← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وبقي بعد هذا مرتبةٌ رابعةٌ، وهو (١): أن يفنى بذكر الحقِّ سبحانه له عن كلِّ ذكرٍ، فإنّه ما ذكرَ الله إلّا بعد ذكْرِ الله له، فذِكرُ الله للعبد سابقٌ على ذِكر العبد للرّبِّ. ففي هذه المرتبة الرّابعة يشهد صفاتِ المذكور سبحانه وذِكرَه لعبده، فيفنى بذلك عن شهود ما من العبد. وهذا الذي يُسمُّونه وجدانَ المذكور في الذِّكر والذّاكر، فإنّ الذّاكر وذِكْره والمذكور ثلاثة أشياء: فالذّاكر وذِكْره قد اضمحلّا وفَنِيا، ولم يبقَ غيرُ المذكور وحده، ولا شيء معه سواه، فهو الذّاكر لنفسه بنفسه من غير حلولٍ ولا اتِّحادٍ، بل الذِّكر منه بدأ وإليه يعود. وذِكر العبد لربِّه محفوفٌ بذكرين من ربِّه له: ذكرٍ قبلَه به صار العبد ذاكرًا له، وذكرٍ بعدَه [به] (٢) صار العبد مذكورًا، كما قال تعالى: ﴿(١٥١) فَاذْكُرُونِي﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال فيما يروي عنه نبيُّه ﷺ : «من ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منه (٣)» (٤). والذِّكر الذي ذكره الله به بعد ذِكْره له: نوعٌ غير الذِّكر الذي ذكره به (٥) قبل ذِكْرِه له، ومن كَثُف فهمُه عن هذا فليجاوزْه إلى غيره، فقد قيل (٦):

стр. 1612

إذا لم تستطعْ شيئًا فدَعْه ... وجاوِزْه إلى ما تستطيعُ وسألت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يومًا فقلت له: إذا كان الرّبُّ يرضى بطاعة العبد ويفرح بتوبته ويغضب من مخالفته، فهل يجوز أن يُؤثِّر المحدَث في القديم حبًّا وبغضًا وفرحًا وغير ذلك؟ فقال لي: الرّبُّ سبحانه هو الذي خلق أسبابَ الرِّضا والغضب والفرح، وإنّما كانت بمشيئته وخلقه، فلم يكن ذلك التّأثُّر من غيره، بل من نفسه بنفسه، والممتنع أن يُؤثِّر غيرُه فيه فهذا محالٌ، وأمّا أن يخلُق هو أسبابًا ويشاءها ويقدِّرها تقتضي رضاه ومحبّته وفرحه وغضبه= فهذا ليس بمحالٍ، فإنّ ذلك منه بدأ وإليه يعود. فصل قال (١): (والذِّكر: هو التّخلُّص من الغفلة والنِّسيان). والفرق بين الغفلة والنِّسيان: أنّ الغفلة تركٌ باختيار الغافل، والنِّسيان تركٌ بغير اختياره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، ولم يقل: «ولا تكن من النّاسين»، فإنّ النِّسيان لا يدخل تحت التّكليف فلا يُنهى عنه. قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة (٣) الأولى: الذِّكر الظّاهر من ثناءٍ أو دعاءٍ أو رعايةٍ).

стр. 1613

يريد بالظّاهر: الجاري على اللِّسان المطابق للقلب، لا مجرّد الذِّكر اللِّسانيِّ، فإنّ القوم لا يعتدُّون به. فأمّا ذكر «الثّناء»، فنحو: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، ونظائر ذلك. وأمّا ذكر «الدُّعاء» , فنحو: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ويا حيُّ يا قيُّومُ برحمتك أستغيثُ، ونحو ذلك. وأمّا ذكر «الرِّعاية»، فمثل قول الذّاكر: الله معي، الله ناظرٌ إليّ، الله شاهدي، ونحو ذلك ممّا يُستعمل لتقوية الحضور مع الله. وفيه رعايةٌ لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع الله، والتّحرُّز من الغفلة، والاعتصام من الشّيطان والنّفس. والأذكار النّبويّة تجمع الأنواع الثّلاثة، فإنّها متضمِّنةٌ للثّناء على الله، والتّعرُّض للدُّعاء والسُّؤال أو التّصريح به، كما في الحديث: «أفضلُ الدُّعاء الحمد لله» (١). قيل لسفيان بن عيينة: كيف جعلها دعاءً؟ قال: أما سمعت قول أميّة بن أبي الصَّلْت لعبد الله بن جُدعان يرجو نائلَه: أأذكرُ حاجتي أم قد كَفاني ... حياؤُك إنّ شِيمتَك الحياءُ (٢)

стр. 1614

إذا أثنى عليك المرءُ يومًا ... كفاه من تعرُّضِه الثّناءُ (١) فهذا مخلوقٌ اكتفى من مخلوقٍ بالثّناء عليه من سؤاله، فكيف بربِّ العالمين؟ (٢). ومتضمِّنةٌ أيضًا لكمال الرِّعاية، ومصلحة القلب، والتّحرُّز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشّيطان. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّانية: الذِّكر الخفيُّ . وهو الخلاص من القيود (٤)، والبقاء مع الشُّهود، ولزوم المسامرة). يريد بالخفيِّ هاهنا: الذِّكر بمجرّد القلب بما يعرض له من الواردات، وهذا ثمرة الذِّكر الأوّل. ويريد بالخلاص من القيود: التّخلُّص من الغفلة والنِّسيان والحُجُب الحائلة بين القلب وبين الرّبِّ . والبقاء مع الشُّهود: ملازمة الحضور مع المذكور، ومشاهدة القلب له حتّى كأنّه يراه.

стр. 1615

ولزوم المسامرة: لزوم مناجاة القلب لربِّه: تملُّقًا تارةً، وتضرُّعًا تارةً، وثناءً تارةً، واستعطافًا تارةً، وغير ذلك من أنواع المناجاة بالسِّرِّ والقلب. وهذه شأن كلِّ محبٍّ وحبيبه، كما قيل (١): إذا ما خَلَونا والرّقيبُ بمجلسٍ ... فنحن سُكوتٌ والهوى يتكلَّمُ فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: الذِّكر الحقيقيُّ . وهو شهود ذكر الحقِّ إيّاك، والتّخلُّص من شهود ذكرك، ومعرفة افتراء الذّاكر في بقائه مع الذِّكر). إنّما سمِّي هذا الذِّكر في هذه الدّرجة حقيقيًّا لأنّه منسوبٌ إلى الرّبِّ تعالى، وأمّا نسبة الذِّكر للعبد (٣) فليست حقيقيّةً. فذكرُ الله لعبده هو الذِّكر الحقيقيُّ، وهو شهود ذكرِ الحقِّ عبدَه، وأنّه ذكَره فيمن اختصَّه وأهّله للقرب منه ولذكرِه، فجعله ذاكرًا له، ففي الحقيقة هو الذّاكر لنفسه بأن جعل عبده ذاكرًا له وأهّله لذكره. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه في باب التّوحيد بقوله (٤): توحيدُه إيّاه توحيدُه ... ونَعْتُ من يَنعتُه لاحِدُ

стр. 1616

أي هو الذي وحَّد نفسَه في الحقيقة، فتوحيدُ العبدِ منسوبٌ إليه حقيقةً، ونسبته إلى العبد غير حقيقيّةٍ (١)، إذ ذلك لم يكن به ولا منه، وإنّما هو مجعولٌ فيه. فإن سُمِّي موحِّدًا ذاكرًا فلكونه مجرًى ومحلًّا لما أُجرِي فيه، كما يُسمّى أبيض وأسود وطويلًا وقصيرًا لكونه محلًّا لهذه الصِّفات، لا صُنْعَ له فيها، ولم تُوجِبها مشيئتُه ولا حولُه ولا قوّتُه. هذا مع ما يتّصل بذلك من استيلاء القرب، والفناء عن الرّسم، والغيبة بالمشهود عن الشُّهود، وقوّة الوارد، فيتركّب من ذلك ذوقٌ خاصٌّ: أنّه ما وحَّد اللهَ إلّا اللهُ، وما ذكر اللهَ إلّا اللهُ، وما أحبَّ اللهَ إلّا اللهُ. فهذا حقيقة ما عند القوم، فالعارفون منهم أرباب البصائر أَعطَوا مع ذلك العبوديّةَ حقَّها والعلمَ حقَّه، وعرفوا (٢) أنّ العبد عبدٌ حقيقةً من كلِّ وجهٍ، والرّبّ ربٌّ حقيقةً من كلِّ وجهٍ، وقاموا (٣) بحقِّ العبوديّة بالله لا بأنفسهم، ولله لا لحظوظهم، وفَنُوا بمشاهدة معاني أسمائه وصفاته عمّا سواه، وبما له محبّةً ورضًا عمّا به كونًا ومشيئةً، فإنّ الكون كلّه به (٤)، والّذي له هو محبوبه ومرضيُّه، فهو له وبه، والمنحرفون فَنُوا بما به عمّا له، فوالَوا أعداءه، وعطَّلُوا دينَه، وسَوَّوا بين مَحابِّه ومساخطِه، ومواقعِ رضاه وغضبِه. والله المستعان. قوله: (والتّخلُّص من شهود ذكرك).

стр. 1617

يعني: يفنَى بشهود (١) ذكره لك (٢) عن شهود ذكرك له، وهذا الشُّهود يُرِيح العبدَ من رؤية النّفس وملاحظة العمل، ويميته ويحييه: يُمِيته عن نفسه ويُحييه بربِّه، ويُفنِيه ويُبقيه، ويقتطعه (٣) من نفسه ويُوصِله بربِّه، وهذا هو عين الظّفر بالنّفس. قال بعض العارفين: انتهى سفرُ الطّالبين إلى الظَّفَر بنفوسهم (٤). قوله: «ومعرفة افتراء الذّاكر في بقائه مع الذِّكر». يعني: أنّ الباقي مع الذِّكر يشهد على نفسه أنّه ذاكرٌ، وذلك افتراءٌ منه; فإنّه لا فعلَ له. ولا يزول عنه هذا الافتراء إلّا إذا فَنِي عن ذكره، فإنّ شهود ذكره وبقاءه معه افتراءٌ يتضمّن نسبةَ الذِّكر إليه، وهي في الحقيقة ليست له. فيقال: سبحان الله! أيُّ افتراءٍ في هذا؟ وهل هذا إلّا شهود الحقائق على ما هي عليه؟ فإنّه إذا شهد نفسَه ذاكرًا بجعلِ الله له ذاكرًا وتأهيلِه له وتقدُّمِ ذكرِه للعبد على ذكر العبد، فاجتمع في شهوده الأمران، فأيُّ افتراءٍ هاهنا؟! وهل هذا إلّا عين الحقِّ وشهود الحقائق على ما هي عليه؟ نعَمْ، الافتراء أن يشهد ذلك به وبحوله وقوّته، لا بالله وحده. لكنّ الشّيخ ﵀ لا تأخذه في الفناء لومةُ لائمٍ، ولا يُصغِي فيه إلى عاذلٍ. والّذي لا ريبَ فيه: أنّ البقاء في الذِّكر أكمل من الفناء فيه والغيبة به؛ لِما

стр. 1618

في البقاء من التّفصيل (١) والمعارف، وشهودِ الحقائق على ما هي عليه، والتّمييزِ بين الرّبِّ والعبد، وما قام بالعبد وما قام بالرّبِّ ، وشهود العبوديّة والمعبود. وليس في الفناء شيءٌ من ذلك، والفناء كاسمه الفناء، والبقاء بقاءٌ كاسمه. والفناء مطلوبٌ لغيره، والبقاء مطلوبٌ لنفسه. والفناء وصف العبد، والبقاء وصف الرّبِّ. والفناء عدمٌ، والبقاء وجودٌ. والفناء نفيٌ، والبقاء إثباتٌ. والسُّلوك على درب الفناء مُخطِرٌ، وكم به من مَفازةٍ ومَهلكةٍ. والسُّلوك على دَرْب البقاء آمنٌ; فإنّه دَرْبٌ عليه الأعلامُ والهُداةُ والأدلة والخَفَر، ولكنّ أصحاب الفناء يزعمون أنّه طويلٌ، ولا يشكُّون في سلامته وإيصاله إلى المطلوب، ويزعمون أنّ درب الفناء أقرب، وراكبه طائرٌ، وراكبُ درْبِ البقاء سائرٌ. والكُمَّل من السّائرين يرون الفناء منزلةً من منازل الطّريق، وليس نزولها عامًّا لكلِّ سائرٍ، بل منهم من لا يراها ولا يمرُّ بها، وأنَّ الدّرب الأعظم والطّريق الأقوم هو درب البقاء، ويحتجُّون على صاحب الفناء بالانتقال إليه من الفناء، وإلّا فهو عندهم على خطرٍ. والله المستعان. * * * *

стр. 1619

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفقر . هذه المنزلة من أشرف منازل الطّريق وأعلاها وأرفعها، بل هي روح كلِّ منزلةٍ وسرُّها ولبُّها وغايتها. وهذا إنّما يُعرف بمعرفة حقيقة الفقر. والّذي تريد به هذه الطّائفة أخصّ من معناه الأصليِّ، فإنّ لفظ الفقر وقع في القرآن في ثلاث مواضع. أحدها: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي الصّدقات لهؤلاء. وكانوا فقراء المهاجرين نحو أربعمائةٍ، لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، وكانوا قد حبسوا أنفسَهم على الجهاد في سبيل الله، فكانوا وقفًا على كلِّ سريّةٍ يبعثها رسول الله ﷺ ، وهم أهل الصُّفّة. هذا أحد الأقوال في إحصارهم في سبيل الله (١). وقيل: هو حبسهم أنفسهم في طاعة الله. وقيل: حبسهم الفقر والعُدْم عن الجهاد في سبيل الله. وقيل: لمّا عَادَوا أعداءَ الله وجاهدوهم في الله أُحصِروا عن الضّرب في الأرض لطلب المعاش، فلا يستطيعون ضربًا في الأرض.

стр. 1620

والصّحيح: أنه ــ لفقرهم وعجزهم وضعفهم ــ لا يستطيعون ضربًا في الأرض، ولكمال عفّتهم وصيانتهم يحسبُهم من لم يعرف حالَهم أغنياء. والموضع الثّاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]. والموضع الثّالث: قوله تعالى: ﴿النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ﴾ [فاطر: ١٥]. فالصِّنف الأوّل: خواصُّ الفقراء. والثّاني: فقراء المسلمين خاصُّهم وعامُّهم. والثّالث: الفقر العامُّ لأهل الأرض كلِّهم: غنيِّهم وفقيرِهم، مؤمنِهم وكافرِهم. فالفقراء الموصوفون في الآية الأولى: يقابلهم أصحاب الجِدَة (١)، ومن ليس مُحصَرًا في سبيل الله، ومن لا يكتم فقره تعفُّفًا. فمقابلهم أكثر من مقابل الصِّنف الثّاني. والصِّنف الثّاني: يقابلهم الأغنياء أهل الجِدَة. ويدخل فيهم المتعفِّف وغيره، والمُحصَر في سبيل الله وغيره. والصِّنف الثّالث: لا مقابلَ لهم. بل الله وحدَه الغنيُّ، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه. ومراد القوم بالفقر شيءٌ (٢) أخصُّ من هذا كلِّه. وهو تحقيق العبوديّة

стр. 1621

والافتقار إلى الله تعالى في كلِّ حالةٍ. وهذا المعنى أجلُّ من أن يسمّى فقرًا، بل هو حقيقة العبوديّة ولبُّها، وعزْلُ النّفس عن مزاحمة الرُّبوبيّة. وسئل عنه يحيى بن معاذٍ ﵁ فقال: حقيقته أن لا يستغني إلّا بالله، ورسمُه: عدمُ الأسبابِ كلِّها (١). يقول: عدم الوثوق بها والوقوف معها. وهو كما قال بعض المشايخ: شيءٌ (٢) لا يضعه الله إلّا عند من يحبُّه، ويسوقه إلى من يريد (٣). وسئل رُوَيمٌ عن الفقر؟ فقال: إرسال النّفس في أحكام الله (٤). وهذا إنّما يُحمَد في إرسالها في أحكامه الدِّينيّة والقدريّة التي لا يُؤمَر بمدافعتها والتّحرُّز منها. وسئل أبو حفصٍ: بما (٥) يَقدَم الفقيرُ على ربِّه؟ فقال: وما للفقير أن يقدَم على ربِّه بسوى (٦) فقرِه (٧).

стр. 1622

و حقيقة الفقر وكماله كما قال بعضهم (١)، وقد سُئل: متى يستحقُّ الفقير اسم الفقر؟ فقال: إذا لم يبقَ عليه بقيّةٌ منه. فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له (٢). وهذه من أحسن العبارات عن معنى الفقر الذي يشير إليه القوم. وهو أن يصير كلّه لله، لا يبقى عليه بقيّةٌ من نفسه وحظِّه وهواه. فمتى بقي عليه شيءٌ من أحكام نفسه ففقره مدخولٌ. ثمّ فسّر ذلك بقوله: إذا كان له فليس له، أي: إذا كان لنفسه فليس لله. وإذا لم يكن لنفسه فهو لله. فحقيقة الفقر إذًا أن لا تكون لنفسك، ولا يكون (٣) لها منك شيءٌ، بحيث يكون كلُّك لله. وإذا كنتَ لنفسك فثَمَّ ملكٌ واستغناءٌ منافٍ للفقر. وهذا الفقر الذي يشيرون إليه لا تُنافيه الجِدَة ولا الأملاك، فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذروته مع جِدَتِهم ومُلْكهم، كإبراهيم الخليل ﵇ كان أبا الضِّيفان، وكانت له الأموال والمواشي. وكذلك كان سليمان وداود، وكذلك كان نبيُّنا ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]. فكانوا أغنياء في فقرهم، فقراء في غناهم. فالفقر الحقيقيُّ: دوام الافتقار إلى الله تعالى في كلِّ حالٍ، وأن يشهد العبد ــ في كلِّ ذرّةٍ من ذرّاته الظّاهرة والباطنة ــ فاقةً تامّةً إلى الله تعالى من كلِّ

стр. 1623

وجهٍ. فالفقر ذاتيٌّ للعبد، وإنّما يتجدّد له شهودُه ووجوده حالًا، وإلّا فهو حقيقته. كما قال شيخ الإسلام ابن تيميّة قدَّس الله روحه (١): والفقر لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ (٢) أبدًا ... كما الغِنى أبدًا وصفٌ له ذاتي وله آثارٌ وعلاماتٌ وموجباتٌ وأسبابٌ أكثر إشارات القوم إليها. كقول بعضهم (٣): الفقير لا تَسبِقُ هِمّتُه خُطوتَه. يريد: أنّه ابنُ حالِه ووقته، فهمّته مقصورةٌ على وقته لا تتعدّاه. وقيل: أركان الفقر أربعةٌ: علمٌ يَسُوسه، وورعٌ يَحجِزُه، ويقينٌ يَحمِله، وذِكرٌ يُؤنِسه (٤). وقال الشِّبليُّ ﵀: حقيقة الفقر أن لا يستغني بشيءٍ دون الله (٥). وسئل سهل بن عبد الله ﵀: متى يستريح الفقير؟ فقال: إذا لم يرَ لنفسه غيرَ الوقت الذي هو فيه (٦). وقال أبو حفصٍ ﵁: أحسنُ ما يتوسّل به العبد إلى الله: دوامُ

стр. 1624

الافتقار إليه على جميع الأحوال، وملازمة السُّنّة في جميع الأفعال، وطلب القُوتِ من وجهٍ حلالٍ (١). وقيل: من حُكم الفقير أن لا تكون له رغبةٌ، فإن كان ولا بدَّ فلا تُجاوز رغبتُه كفايتَه (٢). وقيل: الفقير من لا يَملِك ولا يُملَك (٣). وأتمُّ من هذا: من يَملِك ولا يَملِكه ما ملك. وقيل: من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرًا، ومن أراده لئلّا يشتغل عن الله بغيره مات غنيًّا (٤). والفقر له بدايةٌ ونهايةٌ، وظاهرٌ وباطنٌ. فبدايته الذُّلُّ، ونهايته العزُّ، وظاهره العدم، وباطنه الغنى. كما قال رجلٌ لآخر (٥): فقرٌ وذلٌّ؟ فقال: لا. بل فقرٌّ وعزٌّ. فقال: فقرٌ وثرًى (٦)؟ فقال: لا بل فقرٌ وعرشٌ، وكلاهما مصيبٌ (٧).

стр. 1625

واتّفقت كلمة القوم على أنّ دوام الافتقار إلى الله مع التّخليط خيرٌ من دوام الصّفاء مع رؤية النّفس والعُجْب، مع أنّه لا صفاء معهما. وإذا عرفت معنى الفقر عرفتَ أنّه عينُ الغنى بالله، فلا معنى لسؤال مَن سأل: أيُّ الحالينِ أكمل؟ الافتقار إلى الله أم الاستغناء به؟ فهذه مسألةٌ غير صحيحةٍ، فإنّ الاستغناء به هو عين الافتقار إليه. وسئل عن ذلك محمّد بن عبد الله الفَرغانيُّ ﵀ فقال: إذا صحّ الافتقار إلى الله فقد صحّ الاستغناء بالله، وإذا صحّ الاستغناء بالله كمل الغنى به. فلا يقال: أيُّهما أتمُّ: الافتقار أم الغنى؟ لأنّهما حالتان لا تتمُّ إحداهما إلّا بالأخرى (١). وأمّا كلامهم في مسألة الفقير الصّابر والغنيِّ الشّاكر وترجيح أحدهما على صاحبه (٢)، فعند أهل التّحقيق والمعرفة: أنّ التّفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى، وإنّما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق. فالمسألة أيضًا فاسدةٌ في نفسها. فإنّ التّفضيل عند الله بالتّقوى وحقائق الإيمان، لا بفقرٍ ولا غنًى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ولم يقل: أفقركم ولا أغناكم. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: والفقر والغنى ابتلاءٌ من الله لعبده. كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦].

стр. 1626

أي: ليس كلُّ من أعطيته ووسّعت عليه: أكون (١) قد أكرمتُه، ولا كلُّ من ضيّقتُ عليه وقتَّرتُ: أكون (٢) قد أهنتُه. فالإكرام: أن يُكرم العبد بطاعته، والإيمان به، ومحبّته ومعرفته. والإهانة: أن يسلبه ذلك. قال: ولا يقع التّفاضل بالغنى والفقر، بل بالتّقوى، فإن استويا في التّقوى استويا في الدّرجة. سمعتُه يقول ذلك (٣). وتذاكروا هذه المسألة عند يحيى بن معاذٍ ﵀، فقال: لا يُوزن غدًا الفقر ولا الغنى، وإنّما يُوزن الصّبر والشُّكر (٤). وقال غيره: هذه المسألة محالٌ من وجهٍ آخر. وهو أنّ كلًّا من الغنيِّ والفقير لا بدَّ له من صبرٍ وشكرٍ، فإنّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ، ونصفٌ شكرٌ. بل قد يكون قسط الغنيِّ من الصّبر أوفر، لأنّه يصبر عن قدرةٍ، فصبره أتمُّ من صبرِ من يصبر عن عَجْزٍ. ويكون شكر الفقير أتمّ؛ لأنّ الشُّكر (٥) هو استفراغ الوسع في طاعة الله، والفقير أعظم فراغًا للشُّكر من الغنيِّ. فكلاهما لا تقوم قامةُ إيمانه إلّا على ساقَي الصّبر والشُّكر. نعم، الذي يُحِيل (٦) النّاس من هذه المسألة: فرعًا من الشُّكر، وفرعًا من

стр. 1627

الصّبر، وأخذوا في التّرجيح بينهما، فجرّدوا غنيًّا مُنفِقًا متصدِّقًا، باذلًا مالَه في وجوه القُرَب، شاكرًا لله عليه. وفقيرًا متفرِّغًا لطاعة الله ولأوراد العبادات، صابرًا على فقره. فهل هو أكملُ من ذلك الغنيِّ، أم الغنيِّ أكملُ منه؟ فالصّواب في مثل هذا: أنّ أكملَهما أطوعُهما، فإن تساوتْ طاعتهما تساوتْ درجاتُهما. والله أعلم (١). فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (الفقر اسمٌ للبراءة من الملكة). عدل الشّيخ ﵀ عن لفظ «عدم الملكة» إلى قوله: «البراءة من الملكة»، لأنّ عدم الملكة ثابتٌ في نفس الأمر لكلِّ أحدٍ سوى الله تعالى، فالله سبحانه هو المالك حقيقةً. فعدمُ الملكة أمرٌ ثابتٌ لكلِّ ما سواه لذاته. والكلام في الفقر الذي يُمدَح به صاحبه: هو فقر الاختيار، وهو أخصُّ من مطلق الفقر، وهو براءة العبد من دعوى الملك، بحيث لا يُنازِع مالكَه الحقَّ. ولمّا كانت نفس الإنسان ليست له، وإنّما هي ملكٌ لله. فما لم يخرج عنها ويُسلِّمها لمالكِها الحقِّ: لم يثبتْ له في الفقر قدمٌ. فلذلك كان أوّلُ قَدَمِ الفقر الخروجَ عن النّفس ، وتسليمها لمالكها ومولاها، فلا يخاصم لها، ولا يتوكَّل لها،

стр. 1628

ولا يُحاجُّ عنها ولا ينتصر (١) لها، بل يُفوِّض (٢) ذلك لمالكها (٣) وسيِّدها. قال بُندار بن الحسين ﵀: لا تُخاصِمْ لنفسك، فإنّها ليست لك، دَعْها لمالكها يفعَلْ بها ما يريد (٤). وقد أجمعت (٥) هذه الطّائفة أنّه لا وصولَ إلى الله إلّا من طريق الفقر، ولا دخولَ عليه إلّا من بابه. فصل قال (٦): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: فقر الزُّهّاد. وهو قبض اليد عن الدُّنيا ضبطًا أو طلبًا، وإسكاتُ اللِّسان عنها مدحًا أو ذمًّا، والسّلامة منها طلبًا أو تركًا. وهذا هو الفقر الذي تكلّموا في شرفه). الدُّنيا عند القوم: ما سوى الله من المال والجاه والصُّور والمراتب. واختلف (٧) المتكلِّمون فيها على قولين، حكاهما أبو الحسن الأشعريُّ ﵀ في «مقالاته» (٨):

стр. 1629

أحدهما: أنّها اسمٌ لمدّة بقاء هذا (١) العالم. والثّاني: أنّها اسمٌ لما بين السّماء والأرض، فما فوق السّماء ليس من الدُّنيا، وما تحت الأرض ليس منها. فعلى الأوّل: تكون الدُّنيا زمانًا. وعلى الثّاني: تكون مكانًا. ولمّا كان لها تعلُّقٌ بالجوارح والقلب واللِّسان، كان حقيقة الفقر: تعطيل (٢) هذه الثّلاثة عن تعلُّقها بها وسَلْبها منها، فلذلك قال: (قبض اليد عن الدُّنيا ضبطًا أو طلبًا). يعني يقبض يدَه عن إمساكها إذا حصلت له، فإذا قبض يدَه عن الإمساك جاد بها. وإن كانت غير حاصلةٍ له كفَّ يدَه عن طلبها، فلا يطلب معدومها، ولا يبخل بموجودها. وأمّا تعطيلها عن (٣) اللِّسان: فأن (٤) لا يمدحها ولا يذمّها، فإنّ اشتغاله بمدحها أو ذمِّها دليلُ محبّتها ورغبته فيها، فإنّ من أحبّ شيئًا أكثر من ذكرِه. وإنّما اشتغل بذمِّها حيث فاتته، كمن طلب العنقود فلم يصل إليه، فقال: هو حامضٌ. ولا يتصدّى لذمِّ الدُّنيا إلّا راغبٌ محبٌّ مفارقٌ، فالواصل (٥) مادحٌ، والمفارق ذامٌّ.

стр. 1630

وأمّا تعطيل القلب منها: فبالسّلامة من آفات طلبها وتركها. فإنّ لطلبها آفات، ولتركها آفات، والفقر سلامة القلب من آفات الطّلب والتّرك، بحيث لا تَحجُبه عن ربِّه بوجهٍ من الوجوه الظّاهرة والباطنة، لا في طلبها وأخذها، ولا في تركها والرّغبة عنها. فإن قلت: عرفتُ الآفة في أخذها وطلبها، فما وجه الآفة في تركها والرّغبة عنها؟ قلت: من وجوهٍ شتّى: أحدها: أنّه إذا تركها ــ وهو بشرٌ لا ملكٌ (١) ــ تعلّق قلبه بما يُقِيمه ويُقِيتُه (٢) ويُعِيشه وما (٣) هو محتاجٌ إليه، فيبقى في مجاهدةٍ شديدةٍ مع نفسه لتركِ معلومها وحظِّها من الدُّنيا. وهذه قلّة فقهٍ في الطّريق، بل الفقيه العارف يردُّها عنه (٤) بلقمةٍ، كما يردُّ الكلبَ إذا نبحَ عليه بكسرةٍ، ولا يقطع زمانَه بمجاهدته ومدافعته، بل أعطاها (٥) حظَّها، وطالبَها بما عليها من الحقِّ. هذه طريقة الرُّسل (٦) صلّى الله عليهم وسلّم، وهي طريقة العارفين من أرباب السُّلوك، كما قال النّبيُّ ﷺ : «إنّ لنفسِك عليك حقًّا، ولزوجِك عليك

стр. 1631

حقًّا، ولضيفك عليك حقًّا، فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه» (١). والعارف البصير يجعل عوضَ مجاهدتِه لنفسه في ترك شهوةٍ مباحةٍ: مجاهدتَه لأعداء الله من شياطين الإنس والجنِّ، وقُطّاعِ الطّريق على القلوب، كأهل البدع من بني العلم وبني (٢) الإرادة، ويستفرغ قواه في حربهم ومجاهدتهم، ويتقوّى على حربهم بإعطاء النّفس حقَّها من المباح، ولا يشتغل بها. ومن آفات التّرك: تطلُّعه إلى ما في أيدي النّاس إذا مسّته (٣) الحاجة إلى ما تركه، فاستدامتُها كان أنفعَ له من هذا التّرك. ومن آفات تركِها وعدمِ أخذها: ما يداخله من الكبر والعُجْب والزّهو. وهذا يقابل الزُّهدَ فيها وترْكَها، كما أنّ كَسْرة (٤) الأخذ وذلّته (٥) وتواضعه يقابل الأخذ، ففي الأخذ آفاتٌ، وفي التّرك آفاتٌ. فالفقر الصّحيح: السّلامة من آفات الأخذ والتّرك، وهذا لا يحصل إلّا بفقهٍ في الفقر. قوله: (فهذا هو الفقر الذي تكلّموا في شرفه). يعني تكلّم فيه أرباب السُّلوك وفضّلوه ومدحوه.

стр. 1632

(الدّرجة الثّانية: الرُّجوع إلى السَّبق بمطالعة الفَضْل. وهو يُورِث الخلاصَ من رؤية الأعمال، ويقطع شهودَ الأحوال، ويُمحِّص من أدناس مطالعة المقامات) (١). يريد بالرُّجوع إلى السّبق: الالتفات إلى ما سبقت به السّابقة من الله بمطالعة فضله ومنّته وجوده، وأنّ العبد وكلّ ما فيه من خيرٍ فهو محضُ جود الله وإحسانه. وليس للعبد من ذاته سوى العدم، وذاتُه وصفاته وإيمانه وأعماله كلُّها من فضل الله له. فإذا شهدَ هذا وأحضرَه قلبه وتحقَّق به: خلَّصه من رؤية أعماله، فإنّه لا يراها إلّا من الله وبالله، وليست منه هو (٢) ولا به. واتّفقتْ كلمة الطّائفة على أنّ رؤية الأعمال حجابٌ بين العبد وبين الله، ويُخلِّصه منها شهودُ السَّبق ومطالعةُ الفضل. وقوله: (ويقطع شهودَ الأحوال). لأنّه إذا طالع سبْقَ فضْلِ الله علم أنّ كلّ ما حصل له من حالٍ أو غيره فهو محضُ جُودِه، فلا يشهد له حالًا مع الله ولا مقامًا، كما لم يشهد له عملًا. فقد جعل عُدَّتَه للقاء ربِّه فقْرَه من أعماله وأحواله، فهو لا يَقْدَم عليه إلّا بالفقر المحض، وهو العلاقة التي بينه وبين ربِّه، والنِّسبة التي يُنسَب بها إليه، والباب الذي يدخل منه عليه. وكذلك قوله: (يُمحِّص من أدناس مطالعة المقامات). هو من جنس التّخلُّص من رؤية الأعمال، والانقطاعِ عن رؤية شهود

стр. 1633

الأحوال. ومطالعةُ المقامات دَنَسٌ عند هذه الطّائفة، فمطالعةُ الفضل يُمحِّص من هذا الدّنس. والفرق بين الحال والمقام: أنّ الحال معنًى يَرِد على القلب من غير اجتلابٍ له ولا اكتسابٍ ولا تعمُّدٍ. والمقام يُتوصَّل إليه بنوع كسبٍ وطلبٍ. فالأحوال عندهم مواهبُ، والمقامات مكاسبُ. فالمقام يحصل ببذل المجهود, وأمّا الحال فمن عين الجود. ولمّا دخل الواسطيُّ نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان ﵀: بماذا كان يأمركم شيخكم؟ فقالوا: كان يأمرنا بالتزام الطّاعات، ورؤيةِ التّقصير فيها. فقال: أمركم بالمجوسيّة المحضة. هلّا أمركم بالغَيْبة عنها برؤية مُنشئِها ومُجرِيها؟ قلت: لم يأمرهم أبو عثمان ﵀ إلّا بالحنيفيّة المحضة، وهي القيام بالأمر ومطالعة التّقصير فيه. وليس في هذا من رائحة المجوسيّة شيءٌ، فإنّه إذا بذل الطّاعة لله وبالله صانَه ذلك عن الاتِّحاد والشِّرك، وإذا شهد تقصيره فيها صانَه عن الإعجاب، فيكون قائمًا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وأمّا ما أشار إليه الواسطيُّ ﵀: فمشهد الفناء. ولا ريبَ أنّ مشهد (١) البقاء أكمل منه، فإنّ من غاب عن طاعاته لم يشهد تقصيرَه فيها، ومن تمام العبوديّة شهودُ التّقصير. فمشهد أبي عثمان ﵀ أتمُّ من مشهد الواسطيِّ. وأبو عثمان هذا هو سعيد بن إسماعيل النّيسابوريُّ من جلّة شيوخ القوم وعارفيهم. وكان يقال: في الدُّنيا ثلاثةٌ، لا رابعَ لهم: أبو عثمان بنيسابور، والجنيد

стр. 1634

ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلا بالشّام (١). وله كلامٌ رفيعٌ عالٍ في التّصوُّف والمعرفة، وكان شديدَ الوصيّة باتِّباع السُّنّة، وتحكيمها (٢) ولزومها. ولمّا حضرتْه الوفاة مزَّق ابنُه قميصًا على نفسه، ففتح أبو عثمان عينيه وهو في السِّياق، فقال: يا بُنيَّ خلافُ السُّنّة علامة في الظّاهر، رياء في الباطن (٣). فصل قال (٤): (الدّرجة الثّالثة: صحة (٥) الاضطرار، والوقوع في يد (٦) التّقطُّع الوحدانيِّ، والاحتباس في بَيداءِ قَيْد التّجريد. وهذا فقر الصُّوفيّة). الاضطرار: شهود كمال الضّرورة والفاقةِ علمًا وحالًا. ويريد بالوقوع في يد التّقطُّع الوحدانيِّ: حضرة الجمع التي ليس عندها أغيارٌ، فهي منقطعةٌ عن الأغيار، وحدانيّةٌ بنفسها. والوقوع في يدها: الاستسلام والإذعان لها، والدُّخول في رِقِّها. وقد تقدَّم أنّ حضرة الجمع عندهم هي شهود الحقيقة الكونيّة، ورؤيتها بنور الكشف، حيث يشهدها منشأ جميع الكائنات، والكائنات عدمٌ بالنِّسبة إليها.

стр. 1635

وأمّا الاحتباس في بَيْداء قيدِ التّجريد: فهو تجريد الفردانيّة أن يشهد معها غيرَها، وهو الفناء عن شهود السِّوى. وسُمِّي ذلك احتباسًا لأنّه منع نفسَه عن شهودِ الأغيار، وجعلَ للتّجريد قيدًا، وهو التّقيُّد بشهود الحقيقة. وجعل للقيد بيداء لوجهين: أحدهما: أنّ الأغيار تبيد فيه وتنعدم، ولا يكون معه سواه. والثّاني: لسعته وفضائه, فصاحبُ مشهدِه في بيداءَ واسعةٍ وإن احتبسَ في قيد شهوده. وقوله: (وهذا فقر الصُّوفيّة) ، قد يُفهم منه: أنّ التّصوُّف أعلى عنده من الفقر، فإنّ هذه الدّرجة الثّالثة ــ التي هي أعلى درجات الفقر عنده ــ هي من بعض مقامات الصُّوفيّة. وطائفةٌ تنازعه في ذلك، وتقول: التّصوُّف دون هذا المقام بكثيرٍ، والتّصوُّف وسيلةٌ إلى هذا الفقر. فإنّ التّصوُّف خلقٌ، وهذا الفقر حقيقةٌ، وغايةٌ لا غايةَ وراءها (١). وقد تقدّم ذكر الخلاف بين القوم في هذه المسألة، وحكينا فيها ثلاثة أقوالٍ: هذين، والثّالث: إنّه لا يُفضَّل أحدهما على الآخر، فإنّ كلّ واحدٍ منهما لا يتمُّ حقيقته (٢) إلّا بالآخر. وهذا قول الشّاميِّين. والله أعلم (٣). * * * *

стр. 1636

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الغنى العالي . وهو نوعان: غنًى بالله، وغنًى عن غير الله، وهما حقيقة الفقر. ولكنّ أرباب الطّريق أفردوا للغنى منزلةً. قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (باب الغنى. قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]). وفي الآية ثلاثة أقوالٍ (٢): أحدها: أنّه أغناه من المال بعد فقره. وهذا قول أكثر المفسِّرين. لأنّه قابله بقوله: «عائلًا»، والعائل هو المحتاج، ليس ذا العَيْلة، فأغناه. والثّاني: أنّه رضَّاه بما أعطاه، وأغناه به عن سواه. فهو (٣) غنى قلبٍ ونفسٍ، لا غنى مالٍ. وهو حقيقة الغنى. والثّالث وهو الصّحيح: أنّه يعمُّ نوعَي الغنى؛ فأغنى قلبَه وأغناه من المال. ثمّ قال (٤): (الغنى اسمٌ للملك التّامِّ). يعني: أن من كان مالكًا من وجهٍ دون وجهٍ فليس بغنيٍّ، وعلى هذا فلا يستحقُّ اسم الغنيّ بالحقيقة إلّا الله، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه بالذّات.

стр. 1637

قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: غنى القلب . وهو سلامته من السّبب، ومسالمته للحكم، وخَلاصه من الخصومة). حقيقة غنى القلب: تعلُّقه بالله وحده. وحقيقة فقره المذموم: تعلُّقه بغيره. فإذا تعلّق بالله حصلت له هذه الثّلاثة التي ذكرها. سلامته من السّبب أي (٢) من التّعلُّق به، لا من القيام به. والغنى عند أهل الغفلة بالسّبب، ولذلك قلوبهم متعلِّقة به. وعند العارفين بالمسبِّب. وكذلك الصِّناعة والقوّة. فهذه الثّلاثة هي جهات الغنى عند النّاس، وهي التي أشار إليها النّبيُّ ﷺ في قوله: «إنّ الصّدقة لا تَحِلُّ لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مكتسبٍ» (٣). وهو غنًى بالشّيء، فصاحبها غنيٌّ بها إذا سكنتْ نفسُه إليها، وإن كان سكونه إنما هو إلى ربِّه فهو غنيٌّ به، وكلُّ ما سكنت النّفسُ إليه فهي فقيرةٌ إليه. وأمّا مسالمة الحكم فعلى نوعين. أحدهما: مسالمة الحكم الدِّينيِّ الأمريِّ (٤). وهي معانقته وموافقته ضدّ محاربته. والثّاني: [مسالمةُ] الحكم الكونيِّ القدريِّ، الذي يجري عليه بغير اختياره، ولا قدرةَ له على دفعه، وهو غير مأمورٍ بدفعه.

стр. 1638

وفي مسالمة الحكم نكتةٌ لا بدَّ منها، وهي تجريد إضافته ونسبته إلى من صدر عنه، بحيث لا ينسبه إلى غيره. وهذا يتضمّن توحيدَ الرُّبوبيّة في مسالمة الحكم الكونيِّ، وتوحيدَ الإلهيّة في مسالمة الحكم الدِّينيِّ، وهما حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وأمّا الخلاص من الخصومة فإنّما يُحمد منه الخلاص من الخصومة بنفسه لنفسه، وأمّا إذا خاصم بالله ولله فهذا من كمال العبوديّة. وكان النّبيُّ ﷺ يقول في استفتاحه: «اللهمّ لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكّلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ» (١). قال (٢): (الدّرجة الثّانية: غنى النّفس . وهو استقامتها على المرغوب، وسلامتها من الحظوظ (٣)، وبراءتها من المراياة (٤)). جعل الشّيخ ﵀ غنى النّفس فوق غنى القلب. ومعلومٌ أنّ أمور القلب أكملُ وأقوى من أمور النّفس. لكنّ في هذا التّرتيب نكتةً لطيفةً، وهي أنّ النّفس من جند القلب ورعيّته، ومن أشدِّ جنده خلافًا عليه وشِقاقًا له، ومن قِبَلِها تتشوَّشُ (٥) عليه المملكة ويدخلُ عليه الدّاخل. فإذا حصل له كمالٌ بالغنى لم يتمَّ له إلّا بغناها أيضًا، فإنّها متى كانت فقيرةً عاد حكم فقرها

стр. 1639

عليه، وتشوَّشَ عليه غناه، وكان غناها تمامًا لغناه وكمالًا، وغناه أصلًا لغناها، فمنه يصل الغنى إليها، ومنها يصل الفقر والضّرر والعَنَتُ إليه. إذا عُرِف هذا، فالشّيخ ﵀ جعل غناها بثلاثة أشياء: استقامتها على المرغوب، وهو الحقُّ تعالى. واستقامتها عليه: استدامة طلبه، وقطْع المنازل بالسّير إليه. الثّاني: سلامتها من الحظوظ، وهي تعلُّقاتها الظّاهرة والباطنة بما سوى الله. الثّالث: براءتها من المراياة، وهي إرادة غير الله بشيءٍ من أعمالها وأقوالها. فمراياتها دليلٌ على شدّة فقرها. وتعلُّقها بالحظوظ من فقرها أيضًا. وعدم استقامتها على مطلوبها الحقّ أيضًا من فقرها، وذلك يدلُّ على أنّها غير واجدةٍ لله، إذ لو وجدتْه لاستقامتْ على السّير إليه، ولقطعتْ تعلُّقاتِها بحظوظِها، ولمَا أرادتْ بعملها غيرَه. فلا تستقيم هذه الثّلاثة إلّا لمن قد ظفِرَ بنفسه، ووجد مطلوبه. وما لم يجد ربّه تعالى فلا استقامةَ له، ولا سلامةَ من الحظوظ، ولا براءةَ من الرِّياء. فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: الغنى بالحقِّ . وهو على ثلاث مراتب، المرتبة

стр. 1640

الأولى: شهود ذكْرِه إيّاك. والثّانية: دوام (١) مطالعة أوّليّته. والثّالثة: الفوز بوجوده). أمّا شهود ذكره إيّاك، فقد تقدّم قريبًا. وأمّا مطالعة أوّليّته، فهو سبقُه للأشياء جميعًا. فهو الأوّل الذي ليس قبله شيءٌ. قال بعضهم. ما رأيتُ شيئًا إلّا وقد رأيتُ الله قبله (٢). فإن قلت: وأيُّ غنًى يحصل للقلب من مطالعة أزلية (٣) الرّبِّ، وسَبْقِه لكلِّ شيءٍ؟ ومعلومٌ أنّ هذا حاصلٌ لكلِّ أحدٍ من غنيٍّ وفقيرٍ، فما وجه الغنى الحاصل (٤) به؟ قلت: إذا شهد القلب سبْقَه للأسباب، وأنّها كانت في حيِّز العدم، وهو الذي كساها حُلّةَ الوجود، فهي معدومةٌ بالذّات، فقيرةٌ إليه بالذّات، وهو الموجود بذاته، والغنيُّ بذاته لا بغيره= فليس الغنى في الحقيقة إلّا به، كما أنّه ليس في الحقيقة إلّا له، فالغِنى بغيره عينُ الفقر، فإنّه غنًى بمعدومٍ فقيرٍ، والفقير كيف يستغني بفقيرٍ مثله؟ وأمّا الفوز بوجوده، فإشارة القوم كلِّهم إلى هذا المعنى، وهو نهاية سفرهم. وفي الأثر الإلهيِّ: «ابنَ آدم، اطلُبْني تجِدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلَّ

стр. 1641

شيءٍ، وإن فُتُّك فاتَك كلُّ شيءٍ. وأنا أحبُّ إليك من كلِّ شيءٍ» (١). ومن لم يفهم معنى وجوده لله والفوز به فلْيَحْثُ على رأسه الرّمادَ، ولْيبكِ على نفسه. * * * *

стр. 1642

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة المراد . أفردها القوم بالذِّكر. وفي الحقيقة فكلُّ مريدٍ مرادٌ، بل لم يصر مريدًا إلّا (١) بعد أن كان مرادًا، لكنّ القوم خصُّوا المريد بالمبتدئ، والمراد بالمنتهي. قال أبو عليٍّ الدّقّاق ﵀: المريد متحمِّلٌ، والمراد محمولٌ (٢). وقال: كان موسى مريدًا، إذ قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]، ونبيُّنا ﷺ مرادًا، إذ قيل له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] (٣). وسئل الجنيد ﵀ عن المريد والمراد، فقال: المريد يتولَّاه سياسةُ العلم، والمراد يتولَّاه رعايةُ الحقِّ. لأنّ المريد يسير، والمراد يطير، فمتى يلحق السّائرُ الطّائرَ؟ (٤). فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٥): (باب المراد. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]. أكثر

стр. 1643

المتكلِّمين في هذا العلم جعلوا المريد والمراد اثنين، وجعلوا مقام المراد فوق مقام المريد، وإنّما أشاروا باسم المراد إلى الضَّنائن الذين ورد فيهم الخبر). قلت: وجه استشهاده (١) بالآية: أنّ الله ألقى إلى رسوله كتابه، وخصَّه بكرامته، وأهَّلَه لرسالته ونبوّته، من غير أن يكون ذلك منه على رجاءٍ، أو نالَه بكسبٍ، أو توسَّلَ إليه بعملٍ، بل هو أمرٌ أريد به، فهو المراد على الحقيقة. وقوله: (إن أكثرهم جعلوا المريد والمراد اثنين)، فهو تعرُّضٌ إلى أنّ منهم من اكتفى عن ذكر مقام المراد بمنزلة الإرادة، لأنّ صاحبها مريدٌ مرادٌ (٢). وأمّا إشارتهم إلى الضَّنائن، فالمراد به: حديثٌ يُروى (٣) مرفوعًا إلى النّبيِّ ﷺ : «إنّ لله ضَنائنَ من خَلْقه: يُحيِيهم في عافيةٍ، ويُمِيتُهم في عافيةٍ» (٤). والضّنائن: الخصائص. يقال: هو ضِنَّتي من بين النّاس ــ بكسر الضّاد ــ أي

стр. 1644

الذي أختصُّ به وأضَنُّ بجودته، أي أبخل بها أن أُضيِّعها. وقد مُثِّل المريد والمراد بقومٍ بعث إليهم سلطانهم يستدعيهم إلى حضرته من بلادٍ نائيةٍ، وأرسل إليهم بالأدلّة والأموال، والمراكب وأنواع الزّاد، وأمرهم بأن يتجشَّموا إليه قَطْع السُّبل والمفاوز، ويجتهدوا في المسير حتّى يلحقوا به، وبعث خيلًا له ومماليكَ إلى طائفةٍ منهم، فقال: احمِلُوهم على هذه الخيل التي تَسبِق الرِّكاب، واخْدُموهم في طريقهم، ولا تَدَعُوهم يُعانوا مؤنةَ الشّدِّ والرَّبط، بل إذا نزلوا فأَرِيحُوهم، ثمّ احْمِلوهم حتّى تُقدِّموهم عليّ. فلم يجد هؤلاء من مجاهدةِ السّير ومكابدتِه ووَعْثَاء (١) السّفر ما وجده غيرهم. ومن النّاس من يقول: المريد ينتقل من منزلة الإرادة إلى أن يصير مرادًا، فكان محبًّا فصار محبوبًا. فكلُّ مريدٍ صادقٍ نهايةُ أمرِه أن يكون مرادًا. وأكثرهم على هذا. وصاحب «المنازل» كأنّ عنده المراد هو المجذوب، والمريد: السّالك على طريق الجادّة. فصل قال (٢): (وللمراد ثلاث درجاتٍ: الدرجة الأولى: أن يُعصَم العبد وهو يستشرِف للجفاء اضطرارًا، بتنغيص الشّهوات، وتعويقِ الملاذّ، وسدِّ مسالك المعاطبِ عليه إكراهًا).

стр. 1645

يعني: أنّ العبد إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين سيِّده ــ بموافقة شهواته ــ عصَمَه سيِّده اضطرارًا، بأن يُنغِّص عليه الشّهوات، فلا تصفو له البتّةَ. بل لا ينال ما ينال منها إلّا مَشُوبًا بأنواع التّنغيص الذي ربّما أربى على لذّتها واستهلكها، بحيث تكون اللّذّة في جنب التّنغيص كالخِلْسة والغَفْوة. وكذلك يُعوِّق الملاذَّ عليه، بأن يحول بينه وبينها، حتّى لا يركَنَ إليها ويطمئنَّ إليها (١) ويساكنها، فيحول بينه وبين أسبابها. فإن هُيِّئت له قَيَّضَ له مدافِعَ تحولُ بينه وبين استيفائها، فيقول: من أين دُهِيتُ (٢)؟ وإنّما هي عينُ العناية والحِمية والصِّيانة. وكذلك يَسُدُّ عنه طُرقَ المعاصي ــ فإنّها طُرق المعاطب ــ وإن كان كارهًا، عنايةً به (٣) وصيانةً له. فصل (الدّرجة الثّانية: أن يضعَ عن العبد عوارضَ النّقص، ويُعافِيَه من سِمَة اللّائمة، ويُملِّكه عواقبَ الهفوات. كما فعل بسليمان ﵇ حين قتلَ الخيلَ فحملَه على الرِّيح الرُّخاء، فأغناه عن الخيل. وفعل بموسى ﵇ حين ألقى الألواحَ وأخذ برأس أخيه، ولم يَعتِب عليه كما عتَبَ على آدم ﵇ وداود ويونس عليهم الصلاة والسّلام) (٤).

стр. 1646

الفرق بين هذه الدّرجة والّتي قبلها: أنّ في التي قبلها منعَ من مواقعة أسباب الجفاء اضطرارًا، وفي هذه: إذا عرضتْ له أسبابُ النّقيصة التي يستحقُّ عليها اللّائمة، لم يَعتِبْه عليها ولم يَلُمْه. وهذا نوعٌ من الدَّلال، وصاحبه من ضَنائن الله وأحبابه. فإنّ الحبيب يُسامَح بما لا يُسامَح به سواه، لأنّ المحبّة أكبر شفعائه (١). وإذا هفا هفوةً ملَّكه عاقبتَها، بأن جعلها سببًا لرِفعته وعلوِّ درجته، فيجعل تلك الهفوة سببًا لتوبةٍ نصوحٍ، وذلٍّ خاصٍّ، وانكسارٍ بين يديه، وأعمالٍ صالحةٍ تزيد في قربه منه أضعافَ ما كان عليه قبل الهفوة. فتكون تلك الهفوة أنفعَ له من حسناتٍ كثيرةٍ. وهذا من علامات اعتناء الله بالعبد، وكونِه من أحبّائه وحزبه. وقد استشهد الشّيخ ﵀ بقصّة سليمان ﵇، حين ألهَتْه الخيل عن صلاة العصر، فأخذتْه الغضبة لله والحميّة، وحملتْه على أن مَسَحَ عراقيبها وأعناقها بالسّيف، وأتلفَ مالًا شَغلَه عن الله في الله، فعوَّضه الله منه أن حمَلَه على متن الرِّيح. فملّكه الله تعالى عاقبةَ هذه الهفوة. وجعلها سببًا لنيل تلك (٢) المنزلة الرّفيعة. واستشهد بقصّة موسى ﵇، حين ألقى الألواحَ ــ وفيها كلام الله ــ عن رأسه وكسَرها، وجرَّ بلحيةِ أخيه وهو نبيٌّ مثله، ولم يَعتِبْه الله على ذلك كما عتبَ على آدم ﵇ في أكل لقمةٍ من الشّجرة، وعلى نوحٍ حين سأل ربّه في ابنه أن يُنجِيه، وعلى داود في شأن امرأة أوريا، وعلى يونس في شأن المغاضبة.

стр. 1647

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: وكذلك لطَمَ عينَ ملك الموت ﵇ ففقأها، ولم يَعتب عليه ربُّه. وفي ليلة الإسراء عاتبَ ربّه في النّبيِّ ﷺ إذ رفع فوقه، ورفع صوته بذلك، ولم يَعتبه. قال: لأنّ موسى ﵊ قام تلك المقاماتِ العظيمةَ التي أوجبت له هذا الدَّلال، فإنّه قاومَ أكبرَ أعداء الله تعالى فرعون، وتصدّى له ولقومه، وعالج بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وجاهد في الله أعداء الله أشدَّ الجهاد، وكان شديد الغضب لربِّه، فاحتملَ له ما لا يحتمله لغيره (١). وذو النُّون لمّا لم يكن في هذا المقام سَجَنَه في بطن الحوت من غضبه، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: اجتباء الحقِّ عبدَه، واستخلاصه إيّاه بخالصته. كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارًا، فاصطنعه لنفسه وأبقى منه رسمًا مُعارًا). الاجتباء: الاصطفاء والإيثار والتّخصيص، وهو افتعال من جَبيتُ الشّيء: إذا حُزتَه إليك، كجباية المال وغيره. والاصطناع أيضًا: الاصطفاء والاختيار، يعني أنّه اصطفى موسى ﵇، واستخلصه لنفسه، وجعله له خالصًا من غير سببٍ كان من موسى ولا وسيلةٍ. فإنّه خرج ليقتبس النّار، فرجع وهو كليم الواحد القهّار، وأكرمُ الخلق عليه، ابتداءً منه سبحانه، من غير سابقةِ استحقاقٍ، ولا تقدُّمِ وسيلةٍ.

стр. 1648

وفي مثل هذا قيل (١): أيُّها العبد كُنْ لما لستَ ترجو ... من صلاحٍ أرجى لما أنت راجي إنّ موسى أتى ليقبِسَ (٢) نارًا ... من ضياءٍ رآه والليلُ داجي فانثنى راجعًا، وقد كلَّم اللّـ ... ـه وناجاه وَهْو خير مُناجي وقوله: (وأبقى منه رسمًا معارًا). يحتمل أن يريد بالرّسم: البقيّة التي تقدَّمه بها محمّدٌ ﷺ ، ورُفِع فوقه بدرجاتٍ لأجل بقائها معه. ويحتمل ــ وهو الأظهر ــ أنّه أخذه (٣) من نفسه، واصطنعه لنفسه، واختاره من بين العالمين، وخصّه بكلامه، ولم يُبْقِ له من نفسه إلّا رسمًا مجرّدًا يصحب به الخلقَ، وتجري عليه فيه أحكام البشريّة، إتمامًا (٤) لحكمته، وإظهارًا لقدرته. فهو عاريةٌ معه، فإذا قضى ما عليه استردَّ منه ذلك الرّسم، وجعله من ماله، فتكمَّلتْ (٥) إذ ذاك مرتبة الاجتباء ظاهرًا وباطنًا، حقيقةً ورسمًا، ورجعت العاريَّة إلى مالكها الحقِّ، الذي إليه يرجع الأمر كلُّه. فكما ابتدأتْ منه عادتْ إليه. وموسى ﵇ كان في مظهر الجلال، ولهذا كانت شريعته شريعة

стр. 1649

جلالٍ وقهرٍ. أُمروا بقتل نفوسهم، وحُرِّمت عليهم الشُّحوم وذواتُ الظُّفر وغيرها من الطّيِّبات، وحُرِّمت عليهم الغنائم، وعُجِّلت لهم من العقوبات ما عُجِّل، وحُمِّلوا من الآصار والأغلال ما لم يُحمَّله غيرُهم. وكان موسى ﷺ من أعظم خلق الله هيبةً ووقارًا، وأشدِّهم بأسًا وغضبًا لله، وبطشًا (١) بأعداء الله، وكان لا يُستطاع النّظر إليه. وعيسى ﷺ كان في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعةَ فضلٍ وإحسانٍ، وكان لا يقاتل ولا يحارب، وليس في شريعته قتالٌ البتّةَ. والنّصارى يُحرَّم عليهم في دينِهم القتالُ، وهم به عصاةٌ لشرعه، فإنّ الإنجيل يأمرهم فيه: أنّ من لَطمَك على خدِّك الأيمن فأَدِرْ له خدَّك الأيسر، ومن نازعَك ثوبك فأعْطِه رداءك، ومن سَخَّرك ميلًا فامْشِ معه ميلين، ونحو هذا (٢). وليس في شريعتهم مشقّةٌ ولا آصارٌ ولا أغلالٌ، وإنّما النّصارى ابتدعوا تلك الرّهبانيّة من قِبلِ أنفسهم، ولم تُكتَب عليهم. وأمّا نبيُّنا ﷺ فكان في مظهر الكمال، الجامع لتلك القوّة والعدل والشِّدّة في الله، وهذا اللِّين والرّأفة والرّحمة، وشريعته أكمل الشّرائع. فهو نبيُّ الكمال، وشريعته شريعة الكمال، وأمّته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات. ولذلك تأتي شريعتُه بالعدل إيجابًا له وفرضًا، وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا، وبالشِّدّة في موضع الشِّدّة، وباللِّين في موضع اللِّين، ووَضْعِ السّيف موضعَه، ووَضْعِ النّدى موضعَه. فيذكر الظُّلم ويُحرِّمه، والعدلَ ويوجبه. والفضلَ ويندب إليه في بعض آية، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ

стр. 1650

سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فهذا عدلٌ, ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فهذا فضلٌ, ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] فهذا تحريمٌ للظُّلم. وقوله تعالى: ﴿(١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ هذا إيجابٌ للعدل وتحريمٌ للظُّلم، ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ﴾ [النحل: ١٢٦] ندبٌ إلى الفضل. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ هذا عدل، ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ تحريمٌ للظُّلم، ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ عدلٌ، ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩ - ٢٨٠] فضلٌ. وكذلك تحريم ما حرّم على الأمة صيانةً وحميةً. حرّم عليهم كلّ خبيثٍ وضارٍّ، وأباح لهم كلَّ طيِّبٍ ونافعٍ. فتحريمه عليهم رحمةٌ، وعلى من قبلهم لم يخلُ من عقوبةٍ. وهداهم لما ضلّت عنه الأمم قبلهم، ووهبَ لهم من علمه وحلمه، وجعلهم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس، وكمّل لهم من المحاسن ما فرَّقه في الأمم قبلهم. كما كمّل لنبيِّهم من المحاسن ما فرّقه في الأنبياء قبله، وكمّل في كتابه من المحاسن ما فرّقها في الكتب قبله، وكذلك في شريعته. فهؤلاء هم الضّنائن، وهم المجتَبَون، كما قال لهم إلههم: ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ﴾ [الحج: ٧٨]. وجعلهم شهداء على النّاس، فأقامهم في ذلك مقام الأنبياء الشّاهدين على أممهم. وتفصيلُ تفضيل هذه الأمّة وخصائصها يستدعي سِفرًا بل أسفارًا. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
следующие страницы →