← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

المستحسنات. وكذلك في المكروهات سماعًا ورؤيةً. ولهذا كان الصّحيح من القولين (١): أنّ حاسّة السّمع أفضلُ من حاسّة البصر، لشدّة تعلُّقِها بالقلب، وعِظَمِ حاجته إليها، وتوقُّفِ كماله عليها، ووصولِ العلوم إليه بها، وتوقُّفِ الهدى على سلامتها. ورجحّت طائفةٌ حاسّةَ البصر لكمال مُدرَكِها، وامتناع الكذب فيه، وزوالِ الرّيب والشّكِّ به. ولأنّه عين اليقين، وغاية مُدرَك حاسّةِ السّمع علم اليقين، وعين اليقين أفضل وأكمل من علم اليقين. ولأنّ متعلقها رؤية وجه الرّبِّ ﵎ في دار النّعيم، ولا شيء أعلى وأجلُّ من هذا المتعلّق. وحكم شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدَّس الله روحه ــ بين الطّائفتين حكمًا حسنًا. فقال (٢): المُدْرَك بحاسّة السّمع أعمُّ وأشمل. والمُدرَك بحاسّة البصر أتمُّ وأكمل. فللسّمع العمومُ والشُّمول والإحاطة بالموجود والمعدوم، والحاضر والغائب، والحسِّيِّ والمعنويِّ، وللبصر: التّمام والكمال. وإذا عُرِف هذا، فهذه الحواسُّ الخمس لها أشباحٌ وأرواحٌ، وأرواحها حظُّ القلب ونصيبُه منها. فمن ليس لقلبه منها نصيبٌ إلّا كنصيب الحيوانات البهيميّة منها فهو بمنزلتها، وبينه وبينها أوّلُ درجة الإنسانيّة. ولهذا شبّه الله أولئك بالأنعام، بل جعلهم أضلَّ، فقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ

стр. 1577

يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: ٤٤]. ولهذا نفى الله سبحانه عن الكفّار السّمعَ والبصر والعقول، إمّا لعدم انتفاعهم بها فنُزِّلت منزلةَ المعدوم، وإمّا لأنّ النّفي توجّه إلى أسماع قلوبهم وأبصارها وإدراكها. ولهذا يظهر لهم ذلك (١) عند انكشاف حقائق الأمور، كقول أهل السّعير: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. ومنه في أحد التّأويلين (٢) قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]. فإنّهم كانوا ينظرون إلى صورة النّبيِّ ﷺ بالحواسِّ الظّاهرة، ولا يبصرون صورةَ نبوّته ومعناه بالحاسّة الباطنة، التي هي بصر القلب. والقول الثّاني: أنّ الضّمير عائدٌ على الأصنام. ثمّ فيه قولان: أحدهما: أنّه على التّشبيه، أي كأنّهم ينظرون إليك، ولا أبصارَ لهم يرونك بها. والثّاني: أنَّ المراد به المقابلة. تقول العرب: داري تنظر دارك، أي تُقابِلها (٣). وكذلك السّمع ثابتٌ لهم، وبه قامت الحجّة عليهم. ومنتفٍ عنهم، وهو سمع القلب. فإنّهم كانوا يسمعون القرآن من حيث السّمعُ الحسِّيُّ المشترك،

стр. 1578

كالغنم (١) التي لا تسمع إلّا نعيقَ الرّاعي بها دعاءً ونداءً. ولم يسمعوه بالرُّوح الحقيقيِّ، الذي هو روح حاسّة السّمع التي هي (٢) حظُّ القلب. فلو سمعوه من هذه الجهة لحصلتْ لهم الحياة الطّيِّبة، التي منشؤها من السّماع المتّصلِ أثرُه بالقلب، ولزالَ عنهم الصَّمَم والبَكَم، ولأنقذوا نفوسَهم من السّعير بمفارقةِ مَن عَدِمَ السّمعَ والعقلَ. فحصولُ (٣) السّمع الحقيقيِّ مبدأٌ لظهور آثار الحياة الطّيِّبة، التي هي أكملُ أنواعِ الحياة في هذا العالم، فإنّ بها يصلُح غذاء (٤) القلب ويعتدل، فيتمُّ قوّته وحياته، وسروره ونعيمه وبهجته. وإذا فَقدَ غذاءه الصّالح احتاج إلى (٥) أن يعتاض عنه بغذاءٍ خبيثٍ. وإذا فسدَ غذاؤه وخبُثَ نقصَ من حياته وقوّته وسروره ونعيمه بحسب ما فسد من غذائه، كالبدن إذا فسد غذاؤه. فلمّا كان تعلُّق السّمع الظّاهر الحسِّيّ بالقلب أشدَّ، والمسافةُ بينهما أقربَ من المسافة بين البصر وبينه، ولذلك يُؤدَّى آثار ما يتعلّق بالسّمع الظّاهر إلى القلب أسرعَ ممّا يؤدَّى إليه آثار البصر الظّاهر، ولهذا ربّما غُشِيَ على الإنسان إذا سمع كلامًا يَسُرُّه أو يسوؤه، أو صوتًا لذيذًا طيِّبًا مُطرِبًا مناسبًا، ولا يكاد يحصل له ذلك من رؤية الأشياء المستحسنة بالبصر الظّاهر.

стр. 1579

وقد يكون هذا المسموع شديدَ التّأثير في القلب، ولا يشعُر به صاحبه لاشتغاله بغيره، ولمباينة ظاهره لباطنه (١) ذلك الوقتَ، فإذا حصل له نوعُ تجرُّدٍ ورياضةٍ ظهرتْ قوّة ذلك التّأثير والتّأثُّر. فكلّما تجرّدت الرُّوح والقلب، وانقطعت عن علائق البدن، كان حظُّهما من ذلك السّماع أوفى، وتأثُّرهما به أقوى. فإن كان المسموع معنًى شريفًا بصوتٍ لذيذٍ= حصل للقلب حظُّه ونصيبُه من إدراك المعنى، وابتهجَ به أتمَّ ابتهاجٍ على حسب إدراكه له. وللرُّوح حظُّها ونصيبُها من لذّة الصّوت ونغمتِه وحسنِه، فابتهجتْ به، فتتضاعف (٢) اللّذّة، ويتمُّ الابتهاج، ويحصل الارتياح، حتّى ربّما فاض على البدن والجوارح وعلى الجليس. وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم ولا يحصل إلّا عند سماع كلام الله. فإذا تجرّدت الرُّوح، وكانت مستعدّةً، وباشر القلب روح المعنى، وأقبلَ بكلِّيّته على المسموع، فألقى السّمعَ وهو شهيدٌ، وساعده طيب صوت القارئ= كاد القلب يفارقُ هذا العالمَ، ويَلِجُ عالمًا (٣) آخر، ويجد له لذّةً وحالًا لا يعهدها في شيءٍ البتّةَ. وذلك رقيقةٌ (٤) من حالِ أهل الجنّة في الجنّة. فيا له من غذاءٍ ما أصلَحَه وما أنفَعَه!

стр. 1580

وحرامٌ على قلبٍ قد تربّى على غذاء السّماع الشّيطانيِّ: أن يجد شيئًا من ذلك في سماع القرآن، بل (١) إن حصلَ له نوعُ لذّةٍ فهو من قِبَلِ الصّوت المشترك، لا من قِبَلِ المعنى الخاصِّ. وليس في نعيم أهل الجنّة أعلى من رؤية (٢) وجه محبوبهم عيانًا (٣)، وسماع كلامه منه. وذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب «السُّنّة» (٤) أثرًا لا يحضرني الآن هل هو موقوفٌ أو مرفوعٌ: إذا سمع النّاسُ القرآنَ يومَ القيامة من الرّحمن فكأنّهم لم يسمعوه قبلَ ذلك. وإذا امتلأ القلب بشيءٍ، وارتفعت المباينة الشّديدة بين الظّاهر والباطن= أدَّتِ الأذن إلى القلب من المسموع ما يناسبه، وإن لم يدلّ عليه ذلك المسموع، ولا قصدَه المتكلِّم. ولا يختصُّ ذلك بالكلام الدّالِّ على معنًى، بل قد يقع في الأصوات المجرّدة. قال القشيريُّ ﵀ (٥): سمعت أبا عبد الرحمن السُّلميّ يقول: دخلتُ

стр. 1581

على أبي عثمان المغربيِّ ورجلٌ يستقي لنا من البئر على بَكرةٍ، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، أتدري أيشٍ تقول هذه البكرةُ؟ فقلت: لا، فقال: تقول: الله الله. ومثل ذلك كثيرٌ. كما سمع أبو سليمان (١) الدِّمشقيُّ من المنادي: يا سَعْتَر برِّي: اسْعَ تَرَى بِرِّي (٢). وهذا السّماع الرّوحانيُّ تبعٌ لحقيقة القلب ومادّته منه، فلاتحادِه به يظنُّ السّامع: أنّه أدرك ذلك المعنى لا محالةَ من الصّوت الخارجيِّ، وسبب ذلك اتِّحاد السّمع بالقلب. و أكملُ السّماع: سماع من يسمع بالله ما هو مسموعٌ من الله، وهو كلامه. وهو سماع المحبِّين المحبوبين، كما في الحديث الذي في «صحيح البخاريِّ» (٣) عن رسول الله ﷺ فيما يَروي عن ربِّه ﵎ أنّه قال: «ما تقرَّبَ إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ (٤) عليه. ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمْعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي

стр. 1582

يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورِجْلَه التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش (١)، وبي يمشي». والقلب يتأثّر بالسّماع بحسب ما فيه من المحبّة، فإذا امتلأ من محبّة الله وسمع كلام محبوبه به ــ أي بمصاحبته وحضوره في قلبه ــ فله من سماعه هذا شأنٌ، ولغيره شأنٌ آخر. فصل والثّاني (٢) على ثلاثة أقسامٍ: أحدهم: من اتّصف قلبه بصفات نفسه، بحيث صار قلبه نفسًا محضةً، فغلبتْ عليه آفاتُ الشّهوات ودَواعي الهوى. فهذا حظُّه من السّماع كحظِّ البهائم لا تَسمع إلّا دعاءً ونداءً، والفرق الذي بينها وبينه غير طائلٍ. القسم الثّاني: من اتّصفت (٣) نفسُه بصفات قلبه، فصارت نفسه قلبًا محضًا (٤)، فغلبت (٥) عليه المعرفة والمحبّة والعقل واللُّبُّ، وعشِقَ صفاتِ الكمالِ، فاستنارت نفسُه بنور القلب، واطمأنّت إلى ربِّها، وقرّتْ عينُها بعبوديّته، وصار نعيمها في حبِّه وقربه. فهذا حظُّه من السّماع مثل أو قريبٌ من حظِّ الملائكة، وسماعه غذاء قلبه وروحه، وقرّة عينه ونعيمه من الدُّنيا،

стр. 1583

ورياضه التي سَرَحَ فيها، وحياته التي بها قِوامُه. وإلى هذا المعنى قصد أرباب سماع القصائد والأبيات، ولكن أخطؤوا الطّريقَ، وأخذوا عن الدَّرْب شمالًا ووراءً. القسم الثّالث: من له منزلةٌ بين المنزلتين، وقلبه باقٍ على فطرته الأولى، ولكن ما تصرّف في نفسه تصرُّفًا أحالها إليه، وأزالَ به رسومها، وجَلَّى عنه ظلمتها، ولا قَوِيت النّفسُ على القلب بإحالته إليها، وتصرّفت فيه تصرُّفًا أزالت عنه نورَه وصحّته وفطرته. فبين القلب والنّفس مُنازَلاتٌ ووقائع، والحرب بينهما دُولٌ وسِجالٌ، تُدال النّفس عليه تارةً، ويُدال عليها تارةً. فهذا حظُّه من السّماع حظٌّ بين الحظَّين، ونصيبه منه بين النّصيبين، فإن صادفه وقت دولة القلب كان حظُّه منه قويًّا، وإن صادفه وقت دولة النّفس كان ضعيفًا. ومن هاهنا يقع التّفاوت بين الناس في الفقه عن الله، والفهمِ عنه، والابتهاجِ والنّعيم بسماع كلامه. وصاحب هذه الحال ــ في حال سماعه ــ يشتغل القلب بالحرب بينه وبين النّفس، فيفوتُه من روح المسموع ونعيمه ولذّته بحسب اشتغاله عنه بالمحاربة، ولا سبيلَ له إلى حصول ذلك بتمامه حتّى تضَعَ الحرب أوزارها. وربّما صادفه في حال السّماع واردُ حقٍّ، أو الظَّفرُ بمعنًى بديعٍ لا يقدر فكره على صيده كلَّ وقتٍ، فغابَ به واستغرق فيه عمّا يأتي بعده، فيَعْجِز عن صيد تلك المعاني، ويُدْهِشه ازدحامُها، فيبقى قلبه باهتًا. كما يُحكى أنّ بعض العرب أرسل صائدًا له على صيدٍ، فخرج الصّيدُ عليه من أمامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره، فوقفَ باهتًا ينظر يمينًا وشمالًا، ولم يصطد شيئًا. فقال:

стр. 1584

تفرَّقت (١) الظِّباءُ على خِراشٍ ... فما يدري خِراشٌ ما يصيدُ فوظيفته في مثل هذا الحال: أن يَفنى عن واردِه، ويُعلِّق قلبَه بالمتكلِّم وكأنّه يسمع كلامه منه، ويجعل قلبه نهرًا لجريان (٢) معانيه، ويُفرغه من سوى فهم المراد، ويَنصبّ إليه انصبابًا، يتلقّى فيه معانِيَه كتلقِّي المحبِّ للأحباب القادمين عليه، لا يَشْغَلُه حبيبٌ منهم عن حبيبٍ، بل يُعطي كلَّ قادمٍ حقَّه. وكتلقِّي الضُّيوف والزُّوّار. وهذا إنّما يكون مع سعة القلب، وقوّة الاستعداد، وكمال الحضور. فإذا سمع خطاب التّرغيب والتّشويق واللُّطف والإحسان: لا يفنى به عمّا يجيء بعده من خطاب التّخويف والتّرهيب والعدل، بل يتلقَّى الخطاب الثّاني مستصحبًا لحكم الخطاب الأوّل، ويَمزِج هذا بهذا، ويسيرُ (٣) بهما جميعًا، عاكفًا بقلبه على المتكلِّم وصفاته. وهذا سيرٌ في الله، وهو نوعٌ آخر أرفع وأعلى من مجرّد المسير إليه، ولا ينقطع بذلك سيره إليه، بل يُدَرِّج سيرَه (٤)، فإنّ سير القلب في معاني أسمائه وصفاته وتوحيده ومعرفته.

стр. 1585

ومتى بقيت للقلب في ذلك ملكةٌ، واشتدّ تعلُّقه به= لم تَحْجُبه معاني المسموع وصفات المتكلِّم بعضها عن بعضٍ، ولكن في الابتداء يعسُر عليه ذلك، وفي التّوسُّط يَهُون عليه، ولا انتهاءَ هاهنا البتّة. والله المستعان. فهذه كلماتٌ تشير إلى معاني سماع أهل المعرفة والإيمان والأحوال المستقيمة. وأمّا السّماع الشّيطانيُّ: فبالضِّدِّ من ذلك، وهو مشتملٌ على أكثر من مائة مفسدةٍ ولولا الإطالة لسُقْناها مفصّلةً. وسنفرد لها مصنّفًا مستقلًّا (١) إن شاء الله. فهذا ما يتعلّق بقوله: (إنّ من الأنس بالشّواهد: التّغذِّي بالسّماع). وقوله: (والوقوف على الإشارات). الإشارات هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بُعدٍ، ومن (٢) وراء حجابٍ. وهي تارةً تكون من مسموعٍ، وتارةً تكون من مرئيٍّ (٣)، وتارةً تكون من معقولٍ (٤)، وقد تكون من الحواسِّ كلِّها. فالإشارات: من جنس الأدلّة والأعلام. وسببها: صفاءٌ يحصل بالجمعيّة. فيلطف به الحسُّ والذِّهن. فيستيقظ لإدراك أمورٍ لطيفةٍ لا يكشف حسُّ غيره وفهمه عن إدراكها.

стр. 1586

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدّس الله روحه (١) ــ يقول: الصّحيح منها ما يدلُّ عليه اللّفظ بإشارته من باب قياس الأولى. قلت: مثاله قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]. قال: والصّحيح (٢) في الآية أنّ المراد به: الصُّحف التي بأيدي الملائكة، لوجوهٍ عديدةٍ. منها: أنّه وصفه بأنّه مكنونٌ، والمكنون: المستور عن العيون (٣). وهذا إنّما هو في الصُّحف التي بأيدي الملائكة. ومنها: أنّه قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وهم الملائكة، ولو أراد المتوضِّئين لقال: «لا يمسُّه إلّا المتطهِّرون». كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فالملائكة مطهَّرون، والمؤمنون متطهِّرون. ومنها: أنّ هذا إخبارٌ. ولو كان نهيًا لقال: لا يمسَسْه بالجزم، والأصل في الخبر أن يكون خبرًا صورةً ومعنًى. ومنها: أنّ هذا (٤) ردٌّ على من قال: إنّ الشّيطان جاء بهذا القرآن. فأخبر تعالى أنّه في كتابٍ مكنونٍ لا تنالُه الشّياطين، ولا وصولَ لها إليه، كما قال في

стр. 1587

آية الشُّعراء: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، وإنّما تناله الأرواح المطهّرة، وهم الملائكة. ومنها: أنّ هذه نظير الآية التي في سورة عبس: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢ - ١٦]. قال مالكٌ ﵁ في «موطّئه» (١): أحسنُ ما سمعتُ في تفسير قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنّها مثل هذه الآية التي في سورة عبس. ومنها: أنّ الآية مكِّيّةٌ في سورةٍ مكِّيّةٍ، تتضمّن تقرير التّوحيد والنُّبوّة والمعاد وإثبات الصّانع والرّدّ على الكفّار. وهذا المعنى أليقُ بالمقصود من فرعٍ عمليٍّ، وهو حكم مسِّ المحدِث المصحفَ. ومنها: أنّه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي النّاس لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير (٢) فائدةٍ، إذ من المعلوم أنّ كلّ كلامٍ فهو قابلٌ لأن يكون في كتابٍ حقًّا أو باطلًا، بخلاف ما إذا وقع القسم على أنّه في كتابٍ مصونٍ، مستورٍ عن العيون عند الله، لا يصل إليه شيطانٌ ولا ينال منه، ولا يمسُّه إلّا الأرواح الطّاهرة الزّكيّة. فهذا المعنى أليقُ وأجلُّ وأخلَقُ بالآية وأولى بلا شكٍّ. فسمعتُ شيخ الإسلام يقول: لكن تدلُّ الآية بإشارتها على أنّه لا يمسُّ المصحفَ إلّا طاهرٌ، لأنّه إذا كانت تلك الصُّحف لا يمسُّها إلّا المطهَّرون،

стр. 1588

لكرامتها (١) على الله، فهذه الصُّحف ينبغي أن لا يمسَّها إلّا طاهرٌ (٢). وسمعته يقول في قول النّبيِّ ﷺ : «لا تدخلُ الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ» (٣): إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصُّورة عن دخول البيت، فكيف تلِجُ معرفةُ الله ومحبّته وحلاوةُ ذكره والأنسُ بقربه، في بيتٍ ممتلئٍ بكلاب الشّهوات وصورها؟ (٤) فهذا من إشارة اللّفظ الصّحيحة. ومن هذا: أنّ طهارة الثّوب الظّاهر (٥) والبدن إذا كانت شرطًا في صحّة الصّلاة والاعتداد بها، فإذا أخلَّ بها كانت فاسدةً، فكيف إذا كان القلب نجسًا ولم يُطهِّره صاحبه؟ فكيف يُعتَدُّ له بصلاته وإن أسقطت القضاء؟ وهل طهارة الظّاهر إلّا تكميلٌ لطهارة الباطن؟ ومن هذا: أنّ استقبال القبلة في الصّلاة شرطٌ لصحّتها، وهي بيت الرّبِّ، فتوجُّه المصلِّي إليها ببدنه وقالَبه شرطٌ، فكيف تصحُّ صلاة من لم يتوجّه بقلبه إلى ربِّ القبلة والبدن؟ بل وجَّه بدنَه إلى البيت، ووجَّه قلبَه إلى غير ربِّ البيت. وأمثال ذلك من الإشارات الصّحيحة التي لا تُنال إلّا بصفاء الباطن، وصحّةِ البصيرة، وحسن التّأمُّل.

стр. 1589

فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: الأنسُ بنور الكشف . وهو أنسٌ شاخِصٌ عن الأنس الأوّل، تَشُوبه صولةُ الهَيَمان، ويضرِبه موجُ الفناء. وهو الذي غلبَ قومًا على عقولهم، وسلبَ قومًا طاقةَ الاصطبار، وحلَّ عنهم قيودَ العلم. وفي هذا ورد الخبر بهذا الدُّعاء: «أسألكَ شَوقًا إلى لقائك، من غير ضَرَّاءَ مُضِرّةٍ ولا فتنةٍ مُضِلّةٍ» (٢)). يجوز أن تكون الباء في قوله: «بنور الكشف» باء السّببيّة وباء الإلصاق. فإن كانت باء السّببيّة كان المعنى: الأنس الحاصل بسبب نور الكشف. وإن كانت باء الإلصاق كان المعنى: الأنس المتلبِّس بنور الكشف. فإن قلت: ما الفرق بين الأنس ونور الكشف، حتّى يكون أحدهما سببًا للآخر (٣)، أو متلبِّسًا به؟ قلت: الفرق بينهما: أنّ نور الكشف من باب المعارف (٤) وانكشاف الحقيقة للقلب. وأمّا الأنس فمن باب القرب والدُّنوِّ، والسُّكون إلى من يأنس به، والطُّمأنينة إليه. فضدّه: الوحشة. وضدّ نور الكشف: ظلمة

стр. 1590

الحجاب. وقوله: (شاخصٌ عن الأنس الأوّل). أي مرتفعٌ عنه وأعلى منه. قوله: (تَشُوبه صولةُ الهَيَمان). وذلك: لأنّ هذا الأنس المذكور يكون (١) مبدؤه الكشف عن أسماء الصِّفات التي يحصل عنها الأنسُ ويتعلّق بها: كاسم الجميل، والبَرِّ، واللّطيف، والودود، والحليم، والرّحيم ونحوها. ثمّ يقوى التّعلُّق بها إلى أن يستغرق العقل، فيمازِجُه نوعٌ من الأسماء، فيقهرُ العقلَ بصولته. والهَيَمان هو الحركة إلى كلِّ جهةٍ بسبب الحيرة والدّهشة، وذلك إنّما يكون مع نوع عدمِ تمييزٍ، أو معَ قوّة إرادةٍ قاهرةٍ لا يملك صاحبُها ضبطَها. وقوله: (ويضربه مَوج (٢) الفناء). أي إنّ صاحب هذا الأنس يطالع مبادئَ الفناء محيطةً به، فهي تُقلِّبه كما يُقلِّب الموجُ الغريقَ. وهذا قبل استيلاء سلطان الفناء على وجوده. قوله: (وهو الذي غلبَ قومًا على عقولهم). أي سلَبَهم إيّاها، لأنّهم شاهدوا شيئًا فوق مدارك العقول، وفوقَ كلّ مُدرَكٍ بالحواسِّ الظّاهرة والباطنة، ولا إلْفَ لهم به، فأوجبتْ قوّةُ المشاهدةِ والواردِ وضعفُ المحلِّ والحاملِ غَلَبتَه على العقل. والكامل من القوم يَثبت

стр. 1591

لذلك ولا يتحرّك، بل يبقى كأنّه جبلٌ. وتلا الجنيد ﵀ في مثل هذه الحال ــ وقد قيل له: أما يُغيِّرك ما تسمع؟ ــ قولَه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسِبُهَا جَامِدَةً وَهْيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] (١). وبعضهم تلا في مثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَحْسِبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨]. وقومٌ أقوى تمكينًا من هؤلاء: لم يَغلِبْهم على عقولهم، بل سَلَبَهم طاقةَ صبرهم، فبدا منهم ما ينافي الصّبر. وأمّا قوله: (وحلَّ عنهم قُيودَ العلم). فكلامٌ لا بدَّ من تأويله، وتكلُّفِ وجهٍ يُصحِّحه. وأحسن ما يحمل عليه: أنّ العلم يقيِّد صاحبَه (٢)، والمعرفة تُطلِقه، وتُوسِّع بِطانَه (٣)، وتُرِيه حقائقَ الأشياء، فتزول عنه التّقيُّدات التي كانت حاصلةً بسبب خفاء نور المعرفة وكشفها عليه. فإنّ العارفَ صاحبَ ضياء الكشف أوسعُ بِطانًا وقلبًا وأعظمُ إطلاقًا بلا شكٍّ من صاحب العلم، ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل. فكما أنّ العالم أوسعُ بِطانًا من الجاهل وله إطلاقٌ بحسب علمه، فالعارف ــ بما معه من روح العلم وضياء الكشف ونوره ــ هو أكثرُ إطلاقًا وأوسعُ بِطانًا من

стр. 1592

صاحب العلم. فيُقيَّد العالم بظواهر العلم وأحكامه، والعارف لا يراها قيودًا. ومن هاهنا (١) تزندقَ من تزندقَ، وظنّ أنّه إذا لاحت له حقائقُها وبواطنها خلع قيودَ ظواهرها ورسومها، اشتغالًا بالمقصود عن الوسيلة، وبالحقيقة عن الرّسم. فهؤلاء هم المقطوعون عن الله، القُطَّاع لطريق الله، وهم معاطِبُ الطّريق وآفاتها. واتّفق أنّ العارفين تكلَّموا في الحقائق، وأمروا بالانتقال من الرُّسوم والظّواهر إليها، وأن لا يُوقَفَ عندها. فظنّ هؤلاء الزّنادقة أنّهم جوَّزوا خلْعَها والانحلالَ منها. ولا ريبَ أنّ من جوّز ذلك فهو مثل هؤلاء. والله يَرْكُم الخبيثَ بعضَه على بعضٍ، فيجعله في جهنّم. أولئك هم الخاسرون (٢). فصاحب «المنازل» ﵀ أشار إلى المعنى الحقِّ الصّحيح، كما أشار إليه شيوخ القوم. وأمّا استدلاله بقول النّبيِّ ﷺ : «أسألك الشّوق إلى لقائك في غير ضرّاء مضرّةٍ ولا فتنةٍ مضلّةٍ» فليس بمطابق لما ذكره في هذه الدّرجة. فأين طلب الشّوق إلى لقائه، الباعث على كمال الاستعداد، وعلى خفّة أعباء السّير، والمُزِيل لكلِّ فتورٍ، والحامل على كلِّ صدقٍ وإخلاصٍ وإنابةٍ وصحّة معاملةٍ= إلى أمرٍ مَشُوبٍ بصولة الهَيَمان، تَضرِبه أمواج الفناء، بحيث غلب قومًا على عقولهم، وسلب قومًا صبْرَهم بحيث صيَّرهم في عالم الفناء؟ ورسول الله ﷺ لم يكن ليسأل حالة الفناء قطُّ، وإنّما سأل شوقًا موجبًا

стр. 1593

للبقاء، مصاحبًا له طِيب الحياة، وقرّة العين، ولذّة القلب، وبهجة الرُّوح. وصاحب «المنازل» ﵀ كأنّه فهم منه اشتياقه إلى المشاهدة من غير غلبةٍ على عقلٍ، ولا فقدٍ لاصطبارٍ، ولهذا قال: «من غيرِ ضرّاء مُضِرّةٍ»، وهي الغلبة على العقل. «ولا فتنةٍ مضلّةٍ»، وهي مفارقة أحكام العلم. وهذا غايته: أن يؤخذ من إشارة الحديث على عادة القوم، وأمّا أن يكون هو نفس المراد فلا. وإنّما المسؤول أن يهَبَ له شوقًا إلى لقائه، مصاحبًا للعافية والهداية، لا تصحَبه فتنةٌ ولا محنةٌ. وهذا من أجلِّ العطايا والمواهب، فإنّ كثيرًا ممّن يحصل له هذا لا يناله إلّا بعد امتحانٍ واختبارٍ: هل يصلُح أم لا؟ ومن لم يُمتحن ولم يُختبر فأكثرهم لم يُؤهَّل لهذا. فتضمَّنَ هذا الدُّعاء: حصولَ ذلك، والتّأهيلَ له، مع كمال العافية بلا محنةٍ، والهداية بلا فتنةٍ. وبالله التّوفيق. فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: أنسُ اضمحلالٍ في شهود الحضرة، لا يُعبَّر عن عينه، ولا يُشار إلى حدِّه، ولا يُوقَف على كُنْهه). الاضمحلال: الانعدام. وشهود الحضرة هو مشاهدة الحقيقة، والفناء في ذلك الشُّهود. قوله: (لا يُعبَّر عن عينه) إلى آخره.

стр. 1594

حاصله: أنّ هذا أمرٌ وراء العبارة، لا تناله العبارة. ولا يُحاط به عينًا ولا حدًّا ولا كُنْهًا وحقيقةً، فإنّ حقيقته تَستغرق العبارة والإشارة والدّلالة. وفي وصفه يقول قائلهم (١): فألقَوا حِبالَ مَراسِيهِمُ ... فغطّاهمُ البحرُ ثمّ انطبقْ وهاهنا إنّما حوالة القوم على الذّوق، وإشارتهم إلى الفناء الذي يصطلم المشيرَ وإشارتَه، والمعبِّر وعبارتَه، مع ظهور سلطان الحقيقة التي هي فوق الإشارة والعبارة والدّلالة. والله أعلم. * * * *

стр. 1595

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الذِّكر . وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزوَّدون، وفيها يتَّجرون، وإليها دائمًا يتردَّدون. والذِّكر منشور الولاية الذي من أُعطِيه اتّصل، ومن مُنِعه عزل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها (١) صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارةُ ديارهم فمتى تعطَّلت عنه (٢) صارت بُورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قُطَّاعَ الطّريق، وماؤهم الذي يُطفِئون به التهابَ الحريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكستْ منهم القلوب، والسّبب الواصل والعِلاقة التي بينهم وبين علّام الغيوب. إذا مرِضنا تداوينا بذكرِكُم ... فنترك الذِّكرَ أحيانًا فننتكسُ (٣) به يستدفعون الآفاتِ، ويستكشفون الكُرُبات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلَّهم البلاءُ فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النّوازلُ فإليه مفزَعُهم. فهو رياضُ جنّتهم التي فيها يتقلّبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتّجرون. يَدَعُ القلبَ الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويُوصِل الذّاكر إلى المذكور، بل يعيد الذّاكر مذكورًا.

стр. 1596

وعلى كلِّ جارحةٍ من الجوارح عبوديّةٌ موقَّتةٌ، و الذِّكر عبوديّة القلب واللِّسان وهي غير موقَّتةٍ، بل هم مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كلِّ حالٍ: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم (١). وكما أنّ الجنّة قِيعانٌ وهو غِراسُها (٢)، فكذلك القلوب بُورٌ خَرابٌ وهو عمارتها وأساسها. وهو جلاء القلوب وصِقالها ودواؤها إذا غشِيَها اعتلالُها، وكلّما ازداد الذّاكر في ذكره استغراقًا ازداد لمذكورِه محبّةً وإلى لقائه اشتياقًا، وإذا واطأ في ذكره قلبُه للسانه نسي في جنْبِ ذكره كلَّ شيءٍ، وحفظ الله عليه كلّ شيءٍ (٣)، وكان له عوضًا من كلِّ شيءٍ. به يزول الوَقْر عن الأسماع، والبَكَمُ عن الألسن، وتنقشع الظُّلمة عن الأبصار. زيَّن الله به ألسنةَ الذّاكرين كما زيَّن بالنُّور أبصار النّاظرين، فاللِّسان الغافل كالعين العمياء والأُذن الصَّمّاء واليد الشَّلّاء. وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يُغلِقه العبد بغفلته. قال الحسن البصريُّ ﵁: تفقَّدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء: في الصّلاة والذِّكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلّا فاعلموا أنّ الباب مغلقٌ (٤).

стр. 1597

وبالذِّكر يَصرع العبدُ الشّيطانَ كما يَصرع الشّيطانُ أهلَ الغفلة والنِّسيان. قال بعض السّلف: إذا تمكَّن الذِّكرُ من القلب فإن دنا منه الشّيطان صُرِعَ كما يُصرَع الإنسان إذا دنا منه الشّيطان، فتجتمع عليه الشّياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسَّه الإنسيُّ (١). وهو روح الأعمال الصّالحة، فإذا خلا العمل عن الذِّكر كان كالجسد الذي لا روح فيه. فصل وهو في القرآن على عشرة أوجهٍ: الأوّل: الأمر به مطلقًا ومقيّدًا. الثّاني: النّهي عن ضدِّه من الغفلة والنِّسيان. الثّالث: تعليق الفلاح باستدامته وكثرته. الرّابع: الثّناء على أهله والإخبار بما أعدّ لهم من الجنّة والمغفرة. الخامس: الإخبار عن خُسران من لَها عنه بغيره. السّادس: أنّه جعل ذكره سبحانه لهم جزاءً لذكرهم له. السّابع: الإخبار أنّه أكبر من كلِّ شيءٍ. الثّامن: أنّه جعله خاتمة الأعمال الصّالحة كما كان مفتاحها. التّاسع: الإخبار عن أهله بأنّهم هم أهل الانتفاع بآياته، وأنّهم أولو الألباب دون غيرهم.

стр. 1598

العاشر: أنّه جعله قرينَ جميع الأعمال الصّالحة وروحها، فمتى عَدِمَتْه كانت كالجسد بلا روحٍ. فصل في تفصيل ذلك أمّا الأوّل، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وفيه قولان (١)، أحدهما: في سِرِّك وقلبك، والثّاني: بلسانك بحيث تُسمِع نفسك. وأمّا النّهي عن ضدِّه، فكقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]. وأمّا تعليق الفلاح بالإكثار منه، فكقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]. وأمّا الثّناء على أهله وحسن جزائهم، فكقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].

стр. 1599

وأمّا خسران من لَها عنه، فكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. وأمّا جعلُ ذكرِه لهم جزاءً لذكرهم، فكقوله: ﴿(١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا﴾ [البقرة: ١٥٢]. وأمّا الإخبار بأنّه أكبر من كلِّ شيءٍ، فكقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وفيها أربعة أقوالٍ (١): أحدها: أنّ ذكر الله أكبر من كلِّ شيءٍ، فهو أفضل الطّاعات; لأنّ المقصود بالطّاعات كلِّها إقامة ذكره، فهو سرُّ الطّاعات وروحها. الثّاني: أنّ المعنى: أنّكم إذا ذكرتموه ذكَرَكم، فكان ذِكرُه لكم أكبرَ من ذكرِكم له. فعلى هذا: المصدر مضافٌ إلى الفاعل، وعلى الأوّل: مضافٌ إلى المذكور. الثّالث: أنّ المعنى: ولذكر الله أكبر من أن تبقى معه فاحشةٌ ومنكرٌ، بل إذا تمَّ الذِّكر مَحَقَ كلَّ معصيةٍ وكلَّ خطيئةٍ. هذا ما ذكره المفسِّرون. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: معنى الآية: أنّ في الصّلاة فائدتين عظيمتين، إحداهما: نهيها عن الفحشاء والمنكر، والثّانية: اشتمالُها على ذكر الله وتضمُّنها له، ولَمَا تضمَّنتْه (٢) مِن ذكر الله أعظمُ من نهيها عن

стр. 1600

الفحشاء والمنكر (١). وأمّا ختم الأعمال الصّالحة به، فكما ختم به عمل الصِّيام بقوله: ﴿الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا﴾ [البقرة: ١٨٥]. وختم به الحجّ بقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وختم به الصّلاة كقوله: ﴿قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا﴾ [النساء: ١٠٣]. وختم به الجمعة كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]. ولهذا إذا كان كان خاتمةَ الحياة الدُّنيا وآخرَ كلام العبد أدخلَه الجنّة. وأمّا اختصاص الذّاكرين بالانتفاع بآياته وهم أولو الألباب والعقول، فكقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وأمّا مصاحبته لجميع الأعمال واقترانُه بها وأنّه روحها، فإنّه سبحانه قرنَه بالصّلاة كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقرنَه بالصِّيام وبالحجِّ ومناسكه، بل هو روح الحجِّ ولبُّه ومقصوده، كما قال ﷺ : «إنّما جُعِل

стр. 1601

الطّوافُ بالبيت والسّعيُ بين الصّفا والمروة ورمْيُ الجمار لإقامة ذكرِ الله» (١). وقرنَه بالجهاد، وأمرَ بذكره عند ملاقاة الأقران ومكافحة الأعداء فقال تعالى: ﴿(٤٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٥]. وفي أثرٍ إلهيٍّ يقول الله تعالى: «إنَّ عبدي كلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقي (٢) قِرْنه» (٣). سمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يستشهد به، وسمعته يقول: المحبُّون يفتخرون بذكر من يحبُّونه في هذه الحال، كما قال عنترة (٤):

стр. 1602

ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ كأنّها ... أشطانُ بئرٍ في لَبانِ الأَدْهم وقال الآخر (١): ذكرتُكِ والخَطِّيُّ يَخْطِر بيننا ... وقد نَهِلَتْ منّا المثقَّفةُ السُّمْرُ وقال الآخر (٢): ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ شَواجِرٌ ... نَحْوي وبِيضُ الهندِ تَقْطُر من دَمي وهذا كثيرٌ في أشعارهم، وهو ممّا يدلُّ على قوّة المحبّة، فإنّ ذكر المحبِّ محبوبه في تلك الحال التي لا يهمُّ المرء فيها غيرَ نفسه يدلُّ على أنّه عنده بمنزلة نفسه أو أعزُّ منها، وهذا دليلُ صدقِ المحبّة. فصل والذّاكرون هم أهل السَّبْق، كما روى مسلمٌ في «صحيحه» (٣) من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله يسير في طريق مكّة، فمرّ على جبلٍ يقال له جُمْدان، فقال: «سِيروا، هذا جُمدانُ، سَبقَ المفرِّدون». قالوا: وما المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: «الذّاكرون الله كثيرًا والذّاكرات». والمفرِّدون: إمّا الموحِّدون وإمّا الآحاد الفُرادى (٤).

стр. 1603

وفي «المسند» (١) مرفوعًا من حديث أبي الدّرداء ﵁: «ألا أنبِّئكم بخيرِ أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إعطاء الذّهب والفضّة وأن تَلْقَوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ذِكر الله». وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت الأغرّ قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيدٍ ﵄ أنّهما شهدا على رسول الله ﷺ قال: «لا يقعدُ قومٌ يذكرون الله إلّا حَفَّتْهم الملائكة، وغشِيتْهم الرّحمة، ونزلت عليهم السّكينة، وذكرهم الله فيمن عنده». وهو في «صحيح مسلم» (٢). ويكفي في شرف الذِّكر أنّ الله يباهي ملائكته بأهله، كما في «صحيح مسلم» (٣) عن معاوية: أنّ رسول الله ﷺ خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال: «ما أجلسَكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومَنَّ به علينا. قال: «آللهِ ما أجلسَكم إلّا ذلك؟» قالوا: آللهِ ما أجلسَنا إلّا ذلك. قال: «أما إنِّي لم أستحلْفكم تهمةً لكم، ولكن أتاني جبريل ﵇ فأخبرني: أنّ الله يُباهِي بكم الملائكةَ». وسأل أعرابيٌّ رسول الله ﷺ : أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال: «أن تفارقَ

стр. 1604

الدُّنيا ولسانك رَطْبٌ من ذكر الله» (١). وقال له رجلٌ: إنّ شرائع الإسلام قد كثرتْ عليَّ، فمُرْني بأمرٍ (٢) أتشبَّثُ به. فقال: «لا يزال لسانُك رَطْبًا من ذكر الله» (٣). وفي «المسند» (٤) وغيره من حديث جابرٍ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيُّها النّاس، ارتَعوا في رياض الجنّة». فقلنا: يا رسول الله، وما رياض الجنّة؟ قال: «مجالس الذِّكر». قال: «اغْدُوا ورُوحوا واذكروا، من كان يُحبُّ أن يعلم منزلته (٥) عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده; فإنّ الله يُنزِل العبدَ منه حيث أَنزلَه من نفسه».

стр. 1605

وروى النّبيُّ ﷺ عن أبيه إبراهيم ﷺ أنّه قال: «أَقرِئْ أمّتَك منِّي السّلام، وأخبِرْهم أنّ الجنّة طيِّبة التُّربة عذبةُ الماء، وأنّها قِيعانٌ، وأنّ غِراسَها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر». رواه التِّرمذيُّ وأحمد وغيرهما (١). وفي «الصّحيحين» (٢) من حديث أبي موسى ﵁ عن النّبيِّ ﷺ : «مَثَلُ الذي يذكر ربّه والّذي لا يذكره مَثل الحيِّ والميِّت». ولفظ مسلمٍ: «مَثَلُ البيت الذي يُذكَر الله فيه والبيت الذي لا يُذكَر الله فيه: مَثلُ الحيِّ والميِّت». فجعل بيت الذّاكر بمنزلة بيت الحيِّ، وبيت الغافل بمنزلة بيت الميِّت وهو القبر. وفي اللّفظ الأوّل جعل الذّاكر بمنزلة الحيِّ، والغافل بمنزلة الميِّت. فتضمَّنَ اللّفظان أنّ القلب الذّاكر كالحيِّ في بيوت الأحياء، والغافل كالميِّت في بيوت الأموات. ولا ريبَ أنّ أبدان الغافلين قبورٌ لقلوبهم، وقلوبهم فيها كالأموات في القبور، كما قيل (٣): فنسيانُ ذكرِ الله موتُ قلوبهم ... وأجسامُهم قبلَ القبورِ قبورُ

стр. 1606

وأرواحُهم في وحشةٍ من جُسومهم ... وليس لهم حتّى النُّشورِ نشورُ وكما قيل (١): فنسيانُ ذكرِ الله موتُ قلوبهم ... وأجسامهم فهي القبور الدَّوارِسُ وأرواحهم في وحشةٍ من حبيبهم ... ولكنّها عند الخبيث أوانسُ وفي أثرٍ إلهيٍّ: «إذا كان الغالبُ على عبدي ذكري أحبَّني وأحببتُه» (٢). وفي آخر: «فبي فافرحُوا، وبذكري فتنعَّموا» (٣). وفي آخر: «ابنَ آدم، ما أنصفتَني! أذكرُك وتنساني، وأدعوك وتهرُبُ إلى غيري، وأُذهِب عنك البلايا وأنت معتكفٌ على الخطايا. يا ابن آدم، ما تقول غدًا إذا جئتَني؟» (٤). وفي آخر: «ابنَ آدم، اذكرْني حين تغضبُ أذكُرْك حين أغضَبُ، وارضَ بنصرتي لك، فإنّ نصرتي لك خيرٌ من نصرتك لنفسك» (٥).

стр. 1607

وفي «الصّحيح» (١) في الأثر الذي يرويه رسول الله ﷺ عن ربِّه ﵎: «مَن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم». وقد ذكرنا في الذِّكر نحو مائة فائدةٍ في كتاب «الوابل الصّيِّب ورافع الكلم الطّيِّب» (٢). وذكرنا هناك أسرار الذِّكر وعِظَمَ نفعه وطِيب ثمرته، وذكرنا فيه أنّ الذِّكر ثلاثة أنواعٍ (٣): ذكر الأسماء والصِّفات ومعانيها، والثّناء على الله بها، وتوحيد الله بها. وذكر الأمر والنّهي والحلال والحرام. وذكر الآلاء والنّعماء والإحسان والأيادي. وأنّه ثلاثة أنواعٍ أيضًا (٤): ذكرٌ يتواطأ عليه القلب واللِّسان، وهو أعلاها. وذكرٌ بالقلب وحده، وهو في الدّرجة الثّانية. وذكرٌ باللِّسان المجرّد، وهو في الدّرجة الثّالثة. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٥): (قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] يعني: إذا نسيتَ غيرَه ونسيتَ نفسَك في ذكرك، ثمّ

стр. 1608

نسيتَ ذكرك في ذكرك، ثمّ نسيتَ في ذكرِ الحقِّ إيّاك كلَّ ذكرٍ). ليته ــ قدّس الله روحه ــ لم يقل «يعني»، فلا والله ما عنى الله هذا المعنى، ولا هو مراد الآية ولا تفسيرها عند أحدٍ من السّلف ولا الخلف. وتفسير الآية عند جماعة المفسِّرين (١): أنّك لا تقل لشيءٍ: أفعلُ كذا وكذا، حتّى تقول: إن شاء الله. فإذا نسيتَ أن تقولها فقلْها متى ذكرتها. وهذا هو الاستثناء المتراخي الذي جوَّزه ابن عبّاسٍ وتأوّل عليه الآية (٢)، وهو الصّواب. فغلِطَ عليه من لم يفهم كلامه ونقل عنه أنّ الرّجل إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثًا، أو قال: نسائي الأربع طوالق، ثمّ بعد سنةٍ يقول: إلّا واحدةً، أو: إلّا زينب= أنّ هذا الاستثناء ينفعه (٣). وقد صان الله عن هذا من هو دون غلمان ابن عبّاسٍ بكثيرٍ، فضلًا عن البحر حبر الأمّة وعالمها الذي فقَّهه الله في الدِّين وعلّمه التّأويل. وما أكثرَ ما ينقل النّاس المذاهبَ الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة! ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال جدًّا، وإن ساعد الله أفردنا له كتابًا.

стр. 1609

والّذي أجمع عليه المفسِّرون: أنّ أهل مكّة سألوا عن الرُّوح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين، فقال: أُخبِركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله. فلبِثَ الوحي أيّامًا، ثمّ نزلت هذه الآية (١). قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ والحسن وغيرهم: معناه: إذا نسيتَ الاستثناء ثمّ ذكرتَ فاستثنِ (٢). قال ابن عبّاسٍ ﵄: ويجوز الاستثناء إلى سنةٍ (٣). وقال عكرمة ﵀: واذكر ربّك إذا غضِبتَ (٤). وقال الضّحّاك والسُّدِّيُّ: هذا في الصّلاة (٥)؛ أي إذا نسيت الصّلاة فصلِّها متى ذكرتها. وأمّا كلام صاحب «المنازل» ﵀ فيُحمَل على الإشارة لا على التّفسير. فذكر ﵀ أربع مراتب: إحداها: أن ينسى غيرَ الله ولا ينسى نفسَه، لأنّه ناسٍ لغيره، ولا يكون ناسيًا إلّا ونفسُه باقيةٌ يعلم أنّه ناسٍ بها لما سوى المذكور. الثّانية: نسيان نفسه في ذكره، وهي التي عبَّر عنها بقوله: (ونسيتَ نفسك

стр. 1610

في ذكرك) (١). وفي هذه المرتبة ذِكره معه لم ينسَه. فقال في المرتبة الثّالثة: (ثمّ نسيتَ ذِكرك في ذكره). وهي مرتبة الفناء. ثمّ قال في المرتبة الرّابعة: (ثمّ نسيتَ في ذكر الحقِّ إيّاك كلَّ ذكرٍ). وهذا الفناء بذكر الحقِّ عبدَه عن ذكر العبد ربَّه. فأمّا المرتبة الأولى: فهي أوّل درجات الذِّكر، وهي أن تنسى غير المذكور ولا تنسى نفسَك في الذِّكر. وفي هذه المرتبة لم يذكره بتمام الذِّكر، إذ لتمامه مرتبتان فوقه: إحداهما: نسيان نفسه، وهي المرتبة الثّانية، فيغيب بذكره عن نفسه، فيعدَم إدراكَها بوجدان المذكور. الثّانية: نسيان ذِكره في ذِكره (٢)، كما سئل ذو النُّون ﵀ عن الذِّكر فقال: غيبة الذّاكر عن الذِّكر، ثمّ أنشد: لا لأنِّي أنساكَ أُكثِر ذِكرا ... كَ ولكنْ بذاك يَجرِي لساني (٣) وهذه هي المرتبة الثّالثة. ففي الأولى فني عمّا سوى المذكور، ولم يَفْنَ عن نفسه. وفي الثّانية فني عن نفسِه دون ذكره. وفي الثّالثة فني عن نفسه وذكْرِه.

стр. 1611

وبقي بعد هذا مرتبةٌ رابعةٌ، وهو (١): أن يفنى بذكر الحقِّ سبحانه له عن كلِّ ذكرٍ، فإنّه ما ذكرَ الله إلّا بعد ذكْرِ الله له، فذِكرُ الله للعبد سابقٌ على ذِكر العبد للرّبِّ. ففي هذه المرتبة الرّابعة يشهد صفاتِ المذكور سبحانه وذِكرَه لعبده، فيفنى بذلك عن شهود ما من العبد. وهذا الذي يُسمُّونه وجدانَ المذكور في الذِّكر والذّاكر، فإنّ الذّاكر وذِكْره والمذكور ثلاثة أشياء: فالذّاكر وذِكْره قد اضمحلّا وفَنِيا، ولم يبقَ غيرُ المذكور وحده، ولا شيء معه سواه، فهو الذّاكر لنفسه بنفسه من غير حلولٍ ولا اتِّحادٍ، بل الذِّكر منه بدأ وإليه يعود. وذِكر العبد لربِّه محفوفٌ بذكرين من ربِّه له: ذكرٍ قبلَه به صار العبد ذاكرًا له، وذكرٍ بعدَه [به] (٢) صار العبد مذكورًا، كما قال تعالى: ﴿(١٥١) فَاذْكُرُونِي﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال فيما يروي عنه نبيُّه ﷺ : «من ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منه (٣)» (٤). والذِّكر الذي ذكره الله به بعد ذِكْره له: نوعٌ غير الذِّكر الذي ذكره به (٥) قبل ذِكْرِه له، ومن كَثُف فهمُه عن هذا فليجاوزْه إلى غيره، فقد قيل (٦):

стр. 1612

إذا لم تستطعْ شيئًا فدَعْه ... وجاوِزْه إلى ما تستطيعُ وسألت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يومًا فقلت له: إذا كان الرّبُّ يرضى بطاعة العبد ويفرح بتوبته ويغضب من مخالفته، فهل يجوز أن يُؤثِّر المحدَث في القديم حبًّا وبغضًا وفرحًا وغير ذلك؟ فقال لي: الرّبُّ سبحانه هو الذي خلق أسبابَ الرِّضا والغضب والفرح، وإنّما كانت بمشيئته وخلقه، فلم يكن ذلك التّأثُّر من غيره، بل من نفسه بنفسه، والممتنع أن يُؤثِّر غيرُه فيه فهذا محالٌ، وأمّا أن يخلُق هو أسبابًا ويشاءها ويقدِّرها تقتضي رضاه ومحبّته وفرحه وغضبه= فهذا ليس بمحالٍ، فإنّ ذلك منه بدأ وإليه يعود. فصل قال (١): (والذِّكر: هو التّخلُّص من الغفلة والنِّسيان). والفرق بين الغفلة والنِّسيان: أنّ الغفلة تركٌ باختيار الغافل، والنِّسيان تركٌ بغير اختياره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، ولم يقل: «ولا تكن من النّاسين»، فإنّ النِّسيان لا يدخل تحت التّكليف فلا يُنهى عنه. قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة (٣) الأولى: الذِّكر الظّاهر من ثناءٍ أو دعاءٍ أو رعايةٍ).

стр. 1613

يريد بالظّاهر: الجاري على اللِّسان المطابق للقلب، لا مجرّد الذِّكر اللِّسانيِّ، فإنّ القوم لا يعتدُّون به. فأمّا ذكر «الثّناء»، فنحو: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، ونظائر ذلك. وأمّا ذكر «الدُّعاء» , فنحو: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ويا حيُّ يا قيُّومُ برحمتك أستغيثُ، ونحو ذلك. وأمّا ذكر «الرِّعاية»، فمثل قول الذّاكر: الله معي، الله ناظرٌ إليّ، الله شاهدي، ونحو ذلك ممّا يُستعمل لتقوية الحضور مع الله. وفيه رعايةٌ لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع الله، والتّحرُّز من الغفلة، والاعتصام من الشّيطان والنّفس. والأذكار النّبويّة تجمع الأنواع الثّلاثة، فإنّها متضمِّنةٌ للثّناء على الله، والتّعرُّض للدُّعاء والسُّؤال أو التّصريح به، كما في الحديث: «أفضلُ الدُّعاء الحمد لله» (١). قيل لسفيان بن عيينة: كيف جعلها دعاءً؟ قال: أما سمعت قول أميّة بن أبي الصَّلْت لعبد الله بن جُدعان يرجو نائلَه: أأذكرُ حاجتي أم قد كَفاني ... حياؤُك إنّ شِيمتَك الحياءُ (٢)

стр. 1614

إذا أثنى عليك المرءُ يومًا ... كفاه من تعرُّضِه الثّناءُ (١) فهذا مخلوقٌ اكتفى من مخلوقٍ بالثّناء عليه من سؤاله، فكيف بربِّ العالمين؟ (٢). ومتضمِّنةٌ أيضًا لكمال الرِّعاية، ومصلحة القلب، والتّحرُّز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشّيطان. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّانية: الذِّكر الخفيُّ . وهو الخلاص من القيود (٤)، والبقاء مع الشُّهود، ولزوم المسامرة). يريد بالخفيِّ هاهنا: الذِّكر بمجرّد القلب بما يعرض له من الواردات، وهذا ثمرة الذِّكر الأوّل. ويريد بالخلاص من القيود: التّخلُّص من الغفلة والنِّسيان والحُجُب الحائلة بين القلب وبين الرّبِّ . والبقاء مع الشُّهود: ملازمة الحضور مع المذكور، ومشاهدة القلب له حتّى كأنّه يراه.

стр. 1615

ولزوم المسامرة: لزوم مناجاة القلب لربِّه: تملُّقًا تارةً، وتضرُّعًا تارةً، وثناءً تارةً، واستعطافًا تارةً، وغير ذلك من أنواع المناجاة بالسِّرِّ والقلب. وهذه شأن كلِّ محبٍّ وحبيبه، كما قيل (١): إذا ما خَلَونا والرّقيبُ بمجلسٍ ... فنحن سُكوتٌ والهوى يتكلَّمُ فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: الذِّكر الحقيقيُّ . وهو شهود ذكر الحقِّ إيّاك، والتّخلُّص من شهود ذكرك، ومعرفة افتراء الذّاكر في بقائه مع الذِّكر). إنّما سمِّي هذا الذِّكر في هذه الدّرجة حقيقيًّا لأنّه منسوبٌ إلى الرّبِّ تعالى، وأمّا نسبة الذِّكر للعبد (٣) فليست حقيقيّةً. فذكرُ الله لعبده هو الذِّكر الحقيقيُّ، وهو شهود ذكرِ الحقِّ عبدَه، وأنّه ذكَره فيمن اختصَّه وأهّله للقرب منه ولذكرِه، فجعله ذاكرًا له، ففي الحقيقة هو الذّاكر لنفسه بأن جعل عبده ذاكرًا له وأهّله لذكره. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه في باب التّوحيد بقوله (٤): توحيدُه إيّاه توحيدُه ... ونَعْتُ من يَنعتُه لاحِدُ
следующие страницы →