← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الفرق بين هذه الدّرجة والّتي قبلها: أنّ في التي قبلها منعَ من مواقعة أسباب الجفاء اضطرارًا، وفي هذه: إذا عرضتْ له أسبابُ النّقيصة التي يستحقُّ عليها اللّائمة، لم يَعتِبْه عليها ولم يَلُمْه. وهذا نوعٌ من الدَّلال، وصاحبه من ضَنائن الله وأحبابه. فإنّ الحبيب يُسامَح بما لا يُسامَح به سواه، لأنّ المحبّة أكبر شفعائه (١). وإذا هفا هفوةً ملَّكه عاقبتَها، بأن جعلها سببًا لرِفعته وعلوِّ درجته، فيجعل تلك الهفوة سببًا لتوبةٍ نصوحٍ، وذلٍّ خاصٍّ، وانكسارٍ بين يديه، وأعمالٍ صالحةٍ تزيد في قربه منه أضعافَ ما كان عليه قبل الهفوة. فتكون تلك الهفوة أنفعَ له من حسناتٍ كثيرةٍ. وهذا من علامات اعتناء الله بالعبد، وكونِه من أحبّائه وحزبه. وقد استشهد الشّيخ ﵀ بقصّة سليمان ﵇، حين ألهَتْه الخيل عن صلاة العصر، فأخذتْه الغضبة لله والحميّة، وحملتْه على أن مَسَحَ عراقيبها وأعناقها بالسّيف، وأتلفَ مالًا شَغلَه عن الله في الله، فعوَّضه الله منه أن حمَلَه على متن الرِّيح. فملّكه الله تعالى عاقبةَ هذه الهفوة. وجعلها سببًا لنيل تلك (٢) المنزلة الرّفيعة. واستشهد بقصّة موسى ﵇، حين ألقى الألواحَ ــ وفيها كلام الله ــ عن رأسه وكسَرها، وجرَّ بلحيةِ أخيه وهو نبيٌّ مثله، ولم يَعتِبْه الله على ذلك كما عتبَ على آدم ﵇ في أكل لقمةٍ من الشّجرة، وعلى نوحٍ حين سأل ربّه في ابنه أن يُنجِيه، وعلى داود في شأن امرأة أوريا، وعلى يونس في شأن المغاضبة.

стр. 1647

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: وكذلك لطَمَ عينَ ملك الموت ﵇ ففقأها، ولم يَعتب عليه ربُّه. وفي ليلة الإسراء عاتبَ ربّه في النّبيِّ ﷺ إذ رفع فوقه، ورفع صوته بذلك، ولم يَعتبه. قال: لأنّ موسى ﵊ قام تلك المقاماتِ العظيمةَ التي أوجبت له هذا الدَّلال، فإنّه قاومَ أكبرَ أعداء الله تعالى فرعون، وتصدّى له ولقومه، وعالج بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وجاهد في الله أعداء الله أشدَّ الجهاد، وكان شديد الغضب لربِّه، فاحتملَ له ما لا يحتمله لغيره (١). وذو النُّون لمّا لم يكن في هذا المقام سَجَنَه في بطن الحوت من غضبه، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: اجتباء الحقِّ عبدَه، واستخلاصه إيّاه بخالصته. كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارًا، فاصطنعه لنفسه وأبقى منه رسمًا مُعارًا). الاجتباء: الاصطفاء والإيثار والتّخصيص، وهو افتعال من جَبيتُ الشّيء: إذا حُزتَه إليك، كجباية المال وغيره. والاصطناع أيضًا: الاصطفاء والاختيار، يعني أنّه اصطفى موسى ﵇، واستخلصه لنفسه، وجعله له خالصًا من غير سببٍ كان من موسى ولا وسيلةٍ. فإنّه خرج ليقتبس النّار، فرجع وهو كليم الواحد القهّار، وأكرمُ الخلق عليه، ابتداءً منه سبحانه، من غير سابقةِ استحقاقٍ، ولا تقدُّمِ وسيلةٍ.

стр. 1648

وفي مثل هذا قيل (١): أيُّها العبد كُنْ لما لستَ ترجو ... من صلاحٍ أرجى لما أنت راجي إنّ موسى أتى ليقبِسَ (٢) نارًا ... من ضياءٍ رآه والليلُ داجي فانثنى راجعًا، وقد كلَّم اللّـ ... ـه وناجاه وَهْو خير مُناجي وقوله: (وأبقى منه رسمًا معارًا). يحتمل أن يريد بالرّسم: البقيّة التي تقدَّمه بها محمّدٌ ﷺ ، ورُفِع فوقه بدرجاتٍ لأجل بقائها معه. ويحتمل ــ وهو الأظهر ــ أنّه أخذه (٣) من نفسه، واصطنعه لنفسه، واختاره من بين العالمين، وخصّه بكلامه، ولم يُبْقِ له من نفسه إلّا رسمًا مجرّدًا يصحب به الخلقَ، وتجري عليه فيه أحكام البشريّة، إتمامًا (٤) لحكمته، وإظهارًا لقدرته. فهو عاريةٌ معه، فإذا قضى ما عليه استردَّ منه ذلك الرّسم، وجعله من ماله، فتكمَّلتْ (٥) إذ ذاك مرتبة الاجتباء ظاهرًا وباطنًا، حقيقةً ورسمًا، ورجعت العاريَّة إلى مالكها الحقِّ، الذي إليه يرجع الأمر كلُّه. فكما ابتدأتْ منه عادتْ إليه. وموسى ﵇ كان في مظهر الجلال، ولهذا كانت شريعته شريعة

стр. 1649

جلالٍ وقهرٍ. أُمروا بقتل نفوسهم، وحُرِّمت عليهم الشُّحوم وذواتُ الظُّفر وغيرها من الطّيِّبات، وحُرِّمت عليهم الغنائم، وعُجِّلت لهم من العقوبات ما عُجِّل، وحُمِّلوا من الآصار والأغلال ما لم يُحمَّله غيرُهم. وكان موسى ﷺ من أعظم خلق الله هيبةً ووقارًا، وأشدِّهم بأسًا وغضبًا لله، وبطشًا (١) بأعداء الله، وكان لا يُستطاع النّظر إليه. وعيسى ﷺ كان في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعةَ فضلٍ وإحسانٍ، وكان لا يقاتل ولا يحارب، وليس في شريعته قتالٌ البتّةَ. والنّصارى يُحرَّم عليهم في دينِهم القتالُ، وهم به عصاةٌ لشرعه، فإنّ الإنجيل يأمرهم فيه: أنّ من لَطمَك على خدِّك الأيمن فأَدِرْ له خدَّك الأيسر، ومن نازعَك ثوبك فأعْطِه رداءك، ومن سَخَّرك ميلًا فامْشِ معه ميلين، ونحو هذا (٢). وليس في شريعتهم مشقّةٌ ولا آصارٌ ولا أغلالٌ، وإنّما النّصارى ابتدعوا تلك الرّهبانيّة من قِبلِ أنفسهم، ولم تُكتَب عليهم. وأمّا نبيُّنا ﷺ فكان في مظهر الكمال، الجامع لتلك القوّة والعدل والشِّدّة في الله، وهذا اللِّين والرّأفة والرّحمة، وشريعته أكمل الشّرائع. فهو نبيُّ الكمال، وشريعته شريعة الكمال، وأمّته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات. ولذلك تأتي شريعتُه بالعدل إيجابًا له وفرضًا، وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا، وبالشِّدّة في موضع الشِّدّة، وباللِّين في موضع اللِّين، ووَضْعِ السّيف موضعَه، ووَضْعِ النّدى موضعَه. فيذكر الظُّلم ويُحرِّمه، والعدلَ ويوجبه. والفضلَ ويندب إليه في بعض آية، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ

стр. 1650

سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فهذا عدلٌ, ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فهذا فضلٌ, ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] فهذا تحريمٌ للظُّلم. وقوله تعالى: ﴿(١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ هذا إيجابٌ للعدل وتحريمٌ للظُّلم، ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ﴾ [النحل: ١٢٦] ندبٌ إلى الفضل. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ هذا عدل، ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ تحريمٌ للظُّلم، ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ عدلٌ، ﴿وَأَنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩ - ٢٨٠] فضلٌ. وكذلك تحريم ما حرّم على الأمة صيانةً وحميةً. حرّم عليهم كلّ خبيثٍ وضارٍّ، وأباح لهم كلَّ طيِّبٍ ونافعٍ. فتحريمه عليهم رحمةٌ، وعلى من قبلهم لم يخلُ من عقوبةٍ. وهداهم لما ضلّت عنه الأمم قبلهم، ووهبَ لهم من علمه وحلمه، وجعلهم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس، وكمّل لهم من المحاسن ما فرَّقه في الأمم قبلهم. كما كمّل لنبيِّهم من المحاسن ما فرّقه في الأنبياء قبله، وكمّل في كتابه من المحاسن ما فرّقها في الكتب قبله، وكذلك في شريعته. فهؤلاء هم الضّنائن، وهم المجتَبَون، كما قال لهم إلههم: ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ﴾ [الحج: ٧٨]. وجعلهم شهداء على النّاس، فأقامهم في ذلك مقام الأنبياء الشّاهدين على أممهم. وتفصيلُ تفضيل هذه الأمّة وخصائصها يستدعي سِفرًا بل أسفارًا. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 1651

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإحسان . وهي لبُّ الإيمان وروحه وكماله، وهذه المنزلة تجمع جميعَ المنازل، فجميعها منطويةٌ فيها. وكلُّ ما قيل من أوّل الكتاب إلى هاهنا فهو من الإحسان. قال صاحب «المنازل» ﵀ (١) ــ وقد استشهد على هذه المنزلة بقوله تعالى: ﴿(٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا﴾ [الرحمن: ٦٠]ــ: (فالإحسان: جامعٌ لجميع أبواب الحقائق، وهو أن تعبد الله كأنّك تراه). فأمّا الآية، فقال ابن عبّاسٍ ﵄ والمفسِّرون: هل جزاء من قال: لا إله إلّا الله وعمل بما جاء به محمّدٌ ﷺ إلّا الجنّة؟ (٢). وقد رُوي عن النّبيِّ ﷺ أنّه قرأ ﴿(٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا﴾ ثمّ قال: «هل تدرون ما قال ربُّكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتّوحيد إلّا الجنّة؟) (٣).

стр. 1652

وأمّا الحديث فإشارةٌ إلى كمال الحضور مع الله ومراقبته، الجامع لخشيته ومحبّته ومعرفته، والإنابة إليه، والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان. قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: الإحسان في القصد، بتهذيبه علمًا، وإبرامه عزمًا، وتصفيته حالًا). يعني: إحسان القصد بثلاثة أشياء: أحدها: تهذيبه علمًا، بأن يُجعل تابعًا للعلم على مقتضاه، مهذّبًا به، مُنقًّى من شوائب الحظوظ، فلا يَقصِد إلّا ما يجوز في العلم. والعلم هو اتِّباع الأمر والشّرع. والثّاني: إبرامه عزمًا. والإبرام: الإحكام والقوّة. أي يُقارِنه عزمٌ يُمضِيه، ولا يصحَبه فتورٌ وتَوانٍ يُضعِفه ويُوهِنه. الثّالث: تصفيته حالًا. أي (٢) يكون حال صاحبه صافيًا من الأكدار والشّوائب التي تدلُّ على كَدَر قصده، فإنّ الحال مظهر القصد وثمرتُه، وهو أيضًا مادّته وباعثه، فكلٌّ منهما ينفعل عن الآخر. فصفاؤه وتخليصه من تمام صفاء الآخر وتخليصه. (الدّرجة الثّانية: الإحسان في الأحوال. وهو أن يراعيها غيرةً، ويسترها تظرُّفًا، ويصحِّحها تحقيقًا) (٣).

стр. 1653

يريد بمراعاتها حفظَها وصونَها، غيرةً عليها أن تحول، فإنّها تمرُّ مرَّ السّحاب، فإن لم يَرْعَ حقوقَها حالت. ومراعاتها: بدوام الوفاء، وتجنُّب الجفاء. ويراعيها أيضًا بإكرام نُزُلِها، فإنّها ضيفٌ، والضّيف إن لم يُكْرَم نُزُلُه ارتحل. ويراعيها أيضًا بضبطِها ملكةً، وشدِّ يديه عليها، وأن لا يسمح بها لقاطعٍ ولا نَاهبٍ. ويراعيها أيضًا بالانقياد إلى حكمها، والإذعانِ لسلطانها إذا وافق الأمر. ويراعيها أيضًا بستْرِها تظرُّفًا، وهو أن يسترها عن النّاس ما أمكنَه لئلّا يعلموا بها، ولا يُظهرها إلّا لحجّةٍ أو حاجةٍ أو مصلحةٍ راجحةٍ، فإنّ في إظهارها بدون ذلك آفاتٍ عديدةً، مع تعريضها للُّصوص والسُّرّاق والمُغِيرين. وإظهار الحال للنّاس عند الصّادقين حمقٌ وعجزٌ، وهو من حظوظ النّفس والشّيطان. وأهل الصِّدق والعزم لها أستَرُ وأكتَمُ من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم، حتّى إنّ منهم من يُظهِر أضدادها نفيًا وجحدًا، وهم أصحاب الملامة، ولهم طريقةٌ معروفةٌ، وكان شيخ هذه الطّائفة أبو عبد الله (١) بن مَنازل.

стр. 1654

واتّفقت الطّائفة على أنّ من أطلعَ النّاسَ على حاله مع الله فقد دنَّس طريقته، إلّا لحجّةٍ أو حاجةٍ أو ضرورةٍ. وقوله: (وتصحيحها تحقيقًا)، أي يجتهد في تحقيق أحواله وتصحيحها وتخليصها، فإنّ الحال قد يمتزج بحقٍّ وباطلٍ، ولا يُميِّزه إلّا أولو البصائر والعلم. وأهل هذه الطّريقة (١) يقولون: إنّ الوارد الذي يبتدئ العبد من جانبه الأيمن والهواتف والخطاب يكون في الغالب حقًّا، والّذي يبتدئ من الجانب الأيسر يكون في الغالب باطلًا وكذبًا. فإنّ أهل اليمين هم أهل الحقِّ، وبأيمانهم يأخذون كتبهم، ونورهم الظّاهر على الصِّراط يكون بأيمانهم. وكان رسول الله ﷺ يُعجِبه التّيمُّن في تنعُّله وترجُّلِه وطهورِه وشأنِه كلِّه (٢). والله وملائكته يُصلُّون على مَيامنِ الصُّفوف (٣). وأخبر أنّ الشّيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله (٤). وحظُّه من ابن آدم (٥) جهة الشِّمال، ولهذا تكون

стр. 1655

اليد الشِّمال للاستنجاء (١) وإزالة النّجاسة والأذى، ويُبدأ بها عند دخول الخلاء. ومن الفرقان أيضًا: أنّ كلّ واردٍ يبقى الإنسان (٢) بعد انفصاله نشيطًا مسرورًا نشوانَ فإنّه واردٌ مَلَكيٌّ. وكلُّ واردٍ يبقي بعد انفصاله خبيثَ النّفس كسلانَ، ثقيلَ الأعضاء والرُّوح، يجنح إلى فتورٍ= فهو واردٌ شيطانيٌّ. ومن الفرقان أيضًا: أنّ كل واردٍ أعقبَ في القلب معرفةً بالله، ومحبةً له، وأُنسًا به، وطمأنينةً بذكره، وسكونًا إليه= فهو مَلكي إلهي، وخلافه بخلافه. ومن الفرقان أيضًا: أنّ كلّ واردٍ أعقب صاحبه تقدُّمًا إلى الله والدّار الآخرة، وحضورًا فيها، حتّى كأنّه يشاهد الجنّة قد أُزلِفتْ، والجحيم قد سُعِّرت= فهو إلهيٌّ ملكيٌّ، وخلافه شيطانيٌّ نفسانيٌّ. ومن الفرقان أيضًا: أنّ كلّ واردٍ كان سببه النّصيحة في امتثال الأمر، والإخلاص والصِّدق فيه= فهو إلهيٌّ ملكيٌّ، وإلّا فهو شيطانيٌّ. ومن الفرقان أيضًا: أنّ كلّ واردٍ استنار به القلب، وانشرح له الصّدر، وقوي به القلب= فهو إلهيٌّ، وإلّا فهو شيطانيٌّ. ومن الفرقان أيضًا: أنّ كلّ واردٍ جمعَك على الله فهو منه، وكلّ واردٍ فرَّقك عنه وأخذك منه فمن الشّيطان. ومن الفرقان أيضًا: أنّ الوارد الإلهيِّ لا يُصرَف إلّا في قربةٍ وطاعةٍ، ولا

стр. 1656

يكون سببه إلّا قربةً وطاعةً. فمستخرِجه الأمر، ومصروفه الأمر. والشّيطانيُّ بخلافه. ومن الفرقان أيضًا: أنّ (١) الوارد الرّحمانيّ لا يتناقض ولا يتفاوت ولا يختلف (٢)، بل يُصدِّق بعضه بعضًا، والشّيطانيّ بخلافه يُكذِّب بعضه بعضًا. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّالثة: الإحسان في الوقت . وهو أن لا تُزايل المشاهدة أبدًا (٤)، ولا تَخلِط بهمّتك أحدًا، وتجعل هجرتك إلى الحقِّ سَرْمدًا). أي لا تفارق حال الشُّهود. وهذا إنّما يقدر عليه أهل التمكين الذين ظَفِروا بنفوسهم، وقطعوا المسافاتِ التي بين النّفس وبين القلب، والمسافاتِ التي بين القلب وبين الله، بمجاهدة القُطَّاع التي على تلك المسافات. قوله: (وأن لا تَخلِط بهمّتك أحدًا). يعني: أن تُعلِّق همّتك بالحقِّ وحده، ولا تُعلِّق بأحدٍ غيره، فإنّ ذلك شركٌ في طريق الصّادقين. وقوله: «وأن تجعل هجرتك إلى الحقِّ سَرمدًا».

стр. 1657

يعني: أنّ كلّ متوجِّهٍ إلى الله بالصِّدق والإخلاص فإنّه من المهاجرين إليه، فلا ينبغي أن يتخلَّف عن هذه الهجرة، بل يصحبها سرمدًا حتّى يلحَقَ بالله. فما هي إلّا ساعةٌ ثمّ تنقضي ... ويَحمَدُ غِبَّ السَّيرِ مَن هو سائرُ (١) ولله على كلِّ قلبٍ هجرتان (٢)، وهما فرضٌ لازمٌ له على الأنفاس: هجرةٌ إلى إلهه بالتّوحيد والإخلاص، والإنابة والحبِّ، والخوف والرّجاء، والعبوديّة. وهجرةٌ إلى رسوله بالتّحكيم له، والتّسليم والتّفويض والانقياد لحكمه، وتلقِّي أحكام الظّاهر والباطن من مشكاته. فيكون تقيُّده (٣) به أعظمَ من تقيُّدِ الرَّكْب بالدّليل الماهر في ظُلَم اللّيل ومتاهاتِ الطّريق. فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فلْيَحْثُ على رأسه الرّماد، ولْيراجعِ الإيمانَ من أصله، فيرجع وراءه يقتبس نورًا، قبلَ أن يُحال بينه وبينه ويُقال له ذلك على الصِّراط من وراء السُّور. والله المستعان.

стр. 1658

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة العلم . وهذه المنزلة إن لم تصحب السّالكَ من أوّل قدمٍ يضعه في الطّريق إلى آخر قدمٍ ينتهي إليه فسلوكُه على غير طريقٍ، وهو مقطوعٌ عليه طريقُ الوصول، مسدودٌ عليه سبلُ الهدى والفلاح، مغلَقةٌ عنه أبوابها. وهذا إجماعٌ من الشُّيوخ العارفين، ولم ينهَ عن العلم إلّا قُطَّاع الطّريق منهم، ونُوَّاب إبليس وشُرَطُه. قال سيِّد الطّائفة وشيخهم الجنيد بن محمّدٍ (١) ﵀: الطُّرق كلُّها مسدودةٌ على الخلق إلّا على من اقتفى أثر الرّسول ﷺ (٢). وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتَدى به في هذا الأمر، لأنّ علْمنا مقيّدٌ بالكتاب والسُّنّة (٣). وقال: مذهبنا هذا مقيّدٌ بالأصول: الكتاب والسُّنّة (٤). وقال أبو حفصٍ ﵀: من لم يَزِنْ أفعالَه وأحوالَه في كلِّ وقتٍ بالكتاب

стр. 1659

والسُّنّة, ولم يتّهم خواطِرَه= فلا يُعدُّ في ديوان الرِّجال (١). وقال أبو سليمان الدّارانيُّ ﵀: ربّما يقع في قلبي النُّكتة من نُكَت القوم أيامًا, فلا أقبلُ منه إلّا بشاهدين عدلين: الكتاب والسُّنّة (٢). وقال سهل بن عبد الله ﵁: كلُّ فعلٍ يفعله العبد بغير اقتداءٍ ــ طاعةً كان أو معصيةً ــ فهو عيشُ النّفس، وكلُّ فعلٍ يفعله العبد بالاقتداء فهو عذابٌ على النّفس (٣). وقال السَّريُّ: التّصوُّف اسمٌ لثلاثةِ معانٍ: لا يطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يتكلّم بباطنٍ في علمٍ ينقضُه عليه ظاهر الكتاب، ولا تَحمِلُه الكرامات على هتْكِ أستار محارم الله (٤). وقال أبو يزيد ﵀: عمِلتُ في المجاهدة ثلاثين سنةً، فما وجدت شيئًا أشدَّ عليّ من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيتُ، واختلاف

стр. 1660

العلماء رحمةٌ إلّا في تجريد التّوحيد (١). وخرج مرةً لزيارة بعض الزهّاد، فرآه قد دخل المسجد ورمى ببُصاقِه نحو القبلة، فرجع ولم يُسلِّم عليه، وقال: هذا غير مأمونٍ على أدبٍ من آداب رسول الله ﷺ ، فكيف يكون مأمونًا على ما يدَّعيه؟ (٢). وقال: لقد هممتُ أن أسأل الله أن يكفيني مُؤنةَ النِّساء، ثمّ قلتُ: كيف يجوز أن أسأل الله هذا ولم يسأله رسول الله ﷺ ؟ ولم أسأله. ثمّ إنّ الله كفاني مؤنة النِّساء، حتّى لا أبالي أَسْتقبلَتْني امرأةٌ أو حائطٌ (٣). وقال (٤): لو نظرتم إلى رجلٍ أُعطِي من الكرامات أن يرفع (٥) في الهواء فلا تغترُّوا به، حتّى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنّهي وحفظِ الحدود وأداء الشّريعة؟ (٦).

стр. 1661

وقال أحمد بن أبي الحواريِّ: من عمل عملًا بلا اتِّباع سنّةٍ فباطلٌ عملُه (١). وقال أبو عثمان النّيسابوريُّ ﵀: الصُّحبة مع الله: بحسن الأدب، ودوام الهيبة والمراقبة. والصُّحبة مع الرّسول ﷺ : باتِّباع سنّته، ولزوم ظاهر العلم. ومع أولياء الله: بالاحترام والخدمة. ومع الأهل: بحسن الخلق (٢). ومع الإخوان: بدوام البِشْر ما لم يكن إثمًا. ومع الجهّال: بالدُّعاء لهم والرّحمة (٣). زاد غيره: ومع الحافظَينِ: بإكرامهما واحترامهما وإملائهما ما يحمدانك عليه. ومع النّفس: بالمخالفة. ومع الشّيطان: بالعداوة. وقال أبو عثمان أيضًا: من أمَّر السُّنّةَ على نفسه قولًا وفعلًا نطقَ بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطقَ بالبدعة. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] (٤).

стр. 1662

وقال أبو الحسين النُّوريُّ ﵀: من رأيتموه يدّعي مع الله حالةً تُخرِجه عن حدِّ العلم الشّرعيِّ فلا تَقربوا منه (١). وقال محمّد بن الفضل البلخيُّ من مشايخ القوم الكبار ﵀: ذهابُ الإسلام من أربعةٍ: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلّمون ما يعملون، ويمنعون النّاس عن التّعلُّم أو التّعليم (٢). وقال عمرو بن عثمان المكِّيُّ ﵀: العلم قائدٌ، والخوف سائقٌ، والنّفس حَرُونٌ بين ذلك جَمُوحٌ خدّاعةٌ روّاغةٌ، فاحذَرْها (٣) ورَاعِها بسياسة العلم، وسُقْها بتهديدِ الخوف، يتمَّ لك ما تريد (٤). وقال أبو سعيدٍ الخرّاز ﵀: كلُّ باطنٍ يخالفه الظّاهر فهو باطلٌ (٥). وقال ابن عطاءٍ ﵀: من ألزم نفسَه آدابَ السُّنّة نوَّر الله قلبَه بنور

стр. 1663

المعرفة. ولا مقامَ أشرفُ من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه (١). وقال: كلُّ ما سُئِلتَ عنه فاطلُبْه في مفازة العلم، فإن لم تجدْه ففي ميدان الحكمة، فإن لم تجدْه فزِنْه بالتّوحيد، فإن لم تجدْه في هذه المواضع الثّلاثة فاضرِبْ به وجهَ الشّيطان (٢). وأُلقِي بُنانٌ الحمّال بين يدي السَّبُع، فجعل السّبع يشمُّه لا يضرُّه. فلمّا أُخرِج قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شَمَّك السّبع؟ قال: كنت أتفكَّرُ في اختلاف العلماء (٣) في سؤر السِّباع (٤). وقال أبو حمزة البغداديُّ ــ من أكابر الشُّيوخ، وكان أحمد بن حنبلٍ ﵀ يقول له في المسائل: ما تقول يا صوفيُّ (٥) ــ: مَن علِمَ طريقَ الحقِّ سهُلَ عليه سلوكُه، ولا دليلَ على الطّريق إلى الله إلّا متابعةُ الرّسول ﷺ في أحواله

стр. 1664

وأفعاله وأقواله (١). ومرّ الشّيخ أبو بكرٍ محمّد بن موسى الواسطيُّ يوم الجمعة إلى الجامع، فانقطع شِسْعُ نعلِه، فأصلحه له رجلٌ صَيدلانيٌّ، فقال: تدري (٢) لِمَ انقطعَ شِسْعُ نعلي؟ فقلت: لا، فقال: لأنِّي ما اغتسلتُ للجمعة، فقال: هاهنا حمّامٌ تدخلُه؟ فقال: نعم. فدخل واغتسل (٣). وقال أبو إسحاق الرّقِّيُّ من أقران الجنيد رحمهما الله: علامة محبّة الله: إيثار طاعته ومتابعة نبيِّه ﷺ (٤). وقال أبو يعقوب النَّهرَجُوريُّ: أفضلُ الأحوال ما قارنَ العلمَ (٥). وقال أبو القاسم النّصراباذيُّ شيخُ خراسانَ في وقته: أصلُ التّصوُّف ملازمة الكتاب والسُّنّة، وتركُ الأهواء والبدع، وتعظيم كرامات (٦) المشايخ، ورؤيةُ أعذارِ الخلق، والمداومةُ على الأوراد، وتركُ ارتكاب الرُّخَص والتّأويلات (٧).

стр. 1665

وقال أبو بكرٍ الطَّمَسْتانيُّ (١) ــ من كبار شيوخ الطّائفة ــ: الطّريق واضحٌ، والكتاب والسُّنّة قائمٌ بين أظهُرِنا، وفضلُ الصّحابة معلومٌ، لسَبْقِهم إلى الهجرة ولصحبتهم. فمن صحِبَ الكتاب والسُّنّة، وتغرَّبَ عن نفسه وعن الخلق، وهاجر بقلبه إلى الله= فهو الصّادق المصيب (٢). وقال أبو عمرو بن نُجَيدٍ ﵀: كلُّ حالٍ لا يكون عن نتيجة علمٍ فإنّ ضررَه على صاحبه أكثرُ من نفعه (٣). وقال: التّصوُّف: الصّبرُ تحت الأوامر والنّواهي (٤). وكان بعض أكابر الشُّيوخ المتقدِّمين يقول: يا معشرَ الصُّوفيّة، لا تُفارِقوا السّوادَ في البياض تَهلِكوا (٥).

стр. 1666

وأمّا الكلمات التي تروى عن بعضهم: من التّزهيد في العلم، والاستغناء عنه, كقول من قال: نحن نأخذ علمنا عن الحيِّ الذي لا يموت، وأنتم تأخذونه عن حيٍّ يموت. وقول آخر ــ وقد قيل له: ألا ترحل حتّى تسمع من عبد الرّزّاق ــ فقال: ما يَصنع بالسّماع من عبد الرّزّاق من يسمع من الخلّاق؟ وقول آخر: العلم حجابٌ بين القلب وبين الله (١). وقال آخر: إذا رأيت الصوفي يشتغل بـ «أخبرنا» و «حدثنا» فاغسِلْ يدك منه. وقول آخر: لنا علم الخِرَق، ولكم علم الورق (٢). ونحو هذا من الكلمات (٣) التي أحسنُ أحوالِ قائلها: أن يكون جاهلًا يُعذَر بجهله، أو شاطحًا معترفًا (٤) بشَطْحه. وإلّا فلولا عبد الرّزّاق وأمثاله،

стр. 1667

ولولا «أخبرنا» و «حدّثنا» لَمَا وصل إلى هذا وأمثاله شيءٌ (١) من الإسلام. ومن أحالك على غير «أخبرنا» و «حدّثنا» فقد أحالك: إمّا على خيال صوفيٍّ، أو قياس فلسفيٍّ، أو رأي نفسيٍّ. فليس بعد القرآن و «أخبرنا» و «حدّثنا» إلّا شبهات المتكلِّمين، وآراء المتخرصين، وخيالات المتصوِّفين، وقياسات المتفلسفين. ومن فارق الدّليلَ ضلَّ عن سواء السّبيل، ولا دليلَ إلى الله والجنّة سوى الكتاب والسُّنّة، وكلُّ طريقٍ لم يَصحَبْها دليل السُّنّة والقرآن فهي من طرق الجحيم والشّيطان. والعلم ما قام عليه الدّليل، والنّافع ما جاء به الرّسول. والعلم خيرٌ من الحال: العلم حاكمٌ، والحال محكومٌ عليه. العلم هادٍ، والحال تابعٌ. العلم آمرٌ ناهٍ، والحال منفِّذٌ قابلٌ. والحال سيفٌ، إن لم يصحبه علمٌ فهو مِخراقٌ في يدِ لاعبٍ. الحال مركوبٌ لا يُجارى، فإن لم يصحبه علمٌ ألقى صاحبه في المهالك والمتالف. الحال بلا علمٍ كالسُّلطان الذي لا يَزَعُه عن سطوته وازعٌ. الحال بلا علمٍ كالنّار التي لا سائسَ لها.

стр. 1668

والحال كالمال يُؤتاه البرُّ والفاجر، فإن لم يصحبه نور العلم كان وبالًا على صاحبه. نفع الحال لا يتعدّى صاحبه، ونفعُ العلم كالغيث يقع على الظِّراب (١) والآكام (٢) وبطون الأودية ومنابت الشّجر. دائرة العلم تسَعُ الدُّنيا والآخرة، ودائرة الحال تَضِيق عن غير صاحبه، وربّما ضاقت عنه. العلم هادٍ، والحال الصّحيح مهتدٍ به. وهو ترِكة الأنبياء وتُراثهم، وأهله عصبتهم وورّاثهم. وهو حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصُّدور، ورياض العقول، ولذّة الأرواح، وأنس المستوحشين (٣)، ودليل المتحيِّرين. وهو الميزان الذي به تُوزن الأقوال والأعمال والأحوال. وهو الحاكم المفرِّق بين الشّكِّ واليقين، والغيِّ والرّشاد، والهدى والضّلال. به يُعرف الله ويُعبد، ويذكر ويُوحَّد، ويُحمد ويمجَّد. وبه اهتدى إليه السّالكون، ومن طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل عليه القاصدون.

стр. 1669

به تُعرف الشّرائع والأحكام، ويتميّز الحلال من الحرام، وبه تُوصَل الأرحام، وبه تُعرف مَراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يُوصل إليه من قريبٍ. وهو إمامٌ، والعمل مأمومٌ. وقائدٌ، والعمل تابعٌ. وهو الصّاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشُّبهة. والغِنى الذي لا فقْرَ على من ظفِرَ بكنزه، والكَنَف (١) الذي لا ضيعةَ على من أَوى إلى حِرْزه. مذاكرته تسبيحٌ، والبحث عنه جهادٌ، وطلبه قُربةٌ، وبذله صدقةٌ، ومدارسته تَعدِل بالصِّيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشّراب والطّعام. قال الإمام أحمد ﵁: النّاس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطّعام والشّراب، لأنّ الرّجل يحتاج إلى الطّعام والشّراب في اليوم مرّةً أو مرّتين، وحاجته إلى العلم بعددِ أنفاسه (٢). وروِّينا عن الشّافعيِّ ﵁ أنّه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النّافلة (٣).

стр. 1670

ونصّ على ذلك أبو حنيفة ﵀ (١). وقال ابن وهبٍ ﵀: كنت بين يدي مالكٍ ﵁، فوضعتُ ألواحي وقمتُ أصلِّي، فقال: ما الذي قمتَ إليه بأفضلَ ممّا قمتَ عنه. ذكره ابن عبد البرِّ (٢) وغيره. واستشهد الله بأهل العلم على أجلِّ مشهودٍ به وهو التّوحيد، وقرنَ شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وفي ضمنِ ذلك تعديلُهم، فإنّه لا يستشهد بمجروحٍ. ومن هاهنا ــ والله أعلم ــ يُؤخذ الحديث المعروف «يَحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وتأويل المبطلين» (٣). وهو حجّة الله في أرضه، ونوره بين عباده، وقائدهم ودليلهم إلى جنّته، ومُدنِيهم من كرامته.

стр. 1671

ويكفي في شرفه: أنّ فضل أهله على العباد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وأنّ الملائكة تضع لهم أجنحتها، وتُظِلُّهم بها، وأنّ العالم يستغفر له من في السّماوات ومن في الأرض، حتّى الحيتان في البحر (١)، وحتّى النملة في جُحْرها، وأنّ الله وملائكته يصلُّون على معلِّمِ النّاسِ الخيرَ (٢). ولقد رحل كليم الرّحمن (٣) موسى بن عمران ﵇ في طلب العلم هو وفتاه، حتّى مَسَّهم النَّصَبُ في سفرهم في طلب العلم، حتّى ظفر بثلاث مسائل (٤). وهو أكرم الخلق على الله وأعلمهم به. وأمر الله رسوله أن يسأله المزيد منه فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وحرّم الله صيد الجوارح الجاهلة، وإنّما أباح للأمّة صيد الجوارح العالمة (٥). فهكذا جوارح الإنسان الجاهل لا يُجدِي عليه صيدُها من الأعمال شيئًا.

стр. 1672

فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (العلم ما قام بدليلٍ، ورفعَ الجهل). يريد: أنّ العلم له علامةٌ قبله وعلامةٌ بعده، فعلامته قبله: ما قام به الدّليل، وعلامته بعده: رفع الجهل. قال (٢): (وهو على ثلاث درجات. الدّرجة الأولى: علمٌ جليٌّ به يقع العِيانُ (٣)، أو استفاضةٌ صحيحةٌ، أو صحّةُ تجربةٍ قديمةٍ). يريد بالجليِّ: الظّاهر الذي لا خفاء به، وجعله ثلاثة أنواعٍ: أحدها: ما وقع عن عِيانٍ، وهو البصر. والثّاني: ما استند إلى السّمع، وهو علم الاستفاضة. والثّالث: ما استند إلى العقل، وهو علم التّجربة. فهذه الطُّرق الثّلاثة ــ وهي السّمع والبصر والعقل ــ هي طرق العلم وأبوابه . ولا تنحصر طرق العلم فيما ذكره، فإنّ سائر الحواسِّ تُوجب العلم. وكذا ما يُدرَك بالباطن، وهي الوجدانيّات. وكذا ما يُدرك بخبر المخبر الصّادق، وإن كان واحدًا. وكذا ما يحصل بالفكر والاستنباط. وإن لم يكن تجربةً. فالعلم لا يتوقّف على هذه الثّلاثة التي ذكرها فقط.

стр. 1673

والفرق بينه وبين «المعرفة» من وجوهٍ ثلاثةٍ: أحدها: أنّ المعرفة لبُّ العلم، ونسبة العلم إليها كنسبة الإيمان إلى الإحسان. وهي علمٌ خاصٌّ، متعلَّقه أخفى من متعلَّق العلم وأدقُّ. والثّاني: أنّ المعرفة هي العلم الذي يراعيه صاحبه بموجبه ومقتضاه، فهو علمٌ تتّصل به الرِّعاية. والثّالث: أنّ المعرفة شاهدة لنفسها، وهي بمنزلة الأمور الوجدانيّة التي لا يُمكِن صاحبَها أن يشكّ فيها، ولا ينتقل عنها. وكشف المعرفة أتمُّ من كشف العلم. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: علمٌ خفيٌّ. ينبت في الأسرار الطّاهرة (٢)، من الأبدان (٣) الزّاكية، بماء الرِّياضة الخالصة. ويظهر في الأنفاس الصّادقة، لأهل الهمّة العالية، في الأحايين الخالية، في الأسماع الصّاحية. وهو علمٌ يُظهِر الغائب، ويُغيِّب الشّاهد، ويُشير إلى الجمع). يعني: أنّ هذا العلم خفيٌّ على أهل الدّرجة الأولى، وهو المسمّى بالمعرفة عند هذه الطّائفة. قوله: «ينبت في الأسرار الطّاهرة».

стр. 1674

لفظ «السِّرِّ» يطلق في لسانهم ويراد به أمورٌ: أحدها: اللّطيفة المودَعة في هذا القالب، التي بها حصل له الإدراك والمحبّة والإرادة والعلم. وذلك هو الرُّوح. الثّاني: معنًى قائمٌ بالرُّوح، نسبته إلى الرُّوح كنسبة الرُّوح إلى البدن. وغالبُ ما يريدون به هذا المعنى. وعندهم: أنّ القلب أشرف ما في البدن، والرُّوح أشرف من القلب، والسِّرّ ألطفُ من الرُّوح (١). وعندهم: للسِّرِّ سرٌّ آخر لا يطّلع عليه غير الحقِّ ، وصاحبه لا يطّلع عليه. وإن اطّلع على سرِّه فيقولون: السِّرُّ ما لكَ عليه إشرافٌ، وسرُّ السِّرِّ ما لا اطِّلاعَ عليه لغير الحقِّ سبحانه (٢). والمعنى الثّالث: يراد به ما يكون مَصُونًا مكتومًا بين العبد وبين ربِّه، من الأحوال والمقامات. كما قال بعضهم: أسرارنا بِكرٌ، لم يَفْتضَّها وهمُ واهمٍ (٣). ويقول قائلهم: لو عَرفَ زِرِّي سرِّي لطرحتُه (٤). والمقصود قوله: «ينبت في الأسرار الطّاهرة». يعني: الطّاهرة من كَدَر الدُّنيا والاشتغال بها، وعلائقِها التي تعوق الأرواح عن ديار الأفراح، فإنّ هذه

стр. 1675

أكدارٌ وتنفُّساتٌ في مرآة القلب والرُّوح، فلا تتجلَّى (١) فيها صور الحقائق كما ينبغي. والنّفس تتنفَّس فيها دائمًا بالرّغبة في الدُّنيا والرّهبة من فوتها، فإذا جُلِيت المرآة بإذهاب هذه الأكدار صَفَتْ، فظهرت فيها الحقائق والمعارف. وأمّا الأبدان الزّاكية، فهي التي زَكَتْ بطاعة الله، ونبتتْ على أكل الحلال. فمتى خلصت (٢) الأبدان من الحرام وأدناسِ البشريّة، التي ينهى عنها العقل والدِّين والمروءة، وطَهُرت الأنفس من علائق الدُّنيا= زكَتْ أرضُ القلب، فقبلتْ بذْرَ العلوم والمعارف. فإن سُقِيتْ بعد ذلك بماء الرِّياضة الشّرعيّة النّبويّة المحمّديّة ــ وهي لا تخرج عن علمٍ، ولا تبعد عن واجبٍ، ولا تُعطِّل سنّةً ــ أنبتتْ من كلِّ زوجٍ كريمٍ، من علمٍ وحكمةٍ وفائدةٍ وتعرُّفٍ. فاجتنى منها صاحبُها ومَن جالسه أنواعَ الطُّرف والفوائد والثِّمار، كما قال بعض السّلف (٣): إذا عَقَدت القلوب على ترك المعاصي جالتْ في الملكوت، ثمّ رجعتْ إلى أصحابها بأنواع التُّحَف والفوائد. قوله: (وتظهر في الأنفاس الصّادقة)، يريد بالأنفاس أمرين: أحدهما: أنفاس الذِّكر والمعرفة. والثّاني: أنفاس المحبّة والإرادة. وهي ما يتعلّق بالمعروف المذكور، وبالمحبوب المراد من الذّاكر والمحبِّ.

стр. 1676

وصدقها: خلوصها من شوائب الأغيار والحظوظ. وقوله: (لأهل الهِمَم العالية)، فهي التي لا تقف دون الله ، ولا تُعرِّج في سفرها على شيءٍ سواه. وأعلى الهمم: ما تعلّق بالعليِّ الأعلى. وأوسعها: ما تعلّق بصلاح العباد. وهي هِمَمُ الرُّسل وورثتهم. وقوله: (في الأحايين الخالية). يريد بها: ساعات الصّفاء مع الله تعالى، وأوقات النّفحات الإلهيّة، التي من تعرَّضَ لها يوشك أن لا يُحْرَمها، ومن أعرضَ عنها فهي عنه أشدُّ إعراضًا. وقوله: (في الأسماع الصّاحية). وهي التي صَحَتْ من تعلُّقها بالباطل واللّغو، وأصاخَتْ لدعوة الحقِّ ومنادي الإيمان. فإنّ الباطل واللّغو خمر الأسماع والعقول، فصَحْوُها بتجنُّبِه والإصغاء إلى دعوة الحقِّ. قوله: (وهو علمٌ يُظهِر الغائب)، أي يكشف ما كان غائبًا عن العارف. قوله: (ويُغيِّب الشّاهد)، أي يُغيِّبه عن شهود ما سوى مشهوده الحقِّ. (ويشير إلى الجمع)، وهو مقام الفردانيّة، واضمحلال الرُّسوم حتّى رَسْم الشّاهد نفسه. فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: علمٌ لَدُنِّيٌ. إسناده وجوده، وإدراكه عيانُه، ونعتُه حكُمه. ليس بينه وبين الغيب حجابٌ).

стр. 1677

يشير القوم بالعلم اللّدنِّي إلى (١) ما يحصل للعبد بغير واسطةٍ، بل إلهامٍ من الله، وتعريفٍ منه لعبده، كما حصل للخضر ﵇ بغير واسطة موسى، قال تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. وفرَّقَ بين الرّحمة والعلم، وجعلهما «من عنده» و «من لدنه» إذ لم ينلهما على يد بشرٍ، وكان ما لدنه أخصَّ وأقرب مما عنده، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]. فالسلطان النّصير الذي من لدنه سبحانه أخصُّ من الذي عنده وأقربُ. وهو نصْره الذي أيّده به. والّذي من عنده: نصْرُه بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]. والعلم اللّدنِّيُّ (٢) ثمرة العبوديّة والمتابعة، والصِّدق مع الله، والإخلاص له، وبذلِ الجهد في تلقِّي العلم من مشكاة رسوله من كتابه وسنة رسوله، وكمالِ الانقياد له. فيفتح له من فهم الكتاب والسُّنّة بأمرٍ يخصُّه به، كما قال عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ ــ وقد سئل هل خصَّكم رسول الله ﷺ بشيءٍ دون النّاس؟ ــ فقال: لا والّذي فَلَقَ الحبّةَ، وبرأَ النّسمةَ، إلّا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه (٣). فهذا هو العلم اللّدنِّيُّ الحقيقيُّ، وأمّا علمُ من أعرض عن الكتاب والسُّنّة ولم يتقيّد بهما: فهو من لَدُنِ النّفس والشّيطان، فهو لدنّيٌّ لكن مِن لَدُنْ مَن؟

стр. 1678

وإنّما يُعرف كون العلم لدنّيًّا رحمانيًّا بموافقته لما جاء به الرّسول عن ربِّه . فالعلم اللّدنِّيُّ نوعان: لدنِّيٌّ رحمانيٌّ، ولدنِّيٌّ شيطانيٌّ بطناويٌّ. والمحَكُّ هو الوحي، ولا وحيَ بعد رسول الله ﷺ . وأمّا قصّة موسى مع الخضر ﵉، فالتّعلُّق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللّدنِّيِّ إلحادٌ وكفرٌ مُخرِجٌ عن الإسلام، موجبٌ لإراقة الدّم. والفرق: أنّ موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته، ولو كان مأمورًا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه. ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم (١). ومحمّدٌ ﷺ مبعوثٌ إلى جميع الثِّقلين، فرسالته عامّةٌ للجنِّ والإنس في كلِّ زمانٍ، ولو كان موسى وعيسى حيَّينِ لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى ابن مريم ﵉ فإنّما يحكم بشريعة محمّدٍ ﷺ . فمن ادّعى أنّه مع محمّدٍ ﷺ كالخضر مع موسى، أو جوَّز ذلك لأحدٍ من الأمّة= فليجدِّد إسلامه، وليتشهَّدْ شهادة الحقِّ، فإنّه مفارقٌ لدين الإسلام بالكلِّيّة، فضلًا عن أن يكون من خاصّة أولياء الله. وإنّما هو من أولياء الشّيطان وخلفائه ونُوَّابه. وهذا الموضع مَقطعٌ ومَفرقٌ بين زنادقة القوم وبين أهل الاستقامة منهم، فحرِّك تَرَ (٢).

стр. 1679

قوله: (إسناده وجوده). يعني: أنّ طريق هذا العلم هو وجدانه، كما أنّ طريق غيره هو الإسناد. (وإدراكُه عيانه). أي أنّ هذا العلم لا يؤخذ بالفكر والاستنباط، وإنّما يُؤخذ عيانًا وشهودًا. (ونعتُه حكمه). يعني: أنّ نعوته لا يُوصل إليها إلّا به، فهي قاصرةٌ عنه، يعني أنّ شاهده منه، ودليله وجوده، وإنِّيتُه لِمِّيّته. فبرهان الإنِّ فيه هو برهان اللّمِّ، فهو الدّليل وهو المدلول. ولذاك لم يكن بينه وبين الغيب حجابٌ. بخلاف ما دونه من العلوم، فإنّ بينه وبين العلوم (١) حجابٌ (٢). والّذي يشير إليه القوم: هو نورٌ من جناب المشهود يمحو قوى الحواسِّ وأحكامها، ويقوم لصاحبها مقامها، فيرى المشهود بنوره، ويفنى ما سواه بظهوره. وهذا عندهم معنى الأثر الإلهيِّ: «فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، فبي يسمع، وبي يُبصِر» (٣). والعلم اللّدنيُّ الرّحمانيُّ هو ثمرة هذه الموافقةِ والمحبّة التي أوجبها التّقرُّب بالنّوافل بعد الفرائض. واللّدنِّيُّ الشّيطانيُّ ثمرة الإعراض عن الوحي وتحكيمِ الهوى. والله المستعان (٤). * * * *

стр. 1680

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الحكمة . قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. وقال عن المسيح ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨]. الحكمة في كتاب الله نوعان: مفردةٌ، ومقرونةٌ (١) بالكتاب. فالمفردة فُسِّرت بالنُّبوّة، وفُسِّرت بعلم القرآن. قال ابن عبّاسٍ ﵄: هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدَّمه ومؤخَّره، وحلاله وحرامه، وأمثاله (٢). وقال الضّحّاك: القرآن والفهم فيه (٣). وقال مجاهدٌ: هي القرآن والعلم والفقه (٤). وفي روايةٍ أخرى عنه: هي الإصابة في القول والفعل (٥).

стр. 1681

وقال النّخعيُّ: هي [معرفة] معاني الأشياء وفهمها (١). وقال الحسن: الورع في دين الله (٢). كأنّه فسّرها بثمرتها ومقتضاها. وأمّا الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السُّنّة. كذلك قال الشّافعيُّ وغيره من الأئمّة (٣). وقيل: هي القضاء بالوحي (٤). وتفسيرها بالسُّنّة أعمُّ وأشهر. وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهدٍ ومالكٍ: إنّها معرفة الحقِّ والعمل به، والإصابة في القول والعمل (٥). وهذا لا يكون إلّا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان. و الحكمة حكمتان: علميّةٌ وعمليّةٌ . فالعلميّة: الاطِّلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبَّباتها خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا. والعملية كما قال صاحب «المنازل» (٦): (هي وضع الشّيء في موضعه).

стр. 1682

قال (١): (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: أن تُعطي كلّ شيءٍ حقَّه ولا تُعدِّيه حدّه، ولا تُعجِّله عن وقته، ولا تُؤخِّره عنه). لمّا كانت الأشياء لها مراتب وحقوقٌ تقتضيها شرعًا وقدرًا، ولها حدودٌ ونهاياتٌ تصل إليها ولا تتعدّاها، ولها أوقاتٌ لا تتقدّم عنها ولا تتأخّر= كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثّلاث: بأن يُعطي المرتبةَ حقَّها الذي أحقَّه الله لها بشرعه وقدره، ولا يتعدّى بها حدّها فيكون متعدِّيًا مخالفًا للحكمة، ولا يطلب تعجيلها عن وقتها فيخالف الحكمة، ولا تأخيرها عنه فيفوتها. وهذا حكمٌ عامٌّ لجميع الأسباب مع مسبّباتها شرعًا وقدرًا، فإضاعتها تعطيلٌ للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسَقْي الأرض. وتعدِّي الحقِّ: كسَقْيها فوقَ حاجتها، بحيث يغرق البذر والزّرع ويفسد. وتعجيلها عن وقتها: كحصاده قبل إدراكه وكماله. وكذلك تركُ الغذاء والشّراب واللِّباس إخلالٌ بالحكمة، وتعدِّي الحدِّ المحتاج إليه خروجٌ عنها أيضًا، وتعجيل ذلك قبل وقته إخلالٌ بها أو تأخيره عن وقته. فالحكمة إذًا: فعلُ ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي. والله تعالى أورث الحكمة آدمَ وبنيه. فالرّجل من له إرثٌ كاملٌ من أبيه، ونصفُ الرّجل ــ كالمرأة ــ له نصف ميراثٍ، والتّفاوت في ذلك لا يحصيه إلّا الله تعالى.

стр. 1683

و أكمل الخلق في هذا هم الرُّسل، وأكملهم أولو العزم، وأكملهم محمّدٌ ﷺ . ولهذا امتنّ سبحانه عليه وعلى أمّته بما آتاهم من الحكمة، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]. وقال تعالى: ﴿(١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا﴾ [البقرة: ١٥١]. وكلُّ نظام الوجود مرتبطٌ بهذه الصِّفة، وكلُّ خللٍ في الوجود وفي العبد فسببه: الإخلال بها. فأكملُ النّاس أوفرهم منها نصيبًا, وأنقصُهم وأبعدُهم عن الكمال أقلُّهم منها ميراثًا. ولها ثلاثة أركانٍ: العلم، والحلم، والأناة. وآفتها وأضدادها: الجهل، والطَّيش، والعَجَلة. فلا حكمةَ لجاهلٍ ولا طائشٍ ولا عَجولٍ. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: أن تشهد نظر الله في وعده, وتعرِف عدلَه في حكمه, وتلحظَ برَّه في منعِه). أي تعرف الحكمة في الوعد والوعيد، وتشهد حكمه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. فتشهد عدله في وعيده، وإحسانَه في وعده، وكلٌّ قائمٌ بحكمته. وكذلك تعرف عدله في أحكامه الشّرعيّة والكونيّة الجارية على

стр. 1684

الخلائق، فإنّه لا ظلمَ فيها ولا حيفَ ولا جورَ, وإن أجراها على أيدي الظّلمة. فهو أعدل العادلين, ومن جرتْ على يديه هو الظّالم. وكذلك تعرف برَّه في منعه, فإنّه سبحانه هو الجواد الذي لا يَنقُص خزائنَه الإنفاقُ، ولا يَغيض ما في يمينه سعةُ عطائه. فما منع مَن منعَه فضلَه إلّا لحكمةٍ كاملةٍ في ذلك, فإنّه الجواد الحكيم, وحكمته لا تناقض جودَه. فهو لا يضع برَّه وفضلَه إلّا في موضعه ووقته, بقدر ما تقتضيه حكمته. ولو بسط الله (١) الرِّزق لعباده لفسدوا وهلكوا. ولو علم في الكفّار خيرًا وقبولًا لنعمة الإيمان، وشكرًا له عليها، ومحبّةً له واعترافًا بها= لهداهم إلى الإيمان. ولهذا لمّا قالوا للمؤمنين: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أجابهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. سمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان، ويشكرون الله عليها. فهو سبحانه ما أعطى إلّا بحكمته, ولا منعَ إلّا لحكمته، ولا أضلَّ إلّا لحكمته. وإذا تأمّل البصير أحوالَ العالم وما فيه من النّقص (٢) رآه عينَ الحكمة, وما عمرت الدُّنيا والآخرة والجنّة والنّار إلّا لحكمته. وفي الحكمة ثلاثة أقوالٍ للنّاس (٣).

стр. 1685

أحدها: أنّها مطابقةُ علمه لمعلومه، وإرادته ومشيئته لمراده. هذا تفسير الجبريّة. وهو في الحقيقة نفيٌ للحكمة, إذ مطابقة المعلوم والمرادِ أعمُّ من أن يكون حكمةً أو خلافها، فإنّ السّفيه من العباد يطابق علمه وإرادته لمعلومه ومراده, مع كونه سفيهًا. الثّاني ــ مذهب القدريّة النُّفاة ــ: أنّها مصالح العباد ومنافعهم العائدة عليهم. وهو إنكارٌ لوصفه تعالى بالحكمة, وردُّها (١) إلى مخلوقٍ من مخلوقاته. الثّالث ــ قول أهل الإثبات والسُّنّة ــ: أنّها الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه بخلقه وأمره، التي أَمر لأجلها، وقَدَّر وخلقَ لأجلها. وهي صفته القائمة به كسائر صفاته: من سمعه وبصره، وقدرته وإرادته، وعلمه وحياته وكلامه. وللرّدِّ على طائفتي (٢) الجبريّة والقدريّة موضعٌ آخر غير هذا. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّالثة: أن تبلُغ في استدلالك البصيرةَ, وفي إرشادك الحقيقةَ, وفي إشارتك الغايةَ). يريد: أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم, وهي البصيرة التي
следующие страницы →