← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

له، حتّى خرقَ حُجُبَ السّماوات، وجاوز السّبع الطِّباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محلٍّ من القرب سبقَ به الأوّلين والآخرين. فانصبَّتْ إليه هناك أقسامُ القرب انصبابًا، وانقشعَتْ عنه سحائب الحُجب ظاهرًا وباطنًا حجابًا حجابًا، وأُقيمَ مقامًا غَبَطَه به الأنبياء والمرسلون. فإذا كان في المعاد أُقيم مقامًا من القرب ثانيًا يَغْبِطه به الأوّلون والآخرون، واستقام هناك على صراطٍ مستقيمٍ من كمال أدبه مع الله، ما زاغَ البصر عنه وما طغى. فأقامه في هذا العالم على أقومِ صراطٍ من الحقِّ والهدى، وأقسمَ بكلامه على ذلك في الذِّكر الحكيم، فقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤]. فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصِّراط يسأله السّلامةَ لأتباعه وأهل سنّته، حتّى يَجُوزوه إلى جنّات النّعيم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فصل و الأدب هو الدِّين كلُّه ، فإنّ ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة والتّطهُّر من الخبث من الأدب، حتّى يقف بين يدي الله طاهرًا. ولهذا كانوا يستحبُّون أن يتجمّل الرّجل في صلاته للوقوف بين يدي ربِّه. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: أمرَ الله بقدرٍ زائدٍ على ستر العورة في الصّلاة, وهو أخذ الزِّينة, فقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. فعلّق الأمر باسم الزِّينة لا بستر العورة، إيذانًا بأنّ العبد ينبغي له أن يلبسَ أزينَ ثيابه وأجملَها في الصّلاة (١).

стр. 1542

وكان لبعض السّلف حُلّةٌ بمبلغٍ عظيمٍ من المال, وكان يلبسها وقتَ الصّلاة ويقول: ربِّي أحقُّ مَن تَجمّلتُ له في صلاتي (١). ومعلومٌ أنّ الله يُحِبُّ أن يرى أثرَ نعمته على عبده, ولاسيّما إذا وقفَ بين يديه, فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إيّاها ظاهرًا وباطنًا. ومن الأدب: نهيُ النّبيِّ ﷺ المصلِّي أن يرفع بَصَرَه إلى السّماء (٢). فسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدّس الله روحه ــ يقول: هذا من كمال أدب الصّلاة: أن يقف العبد بين يدي ربِّه مُطرِقًا، خافضًا (٣) طرْفَه إلى الأرض, ولا يرفع بصرَه إلى فوق. قال: والجهميّة ــ لمّا لم يفقهوا هذا الأدب ولا عرفوه ــ ظنُّوا أنّ هذا دليلٌ على أنّ الله ليس فوق سمواته على عرشه, كما أخبر به عن نفسه واتّفقت عليه رسله وجميع أهل السُّنّة. قال: وهذا من جهلهم, بل هذا دليلٌ لمن عقل عن الرّسول ﷺ على نقيض قولهم; إذ من الأدب مع الملوك: أنّ الواقف بين أيديهم يُطرِق إلى الأرض, ولا يرفع بصره إليهم. فما الظّنُّ بملك الملوك سبحانه؟

стр. 1543

وسمعته يقول في نهيه ﷺ عن قراءة القرآن في الرُّكوع والسُّجود (١): إنّ القرآن أشرف الكلام, وهو كلام الله, وحالتا الرُّكوع والسُّجود حالتا ذُلٍّ وانخفاضٍ من العبد, فمن الأدب مع كلام الله: أن لا يقرأ في هاتين الحالتين, ويكون حال القيام والانتصاب أولى به. ومن الأدب مع الله: أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء حاجته (٢)، كما ثبت عن النّبيِّ ﷺ في حديث أبي أيُّوب وسلمان وأبي هريرة (٣) وغيرهم. والصّحيح: أنّ هذا الأدب يعمُّ الفضاءَ والبنيان. كما ذكرناه في غير هذا الموضع (٤). ومن الأدب مع الله في الوقوف بين يديه في الصّلاة: وضعُ اليمنى على اليسرى حالَ قيام القراءة، ففي «الموطّأ» (٥) لمالكٍ عن سهل بن سعدٍ أنّه من السُّنّة، وكان النّاس يُؤمرون به. ولا ريبَ أنّه من آداب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء، فعظيمُ العظماء أحقُّ به. ومنها: السُّكون في الصّلاة, وهو الدّوام الذي قال الله فيه: ﴿الَّذِينَ (٦) هُمْ

стр. 1544

عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. قال عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة: حدّثني يزيد بن أبي حبيبٍ أنّ أبا الخير أخبره قال: سألنا عُقبة بن عامرٍ عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ أهم الذين يصلُّون دائمًا؟ قال: لا, ولكنّه إذا صلّى لم يلتفتْ عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه (١). قلت: هما أمران: الدّوام عليها، والمداومة عليها. فهذا الدّوام. والمداومة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]. وفُسِّر الدّوام بسكون الأطراف والطُّمأنينة (٢). وأدبه في استماع القراءة: أن يُلقِي السّمعَ وهو شهيدٌ. وأدبه في الرُّكوع: أن يستوي ويُعظِّم الله حتّى لا يكون في قلبه شيءٌ أعظم منه، ويتضاءلَ ويتصاغرَ في نفسه حتّى يكون أقلَّ من الهَباء. والمقصود: أنّ الأدب مع الله هو القيام بدينه، والتّأدُّب بآدابه ظاهرًا وباطنًا. ولا يستقيم لأحدٍ قطُّ الأدبُ مع الله إلّا بثلاثة أشياء: معرفةٌ به وبأسمائه وصفاته، ومعرفةٌ بدينه وشرعِه وما يُحبُّ وما يكره، ونفسٌ مستعدّةٌ قابلةٌ ليِّنةٌ، متهيِّئةٌ لقبول الحقِّ علمًا وعملًا وحالًا. والله المستعان (٣).

стр. 1545

فصل وأمّا الأدب مع رسول الله ﷺ : فالقرآن مملوءٌ به. فرأس الأدب معه: كمالُ التّسليم له، والانقياد لأمره، وتلقِّي خبرِه بالقبول والتّصديق، دون أن يُحمِّلَه معارضةَ خيالٍ باطلٍ يسمِّيه معقولًا، أو يُحمِّله شبهةً أو شكًّا، أو يُقدِّم عليه آراء الرِّجال وزُبالاتِ أذهانهم. فيوحِّده بالتّحكيم والتّسليم والانقياد والإذعان، كما وحَّد المرسِلَ بالعبادة والخضوع والذُّلِّ والإنابة والتّوكُّل. فهما توحيدان لا نجاةَ للعبد من عذاب الله إلّا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرّسول. فلا يُحاكِم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يَقِفُ (١) تنفيذَ أمره وتصديقَ خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه، وذِي مذهبه وطائفته ومن يُعظِّمه، فإن أذِنُوا له نفَّذه وقبِلَ خبره، وإلّا فإنْ طلبَ السّلامة أعرضَ عن أمره وخبره وفوَّضه إليهم، وإلّا حرَّفَه عن مواضعه، وسمّى تحريفه تأويلًا وحملًا، فقال: نُؤوِّله ونَحمِله. فلأن يَلقى العبدُ ربَّه بكلِّ ذنبٍ على الإطلاق ــ ما خلا الشِّرك بالله ــ خيرٌ له من أن يلقاه بهذه الحال. ولقد خاطبتُ يومًا بعض أكابر هؤلاء، فقلت له: سألتُك الله، لو قُدِّر أنّ الرّسول ﷺ حيٌّ بين أظهرنا، وقد واجَهَنا بخطابه وكلامه، أكان فرضًا علينا أن نتبعه من غير أن نَعرِضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه، أم لا نتبعه حتّى نَعرِض ما سمعناه منه على آراء النّاس وعقولهم؟

стр. 1546

فقال: بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفاتٍ إلى سواه. فقلت له: فما الذي نسخَ هذا الفرض عنّا؟ وبأيِّ شيءٍ نسخ؟ فوضع إصبعَه على فيه، وبقي باهتًا متحيِّرًا، وما نطقَ بكلمةٍ. هذا أدبُ الخواصِّ معه. لا مخالفةُ أمره، والشِّرك به، ورفع الأصوات، وإزعاجُ الأعضاء بالصّلاة عليه والتّسليم، وعزْلُ كلامِه عن اليقين وأن يُستفادَ منه معرفةُ الله، أو يُتلقّى منه أحكامه. بل المعوَّلُ في باب معرفة الله على العقول المتهوِّكة المتحيِّرة المتناقضة، وفي الأحكام على تقليد الرِّجال وآرائها. والقرآن (١) والسُّنّة إنّما نقرؤهما تبرُّكًا، لا أنّا نتلقّى منهما أصولَ الدِّين ولا فروعه. ومن طلبَ ذلك ورامَه عاديناه، وسعينا في قطع دابِره، واستئصالِ شأفته. ﴿(٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهْوَ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ﴾ [المؤمنون: ٦٣ - ٧٤]. والنّاصح لنفسه العاملُ على نجاتها: يتدبَّر هذه الآيات حقَّ تدبُّرِها،

стр. 1547

ويتأمّلُها حقَّ تأمُّلها، ويُنزلها على الواقع يرى العجبَ. ولا تظنُّها اختصَّتْ بقومٍ كانوا فبانوا، فالحديث لك، واسمعِي يا جارَةْ (١). والله المستعان. ومن الأدب مع الرّسول (٢) ﷺ : أن لا يتقدَّم بين يديه بأمرٍ ولا نهيٍ ولا إذنٍ ولا تصرُّفٍ، حتّى يأمر هو وينهى ويأذن، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. وهذا باقٍ إلى يوم القيامة لم يُنسَخ، فالتّقدُّم بين يَدَيْ سنّته بعد وفاته كالتّقدُّم بين يديه في حياته، لا فرقَ بينهما عند ذي عقلٍ سليمٍ. قال مجاهدٌ ﵁: لا تَفْتاتُوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يَقضيه الله على لسانه (٣). وقال الضحاك ﵀: لا تَقضُوا أمرًا دون رسول الله ﷺ (٤). وقال أبو عبيدة ﵀: تقول العرب: لا تُقدِّمْ بين يَدَي الإمام وبين يَدَي الأب، أي لا تُعجِّلْ بالأمر والنّهي دونَه (٥).

стр. 1548

وقال غيره: لا تأمروا حتّى يأمر، ولا تَنْهَوا حتّى ينهى (١). ومن الأدب معه: أن لا تُرفَع الأصوات فوقَ صوته، فإنّه سببٌ لحبوط الأعمال. فما الظّنُّ برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنّته وما جاء به؟ أترى ذلك موجبًا لقبول الأعمال، ورفع الصّوت فوق صوته موجبًا لحبوطها؟ و من الأدب معه: أن لا يُجعَل دعاؤه كدعاء غيره . قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. وفيه قولان للمفسِّرين (٢). أحدهما: أنّكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، بل قولوا: يا رسولَ الله، يا نبيَّ الله. فعلى هذا: المصدر مضافٌ إلى المفعول، أي دعاءكم الرّسولَ. والثّاني: أنّ المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضًا، إن شاء أجاب، وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بدٌّ من إجابته، ولم يَسَعْكم التّخلُّفُ عنها البتّةَ. فعلى هذا: المصدر مضافٌ إلى الفاعل. أي دعاءَه إيّاكم. ومن الأدب معه: أنّهم إذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ ــ من خطبةٍ أو جهاد

стр. 1549

أو رِباطٍ ــ لم يذهب أحدٌ مذهبًا في حاجةٍ له حتّى يستأذنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]. فإذا كان هذا (١) مذهبًا مقيّدًا لحاجةٍ عارضةٍ لم يُوسَّع لهم فيه إلّا بإذنه، فكيف بمذهبٍ مطلقٍ في تفاصيل الدِّين: أصوله وفروعه، دقيقه وجليله؟ هل يُشرَع الذّهاب إليه بدون استئذانه؟ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ومن الأدب معه: أن لا يُستَشْكَل قولُه، بل تُستَشْكَل الآراء لقوله، ولا يُعارَضَ نصُّه بقياسٍ، بل تُهْدَر الأقيسةُ وتُلْغَى لنصوصه، ولا يُحرَّف كلامُه عن حقيقته لخيالٍ يُسمِّيه أصحابه معقولًا، نعم هو مجهولٌ، وعن الصّواب معزولٌ، ولا يُوقَف قبولُ ما جاء به ﷺ على موافقة أحدٍ، فكلُّ هذا من قلّةِ الأدب معه، وهو عينُ الجرأة. فصل وأمّا الأدب مع الخلق: فهو معاملتهم ــ على اختلاف مراتبهم ــ بما يليقُ بهم، فلكلِّ مرتبةٍ أدبٌ، وللمراتب فيها أدبٌ خاصٌّ. فمع الوالدين: أدبٌ خاصٌّ، وللأب منهما: أدبٌ هو أخصُّ به، ومع العالم: أدبٌ آخر، ومع السُّلطان: أدبٌ يليق به. وله (٢) مع الأقران أدبٌ يليق بهم، ومع الأجانب: أدبٌ غير أدبه مع أصحابه وذوي أُنْسِه، ومع الضّيف: أدبٌ غير أدبه مع أهل بيته.

стр. 1550

و لكلِّ حالٍ أدبٌ: فللأكل آدابٌ (١)، وللشُّرب آدابٌ، وللرُّكوب وللدُّخول وللخروج وللسّفر وللإقامة وللنّوم آدابٌ، وللبول آدابٌ (٢)، وللكلام آدابٌ، وللسُّكوت والاستماع آدابٌ. و أدبُ المرء: عنوانُ سعادته وفلاحه ، وقلّةُ أدبِه: عنوانُ شقاوته وبَوارِه. فما استُجْلِب خيرُ الدُّنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجْلِب حرمانُهما بمثل قلّة الأدب. فانظر إلى الأدب مع الوالدين كيف نَجّى صاحبَه من حَبْس الغار حين أطبقَتْ عليهم الصّخرة؟ (٣) والإخلالُ به مع الأمِّ ــ تأويلًا وإقبالًا على الصّلاة ــ كيف امتحنَ صاحبَه بهدْمِ صَومعتِه، وضَرْبِ النّاس له، ورَمْيِه بالفاحشة؟ (٤). وتأمّل أحوالَ كلِّ شقيٍّ ومُعَثَّرٍ (٥) ومُدبرٍ (٦): كيف تجد قلّة الأدب هو الذي سَاقَه إلى الحرمان؟

стр. 1551

وانظر قلّة أدب عَوفٍ مع خالدٍ: كيف حَرَمَه السّلَبَ بعد أن بَرَدَ بيديه؟ (١). وانظر أدب الصِّدِّيق ﵁ وأرضاه مع النّبيِّ ﷺ في الصّلاة: أن يتقدّم بين يديه، وقال: «ما كان ينبغي لابن أبي قُحافة أن يتقدَّم بين يدي رسول الله ﷺ » (٢)، كيف أورثه مقامَه والإمامةَ بالأمّة بعده؟ فكان ذلك التّأخُّر إلى خلفِه ــ وقد أومأ إليه أن اثبُتْ مكانَك ــ جَمْزًا وسعيًا إلى قُدَّام، بكلِّ خطوةٍ إلى وراء مراحلَ إلى قُدَّام تنقطعُ فيها أعناقُ المطيِّ. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (الأدب: حفظ الحدِّ بين الغلوِّ والجفاء، بمعرفة ضرر العدوان). هذا من أحسن الحدود، فإنّ الانحراف إلى أحد طرفي الغلوِّ والجفاء هو قلّة الأدب. والأدب: الوقف في الوسط بين الطّرفين، فلا يُقصِّر بحدود الشّرع عن تمامها، ولا يتجاوز بها ما (٤) جُعِلتْ حدودًا له، فكلاهما عدوانٌ، والله لا يحبُّ المعتدين. والعدوان هو سوء الأدب. وقال بعض السّلف: دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه (٥).

стр. 1552

فإضاعة الأدب بالجفاء: كمن لم يُكمِل أعضاء الوضوء، ولم يُوفِّ الصّلاةَ آدابَها التي سَنَّها رسول الله ﷺ وفعَلَها، وهي قريبٌ من مائة أدبٍ ما بين واجبٍ ومستحبٍّ. وإضاعته بالغلوِّ: كالوسوسة في عقد النِّيّة، ورفع الصّوت بها، والجهر بالأذكار والدّعوات التي شُرِعت سرًّا، وتطويل ما السُّنّة تخفيفُه وحَذْفه: كالتّشهُّد الأوّل والسّلام الذي حذفه سنّةٌ، وزيادة التّطويل على ما فعله رسول الله ﷺ ، لا على ما يظنُّه سُرَّاق الصّلاة والنَّقَّارون لها ويشتهونه، فإنّ النّبيّ ﷺ لم يكن ليأمر بأمرٍ ويخالفه، وقد صانه الله من ذلك. وكان يأمرهم بالتّخفيف ويؤمُّهم بالصّافّات (١)، ويأمرهم بالتّخفيف وتُقام صلاة الظُّهر فيذهب الذّاهب إلى البقيع، فيقضي حاجتَه ويأتي أهله ويتوضّأ، ويدرك رسول الله ﷺ في الرّكعة الأولى (٢). فهذا هو التّخفيف الذي أمر به، لا نَقْر الصّلاة وسرقتُها، ذاك اختصارٌ بل اقتصارٌ على ما يقع عليه الاسم ويُسمَّى به مصلِّيًا، وهو كأكل المضطرِّ في المَخْمصة ما يَسُدُّ به رَمَقَه، فليتَه شَبِعَ على القول الآخر، وهو كجائعٍ قُدِّم إليه طعامٌ لذيذٌ جدًّا، فأكل منه لقمةً أو لقمتين، فماذا تُغنِيان عنه؟ ولكن لو أحسّ بجوعه لما قام عن الطّعام حتّى يَشْبَع منه وهو يقدر على ذلك، لكنّ القلب شَبْعانُ من شيءٍ آخر. ومثال هذا التّوسُّط في حقِّ الأنبياء ﵈: أن لا يغلُوَ فيهم كما

стр. 1553

غَلَت النّصارى في المسيح، ولا يجفُوَ عنهم كما جَفَت فيهم اليهود. فالنّصارى عبدوهم، واليهود قتلوهم وكذّبوهم. والأمّة الوسط آمنوا بهم، وعزّروهم ونصروهم، واتّبعوا ما جاؤوا به. ومثال ذلك في حقوق الخلق: أن لا يُفرِّط في القيام بحقوقهم، بحيث يشتغل بها عن حقوق الله، أو عن تكميلها، أو عن مصلحة دينه وقلبه، وأن لا يَجْفُو عنها حتّى يعطِّلها بالكلِّيّة، فإنّ الطّرفين من العدوان الضّارِّ. وعلى هذا الحدِّ فحقيقة الأدب هو العدل. فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: منع الخوف أن يتعدّى إلى الإياس، وحبسُ الرّجاء أن يخرج إلى الأمن، وضبطُ السُّرور أن يُضاهِي الجرأة). يريد: أنّه لا يَدَعَ الخوف يُفضِي به إلى حدٍّ يُوقِعه في القنوط واليأس من رحمة الله. فإنّ هذا خوفٌ مذمومٌ. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: حدُّ الخوف ما حَجَزَك عن معاصي الله، فما زاد على ذلك فهو غير محتاجٍ إليه. وهذا الخوف المُوقِع في الإياس: إساءة أدبٍ على رحمة الله التي سبقتْ غضبَه، وجهلٌ بها. وأمّا (حبسُ الرّجاء أن يخرج إلى الأمن): فهو أن لا يبلغ به الرّجاء إلى

стр. 1554

حدٍّ يأمن معه العقوبة، فإنّه لا يأمنُ مكرَ الله إلّا القوم الخاسرون. وهذا انحرافٌ في الطّرف الآخر. بل حدُّ الرّجاء: ما طيَّبَ لك العبادة، وحملَك على السّير. فهو بمنزلة الرِّياح التي تُسيِّر السّفينة، فإذا انقطعت وقفت (١) السّفينة، وإذا زادتْ ألقتْها إلى المهالك، وإذا كانت بقدرٍ أوصلَتْ إلى البُغْية. وأمّا (ضبط السُّرور أن يخرج إلى مشابهة الجرأة): فلا يقدر عليه إلّا الأقوياء أرباب العزائم، الذين لا تَستفِزُّهم السَّرّاء فتغلب شكْرَهم، ولا تُضعِفهم الضّرّاء فتغلب صبْرَهم، كما قيل (٢): لا تَغلِبُ السَّرّاءُ منهم شُكْرَهم ... كلّا ولا الضَّرّاء صبْرَ الصّابر والنّفس قرينة الشّيطان ومُصاحِبته، وتُشبِهه في صفاته. ومواهبُ الرّبِّ ﵎ تَنزِل على القلب والرُّوح، والنّفس تَسترِقُ السّمعَ، فإذا نزلت على القلب تلك المواهب وَثَبَتْ لتأخذ قِسْطَها منها، وتُصيِّره من عُدَّتها وحواصلها. فالمسترسلُ معها الجاهلُ بها يدَعُها تستوفي ذلك، فبينا هو موهبةٌ للقلب والرُّوح وعدّةٌ وقوّةٌ له، إذ صار ذلك كلُّه من حاصل النّفس وآلتها وعُدَدِها، فصالتْ به وطَغَتْ، لأنّها رأتْ غِناها به. والإنسان يَطغى أن رآه استغنى بالمال، فكيف بما هو أعظمُ خَطَرًا وأجلُّ قدرًا من المال، بما لا نسبة بينهما: من علمٍ أو حالٍ أو معرفةٍ أو كشفٍ؟ فإذا صار ذلك من حاصلِها انحرفَ العبد به ولا بدَّ إلى طرفٍ مذمومٍ: من جُرأةٍ أو شَطْحٍ أو إدلالٍ ونحو ذلك

стр. 1555

وللهِ كم هاهنا من قتيلٍ وسَلِيبٍ وحَرِيبٍ (١) يقول: من أين أُتِيتُ؟ ومن أين دُهِيتُ؟ من أين أُصِبتُ؟ وأقلُّ ما يُعاقَب به من الحرمان بذلك: أن يُغلَق عنه باب المزيد. ولهذا العارفون وأرباب البصائر إذا نالوا شيئًا من ذلك انحرفوا إلى طرفِ الذُّلِّ والانكسار، ومطالعةِ عيوب النّفس، واستدْعَوا حارسَ الخوف، وحافظوا على الرِّباط بملازمة الثَّغر بين القلب وبين النّفس، ونظروا إلى أقرب الخلق إلى الله، وأكرمِهم عليه، وأدناهم منه وسيلةً، وأعظمهم عنده جاهًا. وقد دخل مكّة يومَ الفتح وذَقَنُه تَمَسُّ قَرَبُوسَ سَرْجِه (٢) انخفاضًا وانكسارًا، وتواضعًا لربِّه تعالى (٣) في مثل تلك (٤) الحال، التي عادةُ النُّفوس البشريّة فيها أن يملِكها سرورُها وفرحُها بالنّصر والظّفر والتّأييد، ويرفعها إلى عَنان السّماء. فالرّجل من صانَ فتحَه ونصيبَه من الله وواردَه عن استراق نفسه، وبخِلَ عليها به، والعاجز من جاد لها به. فيا له من جودٍ ما أقبحَه! وسماحةٍ ما أسفَهَ صاحِبَها! والله المستعان. فصل قال (٥): (الدّرجة الثّانية: الخروج من الخوف إلى ميدان القبض،

стр. 1556

والصُّعود (١) من الرّجاء إلى ميدان البسط، ثمّ التّرقِّي عن السُّرور إلى ميدان المشاهدة). ذكر في الدّرجة الأولى: كيف يحفظ الحدَّ بين المقامات، حتّى لا يتعدّى إلى غلوٍّ أو جفاءٍ، وذلك سوء أدبٍ. فذكر منْعَ الخوف أن يُخرِجه إلى الإياس، والرّجاء أن يُخرِجه إلى الأمن، والسُّرور أن يُخرِجه إلى الجرأة. ثمّ ذكر في هذه الدّرجة: أدب التّرقِّي من هذه الثّلاثة إلى ما يحفظها عليه، ولا يُضيِّعها بالكلِّيّة. كما أنه في الدّرجة الأولى لا يبالغ به، بل يكون خروجه من الخوف إلى القبض، يعني لا يزايل الخوف بالكلِّيّة، فإنّ قبْضَه (٢) لا يُؤيِسه ولا يُقنِّطه، ولا يَحمِله على مخالفةٍ ولا بَطالةٍ (٣). وكذلك رجاؤه لا يقعدُ به عن ميدان البسط، بل يكون بين القبض والبسط، وهذه حال (٤) الكمال، وهي السَّير بين القبض والبسط. وسرورُه لا يُقصِّر به عن ترقِّيه إلى ميدان مشاهدته، بل يَرقى بسروره إلى المشاهدة، ويرجع من رجائه إلى البسط، ومن خوفه إلى القبض. ومقصوده: أن ينتقل من أشباح هذه الأحوال إلى أرواحها، فإنّ الخوف شَبَحٌ، والقبض روحه. والرّجاء شَبَحٌ، والبسط روحه. والسُّرور شَبَحٌ،

стр. 1557

والمشاهدة روحه. فيكون حظُّه من هذه الثّلاثة أرواحَها وحقائقَها، لا صُوَرها ورسومها. فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: معرفة الأدب، ثمّ الفناء عن التّأدُّب بتأديب الحقِّ ، ثمّ الخلاصُ من شهود أَعباءِ الأدب). قوله: (معرفة الأدب). يعني: لا بدَّ من الاطِّلاع على حقيقته في كلِّ درجةٍ. وإنّما يكون ذلك في الدّرجة الثّالثة، فإنّه يُشرِف منها على الأدب في الدّرجتين الأوليين. فإذا عرفه وصار له حالًا فإنّه ينبغي له أن يفنى عنه، بأن يغلب عليه شهودُ من أقامه فيه، فينسبه إليه تعالى دونَ نفسه، ويفنى عن رؤية نفسه وقيامِها بالأدب بشهود الفضلِ لمن أقامه فيه ومِنَّتهِ. فهذا هو «الفناء عن التّأدُّب بتأديب الحقِّ». وقوله: (ثمّ الخلاص من شهود أعباء الأدب). يعني: أنّه يفنى عن مشاهدة الأدب بالكلِّيّة، لاستغراقه في شهود الحقيقة في حضرة الجَمْع التي غيَّبتْه عن الأدب. ففناؤه عن الأدب فيها هو الأدب حقيقةً. فيستريح حينئذٍ من كُلْفة حمْلِ أعباء الأدب وأثقاله، لأنّ استغراقه في شهود الحقيقة لم يُبقِ عليه شيئًا من أعباء الأدب. * * * *

стр. 1558

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة اليقين . وهو من الإيمان بمنزلة الرُّوح من الجسد، وفيه تفاضل العارفون، وفيه تنافسَ المتنافسون، وإليه شَمَّر العاملون، وعملُ القوم إنّما كان عليه، وإشارتهم كلُّها إليه. وإذا تزوّج الصّبرُ باليقين وُلِد بينهما حصولُ الإمامة في الدِّين. قال تعالى وبقوله يهتدي المؤمنون: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. وخصّ سبحانه أهلَ اليقين بانتفاعهم بالآيات والبراهين، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠]. وخصّ أهلَ اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين (١)، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤ - ٥]. وأخبر عن أهل النّار بأنّهم لم يكونوا من أهل اليقين، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. ف اليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصِّدِّيقيّة، وهو قطبُ رَحَا هذا الشّأن الذي عليه مداره.

стр. 1559

وروى خالد بن يزيد عن السُّفيانين عن التَّيميِّ (١) عن خَيثمة عن عبد الله (٢) عن النّبيِّ ﷺ قال: «لا تُرضِينَّ أحدًا بسَخَطِ الله، ولا تَحْمدنَّ أحدًا على فضل الله، ولا تَذُمَّنَّ أحدًا على ما لم يُؤتِك الله. فإنّ رِزْقَ (٣) الله لا يَسُوقه حِرصُ حريصٍ، ولا يَرُدُّه عنك كراهيةُ كارهٍ، وإنّ الله بعدله وقسطِه جعلَ الرُّوحَ والفرحَ في الرِّضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزنَ في الشّكِّ والسّخط» (٤). و اليقين قرين التّوكُّل ، ولهذا فُسِّر التّوكُّل بقوّة اليقين. والصّواب: أنّ التّوكُّل ثمرته ونتيجته، ولهذا حَسُن اقتران الهدى به. قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]. فالحقُّ هو اليقين. وقالت رسل الله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبْلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢]. ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ به نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كلُّ ريبٍ وشكٍّ وسخطٍ وهمٍّ وغمٍّ. فامتلأ محبّةً لله، وخوفًا منه، ورضًا به،

стр. 1560

وشكرًا له، وتوكُّلًا عليه، وإنابةً إليه. فهو مادّة جميع المقامات والحامل لها. واختلف فيه: هل هو كسبيٌّ أو موهبيٌّ (١)؟ فقيل: هو العلم المستودَعُ في القلوب. يشير إلى أنّه غير كسبيٍّ (٢). وقال سهلٌ ﵀: اليقين من زيادة الإيمان (٣). ولا ريبَ أنّ الإيمان كسبيٌّ (٤). والتّحقيق: أنّه كسبيٌّ باعتبار أسبابه، موهبيٌّ (٥) باعتبار نفسه وذاته. قال سهلٌ: ابتداؤه المكاشفة، كما (٦) قال بعض السّلف: لو كشف الغطاء ما ازددتُ يقينًا. ثمّ المعاينة والمشاهدة (٧). وقال ابن خفيفٍ ﵀: هو تحقُّق (٨) الأسرار بأحكام المغيَّبات (٩).

стр. 1561

وقال أبو بكر بن طاهرٍ: العلم يعارضُه الشُّكوك، واليقين لا شكَّ فيه (١). وعند القوم: اليقين لا يساكن قلبًا فيه سكونٌ إلى غير الله (٢). وقال ذو النُّون ﵀: اليقين يدعو إلى قِصَر الأمل، وقِصَرُ الأمل يدعو إلى الزُّهد، والزُّهد يُورِث الحكمة، وهي (٣) تُورِث النّظر في العواقب (٤). قال: وثلاثةٌ من أعلام اليقين: قلّة مخالطة النّاس في العِشْرة، وتركُ المدح لهم في العطيّة (٥)، والتّنزُّه (٦) عن ذمِّهم عند المنع. وثلاثةٌ من أعلامه أيضًا: النّظر إلى الله في كلِّ شيءٍ، والرُّجوع إليه في كلِّ أمرٍ، والاستعانة به في كلِّ حالٍ (٧). وقال الجنيد ﵀: اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يُحوَّل ولا يتغيَّر في القلب (٨). وقال ابن عطاءٍ ﵀: على قَدْرِ قُربهم من التّقوى أدركوا من اليقين. وأصل التّقوى مباينة النّهي، وهو مباينة النّفس، فعلى قدر مفارقتهم النّفس

стр. 1562

وصلوا إلى اليقين (١). وقيل: اليقين هو المكاشفة. وهي على ثلاثة أوجهٍ: مكاشفةٌ في الأخبار، ومكاشفةٌ بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان (٢). ومراد القوم بالمكاشفة: ظهور الشّيء للقلب بحيث تصير نسبتُه إليه كنسبة المرئيِّ إلى العين، فلا يبقى معك شكٌّ ولا ريبٌ أصلًا. وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان. وقد يريدون بها أمرًا آخر، وهو ما يراه أحدهم في برزخٍ بين النّوم واليقظة عند أوائل تجرُّد الرُّوح عن البدن. ومن أشار منهم إلى غير هذين فقد غَلِط ولُبِّس عليه. وقال السَّرِيُّ: اليقين سكونُك عند جولانِ الموارد (٣) في صدرك، لتيقُّنِك أنّ حركتك فيها لا تنفعك، ولا تردُّ عنك مَقضِيًّا (٤). وقال أبو بكرٍ الورّاق ﵀: اليقين مِلاك القلب، وبه كمال الإيمان، وباليقين عُرِف الله، وبالعقل عُقِل عن الله (٥). وقال الجنيد ﵀: قد مشى رجالٌ باليقين على الماء، ومات بالعطش

стр. 1563

من هو أفضلُ منهم يقينًا (١). وقد اختلف في تفضيل اليقين على الحضور أو الحضور على اليقين. فقيل: الحضور أفضل، لأنّه وَطَناتٌ، واليقين خَطَراتٌ (٢). وبعضهم رجّح اليقين، وقال: هو غاية الإيمان. والأوّل رأى أنّ اليقين ابتداء الحضور، فكأنّه جعل اليقين ابتداءً، والحضور دوامًا. وهذا الخلاف لا يتبيّن، فإنّ اليقين لا ينفكُّ عن الحضور، ولا الحضور عن اليقين. بلى في اليقين من زيادة الإيمان، ومعرفة تفاصيله وشُعَبه (٣)، وتنزيلِها منازلَها= ما ليس في الحضور، فهو أكملُ منه من هذا الوجه. وفي الحضور من الجمعيّة، وعدمِ التّفرقة، والدُّخولِ في الفناء= ما قد ينفكُّ عنه اليقين. فاليقين أخصُّ بالمعرفة، والحضور أخصُّ بالإرادة. والله أعلم. وقال النَّهرَجُوريُّ ﵀: إذا استكمل العبد حقائقَ اليقين صار البلاء عنده نعمةً، والرّخاء (٤) مصيبةً (٥). وقال أبو بكرٍ الورّاق ﵀: اليقين على ثلاثة أوجهٍ: يقين خبرٍ، ويقين دلالةٍ، ويقين مشاهدةٍ (٦).

стр. 1564

يريد بيقين الخبر: سكونَ القلب إلى خبر المخبر ووثوقَه به، وبيقين الدّلالة: ما هو فوقه، وهو أن يُقِيم له ــ مع وثوقه بصدقه ــ الأدلّة الدّالّة (١) على ما أخبر به. وهذا كعامّة أخبار الإيمان والتّوحيد في القرآن، فإنّه سبحانه ــ مع كونه أصدق الصّادقين ــ يقيم لعباده الأدلّة (٢) والأمثال والبراهين على صدق أخباره، فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر، ومن جهة الدّليل. فيرتفعون من ذلك إلى الدّرجة الثّالثة، وهي يقين المكاشفة، بحيث يصير المُخبَر به لقلوبهم كالمرئيِّ لعيونهم، فنسبة الإيمان بالغيب حينئذٍ إلى القلب كنسبة المرئيِّ إلى العين. وهذا أعلى أنواع المكاشفة، وهي التي أشار إليها عامر بن عبد قيسٍ في قوله: لو كُشِف الغطاء ما ازددتُ يقينًا (٣). وليس هذا من كلام رسول الله ﷺ ولا من قول عليٍّ، كما يظنُّه من لا علمَ له بالمنقولات (٤). وقال بعضهم: رأيت الجنّة والنّار حقيقةً. قيل له: كيف؟ قال: رأيتهما (٥) بعيني رسول الله ﷺ . ورؤيتي لهما بعينيه أوثقُ عندي من رؤيتي لهما بعيني،

стр. 1565

فإنّ بصري قد يُخطئ ويَزِيغ، بخلاف بصره ﷺ (١). واليقين يحمل على الأهوال وركوب الأخطار، وهو يأمر بالتّقدُّم دائمًا، فإن لم يقارِنْه العلم حمل على المعاطب (٢). والعلم يأمر بالتّأخُّر والإحجام، فإن لم يصحبه اليقين قعدَ بصاحبه عن المكاسب والغنائم. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (اليقين: مركَبُ الآخذ في هذه الطّريق، وهو غاية درجات العامّة، وقيل: أوّل خطوةِ الخاصَّة). لمّا كان اليقين هو الذي يحمل السّائر إلى الله ــ كما قال أبو سعيدٍ الخرّاز: العلم ما استعمَلَك، واليقين ما حمَلَك (٤) ــ سمّاه مركَبًا يركبه السّائر إلى الله، فإنّه لولا اليقين ما سار ركبٌ إلى الله، ولا ثبتتْ لأحدٍ قدمٌ في السُّلوك. وإنّما جعله آخر درجات العامّة لأنّهم إليه ينتهون. ثمّ حكى قول من قال: «إنّه أوّل خطوةِ الخاصّة». يعني: أنّه ليس بمقامٍ لهم، وإنّما هو مبدأٌ لسلوكهم، فمنه يبتدئون سلوكهم وسيرهم. وهذا لأنّ الخاصّة عنده سائرون إلى عين الجمع والفناء

стр. 1566

في شهود الحقيقة، لا تقف بهم دونها (١) همّةٌ، ولا يُعرِّجون دونها على رسمٍ، فكلُّ ما دونها (٢) فهو عندهم من مشاهد العامّة ومنازلهم ومقاماتهم، حتّى المحبّة. وحسبك بجعل اليقين نهايةً للعامّة، وبدايةً لهم. قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: علم اليقين . وهو قبول ما ظهر من الحقِّ، وقبول ما غاب للحقِّ، والوقوف على ما قام بالحقِّ). ذكر الشّيخ ﵀ في هذه الدّرجة ثلاثة أشياء هي متعلق اليقين وأركانه: الأول: قبول ما ظهر من الحقِّ تعالى. والّذي ظهر منه سبحانه: أوامره ونواهيه، وشرعه ودينه الذي ظهر لنا منه على ألسنة رسله (٤)، فنتلقّاه بالقبول والانقياد، والإذعان والتّسليم للرُّبوبيّة، والدُّخول تحت رقِّ العبوديّة. الثّاني: قبول ما غاب للحقِّ، وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحقُّ (٥) سبحانه على لسان رسله: من أمور المعاد وتفاصيله، والجنّة والنّار، وما قبل ذلك: من الصِّراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك: من تشقُّق السّماء وانفطارها، وانتثارِ الكواكب، ونسْفِ الجبال، وطَيِّ العالم، وما قبل ذلك: من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه. فقبول هذا كلِّه ــ تصديقًا وإيمانًا وإيقانًا ــ هو اليقين، بحيث لا يخالج

стр. 1567

القلبَ فيه شبهةٌ، ولا شكٌّ ولا ريبٌ، ولا تناسٍ وغفلةٌ عنه. فإنّه إن لم يستهلكْ يقينَه (١) أفسده وأضعفه. الثّالث: الوقوف على ما قام بالحقِّ سبحانه من أسمائه وصفاته وأفعاله. وهو علم التّوحيد، الذي أساسه إثبات الأسماء والصِّفات. وضدُّه: التّعطيل والنّفي والتجهُّم. فهذا التّوحيد يقابله التّعطيل. وأمّا التّوحيد القصديُّ الإراديُّ، الذي هو إخلاص العمل لله وعبادته وحده، فيقابله الشِّرك. والتّعطيل شرٌّ من الشِّرك، فإنّ المعطِّل جاحدٌ للذّات أو لكمالها، وهو جحدٌ لحقيقة الإلهيّة، فإنّ ذاتًا لا تسمع ولا تُبصر ولا تَتكلّم، ولا ترضى ولا تغضب، ولا تفعل (٢) شيئًا، وليست داخلَ العالم ولا خارجَه، ولا متّصلةً بالعالم ولا منفصلةً، ولا محايثةً له ولا مباينةً له، ولا مجاورةً ولا مجاوزةً، ولا فوقَ العرش ولا تحتَ العرش، ولا خلفه ولا أمامه، ولا عن يمينه ولا عن يساره= سواءٌ (٣) والعدم. والمشرك مُقِرٌّ بالله وصفاته، لكن عبدَ معه غيره، فهو خيرٌ من المعطِّل للذّات والصِّفات. فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحقِّ من أسمائه وصفاته، ونعوت كماله وتوحيده. وهذه الثّلاثة أشرف علوم الخلائق: علم الأمر والنّهي، وعلم الأسماء والصِّفات والتّوحيد، وعلم المعاد واليوم الآخر.

стр. 1568

فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: عين اليقين . وهو المغني بالاستدراك (٢) عن الاستدلال، وعن الخبر بالعيان، وخرقِ الشُّهود حجابَ العلم). الفرق بين علم اليقين وعين اليقين: كالفرق بين الخبر الصّادق والعيان، وحقُّ اليقين فوق هذا. وقد مُثِّلت المراتب الثّلاث بمن أخبرك أنّ عنده عسلًا، وأنت لا تشكُّ في صدقه. ثمّ أراك إيّاه، فازددتَ يقينًا. ثمّ ذُقْتَ منه. فالأوّل علم اليقين، والثّاني عين اليقين، والثّالث حقُّ اليقين. فعلمُنا الآن بالجنّة والنّار علم يقينٍ. فإذا أُزلِفت الجنّة في الموقف وشاهدَها الخلائق، وبُرِّزت الجحيم وعاينَها الخلائق، فذلك عين اليقين. فإذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النّار النّار، فذلك حينئذٍ حقُّ اليقين. قوله: (هو المغني بالاستدراك (٣) عن الاستدلال). يريد بالاستدراك: الإدراك والشُّهود، يعني أن صاحبه قد استغنى به عن طلب الدّليل، فإنّه إنّما يطلب الدّليل ليحصل له العلم بالمدلول. فإذا كان المدلول مُشاهَدًا له - وقد أدركه بكشفه - فأيُّ حاجةٍ به إلى الاستدلال؟ وهذا معنى الاستغناء عن الخبر بالعيان.

стр. 1569

وأمّا قوله: (وخرق الشُّهود حجاب العلم). فيريد به: أنّ المعارف التي تحصل لصاحب هذه الدّرجة هي من الشُّهود الخارق لحجاب العلم، فإنّ العلم حجابٌ عن الشُّهود (١)، ففي هذه الدّرجة يرتفع الحجاب، ويفضي إلى المعلوم (٢)، بحيث يكافح قلبه وبصيرته مكافحةً. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّالثة: حقُّ اليقين . وهو إسفار صبح الكشف، ثمّ الخلاص من كُلْفة اليقين، ثمّ الفناء في حقِّ اليقين). الحق أنّ هذه الدّرجة لا تُنال في هذا العالم إلّا للرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم. فإنّ نبيّنا ﷺ رأى بعينيه الجنّة والنّار، وموسى سمع كلام الله منه إليه بلا واسطةٍ فكلَّمه تكليمًا، وتجلّى للجبل وموسى ينظر، فجعله دكًّا هشيمًا. نعم يحصل لنا حقُّ اليقين في مرتبةٍ، وهي ذوقُ ما أخبر به الرّسول من حقائق الإيمان المتعلِّقة بالقلوب وأعمالها، فإنّ القلب إذا باشرَها وذاقها صارت في حقِّه حقَّ يقينٍ. وأمّا في أمور (٤) الآخرة والمعاد، ورؤية الله جهرةً عيانًا، وسماع كلامه

стр. 1570

حقيقةً بلا واسطةٍ= فحظُّ المؤمن منه في هذه الدّار الإيمانُ وعلم اليقين. وحقُّ اليقين يتأخّر إلى وقت اللِّقاء. ولكن لمّا كان السّالك عنده ينتهي إلى الفناء، ويتحقَّق شهودَ الحقيقة، ويصل إلى عين الجمع، قال: «حقُّ اليقين هو إسفار صبح الكشف». يعني: تحقُّقه وثبوته، وغلبة نوره على ظلمة ليل الحجاب, فينتقل من طور العلم إلى الاستغراق في الشُّهود بالفناء عن الرّسم بالكلِّيّة. وقوله: «ثمّ الخلاص من كُلفة اليقين». يعني: أنّ اليقين له حقوقٌ يجب على صاحبه أن يؤدِّيها ويقوم بها، ويتحمّل كُلَفَها ومشاقَّها. فإذا فني في التّوحيد حصلَ له أمورٌ أخرى رفيعةٌ عاليةٌ جدًّا، يصير فيها محمولًا بعدَ أن كان حاملًا، وطائرًا بعد أن كان سائرًا، فيزول عنه كلفةُ حملِ تلك الحقوق. بل يبقى له كالنّفس، وكالماء للسّمك. وهذا أمرٌ التّحاكمُ (١) فيه إلى الذّوق والإحساس، فلا تُسرِعْ إلى إنكاره. وتأمّلْ حالَ ذلك الصّحابيِّ الذي أخذ تمراتِه، وقعد يأكلها على حاجةٍ وجوعٍ وفاقةٍ إليها، فلمّا عاينَ سوقَ الشّهادة قد قامت ألقى قُوتَه من يده، وقال: إنّها لحياةٌ طويلةٌ، إن بقيتُ حتّى آكلَ هذه التّمرات! وألقاها من يده، وقاتل حتّى قُتِل (٢). وكذلك أحوال الصّحابة ﵃ كانت مطابقةً لما أشار إليه.

стр. 1571

لكن بقيت نكتةٌ عظيمةٌ، وهي موضع (١) السّجدة، وهي أنّ فناءهم لم يكن في توحيدِ الرُّبوبيّة وشهودِ الحقيقة التي يشير إليها أرباب الفناء، بل في توحيد الإلهيّة. ففَنُوا بحبِّه تعالى عن حبِّ ما سواه، وبمراده منهم عن مرادهم وحظوظهم، فلم يكونوا عاملين على فناءٍ ولا استغراقٍ في الشُّهود، بحيث يَفْنَوا (٢) به عن مراد محبوبهم منهم، بل قد فَنُوا بمراده عن مرادهم، فهم أهل بقاءٍ، وفرقٍ في جمعٍ، وكثرةٍ في وحدةٍ، وحقيقةٍ كونيّةٍ في حقيقةٍ دينيّةٍ. هم القومُ لا قومَ إلّا هُمُ ... ولولاهُمُ ما اهتدينا السَّبيلا (٣) فنسبة أحوالهم إلى أحوالِ من بعدهم الصّحيحة الكاملة: كنسبة ما يَرشَح من الظّرف والقِرْبة إلى ما في داخلها. وأمّا المنحرفة الفاسدة فسبيلٌ غير سبيلهم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. * * * *

стр. 1572

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الأنس بالله . قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (وهو روحُ القُرب). ولهذا صدَّر منزلته بقوله تعالى: ﴿(١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. فاستحضارُ القلب هذا البرَّ واللُّطف والإحسانَ يُوجِب قربَه من الرّبِّ تعالى، وقربُه منه يوجب له الأنسَ، و الأنسُ ثمرة الطّاعة والمحبّة . فكلُّ مطيعٍ مستأنسٌ، وكلُّ عاصٍ مستوحشٌ، كما قيل (٢): فإن كنتَ قد أوحشَتْك الذُّنوب ... فدَعْها إذا شئتَ واستأنس والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبّة. قال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: الأنس بالشّواهد، وهو استحلاء (٤) الذِّكر، والتّغذِّي بالسّماع، والوقوف على الإشارات). هذه اللّفظة يُجرونَها (٥) في كلامهم ــ أعني لفظة «الشّواهد» ــ ومرادهم

стр. 1573

بها أمران: أحدهما: شواهد الحقيقة. وهي ما يقوم بقلب العبد، حتّى كأنّه يشاهده ويبصره لغلبته عليه، فكلُّ ما يستولي على قلبِ صاحبه ذِكرُه فإنّه شاهده. فمنهم من يكون شاهده العلم، ومنهم من يكون شاهده الذِّكر، ومنهم من يكون شاهده المحبّة، ومنهم من شاهده الخوف. فالمريد يأنَسُ بشاهده، ويستوحش لفقده. والثّاني: شاهد الحال. وهو الأثر الذي يقوم به، ويظهر عليه من عمله وسلوكه وحاله، فإنّ شاهده لا بدَّ أن يظهر عليه. ومراد صاحب «المنازل»: الشّاهد الأوّل الذي يأنَس به المريد، وهو الحامل له على استحلاء (١) الذِّكر، طلبًا لظَفَره بحصول المذكور، فهو يستأنس بالذِّكر طلبًا لاستئناسه بالمذكور، ويتغذّى بالسّماع كما يتغذّى الجسم بالطّعام والشّراب. فإن كان محبًّا (٢) صادقًا، طالبًا لله، عاملًا على مرضاته= كان غذاؤه بالسّماع القرآنيِّ، الذي كان غذاءَ سادات العارفين من هذه الأمّة، وأبرِّها قلوبًا، وأصحِّها أحوالًا، وهم الصّحابة ﵃. وإن كان منحرفًا فاسدَ الحال، ملبوسًا عليه، مغرورًا مخدوعًا= كان غذاؤه بالسّماع الشّيطانيِّ، الذي هو قرآن الشّيطان، المشتمل على مَحابِّ النُّفوس ولذّاتها وحظوظها، وأصحابُه أبعدُ الخلق من الله، وأغلظُهم عنه

стр. 1574

حجابًا وإن كثرت إشارتهم إليه. وهذا السّماع القرآنيُّ سماع أهل المعرفة بالله والاستقامة، ويحصل للأذهان الصّافية منه معانٍ وإشاراتٌ ومعارفُ وعلومٌ، تتغذّى بها القلوب المشرقة بنور الأنس، فتجد بها لذّةً روحانيّةً يصل نعيمها إلى القلوب والأرواح، وربّما فاض حتّى وصل إلى الأجسام، فيجد من اللّذّة ما لم يعهد مثله من اللّذّات الحسِّيّة. وللتّغذِّي بالسّماع سرٌّ لطيفٌ، نذكره للُطفِ موقعه. وهو الذي أوقع كثيرًا من السّالكين في إيثار سماع الأبيات، لما رأى فيه من غذاء القلب وقوته ونعيمه، فلو جئتَه بألف آيةٍ وألف خبرٍ لما أعارك شطرًا من إصغائه، وكان ذلك عنده أعظمَ من الظّواهر التي يعارض بها الفلاسفة وأرباب الكلام. اعلم أنّ الله جعل للقلوب نوعين من الغذاء: نوعًا من الطّعام والشّراب الحسِّيِّ، وللقلب منه خلاصتُه وصَفْوه، ولكلِّ عضوٍ منه بحسب استعداده وقبوله. والثّاني: غذاءٌ روحانيٌّ معنويٌّ، خارجٌ عن الطّعام والشّراب: من السُّرور والفرح، والابتهاج واللّذّة، والعلوم والمعارف. وبهذا الغذاء كان سماويًّا عُلْويًّا، وبالغذاء المشترك كان أرضيًّا، وقِوامُه بهذين الغذاءين. وله ارتباطٌ بكلِّ واحدةٍ من الحواسِّ الخمس، وغذاءٌ يصل إليه منها. فله ارتباطٌ بحاسّة اللّمس، ويصل إليه منها غذاءٌ. وكذلك بحاسّة الشّمِّ. وكذلك حاسّة الذّوق. وكذلك ارتباطُه بحاسّتَي (١) السّمع والبصر أشدُّ من ارتباطه

стр. 1575

بغيرهما، ووصول الغذاء منهما إليه أكملُ وأقوى من سائر الحواسِّ، وانفعالُه عنهما أشدُّ من انفعاله عن غيرهما. ولهذا تجد في القرآن اقترانَه بهما أكثرَ من اقترانه بغيرهما، بل لا يكاد يقترن إلّا بهما أو بإحداهما. قال الله تعالى: ﴿قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال تعالى في صفة الكفّار: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]. وقال: ﴿يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. وهذا كثيرٌ في القرآن جدًّا، لأنّ تأثُّره بما يراه ويسمعه أعظمُ من تأثُّرِه بما يلمسه ويذوقه ويشمُّه. ولأنّ هذه الثّلاثة هي طرق العلم. وهي السّمع والبصر والعقل (١). وتعلُّق القلب بالسّمع وارتباطه به أشدُّ من تعلُّقه بالبصر وارتباطِه به، ولهذا يتأثّر بما يسمعه من الملذوذات أعظمَ ممّا يتأثّر بما يراه من

стр. 1576

المستحسنات. وكذلك في المكروهات سماعًا ورؤيةً. ولهذا كان الصّحيح من القولين (١): أنّ حاسّة السّمع أفضلُ من حاسّة البصر، لشدّة تعلُّقِها بالقلب، وعِظَمِ حاجته إليها، وتوقُّفِ كماله عليها، ووصولِ العلوم إليه بها، وتوقُّفِ الهدى على سلامتها. ورجحّت طائفةٌ حاسّةَ البصر لكمال مُدرَكِها، وامتناع الكذب فيه، وزوالِ الرّيب والشّكِّ به. ولأنّه عين اليقين، وغاية مُدرَك حاسّةِ السّمع علم اليقين، وعين اليقين أفضل وأكمل من علم اليقين. ولأنّ متعلقها رؤية وجه الرّبِّ ﵎ في دار النّعيم، ولا شيء أعلى وأجلُّ من هذا المتعلّق. وحكم شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدَّس الله روحه ــ بين الطّائفتين حكمًا حسنًا. فقال (٢): المُدْرَك بحاسّة السّمع أعمُّ وأشمل. والمُدرَك بحاسّة البصر أتمُّ وأكمل. فللسّمع العمومُ والشُّمول والإحاطة بالموجود والمعدوم، والحاضر والغائب، والحسِّيِّ والمعنويِّ، وللبصر: التّمام والكمال. وإذا عُرِف هذا، فهذه الحواسُّ الخمس لها أشباحٌ وأرواحٌ، وأرواحها حظُّ القلب ونصيبُه منها. فمن ليس لقلبه منها نصيبٌ إلّا كنصيب الحيوانات البهيميّة منها فهو بمنزلتها، وبينه وبينها أوّلُ درجة الإنسانيّة. ولهذا شبّه الله أولئك بالأنعام، بل جعلهم أضلَّ، فقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ

стр. 1577

يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: ٤٤]. ولهذا نفى الله سبحانه عن الكفّار السّمعَ والبصر والعقول، إمّا لعدم انتفاعهم بها فنُزِّلت منزلةَ المعدوم، وإمّا لأنّ النّفي توجّه إلى أسماع قلوبهم وأبصارها وإدراكها. ولهذا يظهر لهم ذلك (١) عند انكشاف حقائق الأمور، كقول أهل السّعير: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. ومنه في أحد التّأويلين (٢) قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]. فإنّهم كانوا ينظرون إلى صورة النّبيِّ ﷺ بالحواسِّ الظّاهرة، ولا يبصرون صورةَ نبوّته ومعناه بالحاسّة الباطنة، التي هي بصر القلب. والقول الثّاني: أنّ الضّمير عائدٌ على الأصنام. ثمّ فيه قولان: أحدهما: أنّه على التّشبيه، أي كأنّهم ينظرون إليك، ولا أبصارَ لهم يرونك بها. والثّاني: أنَّ المراد به المقابلة. تقول العرب: داري تنظر دارك، أي تُقابِلها (٣). وكذلك السّمع ثابتٌ لهم، وبه قامت الحجّة عليهم. ومنتفٍ عنهم، وهو سمع القلب. فإنّهم كانوا يسمعون القرآن من حيث السّمعُ الحسِّيُّ المشترك،

стр. 1578

كالغنم (١) التي لا تسمع إلّا نعيقَ الرّاعي بها دعاءً ونداءً. ولم يسمعوه بالرُّوح الحقيقيِّ، الذي هو روح حاسّة السّمع التي هي (٢) حظُّ القلب. فلو سمعوه من هذه الجهة لحصلتْ لهم الحياة الطّيِّبة، التي منشؤها من السّماع المتّصلِ أثرُه بالقلب، ولزالَ عنهم الصَّمَم والبَكَم، ولأنقذوا نفوسَهم من السّعير بمفارقةِ مَن عَدِمَ السّمعَ والعقلَ. فحصولُ (٣) السّمع الحقيقيِّ مبدأٌ لظهور آثار الحياة الطّيِّبة، التي هي أكملُ أنواعِ الحياة في هذا العالم، فإنّ بها يصلُح غذاء (٤) القلب ويعتدل، فيتمُّ قوّته وحياته، وسروره ونعيمه وبهجته. وإذا فَقدَ غذاءه الصّالح احتاج إلى (٥) أن يعتاض عنه بغذاءٍ خبيثٍ. وإذا فسدَ غذاؤه وخبُثَ نقصَ من حياته وقوّته وسروره ونعيمه بحسب ما فسد من غذائه، كالبدن إذا فسد غذاؤه. فلمّا كان تعلُّق السّمع الظّاهر الحسِّيّ بالقلب أشدَّ، والمسافةُ بينهما أقربَ من المسافة بين البصر وبينه، ولذلك يُؤدَّى آثار ما يتعلّق بالسّمع الظّاهر إلى القلب أسرعَ ممّا يؤدَّى إليه آثار البصر الظّاهر، ولهذا ربّما غُشِيَ على الإنسان إذا سمع كلامًا يَسُرُّه أو يسوؤه، أو صوتًا لذيذًا طيِّبًا مُطرِبًا مناسبًا، ولا يكاد يحصل له ذلك من رؤية الأشياء المستحسنة بالبصر الظّاهر.

стр. 1579

وقد يكون هذا المسموع شديدَ التّأثير في القلب، ولا يشعُر به صاحبه لاشتغاله بغيره، ولمباينة ظاهره لباطنه (١) ذلك الوقتَ، فإذا حصل له نوعُ تجرُّدٍ ورياضةٍ ظهرتْ قوّة ذلك التّأثير والتّأثُّر. فكلّما تجرّدت الرُّوح والقلب، وانقطعت عن علائق البدن، كان حظُّهما من ذلك السّماع أوفى، وتأثُّرهما به أقوى. فإن كان المسموع معنًى شريفًا بصوتٍ لذيذٍ= حصل للقلب حظُّه ونصيبُه من إدراك المعنى، وابتهجَ به أتمَّ ابتهاجٍ على حسب إدراكه له. وللرُّوح حظُّها ونصيبُها من لذّة الصّوت ونغمتِه وحسنِه، فابتهجتْ به، فتتضاعف (٢) اللّذّة، ويتمُّ الابتهاج، ويحصل الارتياح، حتّى ربّما فاض على البدن والجوارح وعلى الجليس. وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم ولا يحصل إلّا عند سماع كلام الله. فإذا تجرّدت الرُّوح، وكانت مستعدّةً، وباشر القلب روح المعنى، وأقبلَ بكلِّيّته على المسموع، فألقى السّمعَ وهو شهيدٌ، وساعده طيب صوت القارئ= كاد القلب يفارقُ هذا العالمَ، ويَلِجُ عالمًا (٣) آخر، ويجد له لذّةً وحالًا لا يعهدها في شيءٍ البتّةَ. وذلك رقيقةٌ (٤) من حالِ أهل الجنّة في الجنّة. فيا له من غذاءٍ ما أصلَحَه وما أنفَعَه!

стр. 1580

وحرامٌ على قلبٍ قد تربّى على غذاء السّماع الشّيطانيِّ: أن يجد شيئًا من ذلك في سماع القرآن، بل (١) إن حصلَ له نوعُ لذّةٍ فهو من قِبَلِ الصّوت المشترك، لا من قِبَلِ المعنى الخاصِّ. وليس في نعيم أهل الجنّة أعلى من رؤية (٢) وجه محبوبهم عيانًا (٣)، وسماع كلامه منه. وذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب «السُّنّة» (٤) أثرًا لا يحضرني الآن هل هو موقوفٌ أو مرفوعٌ: إذا سمع النّاسُ القرآنَ يومَ القيامة من الرّحمن فكأنّهم لم يسمعوه قبلَ ذلك. وإذا امتلأ القلب بشيءٍ، وارتفعت المباينة الشّديدة بين الظّاهر والباطن= أدَّتِ الأذن إلى القلب من المسموع ما يناسبه، وإن لم يدلّ عليه ذلك المسموع، ولا قصدَه المتكلِّم. ولا يختصُّ ذلك بالكلام الدّالِّ على معنًى، بل قد يقع في الأصوات المجرّدة. قال القشيريُّ ﵀ (٥): سمعت أبا عبد الرحمن السُّلميّ يقول: دخلتُ
следующие страницы →