← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

خُلُقِه، كما قيل (١): إنّ التّخلُّق يأتي (٢) دونَه الخُلُقُ وقال الآخر (٣): يُراد من القلب نِسيانُكم ... وتأبى الطِّباعُ على النّاقل فمتكلِّفُ ما ليس من نعتِه ولا شِيمتِه يرجع إلى شيمته ونعته وسجيّته, فذاك الذي يرجع إليه هو الخلق. قال (٤): (واجتمعتْ كلمةُ النّاطقين في هذا العلم: أنّ التّصوُّف هو الخلق , وجِماعُ الكلامِ فيه يدور على قطبٍ واحدٍ, وهو بذلُ المعروف وكفُّ الأذى). قلت: من النّاس من يجعلها ثلاثةً: كفُّ الأذى، واحتمال الأذى، وإيجاد الرّاحة. ومنهم من يجعلها اثنين كما قال الشّيخ ﵀: بذلُ المعروف، وكفُّ الأذى. ومنهم من يردُّها إلى واحدٍ, وهو بذل المعروف. والكلُّ صحيحٌ.

стр. 1437

قال (١): (وإنّما يُدرَك إمكانُ ذلك في ثلاثة أشياء: في العلم والجود والصّبر). فـ «العلم» يُرشِده إلى مواقع بذلِ المعروف، والفرقِ بينه وبين المنكر، وترتيبِه في وضعه مواضعَه. فلا يضع الغضبَ موضع الحلم ولا بالعكس، ولا الإمساكَ موضع البذل ولا بالعكس، بل يعرف مواقع الخير والشّرِّ ومراتبَها، وموضعَ كلِّ خلقٍ: أين يضعُه، وأين يَحسُن استعماله. و «الجود» يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه، والاستقصاء منها لحقوق غيره، فالجود هو قائد جيوش الخير. و «الصّبر» يحفظ عليه استدامةَ ذلك، ويَحمِله على الاحتمالِ، وكظْمِ (٢) الغيظ، وكفِّ الأذى، وعدم المقابلة، وعلى كلِّ خيرٍ، كما تقدّم. وهو أكبر العون على نيلِ كلِّ مطلوبٍ من خير الدُّنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. فهذه الثّلاثة (٣) أشياء بها يُدرَك التّصوُّف (٤)، والتّصوُّف: زاويةٌ من زوايا السُّلوك الحقيقيِّ، وهو تزكية النّفس وتهذيبها، لتستعدَّ لسيرها إلى صحبةِ الرّفيق الأعلى، ومعيّةِ من تُحِبُّه، فإنّ المرء مع من أحبّ. كما قال سَمْنون: ذهب المحبُّون بشرف الدُّنيا والآخرة، فإنّ المرء مع من أحبّ (٥).

стр. 1438

فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: أن تَعرِف مقام الخلق، وأنّهم بأقدارِهم مربوطون، وفي طاقتهم محبوسون، وعلى الحكم موقوفون. فتستفيد بهذه المعرفة ثلاثة أشياء: أمْنَ الخلق منك حتّى الكلب، ومحبّة الخلق إيّاك، ونجاة الخلق بك). يُريد بهذه الدّرجة: تحسينَ الخُلُق مع الخَلْق في معاملتهم وكيفيّة مصاحبتهم، وبالثّانية: تحسينَ الخُلُق مع الله في معاملته، وبالثّالثة: درجة الفناء على أصله. فقال: إذا عرفتَ مقام الخلق ومقاديرهم، وجريانَ الأحكام القدريّة عليهم، وأنّهم مقيّدون بالقدر، لا خروجَ لهم عنه البتّةَ، ومحبوسون في قدرتهم وطاقتهم، لا يُمكِنهم تجاوزُها إلى غيرها، وأنّهم موقوفون على الحكم الكونيِّ القدريِّ لا يتعدَّونه= استفدتَ بهذه المعرفة ثلاثة أشياء: أمْن الخلق منك، وذلك أنّه إذا نظر إليهم بعين الحقيقة لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه، وامتثلَ فيهم أمرَ الله لنبيِّه ﷺ بأخذ العفو منهم، فأَمِنوا من تكليفِه إيّاهم وإلزامِه لهم ما ليس في قواهم وقُدَرهم. وأيضًا فإنّهم يأمنون لائمتَه، فإنّه في هذه الحال عاذِرٌ لهم فيما يجري عليهم من الأحكام فيما لم يأمر الشّرع بإقامته فيهم، لأنّهم إذا كانوا محبوسين في طاقتهم فينبغي مطالبتُهم بما يُطالَب به المحبوس، وعذْرهم بما

стр. 1439

يُعذَر به المحبوس. وإذا بدا منهم في حقِّك تقصيرٌ أو إساءةٌ أو تفريطٌ فلا تُقابِلْهم به ولا تُخاصِمْهم، بل اغفِرْ لهم (١) ذلك واعذُرْهم، نظرًا إلى جريان الأحكام عليهم وأنّهم آلةٌ. وهاهنا ينفعك الفناء بشهود الحقيقة عن شهود جِنايتهم عليك، كما قال بعض العارفين لرجلٍ تعدّى عليه وظلمه: إن كنتَ ظالمًا فالّذي سلَّطَك عليَّ ليس بظالمٍ. وهاهنا للعبد عشرة مشاهد (٢) فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه. أحدها: المشهد الذي ذكره الشّيخ ﵀، وهو مشهد القَدَر ، وأنّ ما جرى عليه بمشيئة الله وقضائه وقدره، يراه كالتّأذِّي بالحرِّ والبرد، والمرضِ والألم، وهبوبِ الرِّياح، وانقطاعِ الأمطار، فإنّ الكلّ أوجبتْه مشيئة الله، فما شاء الله كان ووجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده. وإذا شهد هذا استراح، وعلِمَ أنّه كائنٌ لا مَحالةَ، فما للجَزَع منه وجهٌ، وهو كالجزع من الحرِّ والبرد والمرض والموت. المشهد الثّاني: مشهد الصّبر ، فيشهده ويشهد وجوبَه، وحسنَ عاقبته، وجزاء أهله، وما يترتَّب عليه من الغبطة والسُّرورِ وتخلُّصِه من ندامة المقابلة والانتقام، فما انتقم أحدٌ لنفسه قطُّ إلّا أعقبَه ذلك ندامةً، وعلمَ أنّه إن لم يصبر اختيارًا على هذا ــ وهو محمودٌ ــ صبر اضطرارًا على أكثر منه وهو مذمومٌ.

стр. 1440

فصل المشهد الثّالث: مشهد العفو والصّفح والحِلم، فإنّه (١) متى شهدَ ذلك وفضْلَه وحلاوتَه وعِزّتَه= لم يَعدِلْ عنه إلّا لغَبَشٍ في بصيرته، فإنّه ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلّا عِزًّا كما صحّ ذلك عن النّبيِّ ﷺ (٢)، وعُلِمَ بالتّجربة والوجود. وما انتقَم أحدٌ لنفسِه إلّا ذلَّ. هذا، وفي الصّفح والعفو والحلم: من الحلاوة والطُّمأنينة والسّكينة، وشرفِ النّفس وعزِّها (٣) ورفعتِها عن تشفِّيها بالانتقام= ما ليس شيءٌ منه في المقابلة والانتقام. فصل المشهد الرّابع: مشهد الرِّضا ، وهو فوق مشهد العفو والصّفح، وهذا لا يكون إلّا للنُّفوس المطمئنّة، سيّما إن كان ما أُصيبتْ به سببُه القيام لله، فإذا كان ما أصيبتْ به في الله وفي مرضاته ومحبّته رضيتْ بما نالها في الله. وهذا شأنُ كلِّ محبٍّ صادقٍ يرضى بما يناله في رضا محبوبه من المكاره، ومتى تسخَّط به وتشكّى منه كان ذلك دليلًا على كذبه في محبّته، والواقع شاهدٌ بذلك. والمحبُّ الصّادق كما قال (٤):

стр. 1441

من أجلك قد جعلتُ خَدِّي أرضَا ... للشّامت والحسود حتّى تَرضَى ومن لم يرضَ بما (١) يُصيبه في سبيل محبوبه فلينزِلْ عن درجة المحبِّ وليتأخَّر، فليس من ذا الشّأن. فصل المشهد الخامس: مشهد الإحسان ، وهو أرفع ممّا قبله. وهو أن يُقابِل إساءةَ المسيء إليه بالإحسان، فيُحسِن إليه كلّما أساء هو إليه، ويُهوِّن هذا عليه علمُه بأنّه قد ربِحَ عليه، وأنّه قد أهدى إليه حسناتِه، ومحاها من صحيفته، فأثبتها في صحيفة من أساء إليه، فينبغي لك أن تشكره، وتُحسِن إليه بما لا نسبةَ له إلى ما أحسن به إليك. وهاهنا ينفع استحضارُ مسألة اقتضاءِ الهبة الثّوابَ (٢). وهذا المسكين قد وهبَك حسناتِه، فإن كنتَ من أهل الكرم فأَثِبْه عليها، لتثبتَ الهبة، وتأمنَ رجوعَ الواهب فيها. وفي هذا حكاياتٌ معروفةٌ عن أرباب المكارم وأهلِ العزائم. ويُهوِّنه عليك أيضًا: علمُك بأنّ (٣) الجزاء من جنس العمل. فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوتَ عنه، وأحسنتَ إليه، مع حاجتك وضعفك وفقرِك وذُلِّك. فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغنيُّ بك (٤) في إساءتك، يقابلها بما قابلتَ به إساءةَ عبده إليك، فهذا لا بدّمنه. وشاهِدُه في

стр. 1442

السُّنّة من وجوهٍ كثيرةٍ لمن تأمّلَها. فصل المشهد السّادس: مشهد السّلامة وبِرِّ القلب , وهذا مشهدٌ شريفٌ جدًّا لمن عرفه وذاقَ حلاوته. وهو أن لا يَشْغَل قلْبَه وسِرَّه بما ناله من الأذى، وطلبِ الوصول إلى دَركِ ثأره وشفاءِ نفسه، بل يُفرِّغ قلبه من ذلك، ويرى أنّ سلامته وبِرَّه وخُلوَّه منه أنفعُ له (١) وألذُّ وأطيبُ، وأعونُ على مصالحه. فإنّ القلب إذا اشتغل بشيءٍ فاتَه ما هو أهمُّ عنده وخيرٌ له منه، فيكون بذلك مغبونًا، والرّشيد لا يرضى بذلك، ويراه من تصرُّفات السّفيه. فأين سلامة القلب من امتلائه بالغَبْن والوساوس، وإعمال الفكر في إدراك الانتقام؟ فصل المشهد السّابع: مشهد الأمن ، فإنّه إذا ترك المقابلة والانتقام (٢) أَمِنَ ما هو شرٌّ من ذلك، وإذا انتقم واقَعَه الخوفُ ولا بدَّ، فإنّ ذلك يزرع العداوة، والعاقل لا يأمن عدوَّه ولو كان حقيرًا، فكم من حقيرٍ أردى عدوَّه الكبير. فإذا غفر ولم ينتقم ولم يُقابِل أمِنَ من تولُّد العداوة أو زيادتها (٣). ولا بدّ أنّ عفوه وحلمه وصفْحَه يكسِر عنه شوكةَ عدوِّه، ويَكُفُّ من غَرْ بِه (٤)، بعكس

стр. 1443

الانتقام. والواقع شاهدٌ بذلك أيضًا. فصل المشهد الثّامن: مشهد الجهاد ، وهو أن يشهد تولُّدَ أذى النّاس له عن جهاده في سبيل الله، وأمرِهم بالمعروف، ونهيِهم عن المنكر، وإقامةِ دين الله، وإعلاءِ كلماته. وصاحب هذا المقام قد اشترى الله منه نفسَه ومالَه وعِرْضه بأعظم الثّمن، فإن أراد أن يُسلَّم إليه الثّمنُ فليسلِّم هو السِّلعةَ ليستحقَّ ثمنَها. فلا حقَّ له على من آذاه، ولا شيء له قِبَلَه، إن كان قد رضي بعقد هذا التّبايع، فإنّه قد وجب أجره على الله. وهذا ثابتٌ بالنّصِّ وإجماع الصّحابة ﵃، ولهذا منع النّبيُّ ﷺ المهاجرين من سكنى مكّة أعزَّها الله (١)، ولم يَرُدَّ على أحدٍ منهم داره ولا مالَه الذي أخذه الكفّار، ولم يُضمِّنهم ديةَ من قتلوه في سبيل الله. ولمّا عزم الصِّدِّيق ﵁ على تضمين (٢) أهل الرِّدّة ما أتلفوه من نفوس المسلمين وأموالهم، قال له عمر بن الخطّاب ﵁ بمشهدٍ من الصّحابة ﵃: تلك دماءٌ وأموالٌ ذهبتْ في الله، وأجورُها على الله، ولا

стр. 1444

ديةَ لشهيدٍ. فأصفقَ (١) الصّحابةُ على قول عمر، ووافقَه عليه الصِّدِّيق (٢). فمن قام لله حتّى أُوذِي في الله حرّم عليه الانتقام، كما قال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. فصل المشهد التّاسع: مشهد النِّعمة ، وذلك من وجوهٍ: أحدها: أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعلَه مظلومًا يرتقب النّصر، ولم يجعله ظالمًا يرتقب المَقْت والأخذ، فلو خُيِّر العاقل بين الحالتين ــ ولا بدّ من إحداهما ــ لاختار أن يكون مظلومًا. ومنها: أن يشهد نعمة الله عليه في التّكفير بذلك من خطاياه، فإنّه ما أصاب المؤمنَ من همٍّ ولا غمٍّ ولا أذًى إلّا كفّر الله به من خطاياه (٣)، فذلك في الحقيقة دواءٌ يُستخرج به منه أدواء الخطايا والذُّنوب. ومن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلِّها وأسقامه، ولم يُداوِه في الدُّنيا بدواءٍ يوجب له الشِّفاء= فهو مغبونٌ سفيهٌ. فأذى الخلقِ لك كالدّواء الكريه من الطّبيب المشفق عليك، فلا

стр. 1445

تنظرْ إلى كراهة الدّواء ومن كان على يديه، وانظر إلى شفقة الطّبيب الذي ركّبه لك، وبعثه إليك على يَدَي مَن نفعك بمضرّته (١). ومنها: أن يشهد كون تلك البليّة أهونَ وأسهلَ من غيرها، فإنّه ما محنةٌ إلّا وفوقها ما هي أقوى منها وأمرُّ. فإن لم يكن فوقها محنةٌ في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده، وأنّ كلَّ مصيبةٍ دون مصيبة الدِّين جَلَلٌ (٢)، وأنّها في الحقيقة نعمةٌ، والمصيبة الحقيقيّة مصيبة الدِّين. ومنها: توفية أجرها وثوابها يومَ الفقر والفاقة. وفي بعض الآثار: أنّه يتمنّى أناسٌ يوم القيامة أنّ جلودهم (٣) كانت تُقْرَض بالمقاريض، لِما يَرون من ثواب أهل البلاء (٤). هذا، وإنّ العبد ليشتدُّ فرحُه يوم القيامة بما له قِبَلَ (٥) النّاس من الحقوق في المال والنّفس والعرض، فالعاقل يعدُّ هذا ذُخْرًا ليوم الفقر والفاقة، ولا يُبطِله بالانتقام الذي لا يُجدِي عليه شيئًا.

стр. 1446

فصل المشهد العاشر: مشهد الأسوة ، وهو مشهدٌ لطيفٌ شريفٌ جدًّا، فإنّ العاقل اللّبيب يرضى أن يكون له أسوةٌ برسل الله وأنبيائه وأوليائه وخاصَّتِه من خلقه، فإنّهم أشدُّ الخَلْق امتحانًا بالنّاس، وأذى النّاسِ إليهم أسرعُ من السَّيل في الحَدُور. ويكفي تدبُّر قصص الأنبياء ﵈ مع أممهم، وشأنِ نبيِّنا ﷺ وأذى أعدائه له بما لم يُؤذَ به مَن (١) قبله. وقد قال له ورقة بن نوفلٍ: لَتُكذَّبنَّ ولتُخْرَجَنّ ولَتُؤْذَيَنّ (٢). وقال له: ما جاء أحدٌ بمثل ما جئتَ به إلّا عُودِي (٣). وهذا مستمرٌّ في ورثته كما كان (٤) في موروثهم ﷺ . أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوةٌ بخيار خَلْق الله وخواصِّ عباده: الأمثل فالأمثل؟ ومن أحبَّ معرفة ذلك فليقفْ على مِحَن العلماء، وأذى الجهّال لهم. وقد صنّف في ذلك ابن زَبْر (٥) كتابًا سمّاه «مِحَن العلماء».

стр. 1447

فصل المشهد (١) الحادي عشر: وهو أجلُّ المشاهد وأرفعها: مشهد التوحيد ، فإذا امتلأ قلبه بمحبّة الله تعالى، والإخلاصِ له ومعاملته، وإيثارِ مرضاته، والتّقرُّب إليه، وقرّتْ عينه بالله (٢)، وابتهجَ قلبه بحبِّه والأنسِ به، واطمأنّ إليه، وسكنَ إليه، واشتاق إلى لقائه، واتّخذه وليًّا دونَ ما سواه، بحيث فوَّض إليه أمورَه كلّها، ورضي به وبأقضيته، وفَنِيَ بحبِّه وخوفه ورجائه وذكره والتّوكُّل عليه عن كلِّ ما سواه= فإنّه (٣) لا يبقى في قلبه متّسَعٌ لشهودِ أذى النّاس له البتّةَ، فضلًا عن أن يشتغل (٤) قلبه وفكره وسِرُّه بتطلُّب الانتقام والمقابلة، فهذا لا يكون إلّا من قلبٍ ليس فيه ما يُغنِيه عن ذلك ويُعوِّضه منه، فهو قلبٌ جائعٌ غير شَبعانَ، فإذا رأى أيّ طعامٍ رآه هَفَتْ إليه نوازِعُه، وانبعثتْ إليه دواعِيه. وأمّا من امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها فإنّه لا يلتفت إلى ما دونها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فصل وأمّا قوله: (إنه يستفيد بمعرفة أقدار النّاس، وجريانِ الأحكام عليهم: محبَّتَهم له، ونجاتَهم به)، فلأنّه إذا عاملَهم بهذه المعاملة: من إقامة أعذارِهم، والعفوِ عنهم، وتركِ مقابلتهم= اشتدَّت محبَّتُهم له، وكان ذلك سببًا لنجاتهم

стр. 1448

الأخرويّة أيضًا، إذ يُرشِدهم ذلك إلى القبول منه وتلقِّي ما يأمرهم به وينهاهم عنه أحسنَ التّلقِّي. هذه طِباع النّاس. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: تحسين خُلُقك مع الحقِّ. وتحسينُه منك: أن تَعلم أنّ كلّ ما يأتي منك يُوجِب عذرًا، وأنّ كلّ ما يأتي من الحقِّ يوجب شكرًا، وأن لا تَرى له من الوفاء بدًّا). هذه الدّرجة مبنيّةٌ على قاعدتين. إحداهما: أن تعلم أنّك ناقصٌ، وكلُّ ما يأتي من النّاقص ناقصٌ، فهو يوجب اعتذاره منه لا محالة. فعلى العبد أن يعتذر إلى ربِّه من كلِّ ما يأتي به من خيرٍ أو شرٍّ، أمّا الشّرُّ فظاهرٌ، وأمّا الخير فيعتذر من نقصانه، ولا يراه صالحًا لربِّه. فهو مع إحسانه معتذرٌ في إحسانه، ولذلك مدح الله أولياءه بالوجَل منه مع إحسانهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وقال النّبيُّ ﷺ : «هو الرّجل يصوم ويتصدّق، ويخاف أن لا يُقبلَ منه» (٢). فإذا خاف فهو بالاعتذار أولى. والحامل له على هذا الاعتذار أمران:

стр. 1449

أحدهما: شهود تقصيره ونقصانه. والثّاني: صدقُ محبّته. فإنّ المحبّ الصّادق يتقرّب إلى محبوبه بغاية إمكانه، وهو معتذرٌ إليه غاية الاعتذار، مستحيٍ (١) منه أن يواجهه بما واجهه به، يرى أنّ قدْره فوقه وأجلُّ منه. وهذا مُشاهَدٌ في محبّة المخلوقين. القاعدة الثّانية: استعظام كلِّ ما يصدر منه سبحانه إليك، والاعتراف بأنّه يوجب الشُّكر عليك ، وأنّك عاجزٌ عن شكره. ولا يتبيّن هذا إلّا في المحبّة الصّادقة، فإنّ المحبّ يستكثر من محبوبه كلَّ ما يناله. فإذا ذكره بشيءٍ وأعطاه إيّاه كان سروره بذكره له، وتأهيله بعطائه، أعظمَ عنده من سروره بذلك المعطَى، بل يغيب بسروره بذكره له عن سروره بالعطيّة (٢). وإذا كان المحبُّ يسرُّه ذِكرُ محبوبه له وإن نالَه بمساءةٍ، كما قال القائل (٣): لئن ساءني أن نِلْتِني بمَساءةٍ ... فقد سَرّني أنِّي خَطرتُ ببالك فكيف إذا ناله محبوبٌ بمسرّةٍ وإن دَقَّتْ، فإنّه لا يراها إلّا جليلةً خطيرةً (٤)؟ فكيف هذا مع أنّ الرّبِّ تعالى لا يأتي منه أبدًا إلّا الخيرُ؟ ويستحيل خلافُ ذلك في حقِّه، كما يستحيل عليه خلافُ كماله. وقد أفصح

стр. 1450

أعرفُ الخلق بربِّه عن هذا بقوله: «والشّرُّ ليس إليك» (١)، أي: لا يُضاف إليك، ولا يُنسَب إليك، ولا يَصدُر منك. فإنّ أسماءه كلَّها حسنى، وصفاته كلّها كمالٌ، وأفعاله كلّها فضلٌ وعدلٌ، وحكمةٌ ورحمةٌ ومصلحةٌ. فبأيِّ وجهٍ يُنسَب الشّرُّ إليه ؟ فكلُّ ما يأتي منه فله عليه الحمد والشُّكر، وله فيه النِّعمة والفضل. قوله: (وأن لا ترى له من الوفاء بدًّا)، يعني: أنّ معاملتك للحقِّ سبحانه بمقتضى (٢) الاعتذارِ من كلِّ ما منك، والشُّكرِ على ما منه= عقدٌ مع الله تعالى لازمٌ لك أبدًا، لا ترى من الوفاء به لله بدًّا. فليس ذلك بأمرٍ عارضٍ وحالٍ يَحُول، بل عقدٌ لازمٌ عليك الوفاء به إلى يوم لقائه. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّالثة: التّخلُّق (٤) بتصفية الخلق، ثمّ الصُّعود عن تفرقة التّخلُّق، ثمّ التّخلُّق بمجاوزة الأخلاق). هذه الدّرجة تتضمن ثلاثة أشياء: أحدها: تصفية الخُلُق بتكميل ما ذكر في الدّرجتين قبله، فتُصفِّيه من كلِّ شائبةٍ وقذًى ومُشوِّشٍ.

стр. 1451

فإذا فعلتَ ذلك صعدتَ من تفرقته إلى جمعيّتك على الله، فإنّ التّخلُّق والتّصوُّف تهذيبٌ واستعدادٌ للجمعيّة. وإنّما سمّاه تفرقةً لأنّه اشتغالٌ بالغير، والسُّلوك يقتضي الإقبال بالكلِّيّة، والاشتغالَ بالرّبِّ وحده عمّا سواه. ثمّ يصعد إلى ما (١) فوق ذلك، وهو مجاوزة الأخلاق كلِّها بأن يغيب عن الخلق والتّخلُّق (٢). وهذه الغَيبة لها مرتبتان عندهم: إحداهما: الاشتغال بالله عن كلِّ ما سواه. والثّانية: الفناء في الفردانيّة التي يُسمُّونها حضرةَ الجمع، وهي أعلى الغايات عندهم. وهي مَوهبيّةٌ لا كسبيّةٌ، لكنّ العبد إذا تعرَّضَ وصدق في الطّلب رُجِي له الظَّفرُ بمطلوبه. والله أعلم. فصل و مدار حسن الخلق مع الخلق ومع الحق: على حرفين، ذكرهما الشيخ عبد القادر الكيلانيُّ ﵀ فقال: كُنْ مع الحقِّ بلا خَلْقٍ، ومع الخَلْق بلا نفسٍ (٣). فتأمّلْ، ما أجلَّ هاتين الكلمتين مع اختصارهما، وما أجمعَهما لقواعد السُّلوك ولكلِّ خلقٍ جميلٍ! وفساد الخُلق إنّما ينشأ من توسُّطِ الخَلق بينك وبين الله، وتوسُّطِ النّفس بينك وبين خلقه. فمتى عزلتَ الخَلق حالَ كونك

стр. 1452

مع الله، وعزلتَ النّفس حالَ كونك مع الخَلق= فقد فُزتَ بكلِّ ما أشار إليه القوم، وشَمَّروا إليه، وحاموا حولَه. والله المستعان. * * * *

стр. 1453

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التّواضع. قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا﴾ [الفرقان: ٦٣]، أي سكينةً ووقارًا، متواضعين، غير أشِرِين، ولا مَرِحين، ولا متكبِّرين. قال الحسن ﵁: علماء حلماء (١). وقال محمّد بن الحنفيّة ﵁: أصحاب وقارٍ وعفّةٍ لا يَسفَهون، وإن سُفِه عليهم حَلُموا (٢). والهَوْن بالفتح في اللُّغة: الرِّفق واللِّين، والهُوْن بالضّمِّ: الهَوان. فالمفتوح صفة أهل الإيمان، والمضموم صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله. وقال تعالى: ﴿(٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى﴾ [المائدة: ٥٤]. لمّا كان الذُّلُّ منهم ذلَّ رحمةٍ وعَطْفٍ وشَفَقةٍ وإخباتٍ= عدّاه بأداة «على» تضمينًا لمعاني هذه الأفعال، فإنّه لم يردْ به ذُلّ الهَوان الذي صاحبه ذليلٌ، وإنّما هو ذلُّ اللِّين والانقياد الذي صاحبه ذَلولٌ. فالمؤمن ذلولٌ، كما في الحديث: «المؤمن كالجمل الذَّلول» (٣)، والمنافق والفاسق ذليلٌ. وأربعةٌ

стр. 1454

يَعْشَقهم الذُّلُّ أشدَّ العشق: الكذّاب، والنّمّام، والبخيل، والجبان. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى﴾ هو من عزّة القوّة والمنعة والغلبة. قال عطاءٌ ﵁: للمؤمنين كالولد لوالده، وعلى الكافرين كالسَّبُع على فريسته (١). كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وهذا عكسُ حالِ من قيل فيهم (٢): كِبرًا علينا وجُبنًا عن (٣) عدوِّكُمُ ... لبئستِ الخَلَّتانِ الكِبْرُ والجُبُنُ وفي «صحيح مسلمٍ» (٤) من حديث عِياض بن حِمارٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله أوحى إليّ أن تواضَعُوا، حتّى لا يفخرَ أحدٌ على أحدٍ، ولا يَبغِي أحدٌ على أحدٍ». وفي «صحيح مسلمٍ» (٥) عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخلُ الجنّةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرّةٍ من كِبْرٍ».

стр. 1455

وفي «الصّحيحين» (١) مرفوعًا: «ألا أُخبِركم بأهل النّار؟ كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُستكبرٍ». وفي حديث احتجاج الجنّة والنّار أنّ النّار قالت: «ما لي لا يدخلني إلّا الجبّارون، والمتكبِّرون؟» وهو في «الصّحيح» (٢). وفي «صحيح مسلمٍ» (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : العزّة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فقد عذَّبتُه». وفي جامع التِّرمذيِّ (٤) مرفوعًا: «لا يزال الرّجلُ يذهبُ بنفسه حتّى يُكتَب في ديوان الجَبَّارين، فيُصِيبه ما أصابهم». وكان النّبيُّ ﷺ يمرُّ على الصِّبيان فيُسَلِّم عليهم (٥). وكانت الأَمة تأخذُ بيده ﷺ ، فتَنْطلِقُ به حيثُ شاءت (٦).

стр. 1456

وكان إذا أكلَ لَعِقَ أصابعَه الثّلاث (١). وكان يكون في بيته في خدمة أهله (٢). ولم يكن ينتقم لنفسه قطُّ (٣). وكان يَخْصِفُ نعلَه، ويُرقِّع ثوبَه، ويَحلُب الشّاة لأهله، ويَعْلِف البعيرَ، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكينَ، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لَقِيَه بالسّلام، ويجيب دعوةَ من دعاه ولو إلى أيسرِ شيءٍ (٤). وكان هَيِّنَ المُؤنة، ليِّن الخُلق، كريمَ الطَّبع جميلَ المعاشرة، طَلْقَ الوجه، بسّامًا، متواضعًا من غير ذلّةٍ، جوادًا من غير سَرَفٍ، رقيقَ القلب، رحيمًا بكلِّ مسلمٍ، خافضَ الجَناح للمؤمنين، ليِّنَ الجانب لهم. وقال: «ألا أُخبِركم بمن يحرم على النّار ــ أو تحرم عليه النّار ــ؟ تحرم على كلِّ قريبٍ هيِّنٍ ليِّنٍ سَهْلٍ». رواه التِّرمذيُّ (٥)، وقال: حسنٌ. وقال: «لو دعيت إلى كُراعٍ أو ذِراعٍ لأجبتُ، ولو أُهدِي إليّ ذراعٌ أو

стр. 1457

كُراعٌ لقبلتُ». رواه البخاريُّ (١). وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد (٢). وكان يومَ قُريظةَ على حمارٍ مَخْطومٍ بحبلٍ من لِيفٍ، عليه إكَافٌ من لِيفٍ (٣). فصل سئل الفُضيل (٤) بن عياضٍ ﵁ عن التّواضع؟ فقال: تَخضع للحقِّ، وتنقاد له، وتقبله ممّن قاله (٥). وقيل: التّواضع أن لا ترى لنفسك قيمةً، فمن رأى لها قيمةً فليس له في التّواضع نصيبٌ (٦). وهذا مذهب الفضيل وغيره.

стр. 1458

وقال الجنيد ﵀: هو خَفْض الجَناح، ولينُ الجانب (١). وقال أبو يزيد ﵀: هو أن لا يرى لنفسه مقامًا ولا حالًا، ولا يرى في الخلق شرًّا منه (٢). وقال ابن عطاءٍ ﵀: هو قبول الحقِّ ممّن كان (٣). والعزُّ في التّواضع، فمن طلبَه في الكِبْر فهو كتطلُّبِ الماء من النّار. قال إبراهيم بن شَيبان: الشَّرف في التّواضع، والعزُّ في التّقوى، والحرِّيّة في القناعة (٤). ويُذكر عن سفيان الثّوريِّ ﵁ أنّه قال: أعزُّ الخلق خمسةُ أنفُسٍ: عالمٌ زاهدٌ، وفقيهٌ صوفيٌّ، وغنيٌّ متواضعٌ، وفقيرٌ شاكرٌ، وشريفٌ سنِّيٌّ (٥). وقال عروة بن الزُّبير ﵄: رأيت عمر بن الخطّاب ﵁ ﵁ على عاتقِه قِرْبةُ ماءٍ، قلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لمّا أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلتْ نفسي نَخْوةٌ، فأحببتُ أن أَكسِرها (٦).

стр. 1459

وولي أبو هريرة ﵁ إمارةً مرّةً، فكان يحمل حُزْمةَ الحطب على ظهره، وهو يقول: طرِّقوا للأمير (١). وركب زيد بن ثابتٍ ﵁، فدنا ابن عبّاسٍ ﵄ ليأخذ برِكابه، فقال: مَهْ يا ابنَ عمِّ رسول الله! فقال: هكذا أُمِرنا أن نفعل بكُبرائنا، فقال زيد: أَرِني يدَك، فأخرجها إليه فقبّلَها وقال: هكذا أُمِرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله ﷺ (٢). وقَسَم عمر بن الخطّاب ﵁ بين الصّحابة حُلَلًا، فبعث إلى معاذٍ حلّةً مثمنةً، فباعها واشترى بثمنها ستّةَ أعبُد وأعتقَهم، فبلغَ عمر، فبعث إليه بعد ذلك حُلّةً دونها، فعاتبَه معاذٌ، فقال: لأنّك بعتَ الأولى. فقال معاذٌ ﵁: وما عليك؟ ادفعْ لي نصيبي، وقد حلفتُ لأضربنّ بها رأسك. فقال عمر ﵁: رأسي بين يديك، وقد يَرْفُق الشّابُّ بالشّيخ (٣). ومرّ الحسن بن علي بصبيانٍ معهم كِسَرُ خبزٍ، فاستضافوه، فنزلَ فأكل معهم، ثمّ حملهم إلى منزله، وأطعمهم وكساهم، وقال: اليدُ لهم، لأنّهم لم يجدوا شيئًا غير ما أطعموني، ونحن نجد أكثر منه (٤).

стр. 1460

ويُذكر أنّ أبا ذرٍّ عيَّر بلالًا بسواده، ثمّ إنه نَدِم، فألقى نفسَه وحلف: لا رفعتُ رأسي حتّى يطأَ بلالٌ خدِّي بقدمِه. فلم يرفع رأسه حتّى فعل بلالٌ (١). وقال رجاء بن حَيْوة: قَوّمتُ ثيابَ عمر بن عبد العزيز ﵁ ــ وهو يخطب ــ باثني عشر درهمًا، وكانت قَباءً وعمامةً وقميصًا وسراويل ورداءً وخفّين وقلنسوةً (٢). ورأى محمّد بن واسعٍ ابنًا له يمشي مِشيةً منكرةً، فقال: تدري بكم اشتريتُ أمّك؟ بثلاثمائة درهمٍ، وأبوك ــ لا أكثرَ الله في المسلمين مثلَه ــ أنا (٣)، وأنت تمشي هذه المِشية (٤)! وقال حَمْدون القصّار ﵀: التّواضع أن لا ترى لأحدٍ إلى نفسك حاجةً، لا في الدِّين ولا في الدُّنيا (٥). وقال إبراهيم بن أدهم: ما سُرِرتُ في إسلامي إلّا ثلاثَ مرّاتٍ: كنت في سفينةٍ، وفيها رجلٌ مِضحاكٌ كان يقول: كنّا في بلاد التُّرك نأخذ العِلْجَ هكذا، وكان يأخذ بشعر رأسي ويَهُزُّني، لأنّه لم يكن في تلك السّفينة أحدٌ أحقر منِّي. والأخرى: كنتُ عليلًا في مسجدٍ، فدخل المؤذِّن وقال: اخرجْ. فلم أُطِقْ،

стр. 1461

فأخذ برجلي وجرَّني إلى خارجٍ. والأخرى: كنت بالشّام وعليّ فَرْوٌ، فنظرتُ فيه، فلم أميِّز بين شَعره وبين القَمْل لكثرته، فسرَّني ذلك (١). وفي روايةٍ أخرى: كنت يومًا جالسًا، فجاء إنسانٌ وبال عليّ (٢). وقال بعضهم: رأيت في الطّواف رجلًا بين يديه شاكريّةٌ (٣) يمنعون النّاس لأجله عن الطّواف، ثمّ رأيتُه بعد ذلك بمدّةٍ على جسر بغداد يسأل شيئًا، فتعجّبتُ منه، فقال لي: إنِّي تكبَّرتُ في موضعٍ يتواضع النّاس هناك، فابتلاني الله بالذُّلِّ في موضعٍ يترفّع (٤) فيه النّاس (٥). وبلغ عمرَ بن عبد العزيز ﵁: أنّ ابنًا له اشترى خاتمًا بألف درهمٍ، فكتب إليه عمر: بلغني أنّك اشتريتَ فَصًّا بألف درهمٍ، فإذا أتاك كتابي فبِعِ الخاتم، وأشبِعْ به ألفَ بطنٍ، واتّخذْ خاتمًا بدرهمين، واجعَلْ فَصَّه حديدًا صينيًّا، واكتب عليه: رحم الله امرءًا عرفَ قدْرَ نفسه (٦). فصل أوّل ذنبٍ عصى الله به أبوا الثّقلين: الكِبر والحرص. فكان الكبر ذنب

стр. 1462

إبليس اللّعين، فآل أمره إلى ما آل إليه. وذنب آدم ــ صلى الله على نبيِّنا وعليه وسلَّم ــ كان من الحرص والشّهوة، فكان عاقبته التّوبة والهداية. وذنب إبليس حمله على الاحتجاج بالقدر والإصرار، وذنب آدم ﵇ أوجب له إضافتَه إلى نفسه، والاعتراف به والاستغفار. فأهل الكبر والإصرار والاحتجاج بالأقدار: مع شيخهم وقائدهم إلى النّار إبليس. وأهل الشّهوة المستغفرون التّائبون المعترفون بالذُّنوب، الذين لا يحتجُّون عليها بالقدر: مع أبيهم آدم في الجنّة. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: المتكبِّر شرٌّ من المشرك فإنّ المتكبِّر متكبِّر عن عبادة الله تعالى، والمشرك يعبد الله وغيره. قلت: ولذلك جعل الله النّار دار المتكبِّرين، كما قال تعالى في سورة غافرٍ: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [آية: ٧٦]، وقال في سورة النّحل: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾ [آية: ٢٩]، وقال في سورة تنزيل: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. وأخبر أنّ أهل الكبر والتّجبُّر هم الذين طبع الله على قلوبهم، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. وقال ﷺ : «لا يدخل الجنّةَ من كان في قلبه مِثقالُ ذرّةٍ من كِبْرٍ». رواه مسلمٌ ﵀ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، تنبيه على أنّه لا

стр. 1463

يغفر الكِبر الذي هو أعظم من الشِّرك، وكما أنّ من تواضع لله (١) رفعه الله، فكذلك من تكبّر عن الانقياد للحقِّ (٢) أذلَّه ووضعَه. ومن تكبّر عن الانقياد للحقِّ ولو جاءه على يد صغيرٍ، أو من يبغضه ويعاديه= فإنّما تكبَّر على الله، فإنّ الله هو الحقُّ، وكلامه حقٌّ، ودينه حقٌّ، والحقُّ صفته ومنه وله. فإذا ردَّه العبد وتكبَّر عن قبوله، فإنّما ردَّ (٣) على الله، وتكبَّر عليه. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٤): (التّواضع: أن يتواضع العبد لِصَوْلة الحقِّ). يعني: أن (٥) يتلقّى سلطانَ الحقِّ بالخضوع له والذُّلِّ والانقياد، والدُّخولِ تحت رقِّه، بحيث يكون الحقُّ متصرِّفًا فيه تصرُّفَ المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خُلق التّواضع. ولهذا فسّر النّبيُّ ﷺ الكبر بضدِّه، فقال: «الكبر بَطَرُ الحقِّ، وغَمْص (٦) النّاس». فبطَرُ الحقِّ: ردُّه وجَحْدُه، والدّفع في صدره كدفع الصّائل. وغَمْص (٧) النّاس: احتقارهم

стр. 1464

وازدراؤهم. ومتى احتقرهم وازدراهم دفعَ حقوقَهم. وجحدها، واستهان بها. ولمّا كان لصاحب الحقِّ مقالٌ وصَولةٌ، كانت النُّفوس المتكبِّرة لا تُقِرُّ له بالصّولة على تلك الصّولة التي فيها، ولا سيّما النُّفوس المُبطِلة، فتصول على صولة الحقِّ بكِبْرها وباطلها. فكان حقيقة التّواضع: خضوع العبد لصولة الحقِّ، وانقياده لها، فلا يقابلها بصولته عليها. قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: التّواضع للدِّين، وهو أن لا يعارِض بمعقولٍ منقولًا، ولا يتّهم للدِّين دليلًا، ولا يرى إلى الخلاف سبيلًا). التّواضع للدِّين هو الانقياد لما جاء به الرّسول ﷺ ، والاستسلام له والإذعان. وذلك بثلاثة أشياء: الأوّل: أن لا يعارض شيئًا ممّا جاء به من المعارضات الأربعة السّارية في العالم، المسمّاة: بالمعقول، والقياس، والذّوق، والسِّياسة. فالأول: للمنحرفين أهلِ الكِبْر من المتكلِّمين، الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة، وقالوا: إذا تعارض العقل والنّقل قدَّمنا العقلَ وعزلنا النّقل، إمّا عزلَ تفويضٍ، وإمّا عزلَ تأويلٍ. والثّاني: للمتكبِّرين من المنتسبين إلى الفقه، قالوا: إذا عارض القياسُ والرّأيُ النُّصوصَ قدّمنا القياس على النّصِّ، ولم نلتفت إليه.

стр. 1465

والثّالث: للمتكبِّرين المنحرفين من المنتسبين إلى التّصوُّف والزُّهد، إذا تعارض عندهم الذّوق والأمر قدّموا الذّوق والحال، ولم يَعْبؤوا بالأمر. والرّابع: للمتكبِّرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين، إذا تعارضت عندهم الشّريعة والسِّياسة قدّموا السِّياسة، ولم يلتفتوا إلى حكم الشّريعة. فهؤلاء الأربعة هم أهل الكبر. والتّواضع: التّخلُّص من ذلك كلِّه. الثّاني: أن لا يتّهم دليلًا من أدلّة الدِّين، بحيث يظنُّه فاسد الدّلالة، أو ناقصَ الدّلالة أو قاصرَها، أو أنّ غيره كان أولى منه. ومتى عرض له شيءٌ من ذلك فليتّهِمْ فهمه، وليعلَمْ أنّ الآفة منه، والبليّة فيه، كما قيل (١): وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا ... وآفتُه من الفهم السّقيمِ ولكن تأخذُ الأذهانُ منه ... على قدْرِ القرائحِ والفُهوم وهكذا الواقع في الواقع حقيقةً: أنّه ما اتَّهَم أحدٌ دليلًا للدِّين إلّا وكان هو المتّهم الفاسد الذِّهن، المأووف (٢) في عقله وذهنه. فالآفة من الذِّهن العليل، لا في نفس الدّليل. وإذا رأيتَ من أدلّة الدِّين ما يُشكِل عليك، وينبو فهمك عنه، فاعلم أنّه لعظمته وشرفه استعصى عليك، وأنّ تحته كنز (٣) من كنوز العلم لم تُؤتَ مفتاحَه بعدُ. هذا في حقِّ نفسك.

стр. 1466

وأمّا بالنِّسبة إلى غيرك فاتّهِمْ آراء الرِّجال على نصوص الوحي، وليكن ردُّها أيسرَ شيءٍ عليك للنُّصوص، فما لم تفعل ذلك فلستَ على شيءٍ ولو ... ولو ... ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. قال الشّافعيُّ قدّس الله روحه: وأجمع المسلمون على أنّ من استبانتْ له سنّة رسول الله ﷺ لم يحلَّ له أن يدَعَها لقول أحدٍ (١). الثّالث: أن (٢) لا يجد إلى خلاف النّصِّ سبيلًا البتّةَ، لا بباطنه، ولا بلسانه، ولا بفعله، ولا بحاله. بل إذا أحسَّ بشيءٍ من الخلاف فهو كخلاف المُقْدِم على الزِّنا، وشرب الخمر، وقتل النّفس. بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك، وهو داعٍ إلى النِّفاق، وهو الذي خافه الكبار والأئمّةُ على نفوسهم. واعلم أنّ المخالف للنّصِّ لقول متبوعه وشيخه ومقلَّدِه، أو لرأيه ومعقوله وذوقه وسياسته، إن كان عند الله معذورًا ــ ولا والله ما هو بمعذورٍ ــ فالمخالف لقوله لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله وعند رسوله، وملائكته والمؤمنين من عباده. فواعجبًا! إذا اتّسع بِطانُ (٣) المخالفين للنُّصوص لعذر من خالفها (٤)

стр. 1467

تقليدًا أو تأويلًا أو لغير ذلك، فكيف ضاق عن عذرِ من خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم لأجل موافقة النُّصوص؟ وكيف نَصَبوا له الحبائلَ، وبَغَوه الغوائلَ، ورَمَوه بالعظائم، وجعلوه أسوأ حالًا من أرباب الجرائم؟ فرَمَوه بدائهم وانسَلُّوا منه لِوَاذًا، وقَذَفوه بمُصَابِهم (١) وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذًا لهم ومعاذًا! فصل قال (٢): (ولا يصحُّ ذلك إلّا بأن يعلم: أنّ النّجاة في البصيرة، والاستقامة بعدَ الثِّقة، وأنّ البيِّنة وراء الحجّة). يقول: إنّ ما ذكرناه من التّواضع للدِّين بهذه الأمور الثّلاثة: علْمُه أنّ النّجاة من الشّقاء والضّلال إنّما هي في البصيرة، فمن لا بصيرةَ له فهو من أهل الضّلال في الدُّنيا والشّقاءِ في الآخرة (٣). والبصيرة نورٌ يجعله الله في عين القلب، يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل، ونسبته إلى القلب كنسبة ضوء العين إلى العين. وهذه البصيرة وهبيّةٌ (٤) وكسبيّة، فمن أدام النّظر في أعلام الحقِّ وأدلّته، وتجرَّد لله عن هواه= استنارت بصيرته، ورُزِق فرقانًا يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل.

стр. 1468

الثّاني: أن يعلم أنّ الاستقامة إنّما تكون بعد الثِّقة، أي لا يُتصوَّر حصول الاستقامة في القول والعمل والحال إلّا بعد الثِّقة بصحّة ما معه من العلم، وأنّه مقتبسٌ من مشكاة النُّبوّة. ومن لم يكن كذلك فلا ثقةَ له، فلا استقامةَ له. الثّالث: أن يعلم أنّ البيِّنة وراء الحجّة. البيِّنة مراده بها: استبانة الحقِّ وظهورُه، وهذا إنّما يكون بعد الحجّة، فإنّ الحجة إذا قامت استبان الحقُّ وظهر واتّضح. وفيه معنًى آخر، وهو: أنّ العبد إذا قبل حجّة الله بمحض الإيمان والتّسليم والانقياد، كان هذا القبول هو سبب تبيُّنها له وظهورها وانكشافها لقلبه. فلا يصير على بيِّنةٍ من ربِّه إلّا بعد قبول حجّته. وفيه معنًى آخر أيضًا، وهو: أنّه لا يتبيّن له عيبُ عملِه من صحّته إلّا بعد العلم الذي هو حجّة الله على العبد، فإذا عرف الحجّة اتّضح (١) له بها ما كان مشكلًا عليه من علومه، وما كان مَعِيبًا من أعماله. وفيه معنًى آخر أيضًا، وهو: أن يكون «وراء» بمعنى أمام، والمعنى: أنّ الحجّة إنّما تحصل للعبد بعد تبيُّنها، فإذا لم تَتبيَّن له لم يكن له حجّةٌ، يعني: فلا يقنع من الحجّة بمجرّد حصولها بلا تبيُّنٍ، فإنّ التّبيُّن أمام الحجّة. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّانية: أن ترضى (٣) بمن رضي الحقُّ به لنفسه عبدًا من

стр. 1469

المسلمين أخًا، وأن لا تردَّ على عدوِّك حقًّا، وتقبلَ من المعتذرِ معاذيرَه). يقول: إذا كان الله قد رضي أخاك المسلم لنفسه عبدًا، أفلا ترضى انتسابه أخًا؟ فعدمُ رضاك به أخًا ــ وقد رضِيَه سيِّدك الذي أنت عبده عبدًا (١) لنفسه ــ عين الكِبْر. وأيُّ قبيحٍ أقبحُ من تكبُّر العبد على عبدٍ مثلِه لا يرضى بأخوّته، وسيِّده راضٍ بعبوديّته؟ فيجيء من هذا: أنّ المتكبِّر غير راضٍ بعبوديّة سيِّده ، إذ عبوديّته تُوجب رضاه بأخوّة عبده، وهذا شأن عبيد الملوك، فإنّهم يرون بعضهم خُشْداشِيةَ (٢) بعضٍ، ومن ترفَّع منهم عن ذلك لم يكن من عبيدِ أستاذهم. قوله: (وأن لا تردّ على عدوِّك حقًّا). أي لا تصحُّ لك درجة التّواضع حتّى تقبل الحقّ ممّن تحبُّ وممّن تُبغِض، فتقبله من عدوِّك كما تقبله من وليِّك، وإذا لم تردَّ عليه حقَّه فكيف تمنعه حقًّا له قبلك؟ بل حقيقة التّواضع أنّه إذا جاءك قبلتَه منه، وإذا كان له عليك حقٌّ أدّيتَه إليه، فلا تمنعك عداوتُه من قبول حقِّه، ولا من إيفائه إيّاه. وأمّا قبولك من المعتذر معاذيره، فمعناه: أنّ من أساء إليك ثمّ جاء يعتذر (٣) من إساءته، فإنّ التّواضع يوجب عليك قبول (٤) معذرته، حقًّا كانت

стр. 1470

أو باطلًا، وتَكِلُ سريرتَه إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله ﷺ في المنافقين الذين تخلَّفوا عنه في الغزو، فلمّا قدم جاؤوه يعتذرون إليه، فقبلَ أعذارهم، ووَكَلَ سرائرَهم إلى الله تعالى. و علامة الكرم والتّواضع: أنّك إذا رأيتَ الخلل في عذره لا تُوقِفه عليه ولا تُحاجُّه. وقُلْ (١): يمكن أن يكون الأمر كما تقول، ولو قُضِي شيءٌ لكان، والمقدور لا مدفعَ له، ونحو ذلك. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: أن تَتَّضِع للحقِّ، فتنزلَ عن رأيك وعوائدك في الخدمة، ورؤيةِ حقِّك في الصُّحبة، وعن رسْمِك في المشاهدة). يقول: أن (٣) تخدِمَ الحقّ سبحانه، وتعبدَه بما أمرك به على مقتضى أمره، لأجلِ أنه أمره لا على ما تراه من رأيك. ولا يكون الباعث لك داعي العادة، كما هو باعثُ من لا بصيرةَ له، غير أنّه اعتاد أمرًا فجرى عليه، ولو اعتاد ضدَّه لكان كذلك. وحاصله: أنّه (٤) لا يكون باعثُه على العبوديّة مجرّد رأيٍ، وموافقة هوًى ومحبّةٍ، ولا عادةٍ. بل الباعث مجرّد الأمر، والرّأي والمحبّة والهوى والعوائد منفِّذةٌ تابعةٌ، لا أنّها مُطاعةٌ باعثةٌ. وهذه نكتةٌ لا يتنبّه لها إلّا أهل البصائر.

стр. 1471

وأمّا نزوله عن رؤية حقِّه في الصُّحبة، أن (١) لا يرى لنفسه حقًّا على الله لأجل عمله؛ فإنّ صحبته مع الله بالعبوديّة والفقر المحض والذُّلِّ والانكسار، فمتى رأى لنفسه عليه حقًّا فسدت الصُّحبة، وصارت معلولةً، وخِيفَ منها المقْتُ. ولا ينافي هذا ما أحقَّه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم، فإنّ ذلك حقٌّ أحقَّه على نفسه بمحض كرمه وبرِّه وجوده وإحسانه، لا باستحقاقِ العبيد وأنّهم أوجبوه عليه بأعمالهم. فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مَفرقُ طرقٍ، والنّاس فيه ثلاث فرقٍ: فرقةٌ رأت أنّ العبد أقلُّ وأعجز من أن يوجب على ربِّه حقًّا، فقالت: لا يجب على الله شيءٌ البتّةَ، وأنكرت وجوب ما أوجبه على نفسه. وفرقةٌ رأت أنّه سبحانه أوجب على نفسه أمورًا لعبده، فظنّت أنّ العبد أوجبها عليه بأعماله، وأنّ أعماله كانت سببًا لهذا الإيجاب. والفرقتان غالطتان. والفرقة الثّالثة: أهل الهدى والصّواب، قالت: لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاةً ولا فلاحًا، ولا يُدخِل أحدًا عملُه الجنّةَ أبدًا، ولا يُنجِيه من النّار. والله ــ بفضله وكرمه، ومحضِ جُوده وإحسانه ــ أكَّد إحسانه وجُودَه وبرّه بأن أوجب لعبده عليه حقًّا بمقتضى الوعد، فإنّ وعد الكريم إيجابٌ، ولو بعسى ولعلّ. ولهذا قال ابن عبّاسٍ ﵄: عسى من الله واجبٌ (٢). ووعدُ اللّئيم خلْفٌ، ولو اقترن به العهد والحلف.

стр. 1472

والمقصود: أنّ عدم رؤية العبد لنفسه حقًّا على الله لا ينافي ما أوجب الله على نفسه، وجعله حقًّا لعبده. قال النّبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبلٍ ﵁: «يا معاذ (١)، أتدري ما حقُّ الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «حقُّه عليهم أن يعبدوه لا يُشرِكوا به شيئًا. يا معاذ، أتدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقُّهم عليه أن لا يُعذِّبهم بالنّار» (٢). فالرّبُّ سبحانه ما لأحدٍ عليه حقٌّ، ولا يضيع لديه سعيٌ. كما قيل (٣): ما للعباد عليه حقٌّ واجبٌ ... كلّا ولا سعيٌ لديه ضائعُ إن عُذِّبوا فبعدْلِه، أو نُعِّموا ... فبفضله، وهو الكريم الواسعُ وأمّا قوله: (وتنزِل عن رسْمِك في المشاهدة). أي من جملة التّواضع للحقِّ: فناؤك عن نفسك، فإنّ رسمه هي نفسه، والنُّزول عنها: فناؤه عنها حين شهود الحضرة. وهذا النُّزول يصحُّ أن يقال كسبيٌّ باعتبارٍ، وإن كان عند القوم غيرَ كسبيٍّ لأنّه يحصل عند التّجلِّي، والتّجلِّي نورٌ، والنُّور يَقْهَر الظُّلمة ويُبطِلها. والرّسم عند القوم ظُلمةٌ، فهي تنفر من النُّور بالذّات، فصار النُّزول عن الرّسم حين التّجلِّي ذاتيًّا.

стр. 1473

ووجه كونه كسبيًّا: أنّه نتيجة المقامات الكسبيّة، ونتيجة الكسبيِّ وثمرته وإن حصلتْ ضرورةً بالذّات: لم يمتنع أن يُطلَق عليها كونها كسبيّةً باعتبار السّبب. والله أعلم (١). * * * *

стр. 1474

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفُتوّة ، هذه المنزلة حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى النّاس، وكفُّ الأذى عنهم، واحتمال أذاهم. فهي استعمال حُسن الخلق معهم، فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله. والفرق بينها وبين المروءة: أنّ المروءة أعمُّ منها. فالفتوّة نوعٌ من أنواع المروءة، فإنّ المروءة استعمال ما يُجمِّل ويَزِين ممّا هو مختصٌّ بالعبد أو متعدٍّ إلى غيره، وتركُ ما يُدنِّس ويَشِين ممّا هو مختصٌّ أيضًا به أو متعلِّقٌ بغيره. والفتوّة إنّما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخَلْق. فهي ثلاثة منازل: منزلة التّخلُّق وحسن الخُلق، ومنزلة الفتوّة، ومنزلة المروءة. وقد تقدّمت منزلة الخُلق. وهذه منزلةٌ شريفةٌ، لم تُعبِّر عنها الشّريعة باسم الفتوّة، بل عبّرت عنها باسم «مكارم الأخلاق»، كما في حديث يوسف بن محمّد بن المنكدر عن أبيه عن جابرٍ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ : «إنّ الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال» (١). أصل الفتوّة من الفتى، وهو الشّابُّ الحديث السِّنِّ. قال تعالى عن أهل

стр. 1475

الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. وقال عن قوم إبراهيم إنّهم قالوا فيه: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]، ﴿وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ (١) اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢]. فاسم «الفتى» لا يُشعِر بمدحٍ ولا ذمٍّ، كاسم الشّابِّ والحَدَث. ولذلك لم يجئ اسم الفتوّة في القرآن ولا في السُّنّة ولا في لسان السّلف، وإنّما استعمله مَن بعدهم في مكارم الأخلاق. وأصلها عندهم: أن يكون العبد أبدًا في أمر غيره. وأقدمُ من علمتُه تكلَّم في الفتوّة: جعفر بن محمّدٍ، ثمّ الفضيل بن عياضٍ، والإمام أحمد، وسهل بن عبد الله، والجنيد (٢)، ثمّ الطّائفة. فيذكر أنّ جعفر بن محمّدٍ سئل عن الفتوّة، فقال للسّائل: ما تقول أنت؟ فقال: إن أُعطِيتُ شَكرتُ، وإن مُنِعتُ صبرتُ. فقال: الكلاب عندنا كذلك. فقال السّائل: يا ابن رسول الله، فما الفتوّة عندكم؟ فقال: إن أُعطِينا آثَرْنا، وإن مُنِعْنا شَكَرْنا (٣). وقال الفضيل بن عياضٍ ﵀: الفتوّة: الصَّفْح عن عَثَرات
следующие страницы →