإن أعجزه وصولُ ما يحتاج إليه ورأى غيره مستبدًّا به أورثه الحسد. وإن ظَفِرَ به أورثتْه شهوتُه وإرادته خُلقَ البخل والشُّحِّ، وإن (٥) اشتدّ حرصه

стр. 1427

وشهوته على الشّيء ولم (١) يُمكِنه تحصيلُه إلّا بالقوّة الغضبيّة، فاستعملَها فيه= أورثه ذلك العدوانَ والبغيَ والظُّلم، ومنه يتولَّدُ الكِبر والفخر والخُيَلاء، فإنّها أخلاقٌ متولّدةٌ من بين قوّتي الشّهوة والغضب، وتزوُّجِ أحدهما بصاحبه. فإذا تبيّن هذا فالنّهر مثال هاتين القوّتين، وهو مُنْصَبٌّ في حَدُورِ (٢) الطّبيعة ومجراها إلى دور القلب وعمرانه وحواصله، يُذْهِبُها ويُتلِفها ولا بدّ. فالنُّفوس الجاهلة الظّالمة تركتْه ومَجراه، فخرَّبَ ديار الإيمان، وقلعَ آثارَه، وَهدَم عُمرانَه، وأنبتَ موضعَها كلَّ شجرةٍ خبيثةٍ، من حَنْظلٍ وضَريعٍ وشَوْكٍ وزَقُّومٍ، وهو الذي يأكله أهل النّار يومَ المعاد. وأمّا النُّفوس الزّكيّة الفاضلة: فإنّها رأتْ ما يؤولُ إليه أمرُ هذا النّهر، فافترقوا ثلاثَ فِرقٍ: فأصحاب الرِّياضات والمجاهدات والخَلَوات والتمزُّقات (٣) راموا قطْعه من ينبوعه (٤)، فأبتْ ذلك حكمة الله تعالى وما طبع عليه الجبلّة البشريّة، ولم تَنْقَد له الطّبيعة، فاشتدّ القتال، ودام الحرب، وحَمِي الوطيس، وصارت الحرب دُوَلًا وسِجالًا. وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة النّفس على إزالة تلك الصِّفات.

стр. 1428

وفرقةٌ أعرضوا عنها، وشَغَلوا نفوسَهم بالأعمال، ولم يجيبوا داعيَ تلك الصِّفات، مع تخليتهم إيّاها على مجراها، لكن لم يُمكِّنوا نهرَها من إفساد عُمرانهم، بل اشتغلوا بتحصين العُمران، وإحكامِ بنائه وأساسه، ورأوا أنّ ذلك النّهر لا بدَّ أن يصل إليه، فإذا وصل إلى بناءٍ محكمٍ لم يَهدِمْه، بل يأخذ عنه يمينًا وشمالًا. فهؤلاء صرفوا قوّة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة وإحكامِ البناء، وأولئك صرفوها في قطع المادّة الفاسدة من أصلها، خوفًا على هدم البناء. وسألت يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة، وقطعِ الآفات والاشتغالِ بتنقية الطّريق وتنظيفها؟ فقال لي في (١) جملة كلامه: النّفس مثل الباطوس ــ وهو جُبُّ القَذَر ــ كلّما نَبشْتَه ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تَسْقُفَ عليه وتَعْبُره وتَجُوزَه فافعل، ولا تشتغلْ بنبشِه، فإنّك لن تصل إلى قراره، وكلّما نبشتَ شيئًا ظهر غيره. فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشُّيوخ، فقال لي: مثال آفات النّفس مثال الحيّات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبلَ على تفتيش الطّريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع، ولم يُمكِنه السّفرُ قطُّ. ولكن لِتكنْ (٢) همّتك المسير، والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرضَ لك (٣) فيها ما يَعُوقُك عن السير فاقتلْه، ثمّ امضِ على سيرك.

стр. 1429

فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدًّا، وأثنى على قائله. إذا تبيّن هذا، فهذه الفرقة الثّالثة رأتْ أنّ هذه الصِّفات ما خُلِقت سدًى ولا عبثًا، وأنّها بمنزلة ماءٍ يُسقى به الورد (١) والشَّوك والثِّمار والحطب، وأنّها صِوَانٌ (٢) وأصدافٌ لجواهرَ منطويةٍ (٣) عليها، وأنّ ما (٤) خاف منه أولئك هو نفس سبب الفلاح والظَّفَر، فرأوا أنّ الكِبْر نهرٌ يُسقى به العلوُّ والفخر والبَطَر والظُّلم والعدوان، ويُسقى به علوُّ الهمّة والأنفة والحميّة، والمراغمةُ لأعداء الله، وقهرُهم والعلوُّ عليهم. وهذه درّةٌ في صَدَفتِه، فصرفوا (٥) مجراه إلى هذا الغِراس، واستخرجوا هذه الدُّرّة من صَدفته، وأبقَوه على حاله في نفوسهم، لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع. وقد رأى النّبيُّ ﷺ أبا دُجانة يتبختر بين الصّفّين، فقال: «إنّها لَمِشيةٌ يُبغِضها الله إلّا في مثلِ هذا الموضع» (٦). فانظر كيف خَلّى مجرى هذه الصِّفة وهذا الخلقِ يجري في أحسن مواضعه.

стр. 1430

وفي الحديث الآخر ــ وأظنُّه في «المسند» (١) ــ: «إنّ من الخُيلاءِ ما يُحِبُّها الله، ومنها ما يُبغِضها، فالخيلاء التي يحبُّها الله: اختيال الرّجل في الحرب، وعند الصّدقة». فانظر كيف صارت الصِّفة المذمومة عبوديّةً؟ وكيف استحال القاطعُ مُوصِلًا؟ فصاحبُ الرِّياضات والعاملُ (٢) على قطعِ أصول هذه الصفات مجتهدٌ على قطع مادة الخُيلاء والكِبر، وهذا قد أقرَّها في موضعها وأعدَّها لأقرانها، وهو مصرِّفٌ لها في مصرفٍ يُعينه (٣) على مطلبه يُوصِله إليه. وكذلك خُلق الحسد فإنه لا يُذَمّ، وهو كالصَّدفَة لدُرَّة الغِبطة والمنافسة، كما قال النبي ﷺ في الحديث (٤) الصحيح (٥): «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا فسلَّطه على هَلكَته في الحق، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف (٦) النهار». فالحسد يُوصِل إلى المنافسة التي يحبُّها الله ويأمر بها في قوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، فلا

стр. 1431

تَعملْ على إعدام هذا الخُلقِ من نفسك، بل اصرِفْه إلى الحسد المحمود، الحامل على المنافسة في الرتب العالية وتزاحُم أهلها بالركَب. نعم، لا تَتمنَّ زوالَ نعمة الله عن عبد فتزولَ عنك ويُبقِيها عليه. وكذلك خُلق الحِرص، فإنه من أنفع الأخلاق وأَوصلِها إلى كل خير، وشدةُ الطلب بحسب قوة الحرص، فلا تعملْ على قطعها، ولكن علِّقْها بما ينفع النفسَ في معادها ويُكمِلها ويزكّيها، كما قال النبي ﷺ : «احرِصْ على ما ينفعك، واستعنْ بالله ولا تَعجِزْ» (١). فقوة الحرص لا تُذَمُّ، وإنما يُذَمُّ صرفُها إلى ما يضرُّ الحرص عليه، أو لا ينفع وغيرُه (٢) أنفعُ للعبد منه. وكذلك قوة الشهوة من أنفع القوى للعبد، وأَوصلِها إلى كماله وسعادته، فإنها تُثمِر المحبة. وبحسب شهوة العبد للكمال يكون طلبه له، وبحسب قوة شهوته للذة العيش ووصال الأحبَّة وقرة العين يكون طلبه لذلك في الجنة إن كان مؤمنًا بها موقنًا مصدقًا. فصِدْقُ الشهوة وقوتُها تَحمله على بيع مُشتهًى دنيٍّ خسيسٍ بمشتهًى أعلى منه وأجلَّ وأرفعَ. وكذلك قوة الشُّحِّ والبخل محمودة جدًّا نافعةٌ للعبد، فإنها تحمله على بخله وشُحِّه بزمانه ووقته وأنفاسه أن يُضيِّعها ويَسمَح بها لمن لا يُساوي، ويَشِحُّ أيضًا غايةَ الشحِّ على حظّه ونصيبه من الله أن يبيعَه أو يهبَه لأحدٍ من الخلق، ويشحُّ أيضًا بماله ويبخل به كلَّ البخل أن لا يكون في ميزانه، وأن يتركه لغيره يتنعَّم به، ويفوتَه هو أجره وثوابه. فالشحيح بماله المحبُّ له هو

стр. 1432

الذي لا يَسمح به لغيره، بل يأخذه بين يديه زادًا لمعاده. ومَن لا يحبُّه ولا له قدرٌ عنده يرى أن يُضيعَه ويَدَعَه للوارث أو الجائحةِ والتَّلفِ، ولا يستصحبه أمامَه. فهذا هو الزاهد في المال، والأول هو الراغب فيه المحبُّ له. وكان عبد الله بن عمر ﵄ إذا أعجبه شيءٌ من ماله قدَّمَه بين يديه (١). وهذه قاعدة مطّردة في جميع الصفات والأخلاق، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بصرفها عن مجاريها المذمومة إلى مجارٍ (٢) محمودة، وجاؤوا بصرف قوة الشهوة إلى النكاح والتسرِّيْ، حتى كان لسليمان ﵇ مائة امرأة، ولداود ﵇ تسع وتسعون، وجمع رسول الله ﷺ بين تسع، وأباح للأمة أربعًا مما طاب لهم من النساء ومن السراري بلا حصرٍ، صرفًا لقوة (٣) هذه الشهوة عن مجرى الحرام إلى مجرى الحلال الذي يحبُّه الله، وهو أحبُّ إليه من نفْلِ العبادة عند أكثر الفقهاء. وكذلك جاؤوا بصرف القوة الغضبية إلى جهاد أعداء الله والغِلظة عليهم والانتقام منهم. وكذلك جاؤوا بصرف قوة اللهو والركوب ونحوه إلى اللهو بالرمي (٤) والمسابقةِ على الخيل وركوبِها في سبيل الله، واللهو في العُرس. وكذلك شهوة استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا تُذمُّ بل تُحمد. وقد

стр. 1433

وقف النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري ﵁ واستمع قراءته، وقال: «لقد اُوتي هذا مِزمارًا من مزامير آل داود» (١). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأمره إذا حضر عنده مع الصحابة أن يُسمِعهم قراءتَه، فيقرأ وهم يسمعون (٢)، هذا كان سماع القوم، فمَن حرَّم هذا السماع أو مَن كرهه؟ وهل هذا إلّا سماع خواصّ الأولياء؟ فأين هذا من سماع المكاء والتصدية، وقرآنِ الشيطان، وآلاتِ المعازف بنغمات الشاهد؟ فلابد للروح من سَماع طيِّب تتغذَّى به، ولكن لا يستوي مَن غذاؤه العسلُ والحلوى والطيبات، ومَن غذاؤه الرجيعُ والميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ به لغير الله. ويا عجبًا إن كان أهل هذا الغذاء لا يرون آثاره على شِفاههم ووجوههم! أفلا يستحيون من معاينة أرباب البصائر ذلك عليهم؟ والمقصود أن رسوم الطبيعة وقواها لا يمكن تعطيلُها في دار الابتلاء والامتحان، فالبصير العارف يستعملها في مواضعها النافعة له، التي لا تُحرِّم عليه دينًا، ولا تَقطع عليه طريقًا، ولا تُفسِد عليه حالَه مع الله، ولا تُسْقِطه من عينه. وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب لمن هو معتن (٣) بهذا الشأن، وعاملٌ على صلاح قلبه وتزكية نفسه. وإنما دخل الداخل حيث ظنَّ أن تزكية

стр. 1434

النفس وتهذيب الأخلاق يتيسَّر (١) بطريق (٢) الرِّياضات والمجاهدات والخلوات، هيهات هيهات! إنّما يُوقِع ذلك في الآفات والشُّبهات والضّلالات، فإنّ تزكية النُّفوس مسلَّمٌ إلى الرُّسل صلوات الله وسلامُه عليهم، وإنّما بعثَهم الله لهذه التّزكية وولَّاهم إيّاها، وجعلَها على أيديهم دعوةً وتعليمًا وبيانًا وإرشادًا، لا خَلقًا ولا إلهامًا، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، وقال تعالى: ﴿(١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢]. و تزكية النُّفوس أصعبُ من علاج الأبدان وأشدُّ، فمن زكّى نفسَه بالرِّياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجئ بها الرُّسل (٣) = فهو كالمريض الذي يعالج نفسَه برأيه دونَ معرفة الطّبيب. فالرُّسل أطبّاءُ القلوب، فلا سبيل إلى صلاحها وتزكيتها إلّا على أيديهم، وبمحض الانقيادِ والتّسليم لهم. والله المستعان. فإن قلت: هل يمكن أن يكون (٤) الخُلق كسبيًّا ، أو هو أمرٌ خارجٌ عن الكسب؟

стр. 1435

قلت: يُمكِن أن يقع كسبيًّا بالتّخلُّق والتّكلُّف، حتّى يصيرَ له سَجِيّةً ومَلَكةً، وقد قال النّبيُّ ﷺ لأشجِّ عبد القيس: «إن فيك لخُلُقَينِ يحبُّهما الله: الحلم والأناة». فقال: أخُلقينِ تخلّقتُ بهما أم جَبلنَي الله عليهما؟ فقال: «بل جَبَلَك الله (١) عليهما». فقال: الحمد لله الذي جَبَلَني على خُلقينِ يُحِبُّهما الله ورسوله (٢). فدلّ على أنّ من الخلق ما هو طبيعةٌ وجِبِلَّةٌ، وما هو مكتسَبٌ. وكان النّبيُّ ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح: «اللهمّ اهْدِني لأحسنِ الأخلاق، لا يهدي لأحسنِها إلّا أنت، واصرِفْ عنِّي سيِّئ الأخلاق، لا يَصرِف عنِّي سيِّئها إلّا أنت» (٣). فذكر الكسب والقَدَر. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٤): (الخُلُق: ما يرجع إليه المتكلِّفُ من نَعْتِه). أي: خُلُق كلِّ متكلِّفٍ فهو ما اشتملتْ عليه نعوتُه، فتكلُّفه يردُّه إلى

стр. 1436

خُلُقِه، كما قيل (١): إنّ التّخلُّق يأتي (٢) دونَه الخُلُقُ وقال الآخر (٣): يُراد من القلب نِسيانُكم ... وتأبى الطِّباعُ على النّاقل فمتكلِّفُ ما ليس من نعتِه ولا شِيمتِه يرجع إلى شيمته ونعته وسجيّته, فذاك الذي يرجع إليه هو الخلق. قال (٤): (واجتمعتْ كلمةُ النّاطقين في هذا العلم: أنّ التّصوُّف هو الخلق , وجِماعُ الكلامِ فيه يدور على قطبٍ واحدٍ, وهو بذلُ المعروف وكفُّ الأذى). قلت: من النّاس من يجعلها ثلاثةً: كفُّ الأذى، واحتمال الأذى، وإيجاد الرّاحة. ومنهم من يجعلها اثنين كما قال الشّيخ ﵀: بذلُ المعروف، وكفُّ الأذى. ومنهم من يردُّها إلى واحدٍ, وهو بذل المعروف. والكلُّ صحيحٌ.

стр. 1437

قال (١): (وإنّما يُدرَك إمكانُ ذلك في ثلاثة أشياء: في العلم والجود والصّبر). فـ «العلم» يُرشِده إلى مواقع بذلِ المعروف، والفرقِ بينه وبين المنكر، وترتيبِه في وضعه مواضعَه. فلا يضع الغضبَ موضع الحلم ولا بالعكس، ولا الإمساكَ موضع البذل ولا بالعكس، بل يعرف مواقع الخير والشّرِّ ومراتبَها، وموضعَ كلِّ خلقٍ: أين يضعُه، وأين يَحسُن استعماله. و «الجود» يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه، والاستقصاء منها لحقوق غيره، فالجود هو قائد جيوش الخير. و «الصّبر» يحفظ عليه استدامةَ ذلك، ويَحمِله على الاحتمالِ، وكظْمِ (٢) الغيظ، وكفِّ الأذى، وعدم المقابلة، وعلى كلِّ خيرٍ، كما تقدّم. وهو أكبر العون على نيلِ كلِّ مطلوبٍ من خير الدُّنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. فهذه الثّلاثة (٣) أشياء بها يُدرَك التّصوُّف (٤)، والتّصوُّف: زاويةٌ من زوايا السُّلوك الحقيقيِّ، وهو تزكية النّفس وتهذيبها، لتستعدَّ لسيرها إلى صحبةِ الرّفيق الأعلى، ومعيّةِ من تُحِبُّه، فإنّ المرء مع من أحبّ. كما قال سَمْنون: ذهب المحبُّون بشرف الدُّنيا والآخرة، فإنّ المرء مع من أحبّ (٥).

стр. 1438

فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: أن تَعرِف مقام الخلق، وأنّهم بأقدارِهم مربوطون، وفي طاقتهم محبوسون، وعلى الحكم موقوفون. فتستفيد بهذه المعرفة ثلاثة أشياء: أمْنَ الخلق منك حتّى الكلب، ومحبّة الخلق إيّاك، ونجاة الخلق بك). يُريد بهذه الدّرجة: تحسينَ الخُلُق مع الخَلْق في معاملتهم وكيفيّة مصاحبتهم، وبالثّانية: تحسينَ الخُلُق مع الله في معاملته، وبالثّالثة: درجة الفناء على أصله. فقال: إذا عرفتَ مقام الخلق ومقاديرهم، وجريانَ الأحكام القدريّة عليهم، وأنّهم مقيّدون بالقدر، لا خروجَ لهم عنه البتّةَ، ومحبوسون في قدرتهم وطاقتهم، لا يُمكِنهم تجاوزُها إلى غيرها، وأنّهم موقوفون على الحكم الكونيِّ القدريِّ لا يتعدَّونه= استفدتَ بهذه المعرفة ثلاثة أشياء: أمْن الخلق منك، وذلك أنّه إذا نظر إليهم بعين الحقيقة لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه، وامتثلَ فيهم أمرَ الله لنبيِّه ﷺ بأخذ العفو منهم، فأَمِنوا من تكليفِه إيّاهم وإلزامِه لهم ما ليس في قواهم وقُدَرهم. وأيضًا فإنّهم يأمنون لائمتَه، فإنّه في هذه الحال عاذِرٌ لهم فيما يجري عليهم من الأحكام فيما لم يأمر الشّرع بإقامته فيهم، لأنّهم إذا كانوا محبوسين في طاقتهم فينبغي مطالبتُهم بما يُطالَب به المحبوس، وعذْرهم بما

стр. 1439

يُعذَر به المحبوس. وإذا بدا منهم في حقِّك تقصيرٌ أو إساءةٌ أو تفريطٌ فلا تُقابِلْهم به ولا تُخاصِمْهم، بل اغفِرْ لهم (١) ذلك واعذُرْهم، نظرًا إلى جريان الأحكام عليهم وأنّهم آلةٌ. وهاهنا ينفعك الفناء بشهود الحقيقة عن شهود جِنايتهم عليك، كما قال بعض العارفين لرجلٍ تعدّى عليه وظلمه: إن كنتَ ظالمًا فالّذي سلَّطَك عليَّ ليس بظالمٍ. وهاهنا للعبد عشرة مشاهد (٢) فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه. أحدها: المشهد الذي ذكره الشّيخ ﵀، وهو مشهد القَدَر ، وأنّ ما جرى عليه بمشيئة الله وقضائه وقدره، يراه كالتّأذِّي بالحرِّ والبرد، والمرضِ والألم، وهبوبِ الرِّياح، وانقطاعِ الأمطار، فإنّ الكلّ أوجبتْه مشيئة الله، فما شاء الله كان ووجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده. وإذا شهد هذا استراح، وعلِمَ أنّه كائنٌ لا مَحالةَ، فما للجَزَع منه وجهٌ، وهو كالجزع من الحرِّ والبرد والمرض والموت. المشهد الثّاني: مشهد الصّبر ، فيشهده ويشهد وجوبَه، وحسنَ عاقبته، وجزاء أهله، وما يترتَّب عليه من الغبطة والسُّرورِ وتخلُّصِه من ندامة المقابلة والانتقام، فما انتقم أحدٌ لنفسه قطُّ إلّا أعقبَه ذلك ندامةً، وعلمَ أنّه إن لم يصبر اختيارًا على هذا ــ وهو محمودٌ ــ صبر اضطرارًا على أكثر منه وهو مذمومٌ.

стр. 1440

فصل المشهد الثّالث: مشهد العفو والصّفح والحِلم، فإنّه (١) متى شهدَ ذلك وفضْلَه وحلاوتَه وعِزّتَه= لم يَعدِلْ عنه إلّا لغَبَشٍ في بصيرته، فإنّه ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلّا عِزًّا كما صحّ ذلك عن النّبيِّ ﷺ (٢)، وعُلِمَ بالتّجربة والوجود. وما انتقَم أحدٌ لنفسِه إلّا ذلَّ. هذا، وفي الصّفح والعفو والحلم: من الحلاوة والطُّمأنينة والسّكينة، وشرفِ النّفس وعزِّها (٣) ورفعتِها عن تشفِّيها بالانتقام= ما ليس شيءٌ منه في المقابلة والانتقام. فصل المشهد الرّابع: مشهد الرِّضا ، وهو فوق مشهد العفو والصّفح، وهذا لا يكون إلّا للنُّفوس المطمئنّة، سيّما إن كان ما أُصيبتْ به سببُه القيام لله، فإذا كان ما أصيبتْ به في الله وفي مرضاته ومحبّته رضيتْ بما نالها في الله. وهذا شأنُ كلِّ محبٍّ صادقٍ يرضى بما يناله في رضا محبوبه من المكاره، ومتى تسخَّط به وتشكّى منه كان ذلك دليلًا على كذبه في محبّته، والواقع شاهدٌ بذلك. والمحبُّ الصّادق كما قال (٤):
следующие страницы →