← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

فصل قال (١): (و النّفَس الثاني: نفَسٌ في حين التجلِّي ، وهو نفَسٌ شاخصٌ عن مقام السُّرور إلى رَوح المعاينة، مملوءٌ من نور الوجود، شاخصٌ إلى منقَطَع الإشارة). هذا النّفَس أعلى من الأوّل، فإنّ الأوّل في حين استتارٍ وظُلمةٍ، وهذا نفَسٌ في حال تجلٍّ ونور. و (حين التّجلِّي): هو زمان حصول الكشف. والتجلِّي مشتقٌّ من الجَلْوة، قيل: وحقيقتُه إشراقُ نورِ الحقِّ على قلوب المريدين (٢). فإن أرادوا إشراق نور الذّات فغلطٌ (٣) منهم، ولهذا قال مَن احترز منهم عن ذلك: «إشراق نور الصِّفات» (٤). فإن أراد (٥) إشراق نفس الصِّفة فغلطٌ، فإنّ التّجلِّي الذّاتيّ والصِّفاتيّ لا يقع في هذا العالم، ولا تثْبُت له القُوى البشريّة. والحقُّ أنّه إشراقُ نور المعرفة والإيمان، واستغراق القلب في شهود الذّات المقدّسة وصفاتها استغراقًا علميًّا، نعم هو أرفع من العلم المجرّد لأسبابٍ:

стр. 2032

منها: قوّته، فإنّ المعارف والعلوم تتفاوت. ومنها: صفاءُ المحلِّ ونقاؤه من الكَدَر المانع من ظهور العلم والمعرفة فيه. ومنها: التّجرُّد عن الموانع والشّواغل. ومنها: كمال الالتفات والتّحديق نحو المعروف المشهود. ومنها: كمال الأُنْس به والقُرب منه. إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب للقلب شهودًا وكشفًا وراء مجرّد العلم. قوله: (وهو نفَسٌ شاخصٌ عن مقام السُّرور) أي: صادرٌ عن مقام السُّرور، والشُّخوص: الخروج، يقال: شخَصَ فلانٌ إلى بلد كذا إذا خرج إليه. والمقصودُ: أنّ هذا النّفَس صدَر عن سرورٍ وفرحٍ، بخلاف الأوّل، فإنّه صدَر عن ظُلمةٍ ووحشةٍ أثارت حُزنًا، فهذا النّفَس صدَر عن سماع الإجابة الذي يمحو آثار الوحشة. قوله: (إلى رَوح المعاينة) هو بفتح الرّاء، وهو النّعيم والرّاحة التي تحصل بالمعاينة ضدّ الألم والوحشة الحاصل (١) في حين الاستتار، فهذا النّفَس مصدرُه السُّرور، ونهايتُه رَوح المعاينة، صادر عن مسرّةٍ، طالب لمعاينة (٢).

стр. 2033

وأصحُّ ما يُحمَل عليه كلام الشّيخِ وأمثالِه مِن أهل الاستقامة في «المعاينة» أنّها: تزايد العلم حتّى يصير يقينًا، ولا يصِل أحدٌ (١) إلى عين اليقين في هذه الدّار، وإن خالف في ذلك مَن خالف، فالغلط من لوازم الطّبيعة، والعلم يميِّز بين الغلط والصّواب. وقد أشعرَ كلامُ الشّيخ هاهنا بأنّ التّجلِّي دون المعاينة، فإنّ التّجلِّي قد يكون من وراء سترٍ رقيقٍ وحاجزٍ لطيفٍ، والكشف والعيان هو الظُّهور من غير سترٍ، فإذا كان مسرورًا بحال التّجلِّي كانت أنفاسُه متعلِّقةً بمقام المعاينة الذي هو فوق مقام التّجلِّي، ولهذا جعله شاخصًا إليها. قوله: (مملوءٌ من نور الوجود) يريد: أنّ هذا النّفَس مملوءٌ من نور الوجود، و «الوجود» عنده: هو حضرة الجمع، فكأنّه يقول: هذا النّفَس منصبغٌ مكتسٍ بنور الوجود، فإنّ صاحبه لمّا تنفّس به كان في مقام الجمع والوجود. قوله: (شاخصٌ إلى منقَطَع الإشارة) لمَّا كان قلبُه مملوءًا من نور الوجود، وكان شاخصًا إلى المعاينة مستفرّغًا كلِّيّتَه في طلبها= كان شاخصًا إلى حضرة الجَمْع، التي هي منقَطَع الإشارة (٢)، فلا إشارة هناك ولا عبارة ولا رَسْم، بل تفنى الإشاراتُ، وتعجز العبارات، وتضمحلُّ الرُّسوم.

стр. 2034

فصل (١) قوله (٢): (و النّفَس الثّالث: نفَسٌ مطهّرٌ بماء القدس ، قائمٌ بإشارات الأزل، وهو النّفَس الذي يسمّى بصدق (٣) النُّور). القدس: الطّهارة، والتّقديس: التّطهير والتّنزيه، ومراده بالقدس هاهنا: الشُّهود الذي يُفني الحادث الذي لم يكن، ويُبقي القديم الذي لم يزل. فكأنّ صفات الحدوث عندهم ممّا يُتَطهّر منها بالتّجلِّي المذكور، فالتّجلِّي يطهِّر العبدَ منها، فإنّه ما دام في الحجاب فهو باقٍ مع إنِّيّته وصفاته، فإذا أشرق عليه نور التّجلِّي طهّره من صفاته وشهودها وتوسيطها بينه وبين مشهوده الحقُّ. وحاصل كلامه: أنّ هذا النّفَس صادرٌ عن مشاهدة الأزل الماحي للحوادث المفني لها، فهذا النّفَس مطهّرٌ بالطُّهر المقدّس عن كلِّ غيرٍ، وعن ملاحظة كلِّ مقامٍ، بل هو مستغرقٌ بنور الحقِّ، وآثار الحقِّ تنطق عليه، كما قال النّبيُّ ﷺ : «إنّ الله ضرَبَ الحقَّ على لسانِ عمرَ وقلبِه» (٤)، وقال ابن

стр. 2035

مسعودٍ: ما كنّا نُبْعِد أنّ السّكينةَ تنْطِق على لسان عمر (١). وهذا نطقٌ غير النُّطق النّفسانيِّ الطّبيعيِّ، ولهذا سمِّي هذا النّفَس بصدق النُّور لشدّة (٢) تعلُّقه بالنُّور وملازمته له. قوله: (قائمٌ بإشارات الأزل) أي: هذا النّفَس منزّهٌ مطهّرٌ عن إشارات الحدوث، قد ترحّل عنها وفارقها إلى إشارات الأزل، ويعني بإشارات الأزل أنّه قد فني في عيانه الذي شخَصَ إليه مَن لم يكن وبقي مَن لم يزل، فصارت أنفاسُه من جملة إشارات الأزل. ولم يُرِد الشّيخُ أنّ أنفاسَه تنقلب أزليّةً، فمَن هو دون الشّيخ لا يتوهّم هذا، بل أنفاسُ الخلق متعلِّقةٌ بمن لم يكن، وهذا نفَسُه متعلِّقٌ بمن لم يزل (٣). وبعد، فللملحد هاهنا مجالٌ (٤)، لكنّه في الحقيقة وهمٌ باطلٌ وخيالٌ. وفي قوله: (يسمّى بصدق (٥) النُّور) لطيفةٌ، وهي أنّ السّالك يلوح له في سلوكه النُّور مرارًا ثمّ يختفي عنه، كالبرق يلمع ثمّ يختفي، فإذا (٦) قوي ذلك النُّورُ ودامَ ظهورُه، صار نورًا صادقًا.

стр. 2036

قوله (١): (فالنّفَس الأوّل للعيون (٢) سراجٌ، والثّاني للقاصد معراجٌ، والثّالث للمحقِّق (٣) تاجٌ). أي: النّفَس الأوّل سراجٌ في ظُلمة السُّلوك، لتعلُّقه بالعلم، كما تقدّم، والعلم سراجٌ يُهتدى به في طرقات القصد، ويوضِّح مسالكها، ويبيِّن مراتبها، فهو سراجٌ للعيون. والنّفَس الثّاني للقاصد معراجٌ، فإنّه أعلى من الأوّل؛ لأنّه من نور المعرفة الرّافعة للحجاب. والنّفَس الثّالث للمحقِّق تاجٌ، لأنّه نفَسٌ مطهّرٌ من أدناس الأكوان، ومتّصلٌ بالكائن قبل كلِّ شيءٍ، والمكوِّن لكلِّ شيءٍ، والكائن بعد كلِّ شيءٍ، فهذا تاجٌ لقلبه بمنزلة التّاج على رأس الملك. فالنّفَس الأوّل يؤمِّن السّالكَ مِن عَثْرته، والثّاني يوصله إلى طَلِبَته، والثّالث يدلُّه على علوِّ مرتبته، والله أعلم. * * * *

стр. 2037

فصل (١) قال شيخ الإسلام (٢): (باب الغُرْبة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٣) [هود: ١١٦]). استشهاده بهذه الآية في هذا الباب يدلُّ على رسوخِه في العلم والمعرفة وفهم القرآن، فإنّ الغُرَباء في العالَم هم أهل هذه الصِّفة المذكورة في الآية، وهم الذين أشار إليهم النّبيُّ ﷺ في قوله: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا (٤)، فطوبى للغرباء»، قيل: ومَن الغُرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسدَ النّاس» (٥). وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، عن زُهير عن عَمرو بن أبي عَمرٍو مولى المطّلب بن حنطبٍ، عن المطّلب بن حنطبٍ، عن النّبيِّ ﷺ قال: «طوبى للغُرَباء»، قالوا: يا رسول الله، مَن الغرباء؟ قال: «الذين يزيدون إذا نقَصَ النّاسُ» (٦).

стр. 2038

وإن (١) كان هذا الحديث بهذا اللّفظ محفوظًا لم ينقلب على الرّاوي لفظه وهو: «الذين ينقصون إذا زاد النّاس» فمعناه: الذين يزيدون خيرًا وإيمانًا وتقًى إذا نقص النّاسُ من ذلك، والله أعلم. وفي حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، قيل: مَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «النُّزّاعُ من القبائل» (٢). وفي حديث عبد الله بن عمرٍو قال: قال النّبيُّ ﷺ ذات يومٍ ونحن عنده: «طوبى للغرباء»، قيل: ومَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «ناسٌ صالحون قليلٌ في ناسِ سوءٍ كثيرٍ، مَن يعصيهم أكثر ممّن يطيعهم» (٣). وقال أحمد: حدّثنا الهيثم بن جميلٍ، حدّثنا محمّد بن مسلمٍ، حدّثنا

стр. 2039

عثمان بن عبد الله، عن سليمان بن هرمز، عن عبد الله بن عمرٍو (١) قال: «إنّ أحبَّ شيءٍ إلى الله تعالى الغرباء، قيل: ومن (٢) الغرباء؟ قال: الفرَّارون بدينهم، يجتمعون إلى عيسى ابن مريم يوم القيامة» (٣). وفي حديثٍ آخر: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: ومَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنّتي ويعلِّمونها النّاس» (٤). وقال نافع بن مالكٍ: دخل عمر بن الخطّاب المسجد، فوجد معاذ بن جبلٍ جالسًا إلى بيت النّبيِّ ﷺ وهو يبكي، فقال له عمر: ما يبكيك يا أبا عبد الرّحمن؟ هلك أخوك؟ قال: لا، ولكنّ حديثًا حدّثنيه حِبّي (٥) ﷺ وأنا

стр. 2040

في هذا المسجد، فقال: ما هو؟ قال: «إنّ الله يحبُّ الأخفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يُفْتَقدوا، وإذا حضروا لم يُعرَفوا، قلوبُهم مصابيح الهدى يخرجون مِن كلِّ فتنةٍ عَمياء مظلمةٍ» (١). فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلّتهم في النّاس جدًّا سُمُّوا غرباء، فإنّ أكثر النّاس على غير هذه الصِّفات، فأهل الإسلام في النّاس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهلُ العلم في المؤمنين غرباء، وأهلُ السُّنّة الذين يميِّزونها من الأهواء والبدع فيهم غرباء، والدّاعون إليها الصّابرون على أذى المخالفين لهم أشدُّ هؤلاء غربةً، ولكنّ هؤلاء هم أهل الله حقًّا، فلا غربة عليهم، وإنّما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم، كما قيل (٢): فليس غريبًا من تناءت ديارُه ... ولكنّ مَن تَنْأين عنه غريبُ

стр. 2041

ولمّا خرج موسى ﵇ هاربًا من قوم فرعون انتهى إلى مدين على الحال التي ذَكَر الله، وهو وحيدٌ غريبٌ خائفٌ جائعٌ، فقال: يا ربِّ وحيدٌ مريضٌ غريبٌ، فقيل له: يا موسى الوحيد مَن ليس له مثلي أنيسٌ، والمريض مَن ليس له مثلي طبيبٌ، والغريب مَن ليس بيني وبينه معاملةٌ (١). فالغربة ثلاثة أنواعٍ: غربة أهل الله وأهل سنّة رسوله (٢) بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسولُ الله ﷺ أهلَها، وأخبر عن الدِّين الذي جاء به: أنّه بدأ غريبًا، وأنّه سيعود غريبًا (٣)، وأنّ أهله يصيرون غرباء. وهذه الغربة قد تكون في مكانٍ دون مكانٍ، ووقتٍ دون وقتٍ، وبين قومٍ دون غيرهم (٤)، ولكنّ أهل هذه الغربة هم أهل الله حقًّا، فإنّهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ﷺ ، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا النّاسَ أحوجَ ما كانوا إليهم، فإذا انطلق النّاسُ يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلقَ النّاس؟ فيقولون: فارَقْنا النّاسَ ونحن أحوجُ منَّا إليهم اليوم، وإنّا ننتظر ربَّنا الذي كنَّا نعبده (٥).

стр. 2042

فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش النّاس، وأشدُّ ما يكون وحشةً إذا استأنسوا، فوليُّه الله ورسوله والّذين آمنوا، وإن عاداه أكثرُ النّاس وجفوه. وفي حديث القاسم، عن أبي أمامة، عن النّبيِّ ﷺ قال (١): «إنَّ أغبَطَ أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيف الحاذِ ذو حظٍّ من صلاة، أحسنَ عبادةَ ربِّه، وكان رزقه كفافًا، وكان مع ذلك غامضًا في النّاس، لا يُشار إليه بالأصابع، وصبَر على ذلك حتّى لقي الله، ثمّ حلّت منيّته، وقلَّ (٢) تراثُه، وقلَّت بواكيه» (٣). ومن هؤلاء الغرباء: مَا (٤) ذَكرَهم أنسٌ في حديثه عن النّبيِّ ﷺ : «ربّ أشعث أغبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه» (٥). وفي حديث أبي إدريس الخولانيِّ، عن معاذ بن جبلٍ، عن النّبيِّ ﷺ قال: «ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنّة؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «كلُّ

стр. 2043

ضعيفٍ أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه» (١). وقال الحسن: المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع مِن ذلِّها، ولا ينافس في عزِّها، للناس حالٌ وله حالٌ، النّاس منه في راحةٍ وهو من نفسه في تعبٍ (٢). ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطَهم النّبيُّ ﷺ : التّمسُّكُ بالسُّنّة إذا رغب عنها النّاس، وتَرْكُ ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريدُ التّوحيد وإن أنكرَ ذلك أكثر النّاس، وتَرْكُ الانتساب إلى أحدٍ غير الله ورسوله، لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبوديّة له وحده، وإلى رسوله بالاتِّباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا، وأكثر النّاس بل كلُّهم لائمٌ لهم؛ فلغربتهم بين هذا الخلق: يَعُدُّونهم أهلَ شذوذٍ وبدعةٍ، ومفارَقةٍ للسّواد الأعظم. ومعنى قول النّبيِّ ﷺ : «إنهم (٣) النُّزّاع من القبائل» أنّ الله سبحانه بعث رسولَه وأهل الأرض على أديانٍ مختلفةٍ، فهم بين عبّاد أوثانٍ وعُبّاد نيرانٍ، وعبّاد صلبانٍ (٤)، ويهودٍ وصابئةٍ وفلاسفةٍ، وكان (٥) الإسلام في أوّل ظهوره غريبًا، وكان مَن أسلم منهم واستجاب لله ورسوله غريبًا في حيِّه وقبيلته وأهله

стр. 2044

وعشيرته. وكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزّاعًا من القبائل، آحادًا (١) منهم تفرّقوا (٢) عن قبائلهم وعشائرهم، ودخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقًّا، حتّى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل النّاسُ فيه (٣) أفواجًا، فزالت تلك الغُربةُ عنهم، ثمّ أخذ في الاغتراب والتّرحُّل، حتّى عاد غريبًا كما بدأ، بل الإسلام الحقُّ الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه هو اليوم أشدُّ غربةً منه في أوّل ظهوره، وإن كانت أعلامُه ورسومُه الظّاهرة مشهورةً معروفةً، فالإسلام الحقيقيُّ غريبٌ جدًّا، وأهله غرباء (٤) بين النّاس. وكيف لا تكون فرقةٌ واحدةٌ قليلةٌ جدًّا غريبةً بين اثنتين وسبعين فرقةً، ذات أتباعٍ ورئاساتٍ ومناصب وولاياتٍ، لا يقوم لها سوقٌ إلّا بمخالفة ما جاء به الرّسولُ ﷺ ؟ فإنّ نفس ما جاء به يضادُّ أهواءهم (٥)، وما هم عليه من الشُّبهات (٦) التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشّهوات التي هي غاية (٧) مقاصدهم وإراداتهم؟ فكيف لا يكون المؤمن السّائر إلى الله على طريق المتابعة غريبًا بين

стр. 2045

هؤلاء الذين قد اتّبعوا أهواءهم، وأطاعوا شحّهم، وأُعْجِب كلٌّ منهم برأيه؟ كما قال النّبيُّ ﷺ : «مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ (١) شُحًّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، ورأيتَ أمرًا لا يدًا (٢) لك به، فعليك بخاصّة نفسِك، وإيّاك وعوامّهم، فإنّ وراءَكم أيّام الصَبْر الصّابرُ فيهم (٣) كالقابض على الجمر». ولهذا جعَلَ له (٤) في هذا الوقت إذا تمسّك بدينه: أجرَ خمسين من الصّحابة. ففي «سنن أبي داود» و «الترمذيِّ» من حديث أبي ثعلبة الخشنيِّ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بنفسك ودَعْ عنك العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّام الصّبر؛ الصّبر فيهنّ (٥) مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيهنّ أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله، قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم» (٦).

стр. 2046

وهذا الأجر العظيم إنّما هو لغربته بين النّاس، والتّمسُّك بالسُّنّة بين ظُلَم (١) أهوائهم وآرائهم. فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرةً في دينه، وفقهًا (٢) في سنّة رسوله، وفهمًا في كتابه، وأراه ما النّاس فيه من الأهواء والبدع والضّلالات، وتنكُّبهم عن الصِّراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصِّراط فليوطِّن نفسَه على قدح الجهّال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وإزْرائِهم به، وتنفير النّاس عنه وتحذيرهم منه، كما كان (٣) الكفّار يفعلون مع متبوعه وإمامه، فأمّا إن دعاهم إلى ذلك، وقدَحَ فيما هم عليه= فهناك تقومُ قيامتُهم، ويبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، ويَجْلِبون عليه بخيلِ كبيرِهم ورَجِلِه. فهو غريبٌ في دينه لفسادِ أديانِهم، غريبٌ في تمسُّكه بالسُّنّة لتمسُّكهم بالبدع، غريبٌ في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريبٌ في صَلاته لسوء صلاتهم، غريبٌ في طريقه لفساد (٤) طُرُقهم، غريبٌ في نِسْبَتِه لمخالفة نِسَبِهِم (٥)، غريبٌ

стр. 2047

في معاشرته لهم، لأنّه يُعاشرهم على ما لا تهوى (١) أنفسُهم. وبالجملة: فهو غريبٌ في أمور دنياه وآخرته، لا يجد (٢) مساعدًا ولا معينًا، فهو عالمٌ بين قوم جهّالٍ، صاحب سنّةٍ بين أهل بدعٍ، داعٍ إلى الله ورسوله بين دعاةٍ إلى الأهواء والبدع، آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر بين قومٍ المعروف لديهم منكرٌ والمنكر معروفٌ. فصل النوع الثاني من الغربة (٣): غربةٌ مذمومةٌ، وهي غربة أهل الباطل وأهل الفجور بين أهل الحقِّ، فهي غربةٌ بين حزب الله (٤) وإن كثُرَ أهلُها، فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم، أهل وحشةٍ على كثرة مؤنسيهم، يُعرفون في أهل الأرض، ويَخْفَون على أهل السّماء. فصل النوع الثالث: غربةٌ مشتركةٌ لا تُحمَد ولا تُذَمُّ، وهي الغربة عن الوطن؛ فإنّ النّاس كلّهم في هذه الدّار (٥) غرباء، فإنّها ليست لهم بدار مُقامٍ، ولا هي الدّار التي خُلقوا لها، وقد قال النّبيُّ ﷺ لعبد الله بن عمر: «كنْ في الدُّنيا

стр. 2048

كأنّكَ غريبٌ أو عابر سبيلٍ» (١). وهكذا هو في نفس الأمر أمَرَ (٢) أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حقّ المعرفة. ولي من أبياتٍ في هذا المعنى (٣): وحيّ على جنّات عدنٍ فإنّها ... منازلك الأولى وفيها المخيّم ولكنّنا سبي العدوِّ فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلّم وأيُّ اغترابٍ فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداءُ فينا تَحَكّم وقد زعموا أنّ الغريبَ إذا نأى ... وشطّت به أوطانُه ليس ينعم فمن أجل ذا لا ينعَمُ العبدُ ساعةً ... من العمر إلّا بعدها (٤) يتألّم وكيف لا يكون العبد في هذه الدّار غريبًا، وهو على جناح سفرٍ، لا يحلُّ عن راحلته إلّا بين أهل القبور؟ فهو مسافرٌ في صورة قاعدٍ، وقد قيل (٥): وما هذه الأيّام إلّا مراحل ... يحثُّ بها داعٍ إلى الموت قاصدُ وأعجبُ مِن ذا (٦) لو تأمّلتَ أنّها ... منازلُ (٧) تُطوَى والمسافرُ قاعدُ

стр. 2049

فصل قال صاحب «المنازل» (١): (الاغتراب: أمرٌ يشار به إلى الانفراد عن الأكفاء). يريد أنّ كلّ من انفرد بوصفٍ شريفٍ دون أبناء جنسه، فإنّه غريبٌ بينهم لعدم مشارِكِه أو قلّته. قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ؛ الدّرجة الأولى: الغربة عن الأوطان ، وهذا الغريب موته شهادةٌ، ويُقاس له في قبره مِن مَدفِنه إلى وطنه، ويُجمَع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم). لمّا كانت الغربة هي الانفراد، والانفراد إمّا بالجسم وإمّا بالقصد والحال وإمّا بهما= كان الغريبُ غريبَ جسمٍ، أو غريبَ قلبٍ وإرادةٍ وحالٍ، أو غريبٌ (٣) بالاعتبارين. قوله: (وهذا الغريب موته شهادةٌ) يشير به إلى الحديث الذي رُوي عن هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: «موت الغريب شهادةٌ» (٤). ولكن هذا الحديث لا يثبت، وقد روي بطرقٍ لا يصحُّ

стр. 2050

منها شيءٌ، قال الإمام أحمد: هذا منكرٌ (١). وأمّا قوله: (ويُقاس له في قبره مِن مَدفِنه إلى وطنه) فيشير به إلى ما رواه عبد الله بن وهبٍ: حدّثني حييُّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرّحمن الحُبُليِّ، عن عبد الله بن عمرٍو قال: توفِّي رجلٌ بالمدينة ممّن ولد بالمدينة فصلّى عليه رسول الله ﷺ ، وقال: «ليته مات في غير مولده»، فقال رجلٌ: ولِمَ يا رسول الله؟ فقال: «إنّ الرّجل إذا مات قِيسَ له مِن مولده إلى مُنْقَطَع أثره في الجنّة» (٢). رواه ابن لهيعة، عن حُييٍّ بهذا الإسناد، وقال: وقف رسول الله ﷺ على قبر رجلٍ بالمدينة، فقال: «يا له لو مات غريبًا»، فقيل: وما للغريب (٣) يموت بغير أرضه؟ فقال: «ما مِن غريبٍ يموت بغير أرضه، إلّا قِيسَ له مِن تُرْبَتِه إلى مولده في الجنّة».

стр. 2051

وقوله: (ويُجمَع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم) يشير إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١): حدّثنا الهيثم (٢) بن جميلٍ، حدّثنا محمّد بن مسلمٍ، حدّثنا عثمان بن عبد الله بن أوسٍ، عن سليمان بن هرمز، عن عبد الله بن عمرٍو (٣): أحبُّ شيءٍ إلى الله الغرباء. قيل: وما الغرباء يا رسول الله (٤)؟ قال: «الفرَّارون بدينهم يُجْمَعون (٥) إلى عيسى ابن مريم يوم القيامة». فصل قال (٦): (الدّرجة الثّانية: غُربة الحال ، وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم، وهو رجلٌ صالحٌ في زمانٍ فاسدٍ بين قومٍ فاسدين، أو عالمٌ بين قومٍ جاهلين، أو صدِّيقٌ بين قومٍ منافقين). يريد بالحال هاهنا: الوصف الذي قام به من الدِّين والتمسُّك بالسُّنّة، ولا يريد به الحال الاصطلاحيّ عند القوم، والمراد به: العالم بالحقِّ، العامل به، الدّاعي إليه. وجعل الشيخُ الغرباءَ في هذه الدّرجة ثلاثة أنواعٍ: صاحبُ صلاحٍ ودينٍ

стр. 2052

بين قومٍ فاسدين، وصاحب علمٍ ومعرفةٍ بين قومٍ جهّالٍ، وصاحب صدقٍ وإخلاصٍ بين أهل كذبٍ ونفاقٍ، فإنّ صفات هؤلاء وأحوالهم تنافي صفات من هم بين أظهرهم، فمثل هؤلاء بين أولئك كمثل الطائر الغريب بين الطَّير (١)، والكلب الغريب بين الكلاب. والصِّدِّيق هو الذي صدَق في قوله وفعله، وصدّق الحقَّ بقوله وعمله، فقد انجذبت قواه كلُّها للانقياد لله ورسوله، عكس المنافق الذي ظاهره خلاف باطنه وقوله خلاف عمله. فصل قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: غُربة الهمّة ، وهي غربةُ طلب الحقِّ، وهي غربة العارف؛ لأنّ العارف في شاهده غريبٌ، ومصحوبه في شاهده غريبٌ، وموجوده فيما (٣) يحمله علمٌ أو يظهره وجدٌ، أو يقوم به رسمٌ، أو تُطِيقُه إشارةٌ، أو يشمله اسم غريبٍ، فغربة العارف غربة الغربة؛ لأنّه غريب الدُّنيا والآخرة (٤)). إنّما كانت هذه الدّرجة أعلى ممّا قبلها، لأنّ الغربة (٥) الأولى غُربةٌ بالأبدان. والثّانية: غربةٌ بالأفعال والأحوال. وهذه الثّالثة: غربةٌ بالهِمَم. فإنّ

стр. 2053

همّة العارف حائمةٌ حول معروفه، فهو غريبٌ في أبناء الآخرة، فضلًا عن أبناء الدُّنيا، كما أنّ طالب الآخرة غريبٌ في أبناء الدُّنيا. قوله: (لأنّ العارف في شاهده غريبٌ) شاهد العارف: هو الذي يشهد عنده وله بصحّة (١) ما وجَدَ وأنّه كما وجَدَ، وبثبوت ما عَرَف وأنّه كما عرَف. وهذا الشّاهد أمرٌ يجِدُه مِن قلبه، وهو قُربه من الله، وأُنْسُه به، وشدّة شوقه إلى لقائه وفرحه به، فهذا شاهده في سرِّه وقلبِه. وله شاهدٌ في حالِه وعملِه، يُصدِّق هذا الشّاهد الذي في قلبه. وله شاهدٌ في قلوب الصّادقين، يصدِّق هذين الشّاهدين، فإنّ قلوب الصّادقين لا تشهد بالزُّور البتّة، فإذا خَفِي عليك شأنُك وحالُك، فسل عنك قلوبَ الصّادقين تشهد (٢)؛ فإنّها تخبرك عن حالك. قوله: (ومصحوبه في شاهده غريبٌ) مصحوبه في شاهده، هو الذي يصحبه فيه من العلم والعمل والحال، وهو غريبٌ بالنِّسبة إلى غيره ممّن لم يُطِق طعمَ هذا الشّأن، بل هو في وادٍ وأهله في وادٍ. قوله: (وموجوده فيما يحمله علمٌ .. إلى آخره) يريد بموجوده ما يجده في شهوده وجدانًا ذاتيًّا حقيقيًّا في هذه المراتب المذكورة؛ لأنّ الشُّهود يشملها كلُّها حالة (٣) المشاهدة.

стр. 2054

فأمّا ما يحمله العلم: فهو أحكام العلم التي متى انسلخَ منها انسلخَ من الإيمان. وموجودُه في هذه المشاهد في هذه (١) الحال، هو إصابته وجهَ الصّواب الذي أراده الله ورسولُه بشرعه وأمره، وهذه الإصابة غريبةٌ جدًّا عند أهل العلم، بل هي متروكةٌ عند كثيرٍ منهم، فليس الحلال إلّا ما حلّله مَن قلّدوه، والحرام ما حرّمه، والدِّين ما أفتى به، يُقدّم على النُّصوص، ويترك له أقوال (٢) الصّحابة وسائر أهل العلم. قوله: (أو يظهره وجدٌ) الوجد: يُظهِر أمورًا ينكرها من لم يكن له ذلك الوجد، ويعرفها مَن كان له، وهذا الوجد (٣) إن شهد له العلمُ بالقبول وزكّاه، فهو وجدٌ صحيحٌ، وإلّا فهو وجدٌ (٤) فاسدٌ أو فيه انحرافٌ. والمقصود: أنّ ما يظهره وجدُ هذا العارف بالله وأسمائه وصفاته وأحكامِه غريبٌ على غيره، بحسب همّته ومعرفته وطلبه. قوله: (أو يقوم به رسمٌ) الرّسم: هو الصُّورة الخلْقِيّة وصفاتُها وأفعالها عندهم، والّذي يقوم به هذا الرّسم هو الذي يقيمه مِن تعلّق اسم القيُّوم به، فإنّ القيُّوم هو القائم بنفسه الذي قيام كلِّ شيءٍ به؛ أي: هو المقيم لغيره، فلا قيام لغيره بدون إقامته له، وقيامه هو بنفسه لا بغيره.

стр. 2055

ويحتمل أن يريد به معنًى آخر، وهو: ما يقوى رسْمُه على القيام به، فإنّ وراء ذلك ما لا يقوى رسمُ العبد على إظهاره ولا القيام به. وهذا أظهر المعنيين من كلامه، وسياقُه إنّما يدلُّ عليه. ولهذا قال بعد ذلك: (أو يطيقُه إشارةٌ)؛ أي: يقدر (١) على إفهامه وإظهاره هو (٢) إشارةٌ، فتنهض الإشارة بكشفه. ثمّ قال: (أو يشمله اسمٌ (٣))، يعني: أو تناله عبارةٌ. فذكر الشّيخُ خمسَ مراتب؛ الأولى: مرتبة حمل (٤) العلم له. الثّانية: مرتبة إظهار الوجد له. الثّالثة: مرتبة قيام الرّسم به. الرّابعة: مرتبة إطاقة الإشارة له. الخامسة: مرتبة شمول العبارة له. ومقصوده: أنّ موجود العارف أخفى وأدقُّ من موجود غيره، فهو غريبٌ بالنِّسبة إلى موجود سواه، وأخبر أنّ موجودَه في هذه المراتب غريبٌ، فكيف بموجودِه الذي لا يحمله علمٌ، ولا يُظهره وَجدٌ، ولا يقوم به رسمٌ، ولا تُطيقه إشارةٌ، ولا تشمله عبارةٌ؟ فهذا أشدُّ غربةً. قوله: (فغربة العارف: غربة الغربة) الغربة: أن يكون الإنسان من (٥) أبناء جنسه غريبًا، مع أنّ له نسبة بهم (٦).

стр. 2056

وأمّا غربة المعرفة (١): فلا يبقى معها نسبةٌ بينه وبين أبناء جنسه إلّا بوجهٍ بعيدٍ؛ لأنّه في شأنٍ والنّاس في شأنٍ آخر، فغربته غربة الغربة. وأيضًا فالصّالحون غرباء في النّاس، والزّاهدون غرباء في الصّالحين، والعارفون غرباء في الزّاهدين. قوله: (لأنّه غريب الدُّنيا وغريب الآخرة). يعني: أبناء الدُّنيا لا يعرفونه؛ لأنّه ليس منهم، وأهل الآخرة العبّاد الزُّهّاد لا يعرفونه؛ لأنّ شأنه وراء شأنهم، همّتهم متعلِّقةٌ بالعبادة، وهمّته متعلِّقةٌ بالمعبود مع قيامه بالعبادة، فهو يرى النّاس والنّاس لا يرونه، كما قيل (٢): تَستّرتُ مِن دهري بظلِّ جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيّامَ ما اسمي لما دَرَتْ ... وأين مكاني ما عرفْنَ مكاني * * * *

стр. 2057

فصل قال صاحب «المنازل» (١): (باب الغرق. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]. هذا اسمٌ يُشار به في هذا الباب إلى من توسَّطَ المقامَ وجاوزَ حدَّ التّفرُّق). وجه استدلاله بإشارة الآية: أنّ إبراهيم ﷺ لمّا بلغ ما بلغ (٢) هو وولده في المبادرة إلى الامتثال، والعزمِ على إيقاع الذّبح المأمور به، ألقى (٣) الولدَ على جَنْبه في الحال، وأخذَ الشَّفرةَ وأهوى إلى حلقه= أعرضَ في تلك الحال عن نفسه وولده، وفني بأمر الله عنهما، فتوسَّطَ بحرَ جمْعِ السِّرِّ والقلب والهمِّ على الله، وجاوزَ حدَّ التّفرقةِ المانعة من امتثال هذا الأمر. وقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: استسلما وانقادا لأمر الله، فلم يبقَ هناك منازعةٌ لا من الوالد ولا من الولد، بل استسلامٌ صِرفٌ وتسليمٌ محضٌ. وقوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صَرعَه على جبينه، وهو جانب الجبهة الذي يلي الأرضَ عند النّوم، وتلك هيئةُ ما يُراد ذبحه. وقوله: (توسّط المقام) لا يريد به مقامًا معيّنًا، ولذلك أبهمه ولم يُقيِّده. و «المقام» عندهم: منزلٌ من منازل السّالكين، وهو يختلف باختلاف مراتبه، وله بدايةٌ وتوسُّطٌ ونهايةٌ، فالغرق المشار إليه: أن يصير في وسط المقام.

стр. 2058

فإن قيل: الغرق أخصُّ بنهاية المقام من توسُّطه؛ لأنّه استغراقٌ فيه بحيث يَستفرغ قلْبَه وهمّه، فكيف جعله الشّيخ توسُّطًا فيه؟ قلت: لمّا كانت همّةُ الطّالب في هذه الحال مجموعةً على المقصود، وهو معرضٌ عمّا سواه، قد فارق مقامَ التّفرقة، وجاوزَ حدَّها إلى مقام الجمع، فابتدأ في المقام، وأوّلُ كلِّ مقامٍ يُشبِه آخرَ الذي قبله، فلمّا توسّطَ فيه استغرق قلبه وهمّه وإرادته، كما يَغرَقُ من توسّطَ اللُّجّةَ فيها قبل وصوله إلى آخرها. قوله (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ؛ الدّرجة الأولى: استغراق العلم في عين الحال ، وهذا رجلٌ قد ظَفِرَ بالاستقامة، وتحقَّقَ في الإشارة، فاستحقَّ صحّةَ النِّسبة). هذه الدّرجة التي بدأ بها هي أوّل درجاته؛ وقد يكون عالمًا بالشّيء ولا يكون متّصفًّا بالتّخلُّق به واستعماله، فالعلم شيءٌ والحال شيءٌ آخرٌ. فعلمُ العشق والصِّحَّة والسُّكر (٢) والعافية غيرُ حصولها والاتِّصال بها، فإذا غلب عليه حال تلك المعلومات صار علمه بها كالمغفول عنه، وليس بمغفولٍ عنه، بل صار الحكم للحال. فإنّ العبد يعرف الخوف من حيث العلم، ولكن إذا اتّصف بالخوف وباشر الخوفُ قلبَه غلبَ عليه حال الخوف والانزعاج (٣)، واستغرق علمه في حاله، فلم يذكر علمه لغلبة حالِه عليه.

стр. 2059

ومَن هذه حالُه قد ظفِرَ بالاستقامة؛ لأنّ العلوم إذا أثمرت الأحوالَ كانت عنها الاستقامةُ في الأعمال ووقوعُها على وجه الصّواب، وتحقَّقَ صاحبُها في الإشارة إلى ما وجده من الأحوال، ولم تكن إشارته عن تخمينٍ وظنٍّ وحسبانٍ. واستحقَّ اسمَ النِّسبة في صحّة العبوديّة إلى الرّحمن ؛ كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وقوله: ﴿يَاعِبَادِى لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الزخرف: ٦٨]. والمقصود: أنّ هذا قد انتقل من أحكام العمل بالعلم وحده إلى أحكام العمل بالحال المصاحب للعلم، فهو عاملٌ بالمواجيد الحاليّة المصحوبة بالعلوم النّبويّة، فإنّ انفراد العلم عن الحال تعطيلٌ وبطالةٌ، وانفراد الحال عن العلم كفرٌ وإلحادٌ، والأكملُ: أن لا يغيب عن شهود العلم بالحال، وإن استغرقَه الحال عن شهود العلم مع قيامه بأحكامه لم يضرَّه. قوله: (وهذا رجلٌ قد ظفِرَ بالاستقامة)، أي: هو على مَحجَّة الطّريق القاصد إلى الله، المُوصِل إليه، و «الظّفر» هو حصول الإنسان على مطلوبه. قوله: (وتحقَّقَ في الإشارة)، أي: إشارته إشارة تحقيقٍ، ليست كإشارة صاحب البرق الذي يلوح ثمّ يذهب. قوله: (فاستحقَّ صحّةَ النِّسبة)، لأنّه لمّا استقام، وصحَّ حاله بعمله، وأثمر علمُه حالَه= صحّت نسبة العبوديّة له؛ فإنّه لا نسبة بين العبد والرّبِّ إلّا نسبة العبوديّة.

стр. 2060

فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: استغراق الإشارة في الكشف ، وهذا رجلٌ ينطق عن موجوده، ويسير مع مشهوده، ولا يُحِسُّ برعونة رسمه). إنّما كانت هذه الدّرجة أرفعَ ممّا قبلها؛ لأنّ صاحب الدّرجة الأولى غايته (٢) أن يشير إلى ما تحقَّقَه وإن فارقَه، وصاحب هذه الدّرجة قد فنِيَ عن الإشارة لغلبة توالي نورِ الكشف عليه. فاستغراقُ الإشارة في الكشف هو ارتفاع حكمها فيه، فإنّ الإشارة عندهم نداءٌ على رأس البعد، وبَوْحٌ بمعنى الغاية، وقد ارتفعت العلل عن صاحب هذه الدّرجة، فاستغرقت إشارته في كشفه، فلم يبقَ له إشارةٌ. وإنّما ترتفع الإشارة لاستغراق الكشف لها، إلّا أنّ صاحب هذه الدّرجة فيه بقيّةٌ من رُعونة رسمه، فلذلك قال: (ولا يُحِسُّ برعونة رسمه)، ورعونة الرّسم: هي التفاته إلى إنِّيّته. وقوله: (وهذا رجلٌ ينطق عن موجوده)، أي: لا يستعير ما يذكره من الذّوق والوجد من غيره، ويكون لسانه ناطقًا به على حال غيره وموجوده، فهو ينطق عن أمرٍ هو متّصفٌ به لا وَصَّافٌ له. قوله: (ويسير مع مشهوده)، هو بالسِّين المهملة؛ أي: يسير إلى الله عن شهودٍ وكشفٍ، لا مع حجابٍ وغفلةٍ، فهو سائرٌ إلى الله بالله مع الله. قوله: (ولا يُحِسُّ برعونة رسمه)، الرّسم عندهم هو ذات العبد التي

стр. 2061

تفنى عند الشُّهود، وليس المراد بفنائها عدمُها من الوجود العينيِّ، بل عدمها من الوجود الذِّهنيِّ العلميِّ، هذا مرادهم بقولهم: فنِي من لم يكن، وبقِيَ من لم يزل (١). وقد يريدون به معنًى آخر، وهو: اضمحلال الوجود المحدَث الحاصل بين عدمين، وتلاشيه في الوجود الذي لم يزل ولا يزال. وللملحد هاهنا مجالٌ يجول فيه (٢)، ويقول: إنّ الوجود المحدث لم يكن له حقيقةٌ، وإنّ الوجود القديم الدّائم وحده هو الثّابت، ولا وجود لغيره، لا في ذهنٍ ولا في خارجٍ، وإنّما هو وجودٌ فائضٌ على الدّوام على ماهيّاتٍ معدومةٍ، فتكتسي بعين وجوده بحسب استعداداتها. والمقصود شرح كلام الشّيخ. والمراد برعونة الرّسم هاهنا: بقيّةٌ تبقى من صاحب الشُّهود، لا يدركها لضعفها وقلّتها، واشتغالِه بنور الكشف عن ظلمتها، فهو لا يُحِسُّ بها. فصل قال (٣): (الدّرجة الثّالثة: استغراق الشّواهد في الجمع ، وهذا رجلٌ شمِلَتْه

стр. 2062

أنوار الأوّليّة، ففتح عينَه في مطالعة الأزليّة، فتخلَّصَ من الهِمَم الدَّنيّة). إنّما كان هذا الاستغراق عنده أكملَ ممّا قبله؛ لأنّ الأوّل استغراقٌ كاشفٌ في كشفٍ، وهو متضمِّنٌ لتفرقةٍ، وهذا استغراقٌ عن شهود كشفه في الجمع (١)، فتمكَّنَ هذا في حال جمْعِ همَّته مع الحقِّ، حتّى غاب عن إدراك شهوده وذكْرِ رسومه، لِما توالى عليه من الأنوار التي خصَّه الحقُّ بها في الأزل، وهي أنوار كشف اسمه الأوّل، ففتح عينَ بصيرته في مطالعة الاختصاصات الأزليّة، فتخلَّص بذلك من الهمم الدَّنيّة المنقسمة بين تغييرِ مقسومٍ، أو تقريبِ مضمونٍ، أو تعجيلِ مؤخَّرٍ، أو تأخيرِ سابقٍ، أو نحو ذلك. وقد يراد بالهمم الدّنيّة تعلُّقها بما سوى الحقِّ سبحانه وما كان له، وعلى هذا فاستغرقت شواهده في جمع الحكم وشموله. وقد يُراد به معنًى آخر، وهو استغراق شواهد الأسماء والصِّفات في الذّات الجامعة لها، فإنّ الذّات جامعةٌ لأسمائها وصفاتها، فإذا استغرق العبد في حضرة الجمع غابت الشّواهد في تلك الحضرة. وأكملُ من ذلك: أن يشهد كثرةً في وحدةٍ، ووحدةً في كثرةٍ، بمعنى: أنه يشهد كثرة الأسماء والصِّفات في الذّات الواحدة، ووحدة الذّات مع كثرة أسمائها وصفاتها. وقوله: (ففتح عينه في مطالعة الأزليّة)، أي: نظر بالله لا بنفسه، واستمدّ من فضله وتوفيقه لا من معرفته وتحقيقه، فشاهدَ سبْقَ الله سبحانه لكلِّ شيءٍ

стр. 2063

وأوّليَّتَه قبل كلِّ شيءٍ، فتخلَّصَ من هِمم المخلوقين المتعلِّقة بالأدنى، وصارت له همّةٌ عاليةٌ متعلِّقةٌ بربِّه الأعلى، تَسْرَح في رياض الأنس به ومعرفته، ثمّ تأوي إلى مقامها تحت عرشه ساجدةً له، خاضعةً لعظمته، متذلِّلةً لعزّته، لا تَبتغي عنه حِوَلًا، ولا تروم به بدلًا. * * * *

стр. 2064

فصل قال صاحب «المنازل» (١): (باب الغَيبة. قال الله : ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]). وجه استدلاله بإشارة الآية أنّ يعقوب ﷺ لمّا ابتُلي قلبه بحبِّ يوسف ﵊ وذِكْرِه أعرضَ عن ذكر أخيه، مع قرب عهده بمصيبة فراقه، فلم يذكره مع ذلك ولم يتأسّف عليه غيبةً عنه بمحبّة يوسف واستيلائه على قلبه. ولو استدلّ بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] لكان دليلًا أيضًا، فإنّ مشاهدته في تلك الحال غيَّبَ عنهنَّ السّكاكين وما تُقطَع بهنّ، حتّى قطَّعن أيديهنّ ولا يشعرن، وذلك من قوّة الغَيبة. قال الشيخ (٢): (الغَيبة (٣) التي يُشار إليها في هذا الباب على ثلاث درجاتٍ؛ الأولى: غَيبة المريد في تخلُّص القصد عن أيدي العلائق، ودَرَكِ العوائق, لالتماسِ الحقائق). يريد غَيبة المريد عن بلده ووطنه وعاداته، في محلِّ تخليص القصد وتصحيحه, ليقطع بذلك العلائق، وهي ما يتعلّق بقلبه وقالبه وحسِّه من المألوفات، ويسبق العوائقَ حتّى لا تَلحقَه ولا تُدرِكه. وقوله: (لالتماس الحقائق) متعلِّقٌ بقوله: (غيبة المريد) , أي: هذه

стр. 2065

الغيبة لالتماس الحقائق، فإنّ العوائق والعلائق تحول بينه وبين طلبها وحصولها لمضادّتها لها. والحقائق جمع حقيقةٍ، ويراد بها الحقُّ تعالى وما نُسِب إليه، فهو الحقُّ، وقوله الحقُّ، ووعده الحقُّ، ولقاؤه حقٌّ، ورسوله حقٌّ، وعبوديّته وحده حقٌّ، وعبوديّة ما سواه باطل، فكلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلٌ. والمقصود: أنّ المريد إذا لم يتخلّص قصدُه في مطلوبه عمّا يعوقه من الشّواغل أو يدركه من المعوِّقات؛ لم يبلغ إلى مقصوده، ولم يصل إليه، وإن وصل إليه فبعد جهدٍ شديدٍ ومشقّةٍ، بسبب تلك الشّواغل، ولم يصل القوم إلى مطلبهم إلّا بقطع العلائق ورفْضِ الشّواغل. فصل قال (١): (الدّرجة الثّانية: غَيبة السّالك عن رسوم العلم، وعللِ السّعي، ورُخَصِ الفتور). يريد: أنّه ينتقل عن أحكام العلم إلى أحكام الحال، وهذا كلامٌ فيه إجمالٌ، فالملحد يفهم منه: أنّه يفارق أحكام العلم، ويقف مع أحكام الحال (٢)، وهذا زندقةٌ وإلحادٌ. والموحِّد يفهم منه: أنّه ينتقل من أحكام العلم وحده إلى أحكام الحال المصاحب للعلم، فإنّ العلم الخالي عن الحال ضعفٌ في الطّريق، والحال المجرّد عن العلم ضلالٌ عن الطّريق، ومَن

стр. 2066

عبدَ الله بحالٍ مجرّدٍ عن علمٍ لم يزددْ من الله إلّا بعدًا. قوله: (وعلل السّعي)، يعني: أنّ السّالك يغيب عن علل سعيه وعمله. وهذه العلل عندهم: هي اعتقاده أنّه يصل بها إلى الله، وسكونُه إليها، وفرحُه بها ورؤيتها، فيغيب عن هذه العلل. ومراده بغَيبته عنها: إعدامها حتّى لا تحضره، لا أنّه يغيب عنها وهي موجودةٌ قائمةٌ. نعم إذا اعتقد أنّ الله يُوصِله إليه بها، ويفرح بها من جهة الفضل والمنّة وسَبْق الأوّلية، لا من جهة الاكتساب والفعل= لم يضرَّه ذلك، بل هذا أكمل، وهو في الحقيقة سكونٌ إلى الله وفرحٌ به، واعتقاد أنّه هو المُوصِل لعبده إليه بما منه وحده، لا بحول العبد وقوّته، فهذا لونٌ وهذا لونٌ. والحاصل: أنّه إذا انتقل عن أحكام العلم المجرّد إلى أحكام الحال المصاحب للعلم غابت عنه عللُ السّعي. وكذلك تغيب عنه رُخَصُ الفتور، فلا ينظر إلى عزيمة السّعي، ولا يقف مع رُخَص الفتور، فهما آفتان للسّالك، فإنّه إمّا أن يتجرَّد عزمُه وهمُّه، فينظر إلى ما منه، وأنّ همّته وعزيمته تحمله وتقوم به، وإمّا أن يترخّص برخصةٍ تُفَتِّر عزمَه وهمّتَه. فكمالُ جِدِّه وصدقه وصحّة طلبه يُخلِّصه من رُخَص الفتور، وكمالُ توحيده ومعرفته بربِّه ونفسه يُخلِّصه من علل السّعي. فصل قال (١): (الدّرجة الثّالثة: غَيبة العارف عن عيون الأحوال والشّواهد

стр. 2067

والدّرجات في عين (١) الجمع). إنّما كانت هذه الدّرجة عنده أعلى على طريقته في كون الفناء غاية الطّالب. وهذه الدّرجة هي غيبةٌ عن خيراتٍ ومقاماتٍ بما هو أكمل منها وأشرف عنده، وهو حضرة الجمع. ومعنى غيبته عن عيون الأحوال: أن لا يرى الأحوالَ ولا تراه، فلذلك استعار لها عيونًا؛ لأنّ الأحوال تقتضي واجدًا وموجودًا ووجدانًا، وهذا ينافي الفناء في حضرة الجمع، فإنّ الجمع يمحو الرُّسوم. وقد عرفتَ مرارًا أنّ هذا ليس بكمالٍ، ولا هو مطلوبٌ لنفسه، وغيره أكمل منه. وأمّا غيبته عن الشّواهد فقد يريد بها شواهدَ المعرفة وأدلّتها، فيغيب بمعروفه عن الشّواهد الدّالّة عليه في الخارج وفي نفسه. وقد يريد بالشّواهد الأسماء والصِّفات، والغيبة عنها بشهود الذّات، ولكنّ هذا ليس بكمالٍ، ولا هو أعلى من شهود الأسماء والصِّفات، بل هذا الشُّهود هو شهود المعطِّلة المنكِرة لحقائق الأسماء والصِّفات، فإنّهم ينتهون في فنائهم إلى شهود ذاتٍ مجرّدةٍ. ومن هاهنا دخل الملاحدة القائلون بوحدة الوجود، وجعلوا شهود نفس الوجود المجرّد عن التقيُّدات وعن سائر الأسماء والصِّفات هو شهود الحقيقة. وشيخ الإسلام بل وأهل الإسلام بُرَأَئُ من هؤلاء وشهودهم. ومراد أهل الاستقامة بذلك أنه يشهد الذّات الجامعة لجميع معاني الأسماء الحسنى والصِّفات العُلا، فيغيِّبه شهوده لهذه الذّات المقدّسة عن

стр. 2068

شهود صفةٍ أو اسمٍ. فالشّواهد هي الأفعال الدّالّة على الصِّفات المستلزمة للذّات، وشواهد المعرفة هي الأدلّة التي حصلت عنها المعرفة، فإذا طواها الشّاهد من وجوده، وشهد أنّه ما عرف الله إلّا به، ولا دلّ عليه إلّا هو= غابت شواهده في مشهوده، كما تغيب معارفُه في معروفه. وبكلِّ حالٍ فما عُرِف الله إلّا بالله، ولا دَلَّ على الله إلّا الله، ولا أوصل إلى الله إلّا الله، فهو الدّالُّ على نفسه بما نصبَه من الأدلّة، والذّاكر لنفسه على لسان عبده، كما قال النّبيُّ ﷺ : «إنّ الله قال على لسان نبيِّه: سمع الله لمن حمده» (١). وهو المحبُّ لنفسه بنفسه، وبما خلق من عبيده الذين يحبُّونه، والشّاكر لنفسه بنفسه، وبما أجراه على ألسنة عبيده وقلوبهم وجوارحهم من ذكره، فمنه السّبب وهو الغاية، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. وللملحد هاهنا مجالٌ، حيث يظنُّ أنّ الذاكر والمذكور والذِّكر، والعارف والمعروف والمعرفة، والمحبّ والمحبوب والمحبّة= من عينٍ واحدةٍ، لا بل ذلك هو العين الواحدة، وأنّ الذي عرف الله وأحبّه هو الله نفسه وإن تعدّدت مظاهره، فالظّاهر فيها واحدٌ، ظهر بوجوده العينيِّ فيها، فوجودها عينُ وجوده، ووجوده فاضَ عليها. وهذا أكفر من كلِّ كفرٍ، وأعظم من كلِّ إلحادٍ. والموحِّدون يقولون: إنّما أفاضَ عليها إيجادَه لا وجوده، وظهر فيها

стр. 2069

فعلُه بل أثرُ فعله، لا ذاته وصفاته، فقامت به فقرًا إليه واحتياجًا لا وجودًا وذاتًا، وأقامها بمشيئته وربوبيّته لا بظهوره فيها. ولقد لحظ ملاحدة الاتِّحاديّة أمرًا اشتبه عليهم فيه وحدةُ الموجِد بوحدة الوجود، وتوحيدُ الذّات والصِّفات والأفعال بتوحيد الوجود، وفيضانُ جوده بفيضان وجوده، فوحّدوا (١) الوجود وزعموا أنّه هو المعبود، فصاروا عبيدَ الوجود المطلق الذي لا وجودَ له في غير الأذهان، وعبيدَ الموجودات الخارجة في الأعيان، فإنّ وجودها عندهم هو المسمّى بالله. تعالى الله عن هذا الإلحاد الذي ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]. وسبحانَ من هو فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. أين حقيقة المخلوق من الماء المَهِين من ذات ربِّ العالمين؟ أين المكوَّن من ترابٍ من ربِّ الأرباب؟ أين الفقير بالذّات إلى الغنيِّ بالذّات؟ أين وجود من يضمحلُّ وجوده ويفوت إلى حقيقة وجود الحيِّ الذي لا يموت؟ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. * * * *

стр. 2070

فصل قال صاحب «المنازل» (١): (باب التّمكُّن. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]). وجه استدلاله بالآية في غاية الظُّهور، وهو أنّ المتمكِّن لا يبالي بكثرة المُشْغِلات، ولا بمخالطة أصحاب الغفلات، ولا بمعاشرة أهل البطالات، بل قد تمكَّنَ بصبره ويقينه عن استفزازهم إيّاه واستخفافِهم له. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠]. فمن وَفَّى الصّبرَ حقَّه، وتيقّن أنّ وعد الله حقٌّ، لم يستفزَّه المبطلون، ولم يستخفَّه الذين لا يوقنون. ومتى ضعُفَ صبره أو يقينه أو كلاهما استفزَّه هؤلاء واستخفّه هؤلاء، فجذبوه إليهم بحسب ضعف قوّة صبره ويقينه، فكلَّما ضعُفَ ذلك منه قوي جذْبُهم له، وكلّما قوي صبره ويقينه قوِيَ انجذابُه منهم وجذْبُه لهم. فصل قال الشيخ (٢): (التّمكُّن فوق الطُّمأنينة، وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار). التّمكُّن هو القدرة على التّصرُّف في الفعل والتّرك، وتُسمَّى مكانةً أيضًا، قال تعالى: ﴿(٣٨) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ﴾ [الزمر: ٣٩].
следующие страницы →