وأمّا نزوله عن رؤية حقِّه في الصُّحبة، أن (١) لا يرى لنفسه حقًّا على الله لأجل عمله؛ فإنّ صحبته مع الله بالعبوديّة والفقر المحض والذُّلِّ والانكسار، فمتى رأى لنفسه عليه حقًّا فسدت الصُّحبة، وصارت معلولةً، وخِيفَ منها المقْتُ. ولا ينافي هذا ما أحقَّه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم، فإنّ ذلك حقٌّ أحقَّه على نفسه بمحض كرمه وبرِّه وجوده وإحسانه، لا باستحقاقِ العبيد وأنّهم أوجبوه عليه بأعمالهم.
فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مَفرقُ طرقٍ، والنّاس فيه ثلاث فرقٍ:
فرقةٌ رأت أنّ العبد أقلُّ وأعجز من أن يوجب على ربِّه حقًّا، فقالت: لا يجب على الله شيءٌ البتّةَ، وأنكرت وجوب ما أوجبه على نفسه.
وفرقةٌ رأت أنّه سبحانه أوجب على نفسه أمورًا لعبده، فظنّت أنّ العبد أوجبها عليه بأعماله، وأنّ أعماله كانت سببًا لهذا الإيجاب. والفرقتان غالطتان.
والفرقة الثّالثة: أهل الهدى والصّواب، قالت: لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاةً ولا فلاحًا، ولا يُدخِل أحدًا عملُه الجنّةَ أبدًا، ولا يُنجِيه من النّار. والله ــ بفضله وكرمه، ومحضِ جُوده وإحسانه ــ أكَّد إحسانه وجُودَه وبرّه بأن أوجب لعبده عليه حقًّا بمقتضى الوعد، فإنّ وعد الكريم إيجابٌ، ولو بعسى ولعلّ. ولهذا قال ابن عبّاسٍ ﵄: عسى من الله واجبٌ (٢). ووعدُ اللّئيم خلْفٌ، ولو اقترن به العهد والحلف.
стр. 1472
والمقصود: أنّ عدم رؤية العبد لنفسه حقًّا على الله لا ينافي ما أوجب الله على نفسه، وجعله حقًّا لعبده. قال النّبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبلٍ ﵁: «يا معاذ (١)، أتدري ما حقُّ الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «حقُّه عليهم أن يعبدوه لا يُشرِكوا به شيئًا. يا معاذ، أتدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقُّهم عليه أن لا يُعذِّبهم بالنّار» (٢).
فالرّبُّ سبحانه ما لأحدٍ عليه حقٌّ، ولا يضيع لديه سعيٌ. كما قيل (٣):
ما للعباد عليه حقٌّ واجبٌ ... كلّا ولا سعيٌ لديه ضائعُ
إن عُذِّبوا فبعدْلِه، أو نُعِّموا ... فبفضله، وهو الكريم الواسعُ
وأمّا قوله: (وتنزِل عن رسْمِك في المشاهدة).
أي من جملة التّواضع للحقِّ: فناؤك عن نفسك، فإنّ رسمه هي نفسه، والنُّزول عنها: فناؤه عنها حين شهود الحضرة. وهذا النُّزول يصحُّ أن يقال كسبيٌّ باعتبارٍ، وإن كان عند القوم غيرَ كسبيٍّ لأنّه يحصل عند التّجلِّي، والتّجلِّي نورٌ، والنُّور يَقْهَر الظُّلمة ويُبطِلها. والرّسم عند القوم ظُلمةٌ، فهي تنفر من النُّور بالذّات، فصار النُّزول عن الرّسم حين التّجلِّي ذاتيًّا.
стр. 1473
ووجه كونه كسبيًّا: أنّه نتيجة المقامات الكسبيّة، ونتيجة الكسبيِّ وثمرته وإن حصلتْ ضرورةً بالذّات: لم يمتنع أن يُطلَق عليها كونها كسبيّةً باعتبار السّبب. والله أعلم (١).
* * * *
стр. 1474
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفُتوّة ، هذه المنزلة حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى النّاس، وكفُّ الأذى عنهم، واحتمال أذاهم. فهي استعمال حُسن الخلق معهم، فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله.
والفرق بينها وبين المروءة: أنّ المروءة أعمُّ منها. فالفتوّة نوعٌ من أنواع المروءة، فإنّ المروءة استعمال ما يُجمِّل ويَزِين ممّا هو مختصٌّ بالعبد أو متعدٍّ إلى غيره، وتركُ ما يُدنِّس ويَشِين ممّا هو مختصٌّ أيضًا به أو متعلِّقٌ بغيره. والفتوّة إنّما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخَلْق.
فهي ثلاثة منازل: منزلة التّخلُّق وحسن الخُلق، ومنزلة الفتوّة، ومنزلة المروءة. وقد تقدّمت منزلة الخُلق.
وهذه منزلةٌ شريفةٌ، لم تُعبِّر عنها الشّريعة باسم الفتوّة، بل عبّرت عنها باسم «مكارم الأخلاق»، كما في حديث يوسف بن محمّد بن المنكدر عن أبيه عن جابرٍ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ : «إنّ الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال» (١).
أصل الفتوّة من الفتى، وهو الشّابُّ الحديث السِّنِّ. قال تعالى عن أهل
стр. 1475
الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. وقال عن قوم إبراهيم إنّهم قالوا فيه: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]، ﴿وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ (١) اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢].
فاسم «الفتى» لا يُشعِر بمدحٍ ولا ذمٍّ، كاسم الشّابِّ والحَدَث. ولذلك لم يجئ اسم الفتوّة في القرآن ولا في السُّنّة ولا في لسان السّلف، وإنّما استعمله مَن بعدهم في مكارم الأخلاق. وأصلها عندهم: أن يكون العبد أبدًا في أمر غيره.
وأقدمُ من علمتُه تكلَّم في الفتوّة: جعفر بن محمّدٍ، ثمّ الفضيل بن عياضٍ، والإمام أحمد، وسهل بن عبد الله، والجنيد (٢)، ثمّ الطّائفة.
فيذكر أنّ جعفر بن محمّدٍ سئل عن الفتوّة، فقال للسّائل: ما تقول أنت؟ فقال: إن أُعطِيتُ شَكرتُ، وإن مُنِعتُ صبرتُ. فقال: الكلاب عندنا كذلك. فقال السّائل: يا ابن رسول الله، فما الفتوّة عندكم؟ فقال: إن أُعطِينا آثَرْنا، وإن مُنِعْنا شَكَرْنا (٣).
وقال الفضيل بن عياضٍ ﵀: الفتوّة: الصَّفْح عن عَثَرات
стр. 1476
الإخوان (١).
وقال الإمام أحمد ﵁ في رواية ابنه عبد الله عنه، وقد سئل ما الفتوّة؟ فقال: تركُ ما تهوى لما تخشى (٢).
ولا أعلم لأحدٍ من الأئمّة الأربعة كلامًا فيها سواه.
وسئل الجنيد عن الفتوّة؟ فقال: أن لا تُنافِرَ فقيرًا، ولا تُعارِضَ غنيًّا (٣).
وقال الحارث المحاسبيُّ ﵀: الفتوّة أن تُنصِف ولا تَنتصِف (٤).
وقال عمرو بن عثمان المكِّيُّ ﵀: الفتوّة حسن الخُلق (٥).
وقال محمّد بن عليٍّ التِّرمذيُّ ﵀: الفتوّة أن تكون خصمًا لربِّك على نفسك (٦).
وقيل: الفتوّة أن لا ترى لنفسك فضلًا على غيرك (٧).
стр. 1477
وقال الدّقّاق ﵀: هذا الخُلق لا يكون كماله إلّا لرسول الله ﷺ ، فإنّ كلّ أحدٍ يقول يوم القيامة: نفسي نفسي، وهو يقول: «أمّتي أمّتي» (١).
وقيل: الفتوّة: كَسْر الصّنم الذي بينك وبين الله تعالى، وهو نفسك (٢)، فإنّ الله حكى عن خليله إبراهيم أنّه جعل الأصنام جُذَاذًا (٣). فكسر الأصنام له. فالفتى من كسرَ صنمًا واحدًا في الله (٤).
وقيل: الفتوّة أن لا تكون خصمًا لأحدٍ (٥)، يعني في حظِّ نفسك. وأمّا في حقِّ الله، فالفتوّة: أن تكون خصمًا لكلِّ أحدٍ ولو كان الحبيبَ المصافيا.
وقال التِّرمذيُّ ﵀: الفتوّة أن يستوي عندك المقيم والطّارئ (٦).
وقال بعضهم: الفتوّة أن لا يُميِّز بين أن يأكل عنده وليٌّ أو كافرٌ (٧).
وقال الجنيد ﵀: الفتوّة كفُّ الأذى وبذل النّدى (٨).
стр. 1478
وقال سهلٌ ﵀: هي اتِّباع السُّنّة (١).
وقيل: هي الوفاء والحِفاظ (٢).
وقيل: فضيلةٌ تأتيها، ولا ترى نفسك فيها (٣).
وقيل: أن لا تحتجب ممّن قصدَك (٤).
وقيل: أن لا تهرُبَ إذا أقبل العافي (٥). يعني طالبَ المعروف.
وقيل: إظهار النِّعمة وإسرار المحنة (٦).
وقيل: أن لا تدّخر ولا تعتذر (٧).
وقيل: تزوّج رجلٌ بامرأةٍ، فلمّا دخلتْ عليه رأى بها الجُدَريّ. فقال: اشتكتْ عيني، ثمّ قال: عَمِيتْ. فبعد عشرين سنةً ماتت، ولم تعلم أنّه بصيرٌ. فقيل له في ذلك، فقال: كرهتُ أن يَحزُنها رؤيتي لما بها (٨). فقيل له: سَبَقْتَ الفتيان (٩).
стр. 1479
وقيل: ليس من الفتوّة أن تربح على صديقك (١).
واستضاف رجلٌ بجماعةٍ (٢) من الفتيان، فلمّا فرغوا من الطّعام خرجت جاريةٌ تَصُبُّ الماء على أيديهم، فانقبض واحدٌ منهم وقال: ليس من الفتوّة أن تَصُبَّ النِّسوانُ الماء على أيدي الرِّجال، فقال آخر منهم: أنا منذ سنين (٣) أدخل هذه (٤) الدّار، ولم أعلم أنّ امرأةً تَصُبُّ الماء على أيدينا أو رجلًا (٥).
وقدِمَ جماعة فتيانٍ لزيارة فتًى، فقال الرّجل: يا غلامُ قَدِّم السُّفرة. فلم يُقدِّم، فقالها ثانيًا فلم يقدِّم، وثالثًا، فنظر بعضهم إلى بعضٍ وقالوا (٦): ليس من الفتوّة أن يستخدم الرّجل (٧) من يتعاصى عليه في تقديم السُّفرة كلَّ هذا. فقال الرّجل: لم أبطأتَ بالسُّفرة؟ فقال الغلام: كان عليها نَمْلٌ، فلم يكن من الأدب تقديم السُّفرة إلى الفتيان مع النّمل، ولم يكن من الفتوّة إلقاء النّمل وطَرْدهم عن الزّاد، فلبِثتُ حتّى دبَّ النّمل. فقالوا: يا غلام، مثلُك يخدم الفتيان (٨).
ومن الفتوّة التي لا تُلْحَق: ما يُذكر أنّ رجلًا نام من الحاجِّ في المدينة،
стр. 1480
ففقد هِمْيانًا (١) فيه ألف دينارٍ، فقام فَزِعًا، فوجد جعفر بن محمّدٍ ﵄، فعلقَ به وقال: أخذتَ هِمْياني. فقال: أيشٍ كان فيه؟ فقال: ألف دينارٍ. فأدخلَه دارَه ووزنَ له ألف دينارٍ. ثمّ إنّ الرّجل وجدَ هِميانه، فجاء إلى جعفرٍ ﵁ معتذرًا بالمال، فأبى أن يقبله منه، وقال: شيءٌ أخرجتُه من يدي لا أسترِدُّه أبدًا. فقال الرّجل للنّاس: مَن هذا؟ فقالوا: هذا (٢) جعفر بن محمّدٍ ﵄ (٣).
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀ (٤): (نكتة الفتوّة: أن لا تشهد لك فضلًا، ولا ترى لك حقًّا).
يقول: قلبُ الفتوّة وإنسانُ عينها: أن تفنى بشهادة نقصِك وعيبِك عن فضلك، وتغيبَ بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم.
وللناس (٥) في هذا مراتب، فأشرفها: أهل هذه المرتبة، وأخسُّها: عكسهم، وهم أهل الفناء في شهود فضائلهم عن عيوبهم، وبشهودِ حقوقهم على النّاس عن حقوق النّاس عليهم. وأوسطهم: من شهد هذا وهذا، فيشهد ما فيه من العيب والكمال، ويشهد حقوق النّاس عليه وحقوقه عليهم.
стр. 1481
قال (١): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: ترك الخصومة ، و التّغافل عن الزَّلّة ، ونسيان الأذيّة).
هذه الدّرجة من باب التّرك والتّخلِّي، وهي أن لا يخاصم أحدًا، فلا يُنصِّب نفسَه خصمًا لأحدٍ غيرها، فهي خصمه.
وهذا المنزل أيضًا ثلاث درجاتٍ: لا يخاصم بلسانه، ولا ينوي الخصومة بقلبه، ولا يُخطِرها على باله. هذا في حقِّ نفسه.
وأمّا في حقِّ ربِّه: فالفتوّة أن يخاصم (٢) بالله وفي الله، ويحاكم إلى الله، كما كان النّبيُّ ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح: «وبكَ خاصمتُ، وإليك حاكمتُ» (٣). وهذه درجة فتوّة العلماء الدُّعاة إلى الله تعالى.
وأمّا التّغافل عن الزّلّة، فهو أنّه إذا رأى من أحدٍ زلّةً لم يوجب عليه الشّرع أخْذَه بها أظهر أنّه لم يرَها، لئلّا يُعرِّض صاحبَها للوحشة، ويُرِيحَه من تحمُّلِ العذر.
وفتوّة التّغافل أرفعُ من فتوّة الكتمان مع الرُّؤية.
قال أبو عليٍّ الدّقّاق ﵀: جاءت امرأةٌ فسألتْ حاتمًا عن مسألةٍ، فاتّفق أنّه خرج منها صوتٌ في تلك الحالة، فخجلت. فقال حاتمٌ: ارفعي صوتك. فأوهمها أنّه أصمُّ، فسُرَّت المرأة بذلك وقالت: إنّه لم يسمع
стр. 1482
الصّوت. فلقِّب بحاتمٍ الأصمِّ (١). وهذا التّغافل هو نصف الفتوّة.
وأمّا نسيان الأذيّة فهو أنك تنسى أذيّةَ من نالك بأذًى، ليصفوَ قلبك له (٢)، ولا تستوحشَ منه.
قلت: وهنا نسيانٌ آخر أيضًا، وهو من الفتوّة، وهو نسيان إحسانك إلى من أحسنتَ إليه، حتّى كأنّه لم يصدُرْ منك. وهذا النِّسيان أكمل من الأوّل، وفيه قيل (٣):
ينسى صنائعَه والله يُظهِرها ... إنّ الجميلَ إذا أخفيتَه ظَهرَا
فصل
قال (٤): (الدّرجة الثّانية: أن تُقرِّبَ من يُقصِيك، وتُكرمَ من يؤذيك، وتعتذرَ إلى من يَجني عليك، سماحةً لا كظمًا، ومُوادّةً لا مصابرةً).
هذه الدّرجة أعلى ممّا قبلها وأصعب، فإنّ الأولى تتضمّن ترْكَ المقابلة والتّغافل، وهذه تتضمّن الإحسانَ إلى من أساء إليك ، ومعاملتَه بضدِّ ما عاملك به. فيكون الإحسان والإساءة بينك وبينه خُطَّتينِ، فخُطَّتك:
стр. 1483
الإحسان، وخُطَّته: الإساءة. وفي مثلها قال القائل (١):
إذا مرِضْنا أتيناكم نعودكُمُ ... وتُذنِبون فنأتيكم ونَعتذرُ
ومن أراد فهْمَ هذه الدّرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النّبيِّ ﷺ مع النّاس، يجدها هذه بعينها. ولم يكن كمال هذه الدّرجة لأحدٍ سواه، ثمّ للورثة منها بحسب سهامهم من التَّرِكة. وما رأيت أحدًا قطُّ أجمعَ لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيميّة قدّس الله روحه، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: ودِدتُ أنِّي (٢) لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه.
وما رأيته يدعو على أحدٍ منهم قطُّ، وكان يدعو لهم.
وجئتُ يومًا مبشِّرًا له بموتِ أكبرِ أعدائه وأشدِّهم عداوةً وأذًى له، فنهَرَني وتنكَّر لي واسترجع، ثمّ قام من فورِه إلى بيت أهله فعزّاهم، وقال: أنا لكم مكانه، ولا يكون لكم أمرٌ تحتاجون فيه إلى مساعدةٍ إلّا وساعدتُكم فيه. ونحو هذا الكلام. فَسُرُّوا به، ودَعَوا له، وعظّموا هذه الحالَ منه. فرحمه الله ورضي عنه.
وهذا مفهومٌ، إلّا الاعتذار إلى من يجني عليك ، فإنّه (٣) غير مفهومٍ في بادي الرّأي، إذ لم يصدر منك جنايةٌ توجب اعتذارًا، وغايتك: أنّك لم تؤاخذه، فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة.
стр. 1484
ومعنى هذا: أنّك تُنزل نفسَك منزلةَ الجاني لا المَجْنيِّ عليه، والجاني خليقٌ بالعذر.
والّذي يُشهِدك هذا المشهد: أن تعلم أنّه إنّما سلِّط عليك بذنبٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
فإذا علمتَ أنّك بدأتَ بالجناية فانتقم الله منك على يده= كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار.
والّذي يُهوِّن عليك هذا كلّه: مشاهدة تلك المشاهد العشرة المتقدِّمة، فعليك بها، فإنّ فيها كنوزَ المعرفة والبرِّ.
وقوله: (سماحةً لا كظمًا، وتوادًّا (١) لا مصابرةً).
يعني: اجعلْ هذه المعاملة منك صادرةً عن سماحٍ، وطِيبةِ نفسٍ، وانشراح صدرٍ، لا عن كظمٍ وضيقٍ ومصابرةٍ، فإنّ ذلك دليلٌ على أنّ هذا ليس في خلقك، وإنّما هو تكلُّفٌ يُوشِك أن يزول ويظهر حكم الخلق فتفتضح، وليس المقصود إلّا إصلاح الباطن والسِّرِّ والقلب.
وهذا الذي قاله الشّيخ لا يمكن إلّا بعد العُبور على جِسر المصابرة والكظم، فحينئذٍ إذا تمكّن فيه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون الله.
فصل
قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: أن لا تتعلَّق في السَّير بدليلٍ، ولا تشوبَ إجابتَك بعِوَضٍ، ولا تقفَ في شهودِك على رسمٍ).
стр. 1485
هذه ثلاثة أمورٍ اشتملت عليها هذه الدّرجة.
فأمّا عدم تعلُّقه في السّير بدليلٍ: فقد بيَّن مراده به في آخر الباب، إذ يقول (١): (وفي علم الخصوص: من طلبَ نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحلّ له دعوى الفتوّة أبدًا).
وهذا موضعٌ عظيمٌ يحتاج إلى تبيينٍ وتقريرٍ.
والمراد: أنّ السّائر إلى الله يسير على قَدَم اليقين، وطريق البصيرة والمشاهدة. فوقوفُه مع دليلٍ دليلٌ على أنّه لم يَشُمَّ رائحةَ اليقين. والمراد بهذا: أنّ المعرفة عندهم ضروريّةٌ لا استدلاليّةٌ. وهذا هو الصّواب. ولهذا لم تَدْعُ (٢) الرُّسل قطُّ الأممَ إلى الإقرار بالصّانع سبحانه، وإنّما دَعَوهم إلى عبادته وتوحيده، وخاطبوهم خطابَ من لا شبهةَ عنده قطُّ في الإقرار بالله تعالى، ولا هو محتاجٌ إلى الاستدلال عليه (٣). ولهذا قالت لهم رسلهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وكيف يصحُّ الاستدلال على مدلولٍ هو أظهرُ من دليله؟ حتّى قال بعضهم: كيف أطلب الدّليل على من هو دليلٌ على كلِّ شيءٍ؟ فتقيُّدُ السّائرِ بالدّليل وتوقُّفُه عليه دليلٌ على عدم يقينه، بل إنّما يتقيّد بالدّليل الموصِل له إلى المطلوب بعد معرفته به، فإنّه يحتاج بعد معرفته به إلى دليلٍ يُوصِله (٤)
стр. 1486
إليه، ويدلُّه على طريق الوصول إليه. وهذا الدّليل هو الرّسول ﷺ ، فهو موقوفٌ عليه ويتقيّد به، لا يخطو خطوةً إلّا وراءه.
وأيضًا فإن القوم يشيرون إلى الكشف ومشاهدة الحقيقة، وهذا لا يمكن طلبه بالدّليل أصلًا. ولا يقال: ما الدّليل على حصول هذا؟ وإنّما يحصل بالسُّلوك في منازل السّير، وقَطْعِها منزلةً منزلةً حتّى يصلَ إلى المطلوب، فوصوله إليه بالسّير لا بالاستدلال. بخلاف وصول المستدلِّ، فإنّه إنّما يصل إلى العلم، ومطلوبُ القوم وراءه. والعلم منزلةٌ من منازلهم كما سيأتي ذكرها، ولهذا يسمُّون أصحاب الاستدلال: أصحابَ القال، وأصحاب الكشف: أصحاب الحال. والقوم عاملون على الكشف الذي يحصل بنور العيان، لا على العلم الذي يُنال بالاستدلال والبرهان.
وهذا موضع غلطٍ واشتباهٍ، فإنّ الدّليل في هذا المقام شرطٌ، وكذلك العلم. وهو بابٌ لا بدَّ من دخوله إلى المطلوب، ولا يُوصَل إلى المطلوب إلّا من بابه، كما قال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩].
ثمّ إنّه يُخاف على من لم يقف مع (١) الدّليل ما هو أعظم الأمور، وهو الانقطاع عن المطلوب بالكلِّيّة، والوصول إلى مجرّد الخيال والمحال. فمن خرج عن الدّليل ضلّ عن (٢) سواء السّبيل.
فإن قيل: تعلُّقه في السير بالدّليل يُفرِّق عليه عزمَه وقلبه، فإنّ الدّليل يُفرِّق، والمدلول يجمِّع. فالسّالك يقصد الجمعيّة على المدلول، فما له
стр. 1487
ولتفرقةِ الدّليل؟
قيل: هذه هي البليّة التي لأجلها أعرض من أعرض من السّالكين عن العلم ونهى عنه، وجعله علّةً في الطّريق، ووقع هذا في زمان الشُّيوخ القدماء العارفين، فأنكروه غايةَ الإنكار، وتبرَّؤوا منه ومن قائله، وأوصَوا بالعلم، وأخبروا أنّ طريقَهم مقيّدةٌ بالعلم، لا يُفلِح فيها من لم يتقيَّدْ بالعلم (١). والجنيد ﵀ كان من أشدِّ النّاس مبالغةً في الوصيّة بالعلم، وحثًّا لأصحابه عليه (٢).
والتّفرُّق في الدّليل خيرٌ من الجمعيّة على الوهم والخيال، فإنّه لا يعرف كون الجمعيّة حقًّا إلّا بالدّليل والعلم، فالدّليل والعلم ضروريّان للصّادق، لا يستغني عنهما.
نعم، يقينُه (٣) ونورُ بصيرته وكشفُه يُغنِيه عن كثيرٍ من الأدلّة التي يتكلّفها المتكلمون وأرباب القال، فإنّه مشغولٌ عنها بما هو أهمُّ منها، وهو الغاية المطلوبة.
مثاله: أنّ المتكلِّم يُفنِي زمانه في تقرير حدوث العالم وإثبات الصّانع، وذلك أمرٌ مفروغٌ منه عند السّالك الصّادق صاحب اليقين. فالّذي يطلبه هذا بالاستدلال ــ الذي هو عُرضة الشُّبَه والأسولة والإيرادات التي لا نهاية لها ــ هو كشفٌ ويقينٌ للسّالك، فتقيُّده في سلوكه بحال هذا المتكلِّم انقطاعٌ
стр. 1488
وخروجٌ عن الفتوّة.
وهذا حقٌّ لا ينازع فيه عارفٌ، فترى المتكلِّم يبحث في الزّمان والمكان، والجواهر والأعراض والأكوان، وهمّته مقصورةٌ عليها لا يعدوها ليصعدَ منها إلى المكوِّن. والسّالك قد جاوزها إلى جَمْع القلب على المكوِّن وعبوديّته بمقتضى أسمائه وصفاته، لا يلتفت إلى غيره، ولا يَشْغَل قلبَه بسواه.
فالمتكلِّم يستغرق (١) في معرفة حقيقة الزّمان والمكان، والعارف قد شَحَّ بالزّمان أن يذهب ضائعًا في غير السّير إلى ربِّ الزّمان والمكان.
وبالجملة، فصاحب هذه الدّرجة لا يتعلّق في سيره بدليلٍ، ولا يمكنه السّيرُ إلّا خلفَ الدّليل، وكلاهما يجتمع في حقِّه. فهو لا يفتقر إلى دليلٍ على وجود المطلوب، ولا يستغني طرفةَ عينٍ عن دليلٍ يُوصِله إلى المطلوب. فسَيرُ الصّادق عن البصيرة واليقين والكشف، لا على النّظر والاستدلال.
وأمّا قوله: (ولا تشوب إجابتَك بعوضٍ).
أي تكون إجابتك لداعي الحقِّ خالصةً، إجابةَ محبّةٍ ورغبةٍ، وطلبٍ للمحبوب ذاته، غيرَ مَشُوبةٍ بطلب غيره من الحظوظ والأعواض، فإنّه متى حصل لك حصل لك كلُّ عوضٍ وكلُّ حظٍّ وكلُّ قسمٍ، كما في الأثر الإلهيِّ: «ابنَ آدم، اطلُبني تجِدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلّ شيءٍ، وإن فُتُّك فاتك كلُّ شيءٍ، وأنا أحبُّ إليك من كلِّ شيءٍ» (٢).
стр. 1489
فمن أعرض عن طلب ما سوى الله، ولم يشُبْ طلبه له بعوضٍ، بل كان حبًّا له وإرادةً خالصةً لوجهه= فهو في الحقيقة الذي يفوز بالأعواض والأقسام والحظوظ كلِّها. فإنّه لمّا لم يجعلها غايةَ طلبه، توفّرتْ عليه في حصولها، وهو محمودٌ مشكورٌ مقرَّبٌ. ولو كانت هي مطلوبةً لنقصتْ عليه بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرّبِّ تعالى لذاته وإرادته.
فهذا قلبه ممتلئٌ بها، والحاصل له منها نزرٌ يسيرٌ. والعارف ليس قلبه متعلِّقًا بها، وقد حصلتْ له كلُّها. فالزُّهد فيها لا يُفِيتُكها، بل هو عين حصولها. والزُّهد في الله هو الذي يُفِيتكه ويُفِيتُك الحظوظَ. وإذا كان لك أربعة عبيدٍ: أحدهم يريدك ولا يريد منك، بل إرادته مقصورةٌ عليك وعلى مرضاتك. والثّاني يريد منك ولا يريدك، بل إرادته مقصورةٌ على حظوظه منك. والثّالث يريدك ويريد منك. والرّابع لا يريدك ولا يريد منك، بل هو متعلِّق القلب ببعض عبيدك، فله يريد، ومنه يريد. فإنّ آثَرَ العبيدِ عندك، وأحبَّهم إليك، وأقربَهم منك منزلةً، والمخصوصَ من إكرامك وعطائك بما لا يناله العبيدُ الثّلاثة= هو الأوّل. وهكذا نحن عند الله سواء.
وأمّا قوله: (ولا تَقِفُ في شهودِك على رَسْمٍ).
أي: لا يكون منك نظرٌ إلى السِّوى عند الشُّهود، كما تقدّم مرارًا.
وهذا عند القوم غير مكتسَبٍ، فإنّ الشُّهود إذا صحّ محا الرُّسومَ ضرورةً في نظر الشّاهد، فلا حاجةَ إلى أن يشرط عليه عدم الوقوف عليها. والشُّهود
стр. 1490
الصّحيح ماحٍ لها بالذّات، لكنّ أوّله قد لا يستغني عن الكسب، ونهايته لا تقف على كسبٍ.
قال (١): (واعلم أنّ مَن أحوجَ عدوَّه (٢) إلى شفاعةٍ، ولم يخجلْ من المعذرة إليه: لم يَشُمَّ رائحةَ الفتوّة).
يعني: أنّ العدوّ متّى علم أنّك متألِّمٌ من جهة ما نالك من الأذى منه احتاج إلى أن يعتذر إليك، ويشفع إليك شافعٌ يُزيل ما في قلبك منه. فالفتوّة كلُّ الفتوّة: أن لا تُحوِجه إلى الشّفاعة، بأن لا يظهر له منك عَتْبٌ ولا تغيُّرٌ عمّا كان له منك قبل معاداته، ولا تَطوِي عنه بِشْرَك ولا بِرَّك، وإذا لم تخجلْ أنت من قيامه بين يديك مقامَ المعتذر لم يكن لك في الفتوّة نصيبٌ.
ولا تستعظمْ هذا الخُلق، فإنّ في الفتيان ما هو أكبر (٣) منه. ولا تستصعِبْه، فإنّه موجودٌ في كثيرٍ من الشُّطّار والعُشَراء الذين ليس لهم في حال المعرفة ولا في لسانها نصيبٌ، فأنت أيُّها العارف أولى به.
قال (٤): (وفي علم الخصوص: من طلبَ نور الحقيقة على قَدَمِ الاستدلال لم يَحِلَّ له دعوى الفتوّة أبدًا).
كأنّه يقول: إذا لم تُحوِج عدوّك إلى العذر والشّفاعة، ولم تُكلِّفْه طلبَ الاستدلال على صحّة عذره، فكيف تُحوِج وليَّك وحبيبَك إلى أن يُقِيم لك
стр. 1491
الدّليلَ على التّوحيد والمعرفة، ولا تسير إليه حتّى يقيم لك دليلًا على وجوده ووحدانيّته وقدرته ومشيئته؟ فأين هذا من درجة الفتوّة؟ وهل هذا إلّا خلاف الفتوّة من كلِّ وجهٍ؟
ولو أنّ رجلًا دعاك إلى داره، فقلت للرّسول: لا آتي معك حتّى تقيم لي الدّليلَ على وجود من أرسلك، وأنّه مُطاعٌ، وأنّه أهلٌ أن يُغشى بابه= لكنتَ في دعوى الفتوّة زنيمًا. فكيف بمن وجوده ووحدانيّته وقدرته (١) وربوبيّته وإلهيّته أظهر من كلِّ دليلٍ تطلبه؟ فما من دليلٍ تَستدلُّ به إلّا ووحدانيّة الله وكماله أظهر منه، فإقرار الفِطَر بالرّبِّ سبحانه خالق العالم: لم يُوقِفها عليه مُوقِفٌ، ولم تَحتَجْ فيه إلى نظرٍ واستدلالٍ، ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. فأبعدُ النّاس من (٢) درجة الفتوّة طالب الدّليل على ذلك.
وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ ... إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ (٣)
* * * *
стр. 1492
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة المروءة .
المروءة فُعولةٌ من لفظ المرء، كالفتوّة من الفتى، والإنسانيّة من الإنسان. ولهذا كانت حقيقتها: اتِّصاف النّفس بصفات الإنسان التي فارق بها الحيوانَ البهيم والشّيطانَ الرّجيم، فإنّ في النّفس ثلاثة دواعٍ متجاذبةٍ:
داعٍ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشّيطان: من الكبر، والحسد، والعلوِّ، والبغي، والشّرِّ، والأذى، والفساد، والغِشِّ.
وداعٍ يدعوها إلى أخلاق الحيوان، وهو داعي الشّهوة.
وداعٍ يدعوها إلى أخلاق المَلَك: من الإحسان، والنُّصح، والبرِّ، والعلم، والطّاعة.
ف حقيقة المروءة: عصيانُ (١) ذينك الدّاعيين، وإجابة هذا الدّاعي الثّالث. وقلّة المروءة وعدمها: هو الاسترسال مع ذينك الدّاعيين، والتّوجُّه لدعوتهما أين كانت.
فالإنسانيّة والمروءة والفتوّة: كلُّها في عصيان الدّاعيينِ، وإجابة الدّاعي الثّالث. كما قال بعض السّلف (٢): خلق الله الملائكة عقولًا بلا شهوةٍ،
стр. 1493
وخلق البهائم شهوةً بلا عقولٍ، وخلق ابنَ آدم وركّب فيه العقل والشّهوة. فمن غلب عقلُه شهوتَه التحقَ بالملائكة، ومن غلبت شهوتُه عقلَه التحق بالبهائم.
ولهذا قيل في حدِّ المروءة: إنّها غلبة العقل للشّهوة.
وقال الفقهاء في حدِّها: هي استعمال ما يُجمِّل العبدَ ويَزِينه، وترك ما يُدنِّسه ويَشِينه.
وقيل: المروءة استعمال كلِّ خُلقٍ حسنٍ, واجتناب كلِّ خُلقٍ قبيحٍ.
وحقيقة المروءة تجنُّب الدّنايا والرّذائل، من الأقوال والأخلاق والأعمال (١).
فمروءة الإنسان (٢): حلاوته وطيبه ولينه، واجتناء الثِّمار منه بسهولةٍ ويُسرٍ.
ومروءة الخُلق: سعتُه وبسطُه وبذلُه للحبيب والبغيض.
ومروءة المال: الإصابة ببذله مواقعَه المحمودة عقلًا وعرفًا وشرعًا.
ومروءة الجاه: بذلُه للمحتاج إليه.
ومروءة الإحسان: تعجيله وتيسيره وتوفيره، وعدم رؤيته حالَ وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه. فهذه مروءة البذل.
стр. 1494
وأمّا مروءة التّرك: فكترك الخصام والمعاتبة والمطالبة والمماراة، والإغضاء عن عيبِ ما تأخذه من حقِّك، وترك الاستقصاء في طلبه، والتّغافل عن عَثَرات النّاس، وإشعارهم أنّك لا تعلم لأحدٍ منهم عثرةً، والتّوقير للكبير، وحفظ حرمة النّظير، ورعاية أدب الصّغير. وهي على ثلاث درجاتٍ:
الدّرجة الأولى: مروءة المرء مع نفسه، وهي أن يَحمِلَها سِرًّا على مراعاةِ ما يُجمِّل ويَزِين، وتَرْكِ ما يُدنِّس ويَشِين، ليصير لها ملكة في العلانية. فمن اعتادَ شيئًا في سرِّه وخلوته ملكه في علانيته وجهره، فلا يكشف عورته في الخلوة، ولا يتجشَّأ (١) بصوتٍ مزعجٍ ما وجد إلى خلافه سبيلًا، ولا يُخرِج الرِّيح بصوتٍ وهو يقدر على خلافه، ولا يَجْشَع ويَنْهَم (٢) عند أكله وحده.
وبالجملة، فلا يفعل خاليًا ما يستحيي من فعله في الملأ، إلّا ما لا يحظره (٣) الشّرع والعقل، ولا يكون إلّا في الخلوة، كالجماع والتّخلِّي ونحو ذلك.
الدّرجة الثّانية: المروءة مع الخَلْق، بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء والخُلق الجميل، ولا يُظهِر لهم ما (٤) يكرهه هو من غيره، وليتّخذ النّاسَ مرآةً لنفسه، فكلُّ ما كرِهه ونَفَر عنه من قولٍ أو فعلٍ أو خُلقٍ فلْيجتنبه، وما أحبّه من ذلك واستحسنه فليفعله.
وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكلِّ من خالطَه وصحِبَه من كاملٍ وناقصٍ، وسيِّئ الخلق وحسَنِه، وعديمِ المروءة وغزيرِها.
стр. 1495
وكثيرٌ من النّاس (١) يتعلّم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها. رُئي عند بعض الأكابر مملوكٌ سيِّئ الخلق فظٌّ (٢) غليظٌ لا يناسبه، فسُئل عن ذلك، فقال: أدرسُ عليه مكارمَ الأخلاق.
وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق من ضدِّ أخلاقه، ويكون بتمرين النّفس على مصاحبته ومعاشرته والصّبرِ عليه.
الدّرجة الثّالثة: المروءة مع الحقِّ سبحانه، بالاستحياء من نظرِه إليك، واطِّلاعِه عليك في كلِّ لحظةٍ ونفسٍ، وبإصلاح عيوب نفسك جهدَ الإمكان، فإنّه قد اشتراها منك، وأنت سَاعٍ في تسليم المبيع وتقاضي الثّمن، وليس من المروءة: تسليمه على ما فيه من العيوب وتقاضي الثّمنِ كاملًا، ورؤيتِك (٣) شهودَ مننِه في هذا الإصلاح، وأنّه هو المتولِّي له لا أنت؛ فيُفْنِيك (٤) الحياء منه عن رسوم الطّبيعة، والاشتغالُ بإصلاح عيوب نفسك عن التفاتك إلى عيب غيرك، وشهودُ الحقيقة عن رؤية فعلك وإصلاحك.
وكلُّ ما تقدّم في منزلة الخُلق والفُتوّة فإنّه بعينه في هذه المنزلة، فلذلك اقتصرنا منها على هذا القدر. وصاحب «المنازل» ﵀ استغنى عنها بما ذكره في الفتوّة. والله أعلم.
* * * *
стр. 1496
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة البسطة (١)، والتّخلِّي عن القبض (٢).
وهي منزلةٌ شريفةٌ لطيفةٌ، وهي صِوانٌ (٣) على الحال، وداعيةٌ لمحبّة الخلق.
وقد غلِطَ صاحب «المنازل» ﵀ حيث صدّرها بقوله تعالى حكايةً عن كليمه موسى ﵇ أنه قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وكأنّه فهمَ من هذا الخطاب: انبساطٌ (٤) بين موسى وبين الله تعالى حَمَلَه على أن قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾.
وسمعت بعض الصُّوفيّة يقول لآخر وهما في الطّواف: لمّا قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ تداركَ هذا الانبساطَ بالتّذلُّل والتملُّق بقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أو نحو هذا من الكلام.
وكلُّ هذا وهمٌ وفهمٌ خلاف المقصود، فالفتنة هاهنا: هي الامتحان
стр. 1497
والاختبار، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقوله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧].
والمعنى: أنّ هذه الفتنة اختبارٌ منك لعبدك وامتحانٌ، تُضِلُّ بها من تشاء وتَهدي من تشاء. فأيُّ تعلُّقٍ لهذا بالانبساط؟ وهل هذا إلّا توحيدٌ، وشهودٌ للحكمة، وسؤالٌ للعصمة والمغفرة؟ وليس للعارف في هذه المنزلة حظٌّ مع الله، وإنّما هي متعلِّقةٌ بالخلق.
وصاحب «المنازل» جعلها ثلاث درجاتٍ: الأولى مع النّاس، والثّانية والثّالثة مع الله. وسنبيِّن ما في كلامه بحول الله وتوفيقه.
قال (١): (الانبساط: إرسال السَّجِيّة، والتّحاشي من وحشة الحِشْمة).
السّجيّة الطَّبع، وجمعها سجايا، يقال: سجيّةٌ وسليقةٌ وطبيعةٌ وغريزةٌ. وإرسالها: تركها ومجراها.
و (التّحاشي من وحشة الحشمة).
التّحاشي: هو تجنُّب الوحشة الواقعة بينك وبين من تحبُّه وتخدمه، فإنّ مرتبته تقتضي احتشامَه، والحياءَ منه، وإجلالَه عن انبساطك إليه. وذلك نوع وحشةٍ، فالانبساط: إزالة تلك الوحشة، لا تُسقِطك من عينه، بل تزيدك حبًّا إليه، ولا سيّما إذا وقع في موقعه.
стр. 1498
قال (١): (وهو السّير (٢) مع الجبلّة)، أي المشي مع ما جَبلَ الله عليه العبد من الأخلاق من غير تكلُّفٍ.
قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ: الدّرجة الأولى: الانبساط مع الخلق ، وهو أن لا تعتزلَهم ضَنًّا على نفسك، أو شُحًّا على حظِّك، وتسترسل لهم في فضلك، وتَسَعهم بخُلقك، وتَدَعهم يَطَؤونك، والعلم قائمٌ، وشهود المعنى دائمٌ).
يريد: لا تبخل عليهم بنفسك، فيحملك ذلك البخل على اعتزالهم، وتَشِحَّ بحظِّك في الخلوة وراحةِ العزلة: أن تذهب بمخالطتهم، بل تَحملك السّماحة والجود والبذل على أن تترك ذلك لراحة إخوانك بك، وانتفاعهم بمجالستك، فتتكرَّم عليهم بحظِّك في عزلتك وخلوتك، وتُؤثِرهم به على نفسك.
وهذا من الفتوّة والمروءة والتّخلُّق، وضدٌّ من أضدادها.
وقوله: (وتسترسل لهم في فضلك).
يعني: إذا استرسلتَ معهم، ولم تَجذِبْ عنهم عِنانك= نالوا من فضلك، فيكون استرسالك سببًا لنيلهم الفضل، وقبضُ العِنان سببًا للحرمان.
(وتَسَعُهم بخُلقك) في احتمال ما يبدو منهم من سوء العشرة، فخُذْ منهم ما أمر الله نبيّه أن يأخذه من أخلاق النّاس، وهو العفو.
стр. 1499
(وتَدَعُهم يَطَؤونك)، أي يدوسونك من لينك وتواضعك، وخَفْضِ (١) جناحك، بحيث لا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم أن يحترموك لأجلها. هذا معنى كلامه.
قوله: (والعلم قائمٌ، وشهود المعنى دائمٌ).
أمّا قيام العلم: فهو أن يكون هذا الاسترسال موافقًا للشّرع، غيرَ مُخرِجٍ عن حدوده وآدابه، بحيث لا يحملهم على تعدِّي حدود الله، وتضييع حقِّه وحقوقِ عباده.
وأمّا دوام شهود المعنى: فهو حفظُ حالك وقلبك مع الله، ودوامُ إقبالك عليه بقلبك كلِّه. فأنت معهم مسترسلٌ بشَبَحِك ورسمك وصورتك فقط، ومُفارِقهم بقلبك وسرِّك، مشاهدًا (٢) للمعنى الذي به حياتك. فإذا فارقتَه كنت كالحوت إذا فارق الماء، فإنّ هذا المعنى هو حياة القلب والرُّوح، فإذا فات (٣) العبدَ عَلَتْه الكآبة، وغَمَرَه الهمُّ والغمُّ والأحزان، وتَلوَّن (٤) في أفعاله وأقواله، وتاه قلبه في الأودية والشِّعاب، وفقدَ نعيمَ الدُّنيا والآخرة. وهذا هو الذي أشار إليه يحيى الصَّرصريُّ في قوله (٥):
إذا صار قلبُ العبدِ للسِّرِّ مَعدِنَا ... تَلُوحُ على أعطافِه بهجةُ السَّنا
وإن فاتَه المعنى عَلَتْه كآبةٌ ... فأصبحَ في أفعاله متلوِّنا
стр. 1500
فمتى كان شهود هذا المعنى قائمًا في قلبك لم يضرَّك مخالطةُ من لا يسلُبك إيّاه مخالطتُه ولا الانبساطُ إليه.
فصل
قال (١): (الدّرجة الثّانية: الانبساط مع الحقِّ . وهو أن لا يَحبِسك (٢) خوفٌ، ولا يَحجُبك رجاءٌ، ولا يحول بينك وبينه آدم وحوّاء).
يريد: أن لا يمنعك عن الانبساط إليه خوفٌ، فإنّ مقام الخوف لا يُجامِع مقامَ الانبساط. والخوف من أحكام اسم «القابض»، والانبساط من أحكام اسم «الباسط».
والبسط عندهم: من مشاهدة أوصاف الجمال والإحسان والتّودُّد والرّحمة.
والقبض من مشاهدة أوصاف (٣) الجلال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام.
وبعضهم يجعل الخوف من منازل العامّة، والانبساط من منازل الخاصّة، إذ الانبساط لا يكون إلّا للعارفين أرباب التّجلِّيات، وليس في حقِّ هؤلاء (٤) خوفٌ.
стр. 1501
وأمّا قوله: (ولا يحجبك رجاءٌ)؛ فلأنّ الرّاجي لطلبِه حاجتَه يحتاج إلى التّملُّق والتّذلُّل، فيحجُبه رجاؤه وطمعه فيما يناله من المعظَّم عن انبساطه معه، كالسّائل للغنيِّ، فإنّ سؤاله وطمعه يمنعه من انبساطه إليه. فإذا غاب عن ذلك انبسط.
وقوله: (ولا يحولُ بينك وبينه آدم ولا حوّاء) استعارةٌ.
والمعنى: أنّك تراه أقربَ إليك من أبيك وأمِّك، وأرحمَ بك منهما، وأشفقَ عليك. فلا تُوسِّطْ بينك وبينه أبًا خرجتَ من صلبه، ولا أمًّا ركَضْتَ في رحمها.
وفيه معنًى آخر، وهو الإشارة إلى أنّك تُشاهد خَلْقه لك بلا واسطةٍ، كما خلق آدم وحوّاء. فتشاهد خَلْقَه لك بيده، ونَفْخَه فيك من روحه، وإسجادَ ملائكته لك، ومعاداةَ إبليس حيث لم يسجد لك، وأنت في صلب أبيك آدم.
وهذا يوجب لك شهودُه من (الانبساط في الانطواء عن الانبساط، وهو رحب الهمّة لانطواء انبساط العبد في بسط الحقِّ ﷻ (١).
ومعنى هذا: أن لا يرى العبد لنفسه انبساطًا ولا انقباضًا، بل ينطوي انبساطُه ويضمحلُّ في صفة البسط التي للحقِّ ﷻ . وهذا شهود معنى اسمه «الباسط» .
فهذا تقرير كلامه، على أنّ فيه مقبول ومردود (٢)، ولا معنى لتعلُّق
стр. 1502
هذه الصِّفة بالرّبِّ تعالى البتّة، وأمّا تعلُّقها بالخَلق فصحيحٌ.
نعم، هاهنا مقام اشتباهٍ وفرقٍ، وهو أنّ المحبّ الصّادق لا بدَّ أن يقارِنَه أحيانًا فرحٌ بمحبوبه، ويشتدّ فرحُه به، ويرى مواقعَ لطفِه به، وبرِّه به، وإحسانِه إليه، وحُسن دفاعه عنه، والتّلطُّف في إيصال المنافع والمَسَارّ والمَبَارّ إليه بكلِّ طريقٍ، ودَفْع المضارِّ والمكاره عنه بكلِّ طريقٍ. وكلّما فتّش على ذلك اطّلع منه على أمورٍ عجيبةٍ، لا يقفُ وهمه وتفتيشُه (١) لها على غايةٍ، بل ما خفي عنه منها أعظم. فيداخلُه من شهود هذه الحالة نوعُ إدلالٍ وانبساطٍ، وشهود نفسه في منزلة المراد المحبوب. ولا يَسلَم من آفة ذلك إلّا خواصُّ العارفين.
وصاحب هذا المقام نهايتُه أن يكون معذورًا، وما يبدو منه من أحكامه بالشَّطحات أليقُ منه بأحكام العبوديّة.
ولم يكن لأحدٍ من البشر في منزلة القرب والكرامة والحظوة والجاه ما لرسول الله ﷺ من ربِّه، فكان أشدَّ الخلق لله خشيةً وتعظيمًا وإجلالًا، وحالُه كلُّها مع الله تشهد بتكميل العبوديّة. وأين درجة الانبساط من المخلوق من التُّراب، إلى الانبساط مع ربِّ الأرباب؟
نعم لا يُنكِر فرحةَ القلب بالرّبِّ تعالى وسرورَه به، وابتهاجَه به، وقرّةَ عينه ونعيمه بحبِّه، والشّوقَ إليه: إلّا كثيفُ الحجاب، حَجَريُّ الطِّباع. فلا بهذا المَيَعان (٢)، ولا بذاك الجمود والقسوة.
стр. 1503
وبهذا ومثلِه طرَّقَ المتأخِّرون من القوم السّبيلَ إليهم، وفتحوا للقَالةِ (١) فيهم بابًا، فالعبد الخائف الوجِل (٢) المشفق الذّليل بين يدي ربه، المنكِّس الرّأسِ بين يديه، الذي لا يرضى لربِّه بشيء من عمله: هو أحوجُ شيءٍ إلى عفوه ورحمته، ولا يرى نفسَه في نعمته إلّا طُفيليًّا، ولا يرى نفسه محسنًا قطُّ، وإن صدرَ منه إحسانٌ علم أنّه ليس من نفسه، ولا بها ولا فيها، وإنّما هو محضُ منّةِ الله عليه، وصدقتِه عليه. فما لهذا والانبساط؟
نعم، انبساطُه فرحٌ وسرورٌ ورضًا وابتهاجٌ. فإن كان المراد بالانبساط هذا فلا نُنكِره، لكنّه غيرُ الاسترسالِ المذكور، والاستشهادُ عليه بالآية يُبيِّن مراده. والله أعلم.
* * * *
стр. 1504
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة العَزْم ، وقد ذكرنا في أوّل الكتاب (١) أنّه نوعان:
أحدهما: عزم المريد على الدُّخول في الطّريق، وهو بدايةٌ (٢).
والثّاني: عزم السّالك. وهو مقامٌ ذكره صاحب «المنازل» في وسط كتابه في قسم الأصول، فقال (٣): (هو تحقيق القصد طوعًا أو كَرهًا).
أمّا قوله: (تحقيق القصد) فهو أن يكون قصده محقّقًا، لا يَشُوبه شيءٌ من التّردُّد.
وأمّا تقسيمه هذا التّحقيق إلى طوعٍ وكَرهٍ فصحيحٌ، فإنّ المختار: تحقيقُ قصدِه طوعًا، وأمّا المُكْرَه (٤): فتحقيقُ قصدِه كَرهًا، فإنّه إذا أكره على فعلٍ، وعزم عليه: قد حقّق قصده كرهًا لا طوعًا.
واختلف الفقهاء والأصوليُّون في المكره: هل يسمّى مختارًا أم لا؟ (٥).
стр. 1505
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: والتّحقيق أنّه محمولٌ على الاختيار، فله اختيارٌ في الفعل، وبه صحّ وقوعه، فإنّه لولا إرادته واختياره لما وقع الفعل. ولكنّه محمولٌ على هذه الإرادة والاختيار؛ ليست من قِبَلِه، فهو مختارٌ باعتبار أنّ حقيقة الإرادة والاختيار منه، وغير مختارٍ باعتبار أنّ غيره حملَه على الاختيار، ولم يكن مختارًا من نفسه. هذا معنى كلامه.
قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ: الدّرجة الأولى: إِباءُ الحال على العلم، لشَيْمِ برقِ الكشف، واستدامةِ نور الأنس، والإجابةِ لإماتة الهوى).
يريد بـ (إباء الحال على العلم): استعصاءَه عليه، وأنّ صاحب الحال يأبى عليه حالُه أن يَنزِل منه إلى درجة العلم، ويصعب عليه ذلك كلّ الصُّعوبة. وهو انحطاطٌ في رتبته.
ولا يريد امتناع الحال عن طاعة العلم وتحكيمه، فإنّ هذا انحلالٌ وانسلاخٌ من الطّريق بالكلِّيّة. فكلُّ حالٍ لا يُطيع العلمَ ولا يُحكِّمه فهو حالٌ فاسدٌ مُبعِدٌ عن الله، لكن من وصل إلى حال العلم لم يُجِبْه حالُه أن يَنزِل إلى درجة العلم، وينحطَّ إليها بلا حالٍ.
فإن كان مراده هذا المعنى فهو صحيحٌ. وإن كان مراده امتناع الحال عن طاعة العلم، لأنّ العلم يدعو إلى أحكام الغيبة والحجاب، والحال يدعو إلى
стр. 1506
أنس الكشف والحضور، فصاحب الحال لا يلتفت إلى العلم (١) = فباطلٌ. فإنّ العلم شرطٌ في الحال يستحيل معرفة صحّته بدون العلم.
نعم، لا ننكِر حصوله بدون العلم، لكنّ صاحبه على غير بصيرةٍ ولا وثوقٍ به.
و (شَيْمُ بَرقِ الكشف) هو النّظر إليه على بعدٍ، فإنّ صاحب الحال عاملٌ على شَيْم برق الكشف، لأنّ شَيْم برق الكشف يوجب نورًا يأنس به القلب، فعزيمة صاحبه على استدامته وحفظه.
وأمّا (الإجابة لإماتة الهوى)، فهو أنّ السّالك إذا أشرفَ على الكشف أحسّ بحالةٍ شبيهةٍ بالموت، حتّى إنّ منهم من يسقط إلى الأرض ويظنُّ ذلك موتًا. وهذه الحال من مبادئ الفناء، فتهوى نفسُه العودَ إلى الحجاب خوفًا من الانعدام، لما جُبِلتْ عليه النّفس البشريّة من كراهة الموت. فإذا حصل العزم أُمِيتَ هذا الهوى، ولم يلتفت إليه، رغبةً فيما يطلبه من الفناء في الفردانيّة، فإنّ الحقيقة لا تبدُو إلّا بعد فناء البشريّة.
وهذا الذي قاله حقٌّ، لا يُنكِره إلّا من لم يذُقْه. وإنّما الكلام في مرتبته، وأنّه غايةٌ أو توسُّطٌ، أو لازمٌ أو عارضٌ؟
فشيخنا ﵀ كان يرى أنّه عارضٌ من عوارض الطّريق لا يَعرِض للكُمَّل، ومن السّالكين من لم يَعرِض له البتّةَ.
ومن النّاس من يراه لازمًا للطّريق لا بدَّ منه.
стр. 1507
ومن النّاس من يراه غايةً لا شيء فوقه.
ومنهم من يراه توسُّطًا، وفوقَه ما هو أجلُّ منه وأرفع، وهو حالة البقاء.
فصل
قال (١): (الدّرجة الثّانية: الاستغراقُ في لوائح المشاهدة، واستنارةُ ضياءِ الطّريق، واستجماعُ قوى الاستقامة).
هذه ثلاثة أشياء:
أحدها: فقدان الإحساس بغير (٢) شهودِه، لاستغراقه في مشاهدته.
الثّاني: استنارة ضياء الطّريق، يعني ظهور الجادّة له ووضوحها، واتِّصالها بمطلوبه. وهذا كمن هو سائرٌ إلى مدينةٍ، فإذا شارفها ورآها رأى الطّريقَ حينئذٍ واضحةً إليها، واستنار له ضياؤها واتِّصالها بالمدينة، وكان قبل مشاهدة المدينة على علمٍ أو ظنٍّ يجوز معه أن يضيع عن باب المدينة، وأمّا الآن فقد أمِنَ من (٣) أن يضيع عن الباب. وكذلك هذا السّالك: قد انقطعت عنه الموانع، واستبان له الطّريق، وأيقنَ بالوصول، وصارت حالُه حالَ معاينِ باب المدينة من حينِ يقع بصره عليه، وكحال معاينِ الشّفق الأحمر قربَ طلوع الشّمس، حيث يتيقَّن أنّ الشّمس بعده.
قوله: (واستجماع قوى الاستقامة)، يعني: يستجمع له قوى الظّاهر والباطن على قصد الوصول والعزم عليه، لمشاهدته ما هو سائرٌ إليه. وهكذا
стр. 1508
عادة المسافر: أنّه إذا عاين القرية التي يريد دخولها أسرع السَّيرَ، وبذلَ الجهد. وكذلك المسابق إذا عاين الغاية: استفرغ قوى جَرْيه وسَوْقه، وكذلك الصّادق في آخر عمره: أقوى عزمًا وقصدًا من أوّله، لقربه من الغاية التي أُجري إليها.
فصل
قال (١): (الدّرجة الثّالثة: معرفة علّة العزم ، ثم العزمُ على التّخلُّص من العزم، ثمّ الخلاص من تكاليف ترك العزم. فإنّ العزائم لم تُورِثْ أربابها ميراثًا أكرمَ من وقوفهم على علل العزائم).
معرفة علّة العزم هي نسبته (٢) إلى نفسه، فإذا عرف أنّ العزم مجرّد فضل الله وإيثاره وتوفيقه، وأنّه ليس من العبد= فنسبته إيّاه بعد ذلك إلى نفسه علّةٌ قادحةٌ فيه. فإذا لاح له لائح الكشف، وشهد توحيدَ الفعل، علم حينئذٍ علّةَ عزمه، وهو نسبته إيّاه إلى نفسه ورؤيته له. فإذا عرف هذه العلّة عزمَ على التّخلُّص منها بالعزم على التّخلُّص (٣) من العزم.
وهذا قد يسبق منه إلى الذِّهن تناقضٌ وتدافعٌ، فكيف يتخلّص من العزم بالعزم؟
ومراده: أن يَعزِم على التّخلُّص من العزم المنسوب إليه بالعزم الذي هو مجرّد فضل الله وموهبته. فلا تناقضَ حينئذٍ. فيتخلّص من العزم بالعزم (٤)،
стр. 1509
كما يُنازع القدر بالقدر.
وأمّا (الخلاص من تكاليف ترك العزم)، فهو أنّه إذا تخلّص من هذا العزم وتركَه بقيتْ عليه بقيّةٌ، وهي رؤيته أنّه قد ترك. فعليه التّخلُّص من رؤية هذا التّرك، فهو يطلب الآن الخلاصَ من رؤية ترك العزم، كما كان يطلب ترك العزم.
قوله: (فإنّ العزائم لم تُورِث أربابَها ميراثًا أكرمَ من وقوفهم على عللِ العزائم).
مدار علل العزائم على ثلاثة أشياء:
أحدها: فتورها وضعفها.
الثّاني: عدم تجرُّدها من الأغراض وشوائبِ الحظوظ.
الثّالث: رؤية العزائم وشهودها، ونسبتها إلى أنفسهم.
فإذا عرف هذه الثّلاثة عرف علل العزائم. والله المستعان.
* * * *
стр. 1510
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإرادة . قال الله تعالى: ﴿(٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]. وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩].
وقد أشكل على المتكلِّمين تعلُّق الإرادة بالله تعالى، وكونُ وجهه تعالى مرادًا. وقالوا: الإرادة لا تتعلّق إلّا بالحادث، وأمّا بالقديم فلا؛ لأنّ القديم لا يراد. وأوّلوا الإرادة المتعلِّقة به بإرادة التّقرُّب إليه. ثمّ إنّه لا يُتصوّر عندهم التّقرُّب إليه، فأوّلوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه.
هذا حاصل ما عندهم. وحجابهم في هذا الباب غليظٌ كثيفٌ من أغلظ الحُجُب وأكثفِها، ولهذا تجدهم أهل قَسْوةٍ، ولا تجد عليهم روحَ السُّلوك ولا بهجةَ المحبّة.
والطّلب والإرادة عند أرباب السُّلوك: هي التّجرُّد عن الإرادة، فلا تصحُّ عندهم الإرادة إلّا لمن لا إرادةَ له. ولا تظنَّ هذا تناقضًا، بل هو محض الحقِّ. واتِّفاقُ كلمة القوم عليه.
وقد تنوّعت عبارات القوم عنها. وغالبهم يخبر عنها بأنّها ترك العادة (١).