← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أنس الكشف والحضور، فصاحب الحال لا يلتفت إلى العلم (١) = فباطلٌ. فإنّ العلم شرطٌ في الحال يستحيل معرفة صحّته بدون العلم. نعم، لا ننكِر حصوله بدون العلم، لكنّ صاحبه على غير بصيرةٍ ولا وثوقٍ به. و (شَيْمُ بَرقِ الكشف) هو النّظر إليه على بعدٍ، فإنّ صاحب الحال عاملٌ على شَيْم برق الكشف، لأنّ شَيْم برق الكشف يوجب نورًا يأنس به القلب، فعزيمة صاحبه على استدامته وحفظه. وأمّا (الإجابة لإماتة الهوى)، فهو أنّ السّالك إذا أشرفَ على الكشف أحسّ بحالةٍ شبيهةٍ بالموت، حتّى إنّ منهم من يسقط إلى الأرض ويظنُّ ذلك موتًا. وهذه الحال من مبادئ الفناء، فتهوى نفسُه العودَ إلى الحجاب خوفًا من الانعدام، لما جُبِلتْ عليه النّفس البشريّة من كراهة الموت. فإذا حصل العزم أُمِيتَ هذا الهوى، ولم يلتفت إليه، رغبةً فيما يطلبه من الفناء في الفردانيّة، فإنّ الحقيقة لا تبدُو إلّا بعد فناء البشريّة. وهذا الذي قاله حقٌّ، لا يُنكِره إلّا من لم يذُقْه. وإنّما الكلام في مرتبته، وأنّه غايةٌ أو توسُّطٌ، أو لازمٌ أو عارضٌ؟ فشيخنا ﵀ كان يرى أنّه عارضٌ من عوارض الطّريق لا يَعرِض للكُمَّل، ومن السّالكين من لم يَعرِض له البتّةَ. ومن النّاس من يراه لازمًا للطّريق لا بدَّ منه.

стр. 1507

ومن النّاس من يراه غايةً لا شيء فوقه. ومنهم من يراه توسُّطًا، وفوقَه ما هو أجلُّ منه وأرفع، وهو حالة البقاء. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: الاستغراقُ في لوائح المشاهدة، واستنارةُ ضياءِ الطّريق، واستجماعُ قوى الاستقامة). هذه ثلاثة أشياء: أحدها: فقدان الإحساس بغير (٢) شهودِه، لاستغراقه في مشاهدته. الثّاني: استنارة ضياء الطّريق، يعني ظهور الجادّة له ووضوحها، واتِّصالها بمطلوبه. وهذا كمن هو سائرٌ إلى مدينةٍ، فإذا شارفها ورآها رأى الطّريقَ حينئذٍ واضحةً إليها، واستنار له ضياؤها واتِّصالها بالمدينة، وكان قبل مشاهدة المدينة على علمٍ أو ظنٍّ يجوز معه أن يضيع عن باب المدينة، وأمّا الآن فقد أمِنَ من (٣) أن يضيع عن الباب. وكذلك هذا السّالك: قد انقطعت عنه الموانع، واستبان له الطّريق، وأيقنَ بالوصول، وصارت حالُه حالَ معاينِ باب المدينة من حينِ يقع بصره عليه، وكحال معاينِ الشّفق الأحمر قربَ طلوع الشّمس، حيث يتيقَّن أنّ الشّمس بعده. قوله: (واستجماع قوى الاستقامة)، يعني: يستجمع له قوى الظّاهر والباطن على قصد الوصول والعزم عليه، لمشاهدته ما هو سائرٌ إليه. وهكذا

стр. 1508

عادة المسافر: أنّه إذا عاين القرية التي يريد دخولها أسرع السَّيرَ، وبذلَ الجهد. وكذلك المسابق إذا عاين الغاية: استفرغ قوى جَرْيه وسَوْقه، وكذلك الصّادق في آخر عمره: أقوى عزمًا وقصدًا من أوّله، لقربه من الغاية التي أُجري إليها. فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: معرفة علّة العزم ، ثم العزمُ على التّخلُّص من العزم، ثمّ الخلاص من تكاليف ترك العزم. فإنّ العزائم لم تُورِثْ أربابها ميراثًا أكرمَ من وقوفهم على علل العزائم). معرفة علّة العزم هي نسبته (٢) إلى نفسه، فإذا عرف أنّ العزم مجرّد فضل الله وإيثاره وتوفيقه، وأنّه ليس من العبد= فنسبته إيّاه بعد ذلك إلى نفسه علّةٌ قادحةٌ فيه. فإذا لاح له لائح الكشف، وشهد توحيدَ الفعل، علم حينئذٍ علّةَ عزمه، وهو نسبته إيّاه إلى نفسه ورؤيته له. فإذا عرف هذه العلّة عزمَ على التّخلُّص منها بالعزم على التّخلُّص (٣) من العزم. وهذا قد يسبق منه إلى الذِّهن تناقضٌ وتدافعٌ، فكيف يتخلّص من العزم بالعزم؟ ومراده: أن يَعزِم على التّخلُّص من العزم المنسوب إليه بالعزم الذي هو مجرّد فضل الله وموهبته. فلا تناقضَ حينئذٍ. فيتخلّص من العزم بالعزم (٤)،

стр. 1509

كما يُنازع القدر بالقدر. وأمّا (الخلاص من تكاليف ترك العزم)، فهو أنّه إذا تخلّص من هذا العزم وتركَه بقيتْ عليه بقيّةٌ، وهي رؤيته أنّه قد ترك. فعليه التّخلُّص من رؤية هذا التّرك، فهو يطلب الآن الخلاصَ من رؤية ترك العزم، كما كان يطلب ترك العزم. قوله: (فإنّ العزائم لم تُورِث أربابَها ميراثًا أكرمَ من وقوفهم على عللِ العزائم). مدار علل العزائم على ثلاثة أشياء: أحدها: فتورها وضعفها. الثّاني: عدم تجرُّدها من الأغراض وشوائبِ الحظوظ. الثّالث: رؤية العزائم وشهودها، ونسبتها إلى أنفسهم. فإذا عرف هذه الثّلاثة عرف علل العزائم. والله المستعان. * * * *

стр. 1510

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإرادة . قال الله تعالى: ﴿(٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]. وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]. وقد أشكل على المتكلِّمين تعلُّق الإرادة بالله تعالى، وكونُ وجهه تعالى مرادًا. وقالوا: الإرادة لا تتعلّق إلّا بالحادث، وأمّا بالقديم فلا؛ لأنّ القديم لا يراد. وأوّلوا الإرادة المتعلِّقة به بإرادة التّقرُّب إليه. ثمّ إنّه لا يُتصوّر عندهم التّقرُّب إليه، فأوّلوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه. هذا حاصل ما عندهم. وحجابهم في هذا الباب غليظٌ كثيفٌ من أغلظ الحُجُب وأكثفِها، ولهذا تجدهم أهل قَسْوةٍ، ولا تجد عليهم روحَ السُّلوك ولا بهجةَ المحبّة. والطّلب والإرادة عند أرباب السُّلوك: هي التّجرُّد عن الإرادة، فلا تصحُّ عندهم الإرادة إلّا لمن لا إرادةَ له. ولا تظنَّ هذا تناقضًا، بل هو محض الحقِّ. واتِّفاقُ كلمة القوم عليه. وقد تنوّعت عبارات القوم عنها. وغالبهم يخبر عنها بأنّها ترك العادة (١).

стр. 1511

ومعنى هذا: أنّ عادة النّاس غالبًا التّعريجُ على أوطان الغفلة، وإجابةُ داعي الشّهوة، والإخلاد إلى أرض الطّبيعة. والمريد منسلخٌ عن ذلك. فصار خروجه عنه أمارةً ودلالةً على صحّة الإرادة، فسمِّي انسلاخه وتركه (١) إرادةً. وقيل: نهوض القلب في طلب الحقِّ (٢). ويقال: لوعةٌ تُهوِّن كلَّ روعةٍ (٣). وقال الدّقّاق ﵀: الإرادة لَوعةٌ في الفؤاد، لَدْغةٌ (٤) في القلب، غرامٌ في الضّمير، انزعاجٌ في الباطن، نيرانٌ تأجّج في القلوب (٥). وقيل: من صفات المريدين (٦): التّحبُّب إلى الله بالنّوافل، والإخلاص في نصيحة الأمّة، والأُنس بالخلوة، والصّبر على مقاساة الأحكام، والإيثار لأمره، والحياء من نظره، وبذْل المجهود في محبوبه، والتّعرُّض لكلِّ سببٍ يُوصِل (٧) إليه، والقناعة بالخمول، وعدم قرار القلب حتّى يصل إلى وليِّه ومعبوده (٨).

стр. 1512

وقال حاتمٌ الأصمُّ ﵀: إذا رأيتَ المريد يريد غير مراده، فاعلم أنّه أظهرَ نَذالتَه (١). وقيل (٢): من حكم المريد: أن يكون نومُه غلبةً، وأكلُه فاقةً، وكلامه ضرورةً (٣). وقال بعضهم: نهاية الإرادة: أن تشير إلى الله فتجده مع الإشارة. فقيل له: وأين تستوعبه الإرادة؟ فقال: أن تجد الله بلا إشارةٍ (٤). وهذا كلامٌ متينٌ، فإنّ المراتب ثلاثةٌ: أعلاها: أن يكون واجدًا لله في كلِّ وقتٍ، لا يتوقّف وجوده له على إشارة منه ولا من غيره. الثّاني: أن يكون له ملكةٌ وحالٌ وإرادةٌ تامّةٌ، بحيث متى أُشير له إلى الله وجده عند إشارة المشير. الثّالث: أن لا يكون كذلك، ويتكلّف وجدانَه عند الإشارة إليه. فالمرتبة الأولى للمقرّبين السّابقين، والوسطى للأبرار المقتصدين، والثّالثة للغافلين (٥).

стр. 1513

وقال أبو عثمان الحِيريُّ ﵀ (١): من لم تصحّ إرادته ابتداءً، فإنّه لا يزيده مرورُ الأيّام عليه إلّا إدبارًا (٢). وقال: المريد إذا سمع شيئًا من علوم القوم فعملَ به: صار حكمةً في قلبه إلى آخر عمره ينتفع به، وإذا تكلّم انتفع به من سمعه. ومن سمع شيئًا من علومهم ولم يعمل به كان حكايةً يحفظها أيامًا ثمّ ينساها (٣). وقال الواسطيُّ ﵀: أوّل مقام المريد: إرادةُ الحقِّ بإسقاط إرادته (٤). وقال يحيى بن معاذٍ ﵁: أشدُّ شيءٍ على المريدين: معاشرة الأضداد (٥). وسئل الجنيد ﵁: ما (٦) للمريد حظٌّ في مجاراة الحكايات؟ فقال: الحكايات (٧) جندٌ من جند الله يُثبِّت الله بها قلوب المريدين. ثمّ قرأ قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] (٨). وقد ذُكِر عن الجنيد ﵀ كلمتان في الإرادة مجملتان تحتاج إلى

стр. 1514

تفسيرٍ، الكلمة الواحدة: قال أبو عبد الرّحمن السُّلميُّ (١): سمعت محمّد بن مخلدٍ يقول: سمعت جعفرًا يقول: سمعت الجنيد ﵀ يقول: المريد الصّادق غنيٌّ عن علم العلماء (٢). وقال جعفر أيضًا: سمعت الجنيد يقول: إذا أراد الله بالمريد خيرًا أوقعَه إلى الصُّوفيّة، ومنعَه صحبةَ القُرّاء (٣). قلت: إذا صدق المريد، وصحّ عقدُ صدقِه مع الله، فتح الله على قلبه ببركة الصِّدق، وحسنِ المعاملة مع الله: ما يغنيه عن العلوم التي هي نتائج أفكار النّاس وآرائهم، وعن العلوم التي هي فضلةٌ ليست من زاد القبر، وعن كثيرٍ من إشارات الصُّوفيّة وعلومهم التي أفْنَوا فيها أعمارهم: من معرفة النّفس وآفاتها وعيوبها، ومعرفة مفسِدات الأعمال وأحكام السُّلوك، حتى (٤) كان حال سلوكه (٥) وصدقه وصحّة طلبه: يُرِيه ذلك كلّه بالفعل. ومثال ذلك: رجلٌ قاعدٌ في البلد يَدْأَب ليلَه ونهاره في علم منازل الطّريق وعَقَباتها وأوديتها، ومواضع المتاهات فيها، والموارد والمفاوز. وآخرُ حمله الوجد وصدق الإرادة على أن ركب الطّريقَ وسار فيها، فصدقُه يُغنِيه عن علم ذلك القاعد، ويريه إيّاه في سلوكه عيانًا. وأمّا أن يُغنيه صدق إرادته عن علم الحلال والحرام، وأحكامِ الأمر

стр. 1515

والنّهي، ومعرفة العبادات وشروطها وواجباتها ومبطلاتها، وعن علم أحكام الله ورسوله على ظاهره وباطنه= فقد أعاذ الله مَن هو دون الجنيد من ذلك، فضلًا عن سيِّد الطّائفة وإمامها، وإنّما يقول ذلك قُطّاع الطّريق، وزنادقة الصُّوفيّة وملاحدتُهم، الذين لا يرون اتِّباع الرّسول شرطًا في الطّريق. وأيضًا فإنّ المريد الصّادق يفتح الله على قلبه، ويُنوِّره بنورٍ من عنده، مضافٍ إلى ما معه من نور العلم، يعرف به كثيرًا من أمر دينه، فيستغني به عن كثيرٍ من علم النّاس. فإنّ العلم نورٌ، وقلبُ الصّادق (١) ممتلئٌ بنور الصِّدق، ومعه نور الإيمان، والنُّور يهدي إلى النُّور. والجنيد ﵀ أخبر بهذا عن حاله، وهذا أمرٌ جزئيٌّ ليس على عمومه، بل صدقُه يُغنيه عن كثيرٍ من العلم. وأمّا عن جملة العلم: فكلام أبي القاسم الثّابت عنه في ضرورة الصّادق إلى العلم، وأنّه لا يُفلح من لم يكن له علمٌ، وأنّ طريق القوم مقيّدةٌ بالعلم، وأنّه لا يحلُّ لأحدٍ أن يتكلّم في الطّريق إلّا بالعلم (٢) = مشهورٌ (٣) معروفٌ قد ذكرنا فيما مضى طرفًا منه، كقوله: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأنّ علمنا مقيّدٌ بالكتاب والسُّنّة (٤). وأيضًا فإنّ علم العلماء الذين أشار إليهم هو ما فهموه واستنبطوه من القرآن والسُّنّة. والمريد الصّادق هو الذي قرأ القرآن وحفظ السُّنّة، والله يرزقه ببركة صدقه ونور قلبه فهمًا في كتابه وسنّة رسوله يُغنيه عن تقليد فهمِ غيره.

стр. 1516

وأمّا قوله: إذا أراد الله بالمريد خيرًا أوقعَه على الصُّوفيّة، ومنعَه صحبةَ القُرّاء. فالقرّاء في لسانهم: هم أهل التّنسُّك والتّعبُّد، سواءٌ كانوا يقرؤون القرآن أم لا، فالقارئ عندهم هو الكثير التّعبد والتّنسُّك، الذي قد قصرَ همّتَه على ظاهر العبادة، دونَ أرواح المعارف وذوق حقائق الإيمان وروح (١) المحبّة وأعمال القلوب، فهِمَمُهم كلُّها إلى العبادة، ولا خبر (٢) عندهم ممّا عند أهل التّصوُّف وأرباب القلوب وأهل المعارف. ولهذا قال من قال: طريقنا تَفَتٍّ لا تَقَرٍّ (٣). فسَيرُ هؤلاء بالقلوب والأرواح، وسيرُ أولئك مجرّد الأشباح والقوالب، وبين أرواح هؤلاء وقلوبهم وأرواح هؤلاء وقلوبهم (٤): نوعُ تناكرٍ وتنافرٍ، ولا يقدر أحدهم على صحبة (٥) النّوع الآخر إلّا على نوع إغضاءٍ وتحميلٍ للطّبيعة ما تأباه. وهو من جنس ما بينهم وبين ظاهريّة الفقهاء من التّنافر، ويسمُّونهم أصحاب الرُّسوم، ويسمُّون أولئك القرّاء. والطّائفتان عندهم أهل ظواهرٍ، لا

стр. 1517

أرباب حقائق. هؤلاء مع رسوم العلم، وهؤلاء مع رسوم (١) العبادة. ثمّ إنّهم في أنفسهم فريقان: صوفيّةٌ وفقراء، وهم متنازعون في ترجيح الصوفيّ على الفقير أو بالعكس أو هما سواءٌ، على ثلاثة أقوالٍ: فطائفةٌ رجّحت الصُّوفيّ، منهم كثيرٌ من أهل العراق. على هذا صاحب «العوارف» (٢)، وجعلوا نهايةَ الفقير بداية الصُّوفيِّ (٣). وطائفةٌ رجّحت الفقير، وجعلوا الفقر لُبَّ (٤) التّصوُّف وثمرته. وهم كثيرٌ من أهل خراسان. وطائفةٌ ثالثةٌ قالوا: الفقر والتّصوُّف شيءٌ واحدٌ. وهؤلاء هم أهل الشّام. ولا يستقيم الحكم بين هؤلاء حتّى يتبيّن حقيقة الفقر والتّصوُّف، وحينئذٍ يُعلَم هل هما حقيقةٌ واحدةٌ أو حقيقتان؟ ويُعلَم راجحهما من مرجوحهما. وسترى ذلك مبيّنًا إن شاء الله في منزلتي «الفقر والتّصوُّف» إذا (٥) انتهينا إليهما، إن ساعدَ الله ومنَّ بفضله وتوفيقه. فلا حول ولا قوّة إلّا بالله، وبه (٦)

стр. 1518

المستعان، وعليه التُّكلان، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. والمقصود: أنّ المراتب عندهم ثلاثةٌ: مرتبة التّقوى، وهي مرتبة التّعبد (١) والتّنسُّك. ومرتّبة التّصوُّف، وهي مرتبة التّفتِّي بكلِّ خلقٍ حسنٍ، والخروجِ من كلِّ ذميمٍ. ومرتبة الفقر، وهي مرتبة التّجرُّد، وقطعِ كلُّ علاقةٍ تحول بين القلب وبين الله تعالى. فهذه مراتب طلّاب الآخرة. ومَن عداهم فمع القاعدين المتخلِّفين. فأشار أبو القاسم الجنيد ﵀ أنّ المريد لله (٢) بصدقٍ إذا أراد الله به خيرًا: أوقعه على طائفة الصُّوفيّة، يُهذِّبون أخلاقه، ويدلُّونه على تزكية نفسه، وإزالة أخلاقها الذّميمة، والاستبدالِ بالأخلاق الحميدة، ويُعرِّفونه منازلَ الطّريق ومَحاراتها (٣)، وقواطعها وآفاتها. وأمّا القُرّاء فيدقُّونه بالعبادة من الصّوم والصّلاة دَقًّا، ولا يُذِيقونه شيئًا من حلاوة أعمال القلوب وتهذيب النُّفوس، إذ ليس ذلك طريقتهم. ولهذا بينهم وبين أرباب التّصوُّف نوعُ تنافرٍ، كما تقدّم. والبصير الصّادق يضرب في كلِّ غنيمةٍ بسهمٍ، ويعاشر كلَّ طائفةٍ على

стр. 1519

أحسنِ ما معها، ولا يتحيَّزُ إلى طائفةٍ وينأى عن أخرى بالكلِّيّة: إلّا أن لا (١) يكون معها شيءٌ من الحقِّ. فهذه طريقة الصّادقين. ودعوى الجاهليّة كامنةٌ في النُّفوس. ولا أَعنِي بذلك أصغرِيهم ... ولكنِّي أريدُ به الذَّوِينا (٢) سمع النّبيُّ ﷺ في بعض غزواته قائلًا يقول: يا للمهاجرين! وآخر يقول: يا للأنصار! فقال: «ما بالُ دعوى الجاهليّة وأنا بين أظهُرِكم؟» (٣). هذا، وهما اسمان شريفان، سمّاهم الله بهما في كتابه، فنهاهم عن ذلك، وأرشدَهم إلى أن يتداعَوا بالمسلمين والمؤمنين عبادِ الله، وهي الدّعوى الجامعة، بخلاف الدعوى المفرِّقة كالفلانيّة والفلانيّة (٤)، فالله المستعان (٥). وقال ﷺ لأبي ذرٍّ: «إنّك امرؤٌ فيك جاهليّةٌ». فقال: على كبرِ السِّنِّ منِّي يا رسول الله؟ قال: «نعم» (٦).

стр. 1520

فمَنْ يأمنُ القُرّاءَ بعدَك يا شَهْرُ؟ (١) ولا يذوق العبد حلاوةَ الإيمان وطعْمَ الصِّدق واليقين، حتّى تخرج الجاهليّة كلُّها من قلبه. ووالله لو تحقَّق النّاس في هذا الزّمان ذلك من قلب رجلٍ واحدٍ (٢) لرَمَوه عن قوسٍ واحدةٍ، وقالوا: هذا مبتدعٌ، ومن دعاة البدع. فإلى الله المشتكى، وهو المسؤول الصّبر والثّبات، فلا بدَّ من لقائه، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١]، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (باب الإرادة: قال الله تعالى: ﴿يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ﴾ [الإسراء: ٨٤]). في تصديره البابَ بهذه الآية دلالةٌ على عِظَم قدرِه، وجلالةِ محلِّه من هذا

стр. 1521

العلم، فإنّ معنى الآية: كلٌّ يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به. فالفاجر يعمل على ما يليق به، وكذلك الكافر والمنافق، ومريد الدُّنيا وجِيفَتِها (١) عاملٌ على ما يناسبه، ولا يليق به سواه، ومحبُّ الصُّور عاملٌ على ما يناسبه ويليق به. فكلُّ امرئٍ يَهْفُو إلى من (٢) يُحِبُّه ... وكلُّ امرئٍ يَصْبو إلى من يُناسِبُه (٣) فالمريد الصّادق المحبُّ لله يعمل ما هو اللّائق به والمناسب له، فهو يعمل على شاكلة إرادته، وما هو الأليقُ به (٤) والأنسبُ لها. قال (٥): (الإرادة من قوانين هذا العلم وجوامعِ أبنيتِه، وهي الإجابة لدواعي الحقيقة، طوعًا أو كَرْهًا). يريد: أنّ هذا العلم مبنيٌّ على الإرادة، فهي أساسه ومجمعُ بنائه، وهو مشتملٌ على تفاصيل أحكام الإرادة، وهي حركة القلب، ولهذا سمِّي علم الباطن. كما أنّ علم الفقه يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح، ولهذا سمَّوه علم الظّاهر. فهاتان حركتان اختياريّتان. وللعبد حركةٌ طبيعيّةٌ اضطراريّةٌ، فالعلم المشتمل على تفاصيلها وأحكامها هو علم الطِّبِّ. فهذه العلوم الثّلاثة هي الكفيلة بمعرفة حركات (٦) النّفس والقلب، وحركات اللِّسان والجوارح،

стр. 1522

وحركات الطّبيعة. فالطّبيب ينظر في تلك الحركات من جهة تأثُّرِ البدن عنها صحّةً واعتلالًا، وفي لوازم ذلك ومتعلِّقاته. والفقيه ينظر في تلك الحركات من جهة موافقتها لأمر الشّرع ونهيه، وإذنه وكراهته، ومتعلِّقات ذلك. والصُّوفيُّ ينظر في تلك الحركات من جهة كونها مُوصِلةً له إلى مراده أو قاطعةً عنه، ومُفسِدةً لقلبه أو مصحِّحةً له. وأمّا قوله: (وهي الإجابة لداعي الحقيقة)، فالإجابة هي الانقياد والإذعان. والحقيقة عندهم: مشاهدة الرُّبوبيّة. والشّريعة: التزام العبوديّة. فالشّريعة أن تعبدَه، والحقيقة أن تشهدَه، فالشّريعة (١) قيامُك بأمره، والحقيقة شهودُك لوصفه، وداعي الحقيقة هو صحّة المعرفة، فإنّ من عرفَ الله أحبّه ولا بدَّ. ولا بدّ في هذه الإجابة من ثلاثة أشياء: نفسٌ مستعدّةٌ قابلةٌ لا تُعْوِز (٢) إلّا الدّاعيَ، ودعوةً مُسمِعةً، وتخليةَ الطّريق من المانع. فما انقطع من انقطع إلّا من جهةٍ من هذه الجهات الثّلاث. وقوله: (طوعًا أو كرهًا)، يشير إلى المجذوب المختطَف من نفسه، والسّالك إرادةً واختيارًا ومجاهدةً.

стр. 1523

قال (١): (وهي على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: ذهابٌ عن العادات بصحبة العلم، والتّعلُّقُ بأنفاس السّالكين مع صدق القصد، وخَلْعُ كلِّ شاغلٍ من الإخوان ومُشتِّتٍ من الأوطان). هذا (٢) يوافق مَن حدَّ الإرادة بأنّها مخالفة العادة، وهي ترك عوائدِ النّفس وشهواتها، ورعوناتِها وبطالاتها. ولا يمكن ذلك إلّا بهذه الأشياء التي أشار إليها، وهي: صحبة العلم ومعانقته، فإنّه (٣) النُّور الذي يُعرِّف العبدَ مواقعَ ما ينبغي إيثار طلبِه، وما ينبغي إيثار تركِه. فمن لم يصحَبْه العلم لم تصِحَّ له إرادةٌ باتِّفاق كلمة الصّادقين، ولا عِبرةَ بقُطَّاع الطّريق. وقال بعضهم: متى رأيت الصُّوفيّ والفقير يقدَحُ في العلم فاتَّهِمْه على الإسلام. ومنها: التّعلُّق بأنفاس السّالكين. ولا ريبَ أنّ كلّ من تعلّق بأنفاس قومٍ انخرط في سِلْكهم ودخل في جُملتهم. وقال: (أنفاس السّالكين)، ولم يقل: أنفاس العابدين، فإنّ العابدين شأنهم القيامُ بالأعمال، وشأنُ السّالكين مراعاة الأحوال. وقوله: (مع صدق القصد). صدقُ القصد يكون بأمرين. أحدهما: توحيده. والثّاني: توحيد المقصود. فلا يقع (٤) في قصدِك قسمةٌ ولا في مقصودِك.

стр. 1524

وقوله: (وخَلْعُ كلِّ شاغلٍ من الإخوان ومُشتِّتٍ من الأوطان). يشير إلى ترك الموانع والقواطع العائقة (١) عن السُّلوك: من صحبة الأغيار، والتّعلُّق بالأوطان التي أَلِفَ فيها البطالةَ والنَّذالة. فليس على المريد الصّادق أضرُّ من عُشَرائه (٢) ووطنه، القاطعين له عن سيره إلى الله تعالى، فلْيتغرَّب عنهم بجهده. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّانية: تقطُّعٌ بصحبة الحال، وترويحِ الأُنس، والسّيرِ بين القبض والبسط). أي ينقطع إلى صحبة الحال، وهو الوارد الذي يرِد على القلب من تأثُّره بالمعاملة، السّالب لوصف الكسل والفتور، الجاذب له إلى مرافقة الرّفيق (٤) الأعلى الذين أنعمَ الله عليهم. فينتقل من مقام العلم إلى مقام الكشف، ومن مقام رسوم الأعمال إلى مقام حقائقها (٥) وأذواقِها ومواجيدِها وأحوالِها، فيترقّى من الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإحسان. وأمّا ترويح الأنس الذي أشار إليه: فإنّ السّالك في أوّل الأمر يجد تعبَ التكليف ومشقّةَ العمل، لعدم أُنسِ قلبه بمعبوده. فإذا حصل للقلب روح (٦)

стр. 1525

الأنس به زالتْ عنه تلك التّكاليف والمشاقُّ، وصارتْ قرّةَ عينٍ له وقوّةً ولذّةً. فتصير الصّلاة قرّةَ عينه، بعدَ أن كانتْ حِمْلًا عليه، ويستريح بها بعدَ أن كان يطلب الرّاحة منها. فله ميراثٌ من قوله (١): «أَرِحْنا بالصّلاة يا بِلالُ» (٢) و «جُعِلتْ قرّةُ عيني في الصّلاة» (٣) بحسب إرادته ومحبّته، وأنسِه بالله ووحْشَتِه ممّا سواه. وأمّا السّير بين القبض والبسط، فالقبض والبسط حالتان تعرضان لكلِّ سالكٍ، يتولّدانِ من الخوف والرّجاء تارةً، فيقبضه الخوف، ويبسطه الرّجاء. ويتولّدان من الوفاء والجفاء تارةً، فوفاؤه يُورِثه البسط، وجفاؤه يُورِثه القبض. ويتولّدان من التّفرقة والجمعيّة تارةً، فتفرقتُه تُورِثه القبضَ، وجمعيَّتُه تُورِثه البسطَ. ويتولّدان من أحكام الوارد تارةً، فواردٌ يُورِث قبضًا، وواردٌ يُورِث بسطًا. وقد يهجُم على قلب السّالك قبضٌ لا يدري ما سببه، وبَسْطٌ لا يدري ما سببه. وحكمُ صاحبِ هذا القبض أمران:

стр. 1526

التّوبة والاستغفار، لأنّ ذلك القبض نتيجة جِنايةٍ أو جَفْوةٍ لا يَشعُر بها. والثّاني: الاستسلام، حتّى يمضي عنه ذلك الوقت، ولا يتكلّف دفعَه، ولا يستقبل وقته مغالبةً وقهرًا، ولا يطلب طلوعَ الفجر في وسط اللّيل، وليرقُدْ حتّى يمضيَ عامّة اللّيل، ويحينَ طلوعُ الفجر وانقشاعُ ظلمةِ اللّيل. بل يصبر حتّى يهجُم عليه الوقت، ويزول القبضُ، فالله يقبض ويبسط. وكذلك إذا هجم عليه واردُ البسط: فليحذَرْ كلَّ الحذر من الحركة والاهتزاز، ولْيُحرِزْه بالسُّكون والانكماش والاستقرار وتلقِّيه بالثبات، فإنَّ في هذا الوقت عليه خطرًا عظيمًا، فليحذَرْ مكرًا خفيًّا. فالعاقل يقف على البساط، ويحذَر من الانبساط، وهذا شأن عقلاء أهل الدُّنيا ورؤسائهم: إذا ما ورد عليهم ما يَسُرُّهم ويُبسِّطهم ويُهيِّج أفراحَهم قابلُوه بالسُّكون والثّبات والاستقرار، حتّى كأنّه لم يهجم عليه (١). وقال كعب بن زهيرٍ في مدح الأنصار (٢): ليسوا مَفاريحَ إن نالتْ رماحهُمُ ... قومًا وليسُوا مَجازيعًا إذا نِيلُوا (٣) قال (٤): (الدّرجة الثّالثة: ذهولٌ مع صحبةِ الاستقامة، وملازمةُ الرِّعاية على تهذيبِ الأدب).

стр. 1527

الذُّهول هاهنا: هو الغَيبة في المشاهدة بالحال الغالب، المُذْهِل لصاحبه عن التفاتِه إلى غيره. وهذا إنّما ينفع إذا كان مصحوبًا بالاستقامة (١)، وهي حفظ حدود العلم، والوقوف معها، وعدم إضاعتها. وإلّا فأحسنُ أحوال هذا الذّاهل: أن يكون كالمجنون الذي رُفِع عنه القلم، فلا يُقتَدى به، ولا يُعاقَب على تركِه الاستقامةَ. وأمّا إن كان سببُ الذُّهول المُخرِج عن الاستقامة باستدعائه وتكلُّفِه وإرادته: فهو عاصٍ مُفرِّطٌ، مُضيِّعٌ لأمر الله، له حكمُ أمثالِه من المفرِّطين. وكان شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى وقدَّس روحَه يقول: متى كان السّبب محظورًا لم يكن السّكرانُ معذورًا. وقوله: (وملازمة الرِّعاية على تهذيبِ الأدب). يريد به: ملازمةَ رعايةِ حقوق الله مع التّأدُّب بآدابه، فلا يُخرِجه ذهولُه عن استقامته، ولا عن رعايةِ حقوق سيِّده، ولا عن الوقوف بالأدب بين يديه. والله المستعان. * * * *

стр. 1528

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الأدب . قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. قال ابن عبّاسٍ وغيره: علِّموهم وأدِّبوهم (١). وهذه اللّفظة مُؤذِنةٌ بالاجتماع، فالأدب اجتماع خصال الخير في العبد، ومنه المأدبة، وهو الطّعام الذي يُجمع عليه النّاس. وعلم الأدب: هو علم إصلاح اللِّسان والخطاب، وإصابة مواقعه، وتحسين ألفاظه، وصيانته عن الخطأ والخلل. وهو شعبةٌ من الأدب العامِّ. فصل و الأدب ثلاثة أنواعٍ: أدبٌ مع الله، وأدبٌ مع رسوله وشرعه (٢)، وأدبٌ مع خَلْقه. فالأدب مع الله ثلاثة أنواعٍ: أحدها: صيانة معاملته (٣) أن يشوبها بنقيصةٍ.

стр. 1529

الثّاني: صيانة قلبك أن يلتفت إلى غيره. الثّالث: صيانة إرادتك أن تتعلّق بما يَمْقُتك عليه. قال أبو عليٍّ الدّقّاق ﵀: العبد يصل بطاعة الله إلى الجنّة، ويصل بأدبه في طاعته إلى الله (١). وقال: رأيت من أراد يَمُدّ يده في الصّلاة إلى أنفِه فقبضَ على يده (٢). وقال ابن عطاءٍ ﵀: الأدب الوقوف مع المستحسنات. فقيل: وما معناه؟ فقال: أن تعاملَ الله بالأدب سرًّا وعلنًا. ثمّ أنشد: إذا نَطقتْ جاءتْ بكلِّ مَلاحةٍ ... وإن سكتَتْ جاءت بكلِّ مَليحِ (٣) وقال أبو عليٍّ ﵀: مَن صاحبَ الملوكَ بغير أدبٍ أسلمه الجهل إلى القتل (٤). وقال يحيى بن معاذٍ ﵀: إذا ترك العارف أدبَه مع معروفه، فقد هلك مع الهالكين (٥). وقال أبو عليٍّ ﵀: تركُ الأدب يُوجِب الطَّرد، فمن أساء الأدبَ على البِساط رُدَّ إلى الباب، ومن أساء الأدبَ على الباب رُدَّ إلى سياسة

стр. 1530

الدَّوابِّ (١). وقال يحيى بن معاذٍ ﵀: من تأدّبَ بأدبِ الله صار من أهل محبّة الله (٢). وقال ابن المبارك ﵀: نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوجُ منّا إلى كثيرٍ من العلم (٣). وسئل الحسن البصريُّ ﵁ عن أنفع الآداب؟ فقال: التّفقُّه في الدِّين، والزُّهد في الدُّنيا، والمعرفة بما لله عليك (٤). وقال سهلٌ ﵀: القوم استعانوا بالله على أمر الله، وصبروا لله على آداب الله (٥). وقال ابن المبارك ﵀: طلبنا الأدبَ حين فاتنا المؤدِّبون (٦). وقال: الأدب للعارف كالتّوبة للمستأنف (٧). وقال أبو حفصٍ ﵀ ــ لمّا قال له الجنيد ﵀: لقد أدّبتَ أصحابك أدبَ

стр. 1531

السّلاطين ــ فقال: حسنُ الأدب في الظّاهر عنوان حسن الأدب في الباطن (١). فالأدب مع الله حسن الصُّحبة معه، بإيقاع الحركات الظّاهرة والباطنة على مقتضى التّعظيم والإجلال والحياء، كحال مُجالِسي (٢) الملوك ومُصاحِبيهم. وقال أبو نصرٍ السّرّاج ﵀ (٣): النّاس في الأدب على ثلاث طبقاتٍ: أمّا أهل الدُّنيا: فأكثر (٤) آدابِهم في الفصاحة والبلاغة، وحفظ العلوم، وأَسْمارِ الملوك، وأشعارِ العرب. وأمّا أهل الدِّين: فأكثرُ آدابهم في رياضة النفوس، وتأديب الجوارح، وحفظ الحدود، وترك الشهوات. وأما أهل الخصوصية: فأكثرُ آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلّةِ الالتفات إلى الخواطر، وحسنِ الأدب في مواقفِ الطّلب وأوقاتِ الحضور ومقاماتِ القرب. وقال سهلٌ ﵀: من قهرَ نفسَه بالأدب فهو يعبد الله بالإخلاص (٥). وقال ابن المبارك ﵀: قد أكثر النّاس القولَ في الأدب, ونحن نقول:

стр. 1532

إنّه معرفة النّفس (١). أراد: أن أصله معرفة النفس ورُعوناتِها، وتجنُّبُ تلك الرُّعونات. وقال الشِّبليُّ ﵀: الانبساط بالقول مع الحقِّ ترك الأدب (٢). وقال بعضهم: الحقُّ سبحانه يقول: من ألزمتُه القيامَ مع أسمائي وصفاتي ألزمتُه الأدبَ، ومن كشفتُ له عن حقيقة ذاتي ألزمتُه العطبَ، فاختَرِ الأدبَ أو العطبَ (٣). ويشهد لهذا: أنّه سبحانه لمّا كشفَ للجبل عن ذاته ساخَ الجبلُ وتدكْدَكَ، ولم يثبت على عظمة الذّات. وقال أبو عثمان ﵀: إذا صحّت المحبّة تأكّدتْ على المحبِّ ملازمةُ الأدب (٤). وقال النُّوريُّ ﵀: من لم يتأدّب للوقت فوقتُه مَقْتٌ (٥). وقال ذو النُّون ﵀: إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنّه يرجع من حيث جاء (٦).

стр. 1533

وتأمّلْ أحوالَ الرُّسل مع الله، وخطابَهم وسؤالَهم، كيف تجدها كلّها مشحونةً بالأدب قائمةً به. قال المسيح: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، ولم يقل: «لم أقله». وفرقٌ بين الجوابين في حقيقة الأدب. ثمّ أحال الأمر على علمه بالحال وبسِرِّه فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾. ثمّ برّأ نفسَه عن علمه بغيب ربِّه وما يختصُّ به، فقال: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾. ثمّ أثنى على ربِّه، ووصفَه بتفرُّده بعلم الغيوب كلِّها، فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. ثمّ نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره به ــ وهو محض التّوحيد ــ فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. ثمّ أخبر عن شهادته عليهم مدّةَ مُقامِه فيهم، وأنّه بعد وفاته لا اطِّلاعَ له عليهم، وأنّ الله وحدَه المنفردُ بعد الوفاة بالاطِّلاع عليهم، فقال: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. ثمّ وصفه بأنّ شهادته سبحانه فوق كلِّ شهادةٍ وأعمُّ، وأنه على كلٍّ شهيدٌ، فقال: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. ثمّ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام، أي: شأنُ السّيِّد رحمة عبيده والإحسان إليهم، وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدًا لغيرك، فإذا عذَّبتَهم ــ مع كونهم عبيدَك ــ فلولا أنّهم عبيدُ سوءٍ من أخسِّ (١) العبيد وأعتاهم على سيِّدهم وأعصاهم له= لم تُعذِّبهم، لأنّ مرتبة العبوديّة تستدعي إحسان السّيِّد إلى عبده ورحمته، فلماذا يُعذِّب أرحم الرّاحمين، وأجودُ الأجودين وأعظم المحسنين إحسانًا عبيدَه؟ لولا فرطُ عُتوِّهم وإبائهم عن طاعته، وكمالُ استحقاقهم للعذاب.

стр. 1534

وقد تقدّم قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. أي: هم (١) عبادك، وأنت أعلم بسرِّهم وعلانيتهم، فإذا عذَّبتَهم عذّبتَهم على علمٍ منك بما تُعذِّبهم عليه، فهم عبادك وأنت أعلم بما جَنَوه واكتسبوه، فليس في هذا استعطافٌ لهم كما يظنُّه الجهّال، ولا تفويضٌ إلى محض المشيئة والملك المجرّد عن الحكمة كما تظنُّه القدريّة. وإنّما هو إقرارٌ واعترافٌ وثناءٌ عليه بحكمته وعدله، وكمالِ علمه بحالهم، واستحقاقهم للعذاب. ثمّ قال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ولم يقل: «الغفور الرّحيم». وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى، فإنّه في وقت غضب الرّبِّ عليهم، والأمرِ بهم إلى النّار، فليس مقام استعطافٍ ولا شفاعةٍ، بل مقام براءةٍ منهم. فلو قال: «فإنّك أنت الغفور الرّحيم» لأشعرَ باستعطافه على أعدائه الذين قد اشتدّ غضبه عليهم، فالمقام مقام موافقةٍ للرّبِّ (٢) في غضبه على من غضِبَ الرّبُّ عليهم، فعدَلَ عن ذكر الصِّفتين اللّتين يسأل بهما عطْفَه ورحمتَه ومغفرتَه (٣) إلى ذكرِ العزّة والحكمة المتضمِّنتين لكمال القدرة وكمال العلم. والمعنى: إن غفرتَ لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم، ليست عن عجزٍ عن الانتقام منهم، ولا عن خفاءٍ عليك بمقدار جرائمهم (٤)، وهذا لأنّ العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه، ولجهله بمقدار

стр. 1535

إساءته إليه. والكمال هو مغفرة القادر العالم، وهو العزيز الحكيم. فكان ذكر هاتين الصِّفتين في هذا المقام عينَ الأدب في الخطاب. وفي بعض الآثار: «حملة العرش أربعةٌ: اثنان يقولان: سبحانك اللهمّ ربَّنا وبحمدك، لك الحمدُ على حِلمك بعد علمك. واثنان يقولان: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، لك الحمد (١) على عفوِك بعد قدرتك» (٢). ولهذا يقترن كلٌّ من هاتين الصِّفتين بالأخرى، كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (٣) [النساء: ١٤٩]. وكذلك قول إبراهيم الخليل ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٠]، ولم يقل: «وإذا أمرضني» حفظًا للأدب مع الله. وكذلك قول الخضر ﵇ في السّفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، ولم يقل: «فأراد ربُّك أن أعيبها». وقال في الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢].

стр. 1536

وكذلك قول مؤمني الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن: ١٠]، ولم يقولوا (١): «أراده بهم». ثمّ قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. وألطف من هذا قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، ولم يقل: «أطعِمْني». وقول آدم: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ولم يقل: «ربِّ قدَّرتَ عليّ وقَضيتَ عليّ». وقول أيُّوب ﵇: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، ولم يقل: «فعافِني واشْفِني». وقول يوسف ﵇ لأبيه وإخوته: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِيَ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولم يقل: «من الجبِّ»، حفظًا للأدب مع إخوته، وتفتِّيًا عليهم أن لا يُخجِلَهم بما جرى في الجبِّ. وقال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ ولم يقل: «رفع عنكم جهدَ الجوع والحاجة» أدبًا معهم. وأضاف ما جرى إلى السّبب، ولم يُضِفه إلى المباشر الذي هو أقربُ إليه منه، فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، فأعطى الفتوّة والكرم والأدب حقّه. ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلّا للرُّسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. ومن هذا أَمْر النّبيِّ ﷺ الرّجلَ أن يستُرَ عورتَه، وإن كان خاليًا لا يراه

стр. 1537

أحدٌ (١)، أدبًا مع الله، على حسب القرب منه، وتعظيمه وإجلاله، وشدّة الحياء منه، ومعرفة وقاره. وقال بعضهم: التزمِ الأدبَ ظاهرًا وباطنًا، فما أساء أحدٌ الأدبَ في ظاهرٍ إلّا عُوقِب ظاهرًا، وما أساء أحدٌ الأدبَ باطنًا إلّا عُوقِب باطنًا (٢). وقال عبد الله بن المبارك ﵀: من تهاونَ بالأدب عُوقب بحرمان السُّنن، ومن تهاونَ بالسُّنن عُوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاونَ بالفرائض عُوقب بحرمان المعرفة (٣). وقيل: الأدب (٤) في العمل علامة قبول العمل. وحقيقة الآداب (٥) استعمال الخلق الجميل، ولهذا كان الأدب استخراج ما في الطّبيعة من الكمال من القوّة إلى الفعل. فإنّ الله سبحانه هيّأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهليّة والاستعداد، التي فيه كامنةٌ

стр. 1538

كالنّار في الزِّناد، فألهمَه ومكَّنه، وعرَّفه وأرشدَه، وأرسلَ إليه رسلَه وأنزل كتبَه، لاستخراج تلك القوّة التي أهَّلَه بها لكماله إلى الفعل. قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. فعبّر عن خلق النّفس بالتّسوية الدالَّة على الاعتدال والتّمام، ثمّ أخبر عن قبولها للفجور والتّقوى، وأنّ ذلك بإلهامه امتحانًا واختبارًا. ثمّ خصّ بالفلاح من زكّاها، فنمَّاها وعَلَّاها، ورفعها بآدابه التي أدّب بها رسلَه وأنبياءه وأولياءه، وهي التّقوى. ثمّ حكم بالشّقاء على من دَسَّاها، فأخفاها وحقَّرها، وصغَّرها وقمَعَها بالفجور. فصل وجرت عادةُ القوم أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيِّه ﷺ حين أراه ما أراه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]. وأبو القاسم القشيريُّ ﵀ صدَّر بابَ الأدب بهذه الآية (١)، وكذلك غيره. وكأنّهم نظروا إلى قول من قال من أهل التّفسير (٢): إنّ هذا وصفٌ لأدبه ﷺ في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانبًا، ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب. والإخلالُ به: أن يلتفت النّاظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلّع إلى ما أمامَ المنظور، فالالتفات زَيْغٌ، والتّطلُّع إلى ما (٣) أمامَ المنظور طغيانٌ ومجاوزةٌ. فكمال الأدب إقبالُ النّاظر على المنظور، لا يَصرِف بصرَه عنه يَمْنةً ولا يَسْرةً، ولا يتجاوزه.

стр. 1539

هذا معنى ما حصَّلتُه عن شيخ الإسلام ابن تيميّة قدّس الله روحه. وفي هذه الآية أسرارٌ عجيبةٌ، وهي من غوامض الآداب (١) اللّائقة بأكمل البشر صلوات الله وسلامه عليه: تواطأ هناك بصره وبصيرته، وتوافقا وتصادقا فيما شاهده بصرُه، فالبصيرة مُواطئةٌ له، وما شاهدتْه بصيرتُه فهو أيضًا حقٌّ مشهودٌ بالبصر، فتواطأ في حقِّه مشهدُ البصر والبصيرة. ولهذا قال سبحانه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٢]. أي: ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره. ولهذا قرأها أبو جعفرٍ: «ما كذَّب الفؤاد ما رأى» بتشديد الذّال (٢): لم يُكذِّب القلبُ البصرَ، بل صدَّقه وواطأَه، لصحّة الفؤاد والبصر، أو استقامةِ البصيرة والبصر، وكونِ المرئيِّ المشاهَدِ بالبصر والبصيرة حقًّا. وقرأ الجمهور: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ بالتّخفيف، وهو متعدٍّ، و «ما رأى» مفعوله، أي: ما كذب قلبُه ما رأتْه عيناه، بل واطأه ووافقَه، فلمواطأة قلبه لقالبه وظاهرِه لباطنه وبصرهِ لبصيرته: لم يكذب الفؤاد البصر، ولم يتجاوزِ البصرُ حدَّه فيطغى، ولم يَمِلْ عن المرئيِّ (٣) فيزيغ، بل اعتدلَ البصرُ نحو المرئيِّ، ما جاوزَه ولا مالَ عنه، كما اعتدل القلب في الإقبال على الله والإعراضِ عمّا سواه، فإنّه أقبلَ على الله بكلِّيّته وأعرضَ عما سواه بكلّيتِه. وللقلب زَيغٌ وطغيانٌ، كما للبصر زيغٌ وطغيان، وكلاهما منتفٍ عن قلبه وبصره. فلم يَزِغْ قلبه التفاتًا عن الله إلى غيره، ولم يَطْغَ بمجاوزته مقامَه الذي أقيم فيه.

стр. 1540

وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه، فإنّ عادة النُّفوس إذا أُقيمت في مقامٍ عالٍ رفيعٍ: أن تتطلّع إلى ما هو أعلى منه وفوقه. ألا ترى أنّ (١) موسى ﷺ لمّا أُقيم في مقامِ التّكلُّم والمناجاة طلبتْ نفسُه الرُّؤية؟ ونبيُّنا ﷺ لمّا أقيم في ذلك المقام وفّاه حقَّه، ولم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أُقيم فيه البتّةَ. ولأجل هذا ما عاقه عائقٌ، ولا وقفَ به مرادٌ، حتّى جاوز السّماوات السّبع حتّى عاتب موسى ربَّ العزّة، وقال: تقول بنو إسرائيل: إنِّي أكرمُ الخلق على الله، ... (٢) فلم تَعُقْه إرادةٌ، ولم يقِفْ به دونَ كمال العبوديّة همّةٌ. ولهذا كان مركوبه في مَسْراه يسبق خَطْوُه الطَّرْفَ، فيضع قدمَه عند منتهى طَرْفه، مشاكلًا لحالِ راكبه، وبُعْدِ شَأْوِه الذي سبقَ به العالمَ أجمعَ في سيره، فكان قَدمُ البُراقِ لا تتخلَّف عن موضع نظره، كما كان قَدمُه ﷺ لا يتأخّر عن محلِّ معرفته. فلم يزل ﷺ في خَفَارةِ كمال أدبه مع الله سبحانه، وتكميل مرتبة عبوديّته

стр. 1541

له، حتّى خرقَ حُجُبَ السّماوات، وجاوز السّبع الطِّباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محلٍّ من القرب سبقَ به الأوّلين والآخرين. فانصبَّتْ إليه هناك أقسامُ القرب انصبابًا، وانقشعَتْ عنه سحائب الحُجب ظاهرًا وباطنًا حجابًا حجابًا، وأُقيمَ مقامًا غَبَطَه به الأنبياء والمرسلون. فإذا كان في المعاد أُقيم مقامًا من القرب ثانيًا يَغْبِطه به الأوّلون والآخرون، واستقام هناك على صراطٍ مستقيمٍ من كمال أدبه مع الله، ما زاغَ البصر عنه وما طغى. فأقامه في هذا العالم على أقومِ صراطٍ من الحقِّ والهدى، وأقسمَ بكلامه على ذلك في الذِّكر الحكيم، فقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤]. فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصِّراط يسأله السّلامةَ لأتباعه وأهل سنّته، حتّى يَجُوزوه إلى جنّات النّعيم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فصل و الأدب هو الدِّين كلُّه ، فإنّ ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة والتّطهُّر من الخبث من الأدب، حتّى يقف بين يدي الله طاهرًا. ولهذا كانوا يستحبُّون أن يتجمّل الرّجل في صلاته للوقوف بين يدي ربِّه. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: أمرَ الله بقدرٍ زائدٍ على ستر العورة في الصّلاة, وهو أخذ الزِّينة, فقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. فعلّق الأمر باسم الزِّينة لا بستر العورة، إيذانًا بأنّ العبد ينبغي له أن يلبسَ أزينَ ثيابه وأجملَها في الصّلاة (١).

стр. 1542

وكان لبعض السّلف حُلّةٌ بمبلغٍ عظيمٍ من المال, وكان يلبسها وقتَ الصّلاة ويقول: ربِّي أحقُّ مَن تَجمّلتُ له في صلاتي (١). ومعلومٌ أنّ الله يُحِبُّ أن يرى أثرَ نعمته على عبده, ولاسيّما إذا وقفَ بين يديه, فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إيّاها ظاهرًا وباطنًا. ومن الأدب: نهيُ النّبيِّ ﷺ المصلِّي أن يرفع بَصَرَه إلى السّماء (٢). فسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدّس الله روحه ــ يقول: هذا من كمال أدب الصّلاة: أن يقف العبد بين يدي ربِّه مُطرِقًا، خافضًا (٣) طرْفَه إلى الأرض, ولا يرفع بصرَه إلى فوق. قال: والجهميّة ــ لمّا لم يفقهوا هذا الأدب ولا عرفوه ــ ظنُّوا أنّ هذا دليلٌ على أنّ الله ليس فوق سمواته على عرشه, كما أخبر به عن نفسه واتّفقت عليه رسله وجميع أهل السُّنّة. قال: وهذا من جهلهم, بل هذا دليلٌ لمن عقل عن الرّسول ﷺ على نقيض قولهم; إذ من الأدب مع الملوك: أنّ الواقف بين أيديهم يُطرِق إلى الأرض, ولا يرفع بصره إليهم. فما الظّنُّ بملك الملوك سبحانه؟

стр. 1543

وسمعته يقول في نهيه ﷺ عن قراءة القرآن في الرُّكوع والسُّجود (١): إنّ القرآن أشرف الكلام, وهو كلام الله, وحالتا الرُّكوع والسُّجود حالتا ذُلٍّ وانخفاضٍ من العبد, فمن الأدب مع كلام الله: أن لا يقرأ في هاتين الحالتين, ويكون حال القيام والانتصاب أولى به. ومن الأدب مع الله: أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء حاجته (٢)، كما ثبت عن النّبيِّ ﷺ في حديث أبي أيُّوب وسلمان وأبي هريرة (٣) وغيرهم. والصّحيح: أنّ هذا الأدب يعمُّ الفضاءَ والبنيان. كما ذكرناه في غير هذا الموضع (٤). ومن الأدب مع الله في الوقوف بين يديه في الصّلاة: وضعُ اليمنى على اليسرى حالَ قيام القراءة، ففي «الموطّأ» (٥) لمالكٍ عن سهل بن سعدٍ أنّه من السُّنّة، وكان النّاس يُؤمرون به. ولا ريبَ أنّه من آداب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء، فعظيمُ العظماء أحقُّ به. ومنها: السُّكون في الصّلاة, وهو الدّوام الذي قال الله فيه: ﴿الَّذِينَ (٦) هُمْ

стр. 1544

عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. قال عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة: حدّثني يزيد بن أبي حبيبٍ أنّ أبا الخير أخبره قال: سألنا عُقبة بن عامرٍ عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ أهم الذين يصلُّون دائمًا؟ قال: لا, ولكنّه إذا صلّى لم يلتفتْ عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه (١). قلت: هما أمران: الدّوام عليها، والمداومة عليها. فهذا الدّوام. والمداومة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]. وفُسِّر الدّوام بسكون الأطراف والطُّمأنينة (٢). وأدبه في استماع القراءة: أن يُلقِي السّمعَ وهو شهيدٌ. وأدبه في الرُّكوع: أن يستوي ويُعظِّم الله حتّى لا يكون في قلبه شيءٌ أعظم منه، ويتضاءلَ ويتصاغرَ في نفسه حتّى يكون أقلَّ من الهَباء. والمقصود: أنّ الأدب مع الله هو القيام بدينه، والتّأدُّب بآدابه ظاهرًا وباطنًا. ولا يستقيم لأحدٍ قطُّ الأدبُ مع الله إلّا بثلاثة أشياء: معرفةٌ به وبأسمائه وصفاته، ومعرفةٌ بدينه وشرعِه وما يُحبُّ وما يكره، ونفسٌ مستعدّةٌ قابلةٌ ليِّنةٌ، متهيِّئةٌ لقبول الحقِّ علمًا وعملًا وحالًا. والله المستعان (٣).

стр. 1545

فصل وأمّا الأدب مع رسول الله ﷺ : فالقرآن مملوءٌ به. فرأس الأدب معه: كمالُ التّسليم له، والانقياد لأمره، وتلقِّي خبرِه بالقبول والتّصديق، دون أن يُحمِّلَه معارضةَ خيالٍ باطلٍ يسمِّيه معقولًا، أو يُحمِّله شبهةً أو شكًّا، أو يُقدِّم عليه آراء الرِّجال وزُبالاتِ أذهانهم. فيوحِّده بالتّحكيم والتّسليم والانقياد والإذعان، كما وحَّد المرسِلَ بالعبادة والخضوع والذُّلِّ والإنابة والتّوكُّل. فهما توحيدان لا نجاةَ للعبد من عذاب الله إلّا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرّسول. فلا يُحاكِم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يَقِفُ (١) تنفيذَ أمره وتصديقَ خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه، وذِي مذهبه وطائفته ومن يُعظِّمه، فإن أذِنُوا له نفَّذه وقبِلَ خبره، وإلّا فإنْ طلبَ السّلامة أعرضَ عن أمره وخبره وفوَّضه إليهم، وإلّا حرَّفَه عن مواضعه، وسمّى تحريفه تأويلًا وحملًا، فقال: نُؤوِّله ونَحمِله. فلأن يَلقى العبدُ ربَّه بكلِّ ذنبٍ على الإطلاق ــ ما خلا الشِّرك بالله ــ خيرٌ له من أن يلقاه بهذه الحال. ولقد خاطبتُ يومًا بعض أكابر هؤلاء، فقلت له: سألتُك الله، لو قُدِّر أنّ الرّسول ﷺ حيٌّ بين أظهرنا، وقد واجَهَنا بخطابه وكلامه، أكان فرضًا علينا أن نتبعه من غير أن نَعرِضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه، أم لا نتبعه حتّى نَعرِض ما سمعناه منه على آراء النّاس وعقولهم؟
следующие страницы →