← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وهذا مبنيٌّ على قواعد القوم في الفرق بين أحكام النّفس والقلب والرُّوح (١). و «الفتح» عندهم نوعان: فتحٌ قلبيٌّ، وفتحٌ روحيٌّ. فالفتح القلبيُّ يجمعه على الله ويلمُّ شعَثَه، والفتح الرُّوحيُّ يُفنيه (٢) عنه ويجرِّده منه، وبالله التّوفيق. * * * *

стр. 1997

فصل ومنها منزلة (١) السِّرِّ . قال صاحب «المنازل» (٢): (باب السِّرِّ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] أصحاب السِّرِّ: هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر). أمّا استشهاده بالآية، فوجهه: أنّ (٣) أتباع الرُّسل الذين صدّقوهم، وآثروا الله والدّار الآخرة على قومهم وأصحابهم، أودع الله قلوبَهم سرًّا مِن أسرار معرفته ومحبّته والإيمان به خفي على أعداء الرُّسل، فنظروا إلى ظواهرهم، وعَمُوا عن بواطنهم، فازْدَروهم واحتقروهم، وقالوا للرّسول: اطرد هؤلاء عنك، حتّى نأتيك ونسمع منك (٤)، وقالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]، فقال نوحٌ لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ﴾ [هود: ٣١]. قال الزجَّاج (٥): المعنى إن كنتم تزعمون أنّهم اتّبعوني في بادي الرّأي

стр. 1998

وظاهره، فليس عليّ أن أطّلع على ما في نفوسهم، فإذا رأيتُ مَن يوحِّد الله عملتُ على ظاهره، ورددتُ عِلمَ (١) ما في نفوسهم إلى الله. وهذا معنًى حسنٌ. والّذي يظهر من الآية: أنّ الله يعلم (٢) بما في أنفسهم، إذ أهّلهم لقبول دينه وتوحيده، وتصديق رسله، فالله سبحانه حكيمٌ (٣)، يضع العطاءَ في مواضعه، وتكون هذه الآية مثل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. فإنّهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهّلهم للهدى والحقِّ، وحرَمه رؤساءَ الكفّار وأهل العزّة منهم والثّروة، كأنّهم استدلُّوا بعطاء الدُّنيا على عطاء الآخرة، فأخبر سبحانه أنّه أعْلَم بمَن يؤهِّله لذلك لسرٍّ عنده؛ من معرفة قدر النِّعمة، ورؤيتها من مجرّد فضل المنعم، ومحبّته وشكره عليها. وليس كلُّ أحدٍ عنده هذا السِّرُّ، فلا يؤهَّل (٤) لهذا العطاء. قوله: (أصحاب السِّرِّ هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر) قد يريد به حديثَ سعد بن أبي وقّاصٍ، حيث قال (٥) ابنه: أنتَ هاهنا والنّاس ينازعون (٦) في الإمارة؟ فقال: إنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ الله يحبُّ

стр. 1999

العبدَ التّقيَّ الغنيَّ الخفيّ» (١). وقد يريد به قولَه ﷺ : «ربّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبَرّه» (٢). وقولَه في الحديث الآخر وقد مرّ به رجلٌ فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حريٌّ إن شفَع أن يُشَفّع، وإن خطَب أن يُنكَح، وإن قال أن يُسمع لقوله. ثمّ مرّ به آخر فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حريٌّ إن شفَع ألّا يُشفّع، وإن خطَب: أن لا يُنكَح، وإن قال: لم (٣) يُسمع لقوله. فقال النبيُّ ﷺ : «هذا خيرٌ مِن ملء الأرض مِثل هذا» (٤). فصل قال (٥): (وهم على ثلاث (٦) طبقاتٍ، الطّبقة الأولى: طائفةٌ علَت هممُهم، وصفَت قصودُهم، وصحّ سلوكُهم، ولم يوقَف لهم على رسمٍ، ولم يُنسبوا إلى اسمٍ، ولم تُشِرْ إليهم الأصابع (٧). أولئك ذخائر الله حيث كانوا). ذكر لهم ثلاثَ صفاتٍ ثبوتيَّةٍ، وثلاثًا (٨) سلبيّةً.

стр. 2000

الأولى: علوُّ هممهم. وعلوُّ الهمَّة أن لا تقف دون الله، ولا تتعوّض عنه بشيءٍ، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظّها من الله وقربَه والأنسَ به، والفرحَ والسُّرورَ والابتهاجَ به، بشيءٍ من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمّة العالية على الهمم كالطّائر العالي على الطُّيور، لا يرضى بمساقطتهم (١)، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإنّ الهمّةَ كلّما علَت بعُدَت عن وصول الآفات إليها، وكلّما نزلت (٢) قصَدَتْها الآفاتُ مِن كلِّ مكانٍ، فإنّ الآفات قواطعُ وجواذبُ، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنّما تجتذب من المكان السّافل، فعلوُّ همّة المرء عنوانُ فلاحه، وسفولُ همّته عنوانُ حرمانه. العلامة الثانية: صفاء القصد ، وهو خَلاصُه من الشوائب التي تعوقه عن مقصوده، فصفاء القصد: تجريدُه لطلب المقصود له لا لغيره، فهاتان آفتان في القصد؛ إحداهما (٣): أن لا يتجرّد لمطلوبه. الثّاني: أن يطلبه لغيره لا لذاته. وصفاء القصد يُراد به: العزم الجازم على اقتحام بحر الفناء عند الشيخ ومَن وافقه على أنّ الفناء غايةٌ. ويراد به: خُلوص القصد مِن كلِّ إرادةٍ تزاحم مراد الرّبِّ تعالى، بل يصير القصد مجرّدًا لمراده الدِّينيِّ الأمريِّ. وهذه طريقة من يجعل الغاية هي الفناء عن إرادة السِّوى، وعلامته:

стр. 2001

اندراج حظِّ العبد (١) في حقِّ الرّبِّ تعالى، بحيث يصير حظُّه هو نفس حقِّ ربِّه عليه. ولا يخفى على البصير الصّادق علوُّ هذه المنزلة، وفضلها على منزلة الفناء، وبالله التّوفيق. العلامة الثّالثة: صحّة السُّلوك وهو سلامته من الآفات والعوائق والقواطع، وهو إنّما يصحُّ بثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون على الدّربِ الأعظم (٢)، النّبويِّ المحمّديِّ، لا على الجوادِّ الوضعيّة، والرُّسوم الاصطلاحيّة، وإن زخرفوا لها القولَ ودقّقوا لها الإشارة، وحسّنوا لها العبارة، فتلك من بقايا النُّفوس عليهم وهم لا يشعرون. الثّاني: أن لا يجيب على الطّريق داعي البطالة والوقوف والدّعة. الثّالث: أن يكون في سلوكه ناظرًا إلى المقصود. وقد تقدّم بيان ذلك. فبهذه الثّلاثة يصحُّ السُّلوك، والعبارةُ الجامعة لها: أن يكون واحدًا لواحدٍ في طريقٍ واحدٍ، فلا ينقسم طلبه ولا مطلوبه، ولا تتلوّن طريقه (٣). وأمّا الثّلاثة السّلبيّة التي ذكرها، فأوُّلها قوله: (ولم يوقَف لهم على رسمٍ) يريد: أنّهم قد انمحت رسومُهم، فلم يبق منها ما يقف عليه واقف. وهذا كلامٌ يحتاج إلى شرحٍ؛ فإنّ الرّسم الظّاهر المعاين لا يمحى (٤) ما

стр. 2002

دام في هذا العالم، ولا يريدون محو هذا الرّسم (١)، وهم مختلفون فيما يعبّر بالرّسم عنه. فطائفةٌ قالت: الرّسم ما سوى الحقِّ سبحانه، ومحوه هو: ذهاب الوقوف معه والنّظر إليه والرِّضا به والتّعلُّق به. ومنهم من يريد بالرّسوم: الظّواهر والعلامات. وهذا أقرب إلى وضع اللُّغة، فإنّ رسمَ الدّار هو الأثر الباقي منها يدلُّ عليها، ولهذا يسمُّون الفقهاءَ وأهلَ الأثر ونحوهم: علماءَ الرُّسوم؛ لأنّهم لم يَصِلوا إلى الحقائق، بل اشتغلوا عن معرفتها بالظّواهر والأدلّة. فهذه الطّائفة التي أشار إليها لا رسم لهم يقفون عنده، بل قد اشتغلوا بالحقائق والمعاني عن الرُّسوم والظّواهر. وللملحد (٢) هاهنا مجالٌ؛ إذ عنده أنّ العبادات والأوامر والأوراد كلّها رسومٌ، وأنّ العباد وقفوا على الرُّسوم، ووقفوا هُم (٣) على الحقائق. ولعَمْر الله إنّها لرسومٌ إلهيّةٌ أتت على أيدي رسله، ورَسَم لهم أن لا يتعدّوها، ولا يقصِّروا عنها، فالرُّسل قعدوا على هذه الرُّسوم يدعون الخلقَ إليها، ويمنعونهم من تجاوزها، ليصلوا إلى حقائقها ومقاصدها، فعطّلت الملاحدةُ تلك الرُّسوم، وقالوا: إنّما المراد الحقائق، ففاتهم الرُّسوم

стр. 2003

والحقائق معًا. ووصلوا ولكن إلى الحقائق الإلحاديّة الكفريّة (١) ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]. فأحسن ما حُمِل عليه قولُ الشّيخ ﵀: (ولم يقفوا مع رسمٍ): أنّهم لم ينقطعوا بشيءٍ سوى الله عنه، فكلُّ ما قَطَع عن الله لم يقفوا معه، وما أوصلهم إلى الله لم يفارقوه، وكان وقوفهم معه. وقد يريد بقوله: (لم يوقَف لهم على رسمٍ) أنّهم لِعُلوِّ هممهم سبقوا النّاس في السّير، ولم يقفوا معهم، فهم المفرِّدون السّابقون، فلسَبْقِهم لم يوقَف لهم على أثرٍ في الطّريق، ولم يعلم المتأخِّر عنهم أين سلكوا! والمشمِّر بعدهم قد يرى آثار (٢) نيرانهم على بُعْدٍ عظيمٍ، كما يرى الكوكب (٣)، ويستخبر مَن رآهم؟ وأينَ رآهم (٤)؟ فحاله كما قيل (٥): أسائلُ عنكم كلَّ غادٍ ورائحٍ ... وأومي إلى أوطانكم وأسلِّم العلامة الثّانية: قوله: (ولم يُنسبوا إلى اسمٍ) أي: لم يشتهروا باسمٍ (٦) عند النّاس من الأسماء التي صارت أعلامًا لأهل الطّريق.

стр. 2004

وأيضًا، فإنّهم لم يتقيّدوا بعملٍ واحدٍ يجري عليهم اسمُه، فيُعرفون به دون غيره من الأعمال. فإنّ هذا آفةٌ في العبوديّة، وهي عبوديّةٌ مقيّدةٌ، وأمّا العبوديّة المطلقة فلا يُعرف صاحبها باسمٍ معيّنٍ من معاني أسمائها، فإنّه مجيبٌ لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كلِّ أهل عبوديّةٍ نصيبٌ يضرب معهم بسهمٍ، فلا يتقيّد برسمٍ ولا إشارةٍ، ولا اسمٍ ولا زِيٍّ، ولا طريقٍ وضعيٍّ اصطلاحيٍّ. بل إن سُئل عن شيخه؟ قال: الرّسول، وعن طريقِه؟ قال: الاتِّباع، وعن خِرْقَتِه؟ قال: لباس التّقوى، وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السُّنّة، وعن مقصوده ومطلبه؟ قال: ﴿وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وعن رِباطه وخانكاته؟ قال: ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]، وعن نسبه؟ قال: أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم (١) وعن مأكله ومشربه؟ قال: ما لك ولها؟ معها حِذاؤها وسِقاؤها تَرِد الماءَ وترعى الشّجرَ حتّى تلقى ربّها (٢). واحسرتاه تمضّى (٣) العمرُ وانصرمت ... ساعاتُه بين ذلِّ العجز والكسل والقوم قد أخذوا درب النّجاة وقد ... ساروا إلى المطلب الأعلى على مَهلِ (٤)

стр. 2005

العلامة الثالثة: قوله: (ولم يُشِر إليهم بالأصابع) يريد: أنّهم لخفائهم عن النّاس لم يُعرفوا بينهم حتّى يشيروا إليهم بالأصابع. وفي الحديث المعروف عن النّبيِّ ﷺ : «لكلِّ عاملٍ شرّةٌ ولكلِّ شرّةٍ فترةٌ. فإنْ (١) صاحِبُها سدّدَ وقارَبَ فارجوا له، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدُّوه شيئًا» (٢). فسئل راوي الحديث ما معنى: «أشير إليه بالأصابع» فقال: هو المبتدع في دينه، الفاجر في دنياه. وهذا موضعٌ يحتاج إلى تفصيلٍ؛ فإنّ النّاس إنّما يشيرون بالأصابع إلى من يأتيهم بشيءٍ، فبعضهم يعرفه وبعضهم لا يعرفه، فإذا مرّ أشار من يعرفه إلى من لا يعرفه: هذا فلانٌ، وهذا قد يكون ذمًّا له، وقد يكون مدحًا، فمن كان معروفًا باجتهادٍ وعبادةٍ وزهدٍ وانقطاعٍ عن الخلق، ثمّ انحطّ عن ذلك، وعاد إلى حال أهل الدُّنيا والشّهوات= إذا مرّ بالنّاس أشاروا إليه، وقالوا: هذا كان على طريق كذا وكذا، فُتِنَ وانقلب، فهو الذي (٣) قال في الحديث: «فلا تعدُّوه شيئًا» لأنّه انقلب على عقبيه، ورجع بعد الشِّرّة إلى أسوأ فترةٍ. وقد يكون الرّجل منهمكًا في الدُّنيا ولذّاتها، ثمّ يوقظه الله لآخرته، فيترك ما هو فيه، ويُقبِل على شأنه، فإذا مرّ أشار النّاس إليه بالأصابع، وقالوا: هذا كان مفتونًا ثمّ تداركه الله. فهذا كانت شرّته في المعاصي ثمّ صارت في الطّاعات. والأوّل كانت في الطّاعات ثمّ فترت وعاد (٤) إلى البدعة والفجور.

стр. 2006

وبالجملة فالإشارة بالأصابع إلى الرّجل: علامة خيرٍ وشرٍّ، ومورد هلَكَة ونجاة (١)، والله الموفِّق. قوله: (أولئك ذخائر الله حيث كانوا). ذخائرُ الملك: ما يخبِّئه عنده، ويدّخِره (٢) لمهمّاته ولا يبذله لكلِّ أحدٍ، وكذلك ذخيرة الرّجل: ما يَدّخِره لحوائجه ومهمّاته. وهؤلاء لمّا كانوا مستورين عن النّاس بأسبابهم، غيرَ مشارٍ إليهم ولا متميِّزين برسمٍ دون النّاس، ولا منتسبين إلى اسم طريقٍ أو مذهبٍ أو شيخٍ أو زيٍّ= كانوا بمنزلة الذّخائر المخبوءة، وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات، فإنّ الآفات كلّها تحت الرُّسوم والتّقيُّد (٣) بها، ولزوم الطُّرق الاصطلاحيّة، والأوضاع المتداولة الحادثة؛ هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون. والعجب أنّ أهلها هم المعروفون بالطّلب والإرادة والمسير إلى الله (٤). وهم ــ إلّا الواحد بعد الواحد ــ مقطوعون عن الله بتلك (٥) الرُّسوم والقيود. وقد سُئل بعض الأئمّة عن السُّنّة (٦)؟ فقال: ما لا اسم له غير (٧) السُّنّة،

стр. 2007

يعني: أنّ أهل السُّنّة ليس لهم اسمٌ يُنسبَون (١) إليه سواها. فمن النّاس مَن يتقيّد بلباسٍ لا يلبس غيرَه، أو بالجلوس في مكانٍ لا يجلس في (٢) غيره، أو مِشيةٍ لا يمشي غيرها، أو زيٍّ وهيئةٍ لا يخرج عنهما (٣)، أو عبادةٍ معيّنةٍ لا يتعبّد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخٍ معيّنٍ لا يلتفتُ إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه= وهؤلاء كلُّهم محجوبون، وعن الظّفَر بالمطلوب الأعلى مصدودون، قد قيّدتهم العوائدُ والرُّسومُ والأوضاعُ والاصطلاحاتُ عن تجريد المتابعة، فأصبحوا عنها (٤) بمعزلٍ، ومنزلتهم منها أبعد منزلٍ، فترى أحدَهم يتعبّد بالرِّياضة والخَلوة وتفريغ القلب، ويَعدُّ العلمَ قاطعًا له عن الطّريق، فإذا ذُكِر له الجهاد كان أشدّ نفورًا عنه، فإذا ذُكِر له الموالاة في الله والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر= عدّ ذلك فضولًا وشرًّا، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدُّوه غيرًا عليهم. فهؤلاء أبعد النّاس عن الله، وإن كانوا أكثر إشارةً إليه (٥). فصل قال (٦): (الطبقة الثانية: طائفةٌ أشاروا عن (٧) منزلٍ وهم في غيره، وورَّوا

стр. 2008

بأمرٍ وهم لغيره، ونادوا على شأنٍ وهم على غيره، فهم (١) بين غيرةٍ عليهم تستُرهم، وأدبٍ فيهم يصونهم، وظَرفٍ يهذِّبهم). أهلُ هذه الطبقة استسرُّوا اختيارًا وإرادةً لذلك، صيانةً لأحوالهم، وكمالًا في تمكُّنهم، فمقاماتهم عاليةٌ لا ترمقها العيون ولا تخالجها (٢) الظُّنون، يشيرون (٣) إلى ما يعرفه المخاطَب من مقامات المريدين السّالكين، وبدايات السُّلوك، ويخفون ما مكّنهم فيه الحقُّ تعالى من أحوال المحبّة ومواجيدها، وآثار المعرفة وتوحيدها. فهذه هي التّورية التي ذكرها. فكأنّهم يُظهرون للمخاطَب أنَّهم من أهل البدايات، وهم في أعلى المقامات، يتكلّمون معهم في البداية والإرادة والسُّلوك، ومقامهم فوق ذلك، وهم محقُّون في الحالين (٤)، لكنّهم يسترون أشرف أحوالهم ومقاماتهم عن النّاس. وبالجملة: فهم مع النّاس بظواهرهم، يخاطبونهم على قدر عقولهم، ولا يخاطبونهم بما لا تصل إليه عقولهم، فيُنْكَر (٥) عليهم، فيحسبهم المخاطَب مثله، فالنّاس عندهم وليسوا هم عند أحدٍ.

стр. 2009

قوله: (أشاروا إلى منزلٍ، وهم في غيره) يعني: يشيرون إلى منزل التّوبة والمحاسبة، وهم في منزل المحبّة والوَجْد والذّوق ونحوها. وقد يريد: أنّهم يشيرون إلى أنّهم عامّةٌ وهم خاصّة الخاصّة، وإلى أنّهم جهّالٌ وهم العارفون بالله، وأنّهم مسيئون وهم المحسنون (١). وعلى هذا فيكونون من الطّائفة المَلامَتيّة، الذين يُظهرون ما لا يُمدَحون عليه، ويُسرُّون ما يَحمدهم الله عليه، عكس المرائين المنافقين. وهؤلاء طائفةٌ معروفةٌ، لهم طريقٌ معروفةٌ، تسمّى طريق أهل الملامة، وتسمّى (٢) الطّائفة الملامتيّة (٣)، ويزعمون أنّهم يحتملون ملامَ النّاسِ لهم على ما يظهرونه من الأعمال، ليخلص لهم ما يبطنونه من الأحوال. ويحتجُّون بقوله تعالى: ﴿دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. فهم عاملون على إسقاط جاههم ومنزلتهم في قلوب النّاس، لمّا رأوا المغترِّين ــ المغترّ بهم ــ من المنتسبين إلى السُّلوك يعملون على تربية (٤) نفوسهم، وتوفير جاههم في قلوب النّاس، فعاكسهم هؤلاء وأظهروا بطالةً وأبطنوا أعمالًا، وكتموا أحوالهم جهدهم، وينشدون في هذه الحال (٥):

стр. 2010

فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ ... وليتك ترضى والأنامُ غِضابُ وليتَ الذي بيني وبينَك عامرٌ ... وبيني وبين العالمين خرابُ وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا عبد الرّزّاق، أنا سفيان، عن منصورٍ، عن هلال بن يسافٍ قال: كان عيسى ﵊ يقول: إذا كان (٢) صوم أحدكم فليدهن لحيتَه وليمسح شفتَيه، حتّى يخرج إلى النّاس، فيقولوا (٣): ليس بصائمٍ. ولهذا قال بعضهم: التّصوُّف ترك الدّعاوي، وكتمان المعاني (٤). وسئل الحارث بن أسدٍ عن علامات الصّادق؟ فقال: أن لا يبالي أن يَخرجَ كلّ قدْرٍ له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحبُّ اطِّلاع النّاس على اليسير من عمله (٥). وهذا يُحمد في حالٍ ويذمُّ في حالٍ، ويَحسُن مِن رجلٍ ويَقبُح مِن آخر،

стр. 2011

فيُحمَد إذا أظهر ما يجوز إظهارُه، ولا نقص عليه فيه، ولا ذمّ من الله ورسوله؛ ليكتم به حالَه وعملَه، كما إذا أظهر الغِنى وكتمَ الفاقَة (١)، وأظهر الصِّحّة وكتم المرض، وأظهر النِّعمة وكتم البليّة. فهذا كلُّه من كنوز السِّتر (٢)، وله في القلب تأثيرٌ عجيبٌ يعرفه من ذاقه. وشكا رجلٌ إلى الأحنف بن قيسٍ شَكاةً فقال: يا ابن أخي لقد ذهب ضوء عيني (٣) من عشرين سنةً فما أخبرتُ به أحدًا (٤). وأمّا الحال التي يُذمُّ فيها: فأنْ يُظهر ما لا يجوز إظهاره، ليسيء النّاسُ به الظّنَّ، فلا يعظِّمونه، كما يُذكر عن بعضهم: أنّه دخل الحمّام، ثمّ خرج وسرق ثياب رجلٍ، ومشى رويدًا حتّى أدركوه، فأخذوها منه وسبُّوه. فهذا حرامٌ لا يحلُّ تعاطيه، ويقبح أيضًا من المتبوع المقتدى به ذلك، بل وما (٥) هو دونه؛ لأنّه يغرُّ النّاسَ ويوقعهم في التّأسِّي بما يُظهره (٦). فالملامتيَّة نوعان: ممدوحون أبرارٌ، ومذمومون جهّالٌ وإن كانوا في خفارة صدقهم.

стр. 2012

فالأول: الذين لا يبالون بلوم اللوّام في ذات الله، والقيام بأمره، والدّعوة إليه، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] فأحبُّ النّاس إلى الله مَن لا تأخذُه في الله لومة لائمٍ، وكان عمر بن الخطّاب لا يأخذه في الله لومة لائمٍ (١). والنوع الثاني المذموم: هو الذي يُظهِر ما يُلام عليه شرعًا من محرّمٍ أو مكروهٍ، ليكتم بذلك حالَه، وقد قال النّبيُّ ﷺ : «لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسَه» (٢). فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ.

стр. 2013

فقوله: (أشاروا إلى منزلٍ، وهم في غيره). مثاله: أنّهم يتكلّمون في التّوبة والمحاسبة وهم في منزل المحبّة والفناء. وقوله: (وورَّوا بأمرٍ، وهم بغيره). التّورية: أن يَذكر لفظًا يَفهم به المخاطَب معنًى وهو يريد غيرَه، مثاله: يقول أحدكم (١): أنا غنيٌّ. فيوهم المخاطَب أنّه غنيٌّ بالشّيء. ومراده غنيٌّ بالله عنه. كما قال (٢): غَنيتُ بلا مالٍ عن النّاس كلِّهم ... وإنّ الغنى العالي عن الشّيء لا به ويقول: ما صحّ لي مقام التّوبة بعدُ. ويريد: ما صحّت لي التّوبة عن رؤية التّوبة، ونحو ذلك. قوله: (ونادوا على شأنٍ، وهم على غيره) أي: عظّموا شأنًا من شؤون القوم، فيدعوا (٣) النّاس إليه، وهم في أعلى منه. وهذا قريبٌ ممّا قبله. قوله: (فهم بين غيرةٍ عليهم تسترهم) أي: يغار الحقُّ سبحانه عليهم، فيسترهم عن الخلق، ويغارون على أحوالهم ومقاماتهم، فيستترون (٤) عن رؤية الخلق لها، كما قيل (٥):

стр. 2014

ألِفَ الخمولَ صيانةً وتستُّرا ... فكأنّما تعريفه أن يُنكرا وكأنّه كَلِف الفؤاد بنفسه ... فحمَتْه غيرتُه عليها أن تُرى قوله: (وأدبٌ فيهم يصونهم) بهذا يتمُّ أمرهم، وهو أن يقوم بهم أدبٌ يصونهم عن ظنِّ السّوء بهم، ويصونهم عن دناءة الأخلاق والأعمال، فأدبهم صوانٌ على أحوالهم، فهمّته العليّة ترتفع به، وأدبه يرسو به إلى التُّراب، كما قيل (١): أبلجُ سهلُ الأخلاقٍ ممتنعٌ ... يبرزه الدّهر وهو محتجِبُ (٢) إذا ترقّت به عزائمُه ... إلى الثُّريّا رسا به الأدبُ فأدب المريد والسّالك: صونٌ (٣) له، وتاجٌ على رأسه. قوله: (وظَرفٍ يُهَذِّبُهم) التّهذيب: هو التّأديب والتّصفية. والظّرف في هذه الطّائفة أحلى من كلِّ حلوٍ، وأزين من كلِّ زينٍ، فما قُرِن شيءٌ إلى شيءٍ أحسن من ظَرفٍ إلى صدقٍ وإخلاصٍ، وسرٍّ مع الله وجمعيّةٍ عليه، فإنّ أكثر مَن عُني بهذا الشّأن تضيقُ نفسُه وأخلاقُه عن سوى ما هو بصدده، فتثقُل وطأتُه على أهله وجليسه، ويَضَنّ عليه ببِشْرِه والتّبسُّط إليه ولين الجانب له. ولعَمْر الله إنّه لمعذورٌ، وإن لم يكن في ذلك بمشكورٍ، فإنّ الخلق كلّهم أغيارٌ، إلّا من أعانك على شأنك وساعدك على مطلوبك.

стр. 2015

فإذا تمكّن العبد في حاله، وصار له إقبالة (١) على الله وجمعيّة (٢) عليه ملَكَةً ومقامًا راسخًا= أنِسَ بالخلق وأنِسُوا به، وانبسطَ إليهم وحملهم على ضَلَعهم وبُطء سيرهم (٣)، وعكفت (٤) القلوبُ على محبّته للُطْفِه وظَرْفِه، فإنّ النّاس ينفرون من الثقيل (٥) ولو بلغ في الدِّين ما بلغ! ولله ما يجلبُ اللُّطفُ والظَّرفُ مِن القلوب، ويدفع عن صاحبه من الشّرِّ، ويسهِّل له ما توعّر على غيره! فليس الثُّقلاء بخواصِّ الأولياء، وما ثَقُل أحدٌ على قلوب الصّادقين المخلصين إلّا من آفةٍ هناك، وإلّا فهذه الطّريق تكسو العبدَ حلاوةً ولطافةً وظَرْفًا، فيُرى الصّادق فيها من أحلى النّاس وألطفهم وأظرفهم، قد زالت عنه ثقالة النّفس وكدورة الطّبع، وصار روحانيًّا سمائيًّا بعد أن كان حيوانيًّا أرضيًّا، فتراه أكرمَ النّاس عشرةً، وألينَهم عَريكةً، وألطفَهم قلبًا وروحًا، وهذه خاصّيّة (٦) المحبّة، فإنّها (٧) تلطّف وتظرّف وتنظّف. ومِن ظَرْف أهل هذه الطّبقة: أن لا يظهر أحدُهم على جليسه بحالٍ ولا مقامٍ، ولا يواجهه إذا لقيه بالحال، بل بلين الجانب، وخفْضِ الجناح،

стр. 2016

وطَلاقة الوجه، فيفرش له بساط الأُنس ويُجلِسه عليه، فهو أحبُّ إليه من الفُرُش الوثيرة. وسئل محمّد بن عليٍّ القصّاب (١) أستاذ الجُنيد عن التّصوُّف؟ فقال: أخلاقٌ كريمةٌ، ظهرت في زمانٍ كريمٍ، من رجلٍ كريم، مع قومٍ كرامٍ (٢). وبالجملة: فهذه الطّريق لا تنافي اللُّطفَ والظَّرْفَ والصَّلَف (٣)، بل هي أصلف شيءٍ، ولكن هاهنا دقيقةٌ قاطعةٌ وهي: الاسترسال مع هذه الأمور، فإنّها أقطع شيءٍ للمريد والسّالك، فمن استرسل معها قطعَتْه، ومَن عاداها بالكلِّيّة وعّرَت عليه طريقَ سلوكِه، ومَن استعان بها أراحَتْه في طريقه، وأراحت غيرَه به، وبالله التّوفيق. فصل وأهل هذه الطّبقة، أثقل شيءٍ عليهم البحث عن ماجَرَيات (٤) النّاس، وطلب تعرُّف أحوالهم، وأثقل ما على قلوبهم سماعُها، فهم مشغولون عنها بشأنهم، فإذا اشتغلوا بما لا يَعنيهم منها فاتهم ما هو أعظم عنايةً لهم، وإذا عَدّ غيرُهم الاشتغالَ بذلك وسماعَه من باب الظَّرْف والأدب، وستر الأحوال= كان هذا من خُدَع النُّفوس وتلبيسها، فإنّه يحطُّ الهممَ العالية مِن أوْجها إلى

стр. 2017

حضيضها، وربّما يعزُّ عليه أن يحصِّل همّةً أخرى يصعد بها إلى موضعه الذي كان فيه، فأهل الهمم والفِطَن الثّاقبة لا يفتحون من آذانهم وقلوبهم طريقًا إلى ذلك، إلّا ما تقاضاه الأمر، وكانت مصلحتُه أرجح، وما عداه فبطالةٌ وحطُّ مرتبةٍ. فصلٌ قال (١): (و الطّبقة الثّالثة: طائفةٌ أسرَهم الحقُّ عنهم ، فألاح لهم لائحًا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه، وهيّمهم عن شهود ما هم له، وضنّ بحالهم على علمهم بمعرفة ما هم فيه، فاستسرُّوا عنهم مع شواهد تشهد لهم بصحّة مقامهم، عن (٢) قصدٍ صادقٍ يهيِّجه غيبٌ، وحبّ صادق يخفى عليه علمُه، ووجد غريب لا ينكشف له (٣) مُوقِدُه، وهذا من أرقِّ (٤) مقامات أهل الولاية). أهلُ هذه الطّبقة أحقُّ باسم السِّرِّ من الذين قبلهم، فإنّه إذا كانت أحوال القلب ومواهب الرّبِّ التي وضعها فيه سرًّا عن صاحبه، بحيث لا يشعر هو بها، شُغلًا عنها بالعزيز الوهّاب سبحانه، فلا يتّسع قلبُه لاشتغاله به وبغيره، بل يشتغل بمُجريها ومنشئها وواهبها عنها، فهذا أقوى وجوه السِّرِّ، بل ذلك

стр. 2018

أخفى من السِّرِّ. وأعظم (١) السِّتر والإخفاء: أن يستر الله سبحانه حالَ عبده عنه ويخفيه منه، رحمةً به ولطفًا، لئلّا يساكنه وينقطع به عن ربِّه، فإنّ ذلك خِلعةٌ من خِلَع الحقِّ، فإذا سترها صاحبُها ومُلبِسها عن عبده، فقد أراد به أن لا يقف مع شيءٍ دونه، وقد يكون ذلك السِّتر لما شُغِل به العبدُ من (٢) مشاهدة جلال الرّبِّ تعالى وكماله وجماله، أعني مشاهدة القلب لمعاني تلك الصِّفات واستغراقه فيها. وعلامة هذا الشُّهود الصّحيح: أن يكون باطنه معمورًا بالإحسان، وظاهره مغمورًا بالإسلام، فيكون ظاهره عنوانًا لباطنه، مصدِّقًا لما اتّصف به، وباطنه مصحِّحًا لظاهره. هذا هو الأكمل عند أصحاب الفناء. وأكمل منه: أن يشهد ما وهبه الله له ويلاحظه ويراه من محض المنّة وعين الجود، فلا يفنى بالمُعطي عن رؤية عطيَّته، ولا يشتغل بالعطيّة (٣) عن معطيها، وقد أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، وذلك لا يكون إلّا برؤيته وملاحظته (٤)، وأمر بذكر نعمته (٥) وآلائه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣]، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]،

стр. 2019

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١]. فلم يأمر سبحانه بالفناء عن شهودِ نِعَمِه (١)، فضلًا عن أن يكون مقامه (٢) أرفع من مقام شهودها مِن محض (٣) فضله ومنّته. وقد أشبعنا القولَ في هذا فيما تقدّم (٤)، ولا يأخذنا فيه لومةُ لائمٍ، ولا يأخذ أرباب الفناء في ترجيح الفناء عليه لومة لائمٍ. فقوله: (أسرَهم الحقُّ عنهم). أي: شَغلَهم به عن ذِكْر أنفسهم، فأنساهم بذِكْره ذِكْرَ نفوسهم، وهذا ضدّ حال الذين نسوا الله فأنساهم أنفسَهم، فإنّ أولئك لمّا نسوه أنساهم (٥) مصالحَ أنفسهم التي لا صلاح لهم إلّا بها فلا يطلبونها، وأنساهم عيوبَهم فلا يُصلحونها، وهؤلاء أنساهم حظوظَهم بحقوقه، وذِكْر ما سواه بذِكْره، والمقصود أنّه سبحانه أخذَهم إليه وشَغَلهم به عنهم. قوله: (وألاح لهم لائحًا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه). ألاح أي: أظْهَر، والمعنى: أظهرَ لهم مِن معرفة جماله وجلاله لائحًا ما، لم تتّسع قلوبُهم بعدَه لإدراك شيءٍ مِن أحوالهم ومقاماتهم، وهذا رقيقةٌ من حال أهل الجنّة، إذا

стр. 2020

تجلّى لهم سبحانه وأراهم نفسَه، فإنّهم لا يشعرون في تلك الحال بشيءٍ من النّعيم، ولا يلتفتون إلى سواه البتّة، كما صرّح به في الحديث (١) في قوله: «فلا يلتفتون إلى شيءٍ من النّعيم ما داموا ينظرون إليه» (٢). والمعنى: أنّ هذا اللّائح الذي ألاحَه سبحانه لهم أذهلَهم عن الشُّعور بغيره. قوله: (وهيّمَهم عن شهودِ ما هم له). يحتمل أن يكون مراده: أنّ هذا اللّائح هيّمَهم عن شهود ما خُلقوا له، فلم يبق فيهم اتِّساعٌ للجمع بين الأمرين. وهذا وإن كان لقوّة الوارد فهو دليلٌ على ضعف المحلِّ، حيث لم يتّسع القلبُ معه لذِكْر ما خُلِق له، والكمالُ أن يجتمع له الأمران. ويحتمل أن يريد به: أنّ هذا اللّائح غيّبَهم عن شهود أحوالهم التي هم لها في تلك الحال، فغابوا بمشهودهم عن شهودهم، وبمعروفهم عن معرفتهم، وبمعبودهم عن عبادتهم، فإنّ الهائمَ لا يشعر بما هو فيه ولا بحال نفسه، وفي «الصِّحاح» (٣): الهُيام كالجنون مِن العِشق. قوله: (وضنّ بحالهم على علمهم) أي: بَخِلَ به، والمعنى لم يمكن علمهم أن يدرك حالهم وما هم عليه. قوله: (فاستسرُّوا عنهم) أي: اختفوا حتّى عن أنفسهم، فلم تعلم نفوسُهم كيفَ هم! ولا تبادِر بإنكار هذا، تكن ممّن لا يصل إلى العنقود

стр. 2021

فيقول: هو حامضٌ. قوله: (مع شواهد تشهد لهم بصحّة مقامهم) يريد: أنّهم لم يعطِّلوا أحكامَ العبوديّة في هذه الحال، فيكون ذلك شاهدًا عليهم بفساد أحوالهم، بل لهم مع ذلك شواهد صحيحةٌ، تشهد لهم بصحّة مقاماتهم، وتلك الشّواهد: هي القيام بالأمر وآداب الشّريعة ظاهرًا وباطنًا. قوله: (عن قصدٍ صادقٍ (١)، يهيِّجه غيبٌ) يجوز أن يتعلّق هذا الحرف وما بعده بمحذوفٍ دلّ عليه الكلامُ؛ أي: حصل لهم ذلك عن قصدٍ صادقٍ؛ أي: لازمٍ ثابتٍ، لا يلحقه تلوُّنٌ، (يهيِّجه غيبٌ) أي: أمرٌ غائبٌ عن إدراكهم هيّج لهم ذلك القصد الصّادق. قوله: (وحبّ صادق يخفى عليه مبدأ علمه) أي: هم لا يعرفون مبدأ ما بهم، ولا يصل علمهم إليه؛ لأنّهم لمّا لاح لهم ذلك اللّائح استغرقَ قلوبَهم، وشغَلَ عقولَهم عن غيره، فهم مأخوذون عن أنفسهم مقهورون بوارِدِهم (٢). قوله: (ووَجْد غريب لا ينكشفُ لصاحِبِه (٣) مُوقِدُه) أي: لا ينكشف لصاحب هذا الوجد السببُ الذي أهاجَه له وأوقدَه في قلبه، فهو لا يعرفُ السّببَ الذي أوقَدَ (٤) نارَ وَجْدِه.

стр. 2022

قوله: (وهذا من أرقِّ (١) مقامات أهل الولاية) جعله رقيقًا لكون الحسِّ مقهورًا مغلوبًا عند صاحبه، والعلم والمعرفة لا يحكمان عليه، فضلًا عن الحسِّ والعادة. وحاصل هذا المقام: الاستغراق في الفناء، وهو الغاية عند الشّيخ! والصّحيح أنّ أهل الطّبقة الثّانية أعلى من هؤلاء وأرفع مقامًا، وهم الكُمّل؛ وهم أقوى منهم، كما كان مقام رسول الله ﷺ ليلة الإسراء أرفع مِن مقام موسى يوم التّجلِّي، ولم يحصل لرسول الله ﷺ من الفناء ما حصل لموسى، وكان حبُّ امرأة العزيز ليوسف أعظم من حبِّ النِّسوة، ولم يحصل لها من تقطيع الأيدي ونحوه ما حصل لهنّ، وكان حبُّ أبي بكرٍ لرسول الله ﷺ أعظم مِن حبِّ عمر وغيره له، ولم يحصل له عند موته من الاضطراب والغَشْي والإقعاد ما حصل لغيره. فأهلُ البقاء والتّمكُّن (٢) أقوى حالًا وأرفع مقامًا من أهل الفناء، وبالله التّوفيق. * * * *

стр. 2023

فصل (١) قال صاحب «المنازل» (٢): (باب النّفَس، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ﴾ (٣) [الأعراف: ١٤٣]). وجه إشارته بالآية: أنّ النّفَس يكون بعد مفارقة الحال وانفصاله عن صاحبه، فشبّه الحالَ بالشّيء الذي يأخذ صاحبَه فيغتُّه (٤) ويغطُّه، حتّى إذا أقلع عنه تنفّس نفَسًا يستريحُ به ويسترْوِح إليه (٥). قال (٦): (وسمِّيَ النّفَسُ نفَسًا، لِترَوُّح المُتنفِّس به). التنفيس هو: التّرويح، يقال: نفّسَ الله عنك الكرْبَ، أي: أراحَك منه، وفي الحديث الصّحيح: «مَنْ نفّسَ عن مؤمنٍ كُرْبةً مِن كُرَب الدُّنيا نفّسَ الله عنه كُرْبةً مِن كُرَب يوم القيامة» (٧). وهذه الأحرف (٨) وهي النُّون والفاء وما يُثلِّثهما تدلُّ حيث وُجِدت على

стр. 2024

الخروج والانفصال، فمنه النّفَل؛ لأنّه زائدٌ على الأصل خارجٌ عنه، ومنه: النّفْي و النّفْر والنّفْش (١)، ونفَقَت الدّابّة، ونَفِسَت المرأةُ ونُفِسَت: إذا حاضت أو ولدت، فالنّفَس: خروجٌ وانفصالٌ يستريح به المتنفِّس. قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ، وهي تُشابِه درجاتِ الوقت) وجه الشّبه بينهما أنّ الأوقات تعدُّ بالأنفاس فدرجاتُها كدرجاتها. وأيضًا فالوقت، كما قال هو: (حين وجدٍ صادقٍ) (٣) فقيّد الحينَ بالوجد، والوجدَ بالحين (٤)، وقال في هذا الباب: (هو نفَسٌ في حين استتارٍ)، فقيّد النّفَس بالحين وبالوجد، وقيّد به الوقت، فهو معتبرٌ بهما. وأيضًا فالوقت والنّفَس لهما أسبابٌ تعرض للقلب بسبب حجبه (٥) مطلوبه، أو مفارقةِ حالٍ كان فيها فاستترت عنه، فبينهما تشابهٌ (٦) من هذه الوجوه وغيرها. قال (٧): (والأنفاس ثلاثةٌ: نفَسٌ في حين استتارٍ، مملوء من الكَظْم،

стр. 2025

متعلِّقٌ بالعلم، إن تنَفّس تنَفّس بالأسف (١)، وإن نطق نطق بالحزن (٢)، وعندي هو متولِّدٌ من وحشة الاستتار، وهي الظُّلمة التي قالوا: إنّها مقامٌ). قوله: (نفَسٌ في حين استتارٍ) أي: يكون له حالٌ صادقٌ وكشفٌ صحيحٌ، فيستتر عنه بحكم الطّبيعة والبشريّة ولا بدّ، فيضيق بذلك صدرُه، ويمتلئ كظمًا بحجب ما كان فيه واستتاره عنه لأسبابٍ فاعليّةٍ وغائيّةٍ، سَتَرِدُ عليك إن شاء الله، فإذا تنفّس في هذه الحال فتنفُّسه تنفُّس الحزين المكروب. قوله: (مملوء من الكظم) الكظم: هو الإمساك، ومنه: كظَم غيظَه، إذا تجرّعه وحبَسه ولم يخرجه. قوله: (متعلِّقٌ بالعلم) يريد: أنّ ذلك النّفَس متعلِّقٌ بأحكام العلم الظّاهر لا بأحكام الحال، وذلك هو البلاء الذي تقدّم ذِكْر الشّيخ له (٣)، وهو بلاء العبد بين الاستجابة لداعي العلم وداعي الحال. وإنّما كان ذلك نفَسَ مكظومٍ بخلوِّه (٤) في هذه الحال من أحكام المحبّة التي تهوِّن الشّدائد، وتسهِّل الصّعب، وتحمل الكلّ، وتُعين على نوائب الحقِّ، وتعلُّقه بالعلم الذي هو داعي التّفرُّق، فإنّ كرْبَ المحبّة ممزوجٌ بالحلاوة، فإذا خلا من أحكامها إلى أحكام العلم فقدَ تلك الحلاوة، واشتاق

стр. 2026

إلى ذلك الكرب، كما قيل (١): تشكّى (٢) المحبُّون الصّبابةَ ليتني ... تحمّلت ما يلقون من بينهم وحدي فكانت لقلبي لذّةُ الحبِّ كلُّها ... فلم يلْقَها قبلي محبٌّ ولا بعدي قوله: (إن تنفّس تنفّس بالأسف). الأسف: الحزن، كقوله تعالى عن يعقوب: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، والأسف: الغضب، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] وهو في هذا الموضع: الحزن على ما توارى عنه من مطلوبه أو مِن صِدْق حاله. قوله: (أو (٣) نطَقَ نطَقَ بالحزن) يعني: أنّ هذا المتنفِّس إن نطق نطق بما يدلُّ على الحزن على ما توارى عنه، فمصدر تنفُّسه ونُطْقه حزنُه على ما حُجِب عنه. قوله: (وعندي: أنّه يتولّد من وَحْشة الاستتار) يريد: أنّ هذا الأسف وإن أضيف إلى الاستتار والحجاب فتولُّده: إنّما هو من الوحشة التي سببها الاستتار والحَجْب؛ وكأنّ الاستتار عنده سبب السّبب فيتولّد الأسف (٤) من تلك الوحشة المتولِّدة من الاستتار، وهذا صحيحٌ؛ فإنّه لمّا كان مطلوبه

стр. 2027

مشاهَدًا له، وحال محبّته وأحكامها قائمًا به، كان نصيبُه من الأُنس على قدر ذلك، فلمّا توارى عنه مطلوبُه وأحكام محبّته استوحش لذلك، فتولّد الحزنُ من تلك الوحشة. وبعد، فالحزن يتولّد من مفارقة المحبوب، ليس له سببٌ سواه، وإن تولّد من حصول مكروهٍ، فذلك المكروه إنّما كان كذلك (١) لِمَا فاتَ به من المحبوب، فلا حُزْن إذًا ولا همّ ولا غمّ، ولا أذًى ولا كرب إلّا في مفارقة المحبوب، ولهذا كان حزن الفقر والمرض والألم والجهل والخمول والضِّيق وسوء الحال ونحو ذلك= على فراق المحبوب من المال والوجد والعافية، والعلم والسَّعة وحسن الحال، ولهذا جعل الله سبحانه مفارقة المشتَهَيات من أعظم العقوبات، فقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤]. فالفرحُ والسُّرور بالظّفَر بالمحبوب، والهمُّ والغمُّ والحزن والأسف بفوات المحبوب، فأطيب العيش عيش المحبِّ الواصل إلى محبوبه، وأمَرُّ العيش عيش من حِيل بينه وبين محبوبه. والاستتار المذكور لا يكون إلّا بعد كشفٍ وعيانٍ، والرّبُّ تعالى يستر عنهم ما يستره رحمةً بهم، ولطفًا بضعيفهم، إذ لو دام له حال الكشف لمَحَقه، بل مِن رحمة ربّه به (٢) أن يردّه إلى أحكام البشريّة، ومقتضى الطّبيعة.

стр. 2028

وأيضًا: ليتزايد طلبُه، ويقوى شوقُه، فإنّه لو دامت له تلك الحال لألِفَها واعتادَها، ولم تقع منه «موقعَ الماء مِن ذي الغُلّة الصّادي» (١)، ولا موقع الأمن من الخائف، وموقع (٢) الوِصال من المهجور، فالرّبُّ تعالى واراها عنه ليكمُل فرحُه ولذّتُه وسرورُه بها. وأيضًا: فليعرِّفه سبحانه قدرَ نعمتِه بما أعطاه وخلَعَ عليه، فإنّه لمّا ذاقَ مرارةَ الفَقْد عرفَ حلاوةَ الوجود، فإنّ الأشياء تتبيّن بأضدادها. وأيضًا: فيعرِّفه فقرَه وحاجتَه وضرورتَه إلى ربِّه، وأنّه غيرُ مستغنٍ عن فضله وبرِّه طرفةَ عَينٍ، وأنّه إن انقطعَ عنه إمدادُه فسَدَ بالكلِّيّة. وأيضًا: فيُعرِّفه أنّ ذلك الفضل والعطاء ليس لسببٍ من العبد، وأنّه عاجزٌ عن تحصيلها بكسبٍ أو اختيارٍ، وأنّها مجرّد موهبةٍ وصدَقةٍ تصدّق الله بها عليه لا يبلُغها عملُه ولا ينالُها سعيُه. وأيضًا: فيُعرِّفه عزّه في مَنْعه، وبرّه في عطائه، وكرمه وجوده في عَوده عليه بما حَجَب عنه، فينفتح على قلبه من معرفة الأسماء والصِّفات بسبب هذا الاستتار والكشف بعده أمورٌ غريبةٌ عجيبةٌ، يعرفها الذّائقُ لها، ويُنكرها مَن ليس مِن أهلها.

стр. 2029

وأيضًا: فإنّ الطّبيعة والنّفس لم يموتا، ولم (١) يعدما بالكلِّيّة، ولولا ذلك لما قام سوق التّكليف والامتحان في هذا العالَم، بل قُهِرتا بسلطان العلم والإيمان والمعرفة (٢) والمحبّة، والمقهورُ المغلوبُ لا بدّ أن يتحرّك أحيانًا وإن قلّت، ولكن حركة أسيرٍ مقهورٍ بعد أن كانت حركتُه حركةَ أميرٍ مسلّطٍ. فمِن تمام إحسان الرّبِّ إلى عبده، وتعريفه قدر نعمته: أن أراه في الأحيان (٣) ما كان حاكمًا عليه قاهرًا له، وقد تقاضاه (٤) ما كان يتقاضاه منه أوّلًا، فحينئذٍ يستغيث العبدُ بربِّه ووليِّه ومالكِ أمرِه كلِّه: «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، يا مصرِّف القلوب صرِّف قلبي على طاعتك». وأيضًا: فإنّه يُزيل من قلبه آفةَ الرُّكون إلى نفسه أو عمله أو حاله، كما قيل: إن ركنتَ إلى العلم أنْسَيناكَه، وإن ركنتَ إلى الحال سلبناك إيّاه، وإن ركنتَ إلى المعرفة حجبناها عنك، وإن ركنتَ إلى قلبك أفسدناه عليك، فلا يركن العبدُ إلى شيءٍ سوى الله البتّة، ومتى وجدَ مِن (٥) قلبِه رُكُونًا إلى غيره فليعلم أنّه قد أُحِيل على مفلِسٍ، بل مُعْدِمٍ، وأنّه قد فُتِح له بابُ مَكر (٦)، فليحذر وُلُوجَه، والله المستعان.

стр. 2030

قوله: (وهي الظُّلمة التي قالوا: إنّها مقامٌ). يعني: أنّ وحشة الاستتار ظلمةٌ. وقد قال قومٌ: إنّها مقامٌ. ووجهه: أنّ الرّبّ سبحانه يقيمُ عبدَه بحكمته فيها، لِما ذكرناه من الحِكَم والفوائد، وغيرها ممّا لم نذكره. فبهذا الاعتبار يكون مقامًا، ولكنّ صاحب هذا المقام أنفاسُه أنفاسُ حزنٍ وأسفٍ، وهلاكٍ وتلفٍ، لِما حُجِب عنه من المقام الذي كان فيه. والشّيخ كأنّه لا يرى ذلك مقامًا، فإنّ المقامات هي منازل في طريق المطلوب، وكلُّ أمرٍ أُقيمَ فيه السّالك مِن حاله الذي يقدِّمه إلى مطلوبه فهو مقامٌ، وأمّا وحشة الاستتار فهي تأخُّرٌ في الحقيقة لا تقدُّمٌ، فكيف تسمّى مقامًا؟! بل هي ضدُّ المقام. وممّا يدلُّ على أنّ وحشة الاستتار ليست مقامًا أنّ كلّ مقامٍ فهو تعلُّقٌ بالحقِّ سبحانه على وجه الثُّبوت، وحقيقته: أن يكون العبد بالمقيم لا بالمقام. وأمَّا حال الاستتار: فهو حال انقطاعٍ عن ذلك التعلُّق المذكور. والتّحقيق في ذلك: أنّ له وجهين؛ هو من أحدهما ظُلمةٌ ووحْشَةٌ، ومن الثّاني مقامٌ، فهو باعتبار الحال وباعتبار نفسِه ليس مقامًا، وباعتبار المآل وما يترتّب عليه، وما فيه من تلك الحِكَم والفوائد المذكورة فهو مقامٌ. وبالله التّوفيق (١).

стр. 2031

فصل قال (١): (و النّفَس الثاني: نفَسٌ في حين التجلِّي ، وهو نفَسٌ شاخصٌ عن مقام السُّرور إلى رَوح المعاينة، مملوءٌ من نور الوجود، شاخصٌ إلى منقَطَع الإشارة). هذا النّفَس أعلى من الأوّل، فإنّ الأوّل في حين استتارٍ وظُلمةٍ، وهذا نفَسٌ في حال تجلٍّ ونور. و (حين التّجلِّي): هو زمان حصول الكشف. والتجلِّي مشتقٌّ من الجَلْوة، قيل: وحقيقتُه إشراقُ نورِ الحقِّ على قلوب المريدين (٢). فإن أرادوا إشراق نور الذّات فغلطٌ (٣) منهم، ولهذا قال مَن احترز منهم عن ذلك: «إشراق نور الصِّفات» (٤). فإن أراد (٥) إشراق نفس الصِّفة فغلطٌ، فإنّ التّجلِّي الذّاتيّ والصِّفاتيّ لا يقع في هذا العالم، ولا تثْبُت له القُوى البشريّة. والحقُّ أنّه إشراقُ نور المعرفة والإيمان، واستغراق القلب في شهود الذّات المقدّسة وصفاتها استغراقًا علميًّا، نعم هو أرفع من العلم المجرّد لأسبابٍ:

стр. 2032

منها: قوّته، فإنّ المعارف والعلوم تتفاوت. ومنها: صفاءُ المحلِّ ونقاؤه من الكَدَر المانع من ظهور العلم والمعرفة فيه. ومنها: التّجرُّد عن الموانع والشّواغل. ومنها: كمال الالتفات والتّحديق نحو المعروف المشهود. ومنها: كمال الأُنْس به والقُرب منه. إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب للقلب شهودًا وكشفًا وراء مجرّد العلم. قوله: (وهو نفَسٌ شاخصٌ عن مقام السُّرور) أي: صادرٌ عن مقام السُّرور، والشُّخوص: الخروج، يقال: شخَصَ فلانٌ إلى بلد كذا إذا خرج إليه. والمقصودُ: أنّ هذا النّفَس صدَر عن سرورٍ وفرحٍ، بخلاف الأوّل، فإنّه صدَر عن ظُلمةٍ ووحشةٍ أثارت حُزنًا، فهذا النّفَس صدَر عن سماع الإجابة الذي يمحو آثار الوحشة. قوله: (إلى رَوح المعاينة) هو بفتح الرّاء، وهو النّعيم والرّاحة التي تحصل بالمعاينة ضدّ الألم والوحشة الحاصل (١) في حين الاستتار، فهذا النّفَس مصدرُه السُّرور، ونهايتُه رَوح المعاينة، صادر عن مسرّةٍ، طالب لمعاينة (٢).

стр. 2033

وأصحُّ ما يُحمَل عليه كلام الشّيخِ وأمثالِه مِن أهل الاستقامة في «المعاينة» أنّها: تزايد العلم حتّى يصير يقينًا، ولا يصِل أحدٌ (١) إلى عين اليقين في هذه الدّار، وإن خالف في ذلك مَن خالف، فالغلط من لوازم الطّبيعة، والعلم يميِّز بين الغلط والصّواب. وقد أشعرَ كلامُ الشّيخ هاهنا بأنّ التّجلِّي دون المعاينة، فإنّ التّجلِّي قد يكون من وراء سترٍ رقيقٍ وحاجزٍ لطيفٍ، والكشف والعيان هو الظُّهور من غير سترٍ، فإذا كان مسرورًا بحال التّجلِّي كانت أنفاسُه متعلِّقةً بمقام المعاينة الذي هو فوق مقام التّجلِّي، ولهذا جعله شاخصًا إليها. قوله: (مملوءٌ من نور الوجود) يريد: أنّ هذا النّفَس مملوءٌ من نور الوجود، و «الوجود» عنده: هو حضرة الجمع، فكأنّه يقول: هذا النّفَس منصبغٌ مكتسٍ بنور الوجود، فإنّ صاحبه لمّا تنفّس به كان في مقام الجمع والوجود. قوله: (شاخصٌ إلى منقَطَع الإشارة) لمَّا كان قلبُه مملوءًا من نور الوجود، وكان شاخصًا إلى المعاينة مستفرّغًا كلِّيّتَه في طلبها= كان شاخصًا إلى حضرة الجَمْع، التي هي منقَطَع الإشارة (٢)، فلا إشارة هناك ولا عبارة ولا رَسْم، بل تفنى الإشاراتُ، وتعجز العبارات، وتضمحلُّ الرُّسوم.

стр. 2034

فصل (١) قوله (٢): (و النّفَس الثّالث: نفَسٌ مطهّرٌ بماء القدس ، قائمٌ بإشارات الأزل، وهو النّفَس الذي يسمّى بصدق (٣) النُّور). القدس: الطّهارة، والتّقديس: التّطهير والتّنزيه، ومراده بالقدس هاهنا: الشُّهود الذي يُفني الحادث الذي لم يكن، ويُبقي القديم الذي لم يزل. فكأنّ صفات الحدوث عندهم ممّا يُتَطهّر منها بالتّجلِّي المذكور، فالتّجلِّي يطهِّر العبدَ منها، فإنّه ما دام في الحجاب فهو باقٍ مع إنِّيّته وصفاته، فإذا أشرق عليه نور التّجلِّي طهّره من صفاته وشهودها وتوسيطها بينه وبين مشهوده الحقُّ. وحاصل كلامه: أنّ هذا النّفَس صادرٌ عن مشاهدة الأزل الماحي للحوادث المفني لها، فهذا النّفَس مطهّرٌ بالطُّهر المقدّس عن كلِّ غيرٍ، وعن ملاحظة كلِّ مقامٍ، بل هو مستغرقٌ بنور الحقِّ، وآثار الحقِّ تنطق عليه، كما قال النّبيُّ ﷺ : «إنّ الله ضرَبَ الحقَّ على لسانِ عمرَ وقلبِه» (٤)، وقال ابن

стр. 2035

مسعودٍ: ما كنّا نُبْعِد أنّ السّكينةَ تنْطِق على لسان عمر (١). وهذا نطقٌ غير النُّطق النّفسانيِّ الطّبيعيِّ، ولهذا سمِّي هذا النّفَس بصدق النُّور لشدّة (٢) تعلُّقه بالنُّور وملازمته له. قوله: (قائمٌ بإشارات الأزل) أي: هذا النّفَس منزّهٌ مطهّرٌ عن إشارات الحدوث، قد ترحّل عنها وفارقها إلى إشارات الأزل، ويعني بإشارات الأزل أنّه قد فني في عيانه الذي شخَصَ إليه مَن لم يكن وبقي مَن لم يزل، فصارت أنفاسُه من جملة إشارات الأزل. ولم يُرِد الشّيخُ أنّ أنفاسَه تنقلب أزليّةً، فمَن هو دون الشّيخ لا يتوهّم هذا، بل أنفاسُ الخلق متعلِّقةٌ بمن لم يكن، وهذا نفَسُه متعلِّقٌ بمن لم يزل (٣). وبعد، فللملحد هاهنا مجالٌ (٤)، لكنّه في الحقيقة وهمٌ باطلٌ وخيالٌ. وفي قوله: (يسمّى بصدق (٥) النُّور) لطيفةٌ، وهي أنّ السّالك يلوح له في سلوكه النُّور مرارًا ثمّ يختفي عنه، كالبرق يلمع ثمّ يختفي، فإذا (٦) قوي ذلك النُّورُ ودامَ ظهورُه، صار نورًا صادقًا.
следующие страницы →