يتبيَّن (١) معناها والمراد بها، فإنَّ الكونين عبارةٌ عن جميع ما خلقه الله في الدُّنيا والآخرة، ويعبَّر عنهما بعالم الغيب وعالم الشهادة، وفيهما الرُّسل والأنبياء، والملائكة والأولياء، فكيف ينفصل عنهم ولا ينظر إليهم، ولا يقف بقلبه عليهم، ولا يبالي بهم؟
فاعلم أنَّ في لسان القوم من الاستعارات، وإطلاق العامِّ وإرادة الخاصِّ، وإطلاق اللَّفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه= ما ليس في لسان أحدٍ من الطوائف غيرهم. ولهذا يقولون: نحن أصحاب الإشارة لا أصحاب العبارة (٢)، والإشارة لنا والعبارة لغيرنا. وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد، ويريدون بها معنًى لا فساد فيه. وصار هذا سببًا لفتنة طائفتين: طائفة تعلَّقوا عليهم بظاهر عباراتهم، فبدَّعوهم وضلَّلوهم؛ وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم، فصوَّبوا تلك العبارات، وصحَّحوا تلك الإشارات. وطالب الحقِّ يقبله ممَّن كان، ويردُّ ما خالفه على من كان.
ومراد الشيخ وأهل الاستقامة: أنَّ النفس لمَّا كانت مائلةً إلى الملذوذات المحسوسة والمعنويَّة المشاهدة والغائبة (٣) = كان النظر إليها والوقوفُ معها علَّةً في الطريق والقصد جميعًا، فكان شاغلًا لها عن النظر إلى نفس المقصود وحده، والوقوفِ معه دون غيره، والالتفاتِ إليه دون ما سواه.
فمتى قوي تعلُّق القلب بالمقصود الأعلى، بحيث يَشْغَله ذكرُه عن ذكر
стр. 2242
غيره، وحبُّه عن حبِّ غيره، وخوفُه ورجاؤه عن خوف غيره ورجائه، وكان أنسُه به خاصَّةً= انفصل عن ذكر غيره في حال شغله به سبحانه، إذ ليس فيه اتِّساعٌ لغيره، فانفصل في هذه الحال نظرُه إلى الكونين، وانفصل توقُّفه عليهما، وانفصلت مبالاته بهما ضرًّا أو نفعًا، أو عطاءً أو منعًا.
وهذه الحال لا تدوم له؛ فإذا رجع إلى الكون بحكم طبعه (١) وأنَّه جزءٌ من الكون ذكر الرُّسل والأنبياء والملائكة والأولياء بالتعظيم والاحترام وأحسنِ الذِّكر، وذكر أعداءهم باللعن والطعن وأقبحِ الذِّكر؛ فهذا وظيفته في هذه الحال، وتلك وظيفته في ذلك المقام.
والمقصود: أنَّه انفصالُ شهودٍ في بعض الأحوال، لا انفصال وجودٍ، ولا انفصال شهودٍ دائمًا أبدًا. ولا تلتفت إلى غير هذا، فإنّه خيالٌ ووهم، لا نطيل الكتاب بذكره.
قال (٢): (الثاني: انفصالٌ عن رؤية الانفصال الذي ذكرنا، وهو أن لا يترايا عندك في شهود التحقيق شيءٌ يوصل بالانفصال منها إلى شيءٍ).
إنَّما كانت هذه الدرجة أعلى عنده ممَّا قبلها من حيث كانت الأولى وسيلةً إليها، وكانت هذه غايةً لها ومرتَّبةً عليها، فإنَّ المنفصل من الكونين شغلًا بالله قد تسكن نفسه إلى مقامه من الانفصال، ويساكنه بسرِّه وقلبه، ويغيب عنه أنَّه محضُ منَّة الله ومجرَّدُ فضله وعطائه، فيحتاج إلى أن ينفصل عن رؤية انفصاله، ويضيف ذلك إلى أهله ووليِّه المانِّ به.
стр. 2243
وهذا التفصيل يتضمَّن التفاوت الذي أشار إليه الشيخ في أوَّل الباب، فإنَّه ذكر في الدرجة الأولى أنَّ الانفصال شرطٌ في الاتِّصال، وقال هاهنا: (لا يترايا عندك في شهود التحقيق سببٌ يوصل بالانفصال منها إلى شيءٍ)، وهذا يناقض ما ذكره، ولا يجتمع معنى كلاميه، بل بينهما تفاوت التناقض؛ فأين شرط حصول الشيء من شهود عدم كونه سببًا وشرطًا؟!
والجواب عن هذا: أنَّ كون الشيء شرطًا وسببًا لحصول شيءٍ لا يناقض أن يكون عدمُ رؤيته شرطًا لحصول ذلك الشيء، فيكون حصوله مشروطًا بوجود ذلك الشيء في نفس الأمر وبعدم رؤية العبد له، فتكون الرُّؤية مانعةً، وإيضاح ذلك ببيان كلامه:
فقوله: (انفصالٌ عن رؤية الانفصال) يعني: أنَّ العبد يرى حالة الشُّهود أنّه انفصل عن الكونين، ثمَّ اتصل بجناب العزَّة، فيشهد اتِّصالًا بعد انفصالٍ. وهذه الرُّؤية في التحقيق ليست صحيحةً، لأنَّه لم ينفصل عن الكونين أصلًا، لكنَّه توهَّم ذلك، فإذا تبيَّن (١) أنَّه لم ينفصل عن الكونين فقد انفصل عن الانفصال المذكور، لتحقُّقه أنَّه لم يكن صحيحًا.
ثمّ بيَّن كيف يصحُّ له انفصاله عن انفصاله (٢)، فقوله: (أن لا يترايا) أي: لا يظهر لك (٣) (شيءٌ في شهود التحقيق) يكون هو السبب الموجب للاتصالِ (٤)، فكأنَّه قال: أن تشهد التحقيق، فيريك شهوده أنَّك ما انفصلت
стр. 2244
بنفسك عن شيءٍ، ولا اتَّصلت بنفسك بشيءٍ، بل الأمر كلُّه بيد غيرك، فهو الذي فصلك وهو الذي وصلك.
وأمَّا الملحد فيفسِّر كلامه بغير هذا، ويقول (١): إذا شهدت الحقيقة أرتك أنَّك ما انفصلت من شيءٍ، ولا اتَّصلت بشيءٍ، فإنَّ تلك اثنينيَّةٌ تنافي الوحدة المطلقة.
فانظر ما في الألفاظ المجملة الاصطلاحيَّة من الاحتمال، وكيف يجرُّها كلُّ أحدٍ إلى نحلته ومذهبه؟ ولهذا يقول الملحد (٢): إنَّه ليس هناك اتِّصالٌ ولا انفصال، إنَّما هو في نظر العبد ووهمه، فإذا صار من أهل التَّحقيق علم بعد ذلك أنَّه لا انفصال ولا اتِّصال، ويُنشد في هذا المعنى بيتًا مشهورًا لطائفة الاتِّحاديّة:
فما فيك لي شيءٌ لشيءٍ موافق ... ولا منك لي شيءٌ لشيءٍ مخالفُ
قال (٣): (الثالث: انفصالٌ عن اتِّصال (٤)، وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق، فإنَّ الانفصال والاتِّصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلَّة سيَّان).
الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنَّ ما قبلها انفصالٌ عن سكونه إلى
стр. 2245
انفصاله ورؤيته له، وهو في هذه الدرجة انفصالٌ عن رؤية اتِّصاله، فيتجرَّد عن رؤية كونه متَّصلًا، فإنَّ هذه الرُّؤية علَّةٌ في الاتِّصال. بل حالُ (١) اتِّصاله: غيبتُه عن رؤية كونه متَّصلًا (٢) لكمال استغراقه بما هو فيه من حقيقة الاتِّصال. فحصل من الدرجتين انفصاله عن الانفصال والاتِّصال جميعًا.
فهاهنا جال المُلحد وصال، وفتح فاه ناطقًا بالإلحاد، وقال (٣): هذا يدلُّ على أنَّ الانفصال والاتِّصال لا حقيقة لهما في نفس الأمر بل في نظر الناظر، فلا حقيقة لهما في نفس الأمر لكن في وهم المكاشف، فأين الاتِّصال والانفصال في العين الواحدة؟ وإنَّما الوهم والخيال قد حكما على أكثر الخلق.
وقد أعاذ الله الشيخ من أن يُظنَّ به هذا الإلحاد، وإنَّما مراده ما ذكرناه. وقد كشف عن مراده بقوله: (وهو انفصالٌ عن شهود مزاحمة الاتِّصال عينَ السبق) أي: ينفصل عن شهود مزاحمته لاتِّصاله عينَ ما سبَقَ له في الأزل من الأوَّل الآخر سبحانه، فإنَّه إذا لاحظ السَّبْق وما تقرَّر فيه حيث لم يكن هو ولا شيء من الأشياء= لم يزاحم شهودُ اتِّصاله لشهود ما سبَقَ به الأزل، بل اضمحلَّ فعلُه وشهودُه ووجودُه في ذلك الوجود الأزليِّ بحيث كأنَّه لم يكن. فإذا نسَبَ فعله وصفاته ووجوده إلى ذلك الوجود اضمحلَّ وتلاشى، وصار كالظلِّ والخيال للشخص.
стр. 2246
قوله: (فإنَّ الاتِّصال والانفصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلَّة سيَّان).
معناه: أنَّ معنى اسم الاتِّصال يضادُّ معنى اسم الانفصال كما يضادُّ اسمه اسمه، وهما متساويان في العلَّة، أي: رؤية الاتِّصال علَّةٌ، ورؤية الانفصال علَّةٌ، فتساويا من هذا الوجه، وإن تضادَّا لفظًا ومعنًى، والله أعلم.
* * * *
لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقوله: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا﴾ [النمل: ٤٠]، وقوله: ﴿اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا﴾ [الحديد: ١٧]، وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، وهذا كثيرٌ.
واختار سبحانه لنفسه اسم «العلم» وما تصرَّف منه، فوصف نفسه بأنَّه عالمٌ، وعليمٌ، وعلَّامٌ، وعَلِم، ويَعلم، وأخبر أنَّ له علمًا، دون لفظ «المعرفة»؛ ومعلومٌ أنَّ الاسم الذي اختاره لنفسه أكملُ نوعِه المشارك له في معناه.
وإنَّما جاء لفظ المعرفة في القرآن في مؤمني أهل الكتاب خاصَّةً، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وهذه الطائفة ترجِّح المعرفة على العلم جدًّا، وكثيرٌ منهم لا يرفع بالعلم رأسًا، ويعدُّه قاطعًا وحجابًا دون المعرفة (١). وأهلُ الاستقامة منهم أشدُّ الناس وصيَّةً للمريدين بالعلم، وعندهم أنَّه لا يكون وليٌّ لله كاملُ الولاية من غير أولي العلم أبدًا، فما اتَّخذ الله ولا يتَّخذ وليًّا جاهلًا؛ فالجهل رأس كلِّ بدعةٍ وضلالةٍ ونقص، والعلمُ أصل كلِّ خيرٍ وهدًى وكمال.
стр. 2249
فصل
والفرق بين العلم والمعرفة لفظًا ومعنًى (١).
أمَّا اللفظ ففعل المعرفة يقع على مفعولٍ واحدٍ، تقول: عرفت الدار، وعرفت زيدًا، قال تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وفعل العلم يقتضي مفعولين، كقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وإذا وقع على مفعولٍ واحدٍ كان بمعنى المعرفة، كقوله: ﴿اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وأمَّا الفرق المعنويُّ فمن وجوهٍ:
أحدها: أنَّ المعرفة تتعلَّق بذات الشيء، والعلم يتعلَّق بأحواله، فتقول: عرفت أباك، وعلمتُه (٢) صالحًا (٣). ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة، كقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٩٨]، وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤].
فالمعرفة: حضور صورة الشيء ومثاله العلميِّ في النَّفس، والعلم: حضور أحواله وصفاته ونسبتها إليه. فالمعرفة تشبه «التصوُّر»، والعلم يشبه
стр. 2250
«التصديق» (١).
الثاني: أنَّ المعرفة في الغالب تكون لِما غاب عن القلب بعد إدراكه، فإذا أدركه قيل: عرفه، أو تكون لِما وُصف له بصفاتٍ قامت في نفسه، فإذا رآه وعلم أنَّه الموصوف بها قيل: عرفه، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقال: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، لمَّا كانت صفاته معلومةً عندهم فرأوه، عرفوه بتلك الصِّفات.
وفي الحديث الصحيح: «إنَّ الله سبحانه يقول لآخر أهل الجنَّة دخولًا: أتعرف الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقول: تمنَّ، فيتمنَّى على ربِّه» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].
فالمعرفة تشبه الذِّكر النفسي (٣)، وهو حضور ما كان غائبًا عن الذِّكر.
стр. 2251
ولهذا كان ضدُّ المعرفة: الإنكار، وضدُّ العلم: الجهل. قال تعالى: ﴿(٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ﴾ [النحل: ٨٣]، ويقال: عرف الحقَّ فأقرَّ به، وعرفه فأنكره.
الوجه الثالث من الفروق: أنَّ المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره، والعلم يفيد تمييز ما يُوصف به عن غيره. وهذا الفرق غير الأوَّل، فإنَّ ذلك يرجع إلى إدراك الذات وإدراك صفاتها، وهذا يرجع إلى تخليص الذات من غيرها وتخليص صفاتها من صفات غيرها.
الفرق الرابع: أنَّك إذا قلت: (علمتُ زيدًا) لم يفد المخاطب شيئًا، لأنَّه ينتظر بعدُ أن تخبره على أيِّ حالٍ علمتَه؟ فإذا قلت: كريمًا أو شجاعًا، حصلت له الفائدة. وإذا قلت: (عرفت زيدًا) استفاد المخاطب أنَّك أثبتَّه وميَّزته من غيره، ولم يبق منتظرًا لشيءٍ آخر. وهذا الفرق في التحقيق إيضاح الفرق الذي قبله.
الفرق الخامس ــ وهو فرق العسكريِّ في «فروقه» (١) وفرقُ غيره ــ: أنَّ المعرفة علمٌ بعين الشيء مفصَّلًا عمَّا سواه، بخلاف العلم فإنَّه قد يتعلَّق بالشيء مجملًا.
وهذا يشبه فرق صاحب «المنازل»، فإنَّه قال: (المعرفة إحاطةٌ بعين الشيء كما هو). وعلى هذا الحدِّ فلا يُتصوَّر أن يُعرَف الله البتَّة، ويستحيل هذا الباب بالكلِّيَّة، فإنَّ الله سبحانه لا يحاط به علمًا ولا معرفةً ولا رؤيةً، فهو أكبر من ذلك وأعظم وأجلُّ، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
стр. 2252
يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. بل حقيقة هذا الحدِّ: انتفاءُ تعلُّق المعرفة بأكثر المخلوقات حتَّى بأظهرها، وهو الشمس والقمر، بل لا يصحُّ أن يعرف أحدٌ نفسه وذاته البتَّة.
والفرق بين العلم والمعرفة عند أهل هذا الشأن: أنَّ المعرفة عندهم هي العلم الذي يقوم العالم بموجَبه ومقتضاه، فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده، بل لا يصفون بالمعرفة إلَّا من كان عالمًا بالله، وبالطريق المُوصِل إليه، وبآفاتها وقواطعها، وله حالٌ مع الله يشهد له بالمعرفة.
فالعارف عندهم من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثمَّ صدق الله في معاملاته، ثمَّ أخلص له في قصوده ونيَّاته، ثمَّ (١) انسلخ من أخلاقه الرديَّة وآفاته، ثمَّ تطهَّر مِن أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثمَّ صبر على أحكامه في نِعَمه وبليَّاته، ثمَّ دعا إليه على بصيرةٍ بدينه وآياته، ثمَّ جرَّد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله، ولم يَشُبها بآراء الرِّجال وأذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم، ولم يزن بها ما جاء به الرسول عليه من الله أفضل صلواته (٢)؛ فهذا الذي يستحقُّ اسم العارف على الحقيقة، إذا سمِّي به غيره على الدعوى والاستعارة.
وقد تكلَّموا على «المعرفة» بآثارها وشواهدها، فقال بعضهم: من أمارات المعرفة بالله حصول الهيبة منه، فمن ازدادت معرفتُه ازدادت هيبتُه.
وقال أيضًا: المعرفة توجب السُّكون، فمن ازدادت معرفته ازدادت
стр. 2253
سكينته (١).
وقال لي بعض أصحابنا: ما علامة المعرفة التي تشيرون إليها؟ فقلت له: أنس القلب بالله، فقال لي: علامتها أن يحسَّ بقرب قلبه من الله، فيجده قريبًا منه.
وقال الشِّبليُّ: ليس لعارفٍ علاقةٌ، ولا لمحبٍّ شكوى (٢)، ولا لعبدٍ دعوى، ولا لخائفٍ قرارٌ، ولا لأحدٍ من الله فرار (٣). وهذا كلام جيِّد، فإنَّ المعرفة الصحيحة تقطع من القلب العلائق كلَّها، وتُعلِّقه بمعروفه، فلا يبقى فيه علاقةٌ بغيره، ولا تمرُّ به العلائق إلَّا وهي (٤) مجتازة، لا تمرُّ به مرور استيطانٍ.
وقال أحمد بن عاصمٍ: من كان بالله أعرف كان له أخوف (٥). ويدلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقولُ النبيِّ ﷺ : «أنا أعرفكم بالله، وأشدُّكم له خشيةً» (٦).
وقال آخر: من عرف الله تعالى ضاقت عليه الدُّنيا بسعتها (٧).
стр. 2254
وقال غيره: من عرف الله اتَّسع عليه كلُّ ضيقٍ (١).
ولا تنافي بين هذين الأمرين، فإنَّه يَضيق عليه كلُّ مكانٍ لا يُساعَد فيه على شأنه ومطلوبه، ويتَّسع عليه ما ضاق على غيره لأنَّه ليس فيه، ولا هو مساكنٌ له بقلبه، فقلبه غير محبوسٍ فيه. والأوَّل في بداية المعرفة، والثاني في غايتها التي يصل إليها العبد.
وقال آخر: من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلُّ شيءٍ، وذهب عنه خوف (٢) المخلوقين، وأَنِس بالله.
وقال غيره: من عرف الله (٣) قرَّت عينه بالله، وقرَّت به كلُّ عينٍ، ومن لم يعرف الله تقطَّع قلبه على الدُّنيا حسراتٍ.
ومن عرف الله لم يبق له رغبةٌ في سواه، ومن ادَّعى معرفة الله وهو راغبٌ في غيره كذَّبَتْ رغبتُه معرفتَه.
ومن عرف الله أحبَّه على قدر معرفته به، وخافه ورجاه، وتوكَّل عليه، وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجلَّه وعظَّمه على قدر معرفته به.
وعلامة العارف: أن يكون قلبه مرآةً، إذا نظر فيها رأى فيها الغيب الذي دُعي إلى الإيمان به، فعلى قدر جلاء تلك المرآة يترايا له فيها اللهُ سبحانه،
стр. 2255
والدار الآخرة، والجنة والنار، والملائكة، والرُّسل، كما قيل (١):
إذا سكن الغديرُ على صفاءٍ ... وجُنِّب (٢) أن يحرِّكه النسيمُ
بدت فيه السماء بلا امتراءٍ ... كذاك الشمسُ تبدو والنُّجومُ
كذاك قلوب أرباب التّجلِّي ... يرى في صفوها اللهُ العظيمُ
وهذه رؤية المَثَل الأعلى، كما تقدَّم (٣).
ومن علامات المعرفة: أن يبدو لك الشاهد، وتفنى الشواهد، وتنحلَّ العلائق، وتنقطع العوائق، وتجلس بين يدي الربِّ تعالى، وتقوم وتضطجع على التأهُّب للقائه، كما يجلس الذي قد شدَّ أحماله وأزمع السفر على التّأهُّب له، ويقوم على ذلك ويضطجع عليه، وكما ينزل المسافر في المنزل (٤)، فهو جالس وقائم ومضطجع على التأهُّب.
وقيل للجنيد: إنَّ أقوامًا يدَّعون المعرفة، يقولون: إنَّهم يَصِلون بترك الحركات من باب البرِّ والتّقوى؟ فقال الجنيد: هذا قول أقوامٍ تكلَّموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيمٌ، والَّذي يسرق ويزني أحسن حالًا من الذي يقول هذا، إنّ العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإلى الله رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عامٍ لم أنقص من أعمال البرِّ ذرَّةً (٥).
стр. 2256
ومن علامات العارف: أنَّه لا يطالب ولا يخاصم، ولا يعاتب، ولا يرى له على أحدٍ فضلًا، ولا يرى له على أحدٍ حقًّا.
ومن علاماته: أنَّه لا يأسف على فائتٍ، ولا يفرح بآتٍ؛ لأنَّه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال، لأنَّها في الحقيقة كالظِّلال والخيال.
وقال الجنيد: لا يكون العارف عارفًا حتى يكون كالأرض يطؤها البَرُّ والفاجر، وكالسحاب يُظلُّ كلَّ شيءٍ، وكالمطر يَسقي ما يحبُّ وما لا يحبُّ (١).
وقال يحيى بن معاذٍ: يخرج العارف من الدُّنيا ولم يَقضِ وطرَه من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربِّه (٢). وهذا من أحسن الكلام، فإنَّه يدلُّ على معرفته بنفسه وعيوبه وآفاته، وعلى معرفته بربِّه وكماله وجلاله، فهو شديد الإزراء على نفسه، لَهِجٌ بالثناء على ربِّه.
وقال أبو يزيد: إنما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له (٣). يريد تضييعَ حظوظهم، والوقوفَ مع حقوق الله ، فتُفنيهم حقوقُه عن حظوظهم.
وقال آخر: لا يكون العارف عارفًا حتَّى لو أعطي ملك سليمان لم يَشْغَله عن الله طرفة عينٍ (٤). وهذا يحتاج إلى شرحٍ، فإنَّ ما هو دون ذلك يَشْغَل
стр. 2257
القلب، لكن يكون اشتغاله بغير الله لله، فذلك اشتغالٌ به سبحانه، لأنَّه إذا اشتغل بغيره لأجله لم يشتغل عنه.
وقال ابن عطاءٍ: المعرفة على ثلاثة أركانٍ: الهيبة والحياء والأنس (١).
وقيل لذي النُّون: بم عرفت ربَّك؟ فقال: عرفت ربِّي بربِّي، ولولا ربِّي لما عرفت ربِّي (٢).
وقيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: بأنَّه فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه (٣). فأتى عبد الله بأصل المعرفة التي لا يصحُّ لأحدٍ معرفةٌ ولا إقرارٌ بالله سبحانه إلَّا به، وهو المباينة والعلوُّ على العرش.
ومن علامات العارف (٤): أن يعتزل الخلق بينه وبين الله، حتَّى كأنَّهم أمواتٌ لا يملكون له ضَرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ ويعتزلَ نفسه بينه وبين الخلق، حتى يكون بينهم بلا نفسٍ. وهذا معنى قول من قال: العارف يقطع الطريق بخطوتين: خطوة عن نفسه، وخطوة عن الخلق.
وقيل: العارف ابن وقته (٥). وهذا من أحسن الكلام وأخصره، فهو مشغولٌ بوظيفة وقته عمَّا مضى وصار في العدم، وعمَّا لم يدخل بعدُ في
стр. 2258
الوجود، فهمُّه عمارة وقته الذي هو مادَّة حياته الباقية.
ومن علاماته: أنَّه مستأنسٌ بربِّه، مستوحشٌ ممَّن يقطعه عنه. ولهذا قيل: العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه عنهم، وذلَّ لله فأعزَّه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغنى بالله فأحوجهم إليه (١).
وقيل: العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول (٢). يعني أنَّ العالم علمُه أوسع من حاله وصفته، والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره.
وقال أبو سليمان الدارانيُّ: إنَّ الله تعالى يفتح للعارف (٣) على فراشه ما لا يفتح له وهو قائمٌ يصلِّي (٤). وقال غيره: العارف تنطق المعرفة على قلبه (٥) وحاله وهو ساكتٌ (٦).
وقال ذو النُّون: لكلِّ شيءٍ عقوبةٌ، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله (٧).
وقال بعضهم: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين (٨). وهذا
стр. 2259
كلامٌ ظاهره منكرٌ جدًّا، ويحتاج إلى شرحٍ: فالعارف لا يرائي المخلوق طلبًا للمنزلة في قلبه (١)، وإنَّما يكون رياؤه نصيحةً وإرشادًا وتعليمًا ليقتدى به، فهو يدعو إلى الله بعمله كما يدعو إليه بقوله، فهو ينتفع بعمله وينفع (٢) به غيرَه، وإخلاص المريد مقصورٌ على نفسه؛ فالعارف جمع بين الإخلاص والدعوة إلى الله، فإخلاصه في قلبه، وهو يُظهِر عمله وحاله ليقتدى به. والعارف ينفع بسكوته، والعالم إنَّما ينفع بكلامه.
ولو سكتوا أَثْنَتْ عليك الحقائبُ (٣)
وقال ذو النُّون: الزُّهّاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين (٤).
وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: لون الماء لون إنائه (٥). وهذه كلمةٌ رمز بها إلى حقيقة العبوديَّة، وهو أنه يتلوَّن بتلوُّن أقسام العبوديَّة، فبينا تراه مصلِّيًا إذ رأيته ذاكرًا، وقارئًا (٦)، ومعلِّمًا، ومتعلِّمًا، ومجاهدًا، وحاجًّا،
стр. 2260
ومساعدًا للضعيف، ومغيثًا (١) للملهوف؛ فيضرب في كلِّ غنيمةٍ من الغنائم بسهمٍ، فهو مع المتسبِّبين متسبِّب، ومع المتعلِّمين متعلِّم، ومع الغزاة غازٍ، ومع المصلِّين مصلٍّ، ومع المتصدِّقين متصدِّق؛ فهو يتنقَّل في منازل العبوديَّة من عبوديَّة إلى عبوديَّة، وهو مقيمٌ على معبودٍ واحدٍ لا ينتقل عنه إلى غيره.
وقال يحيى بن معاذٍ: العارف كائنٌ بائنٌ (٢). وهذا يُفسَّر على وجوهٍ:
منها: أنَّه كائنٌ مع الخلق بظاهره، بائنٌ عنهم بسرِّه وقلبه.
ومنها: أنَّه كائنٌ بربِّه بائنٌ عن نفسه.
ومنها: أنَّه كائنٌ مع أبناء الآخرة، بائنٌ عن أبناء الدُّنيا.
ومنها: أنَّه كائنٌ مع الله بموافقته، بائنٌ عن الناس في مخالفته.
ومنها: أنَّه داخلٌ في الأشياء خارجٌ منها؛ فإنَّ مِن الناس مَن هو داخلٌ فيها لا يقدر على الخروج منها، ومنهم من هو خارجٌ عنها لا يقدر على الدُّخول فيها، والعارف داخلٌ فيها خارجٌ منها. ولعلَّ هذا أحسن الوجوه.
وقال ذو النُّون: علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يعتقد باطنًا من العلم ينقض عليه ظاهرًا من الحُكم، ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله (٣).
وهذا من أحسن ما قيل في المعرفة، وهو محتاجٌ إلى شرح، فإنَّ كثيرًا من
стр. 2261
الناس يرى أنَّ التورُّع عن الأشياء من قلَّة المعرفة، فإنَّ المعرفة متَّسعة الأكناف، واسعة الأرجاء، فالعارف واسعٌ موسَّعٌ، والسَّعة تطفئ نورَ الورع، فالعارفُ لا تنقض معرفتُه ورعَه، ولا يخالف ورعُه معرفتَه، كما قال بعضهم (١): العارف لا ينكر منكرًا لاستبصاره بسرِّ الله في القدر، فعنده: أن مشاهدة القدر والحقيقةِ الكونيَّة هو غايةُ المعرفة، وإذا شاهد الحقيقة عذر الخليقة لأنَّهم مأسورون في قبضة القدر، فمن يعذر أصحاب الكبائر والجرائم، بل أربابَ الكفر، فهو أبعد خلق الله من الورع، بل ظلمة معرفته (٢) هذه قد أطفأ (٣) نورَ إيمانه.
وأما «باطن العلم الذي ينقضه ظاهر الحكم»، فإنَّه يشير به إلى ما عليه المنحرفون ممَّن ينتسب (٤) إلى السُّلوك، فإنَّهم تقع لهم أذواقٌ ومواجيد ووارداتٌ تخالف الحكمَ الشرعيَّ، وتكون تلك معلومةً لهم لا يمكنهم جحدها، فيعتقدونها ويتركون ظاهر الحكم. وهذا كثيرٌ جدًّا، وهو الذي نعاه أئمَّة الطريق على هؤلاء، وصاحوا بهم من كلِّ ناحيةٍ، وبدَّعوهم وضلَّلوهم به.
وقوله: «ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله»، كثرة النِّعم تطغي العبد، وتحمله على أن يصرفها في وجوهها وغير وجوهها، وهي تدعو إلى أن يتناول بها ما يحلُّ وما لا يحلُّ. وأكثر المنعَم عليهم لا يقتصر في
стр. 2262
صرف النِّعمة على القدر الحلال، بل يتعدَّاه إلى غيره، وتُسوِّل له نفسه أنَّ معرفته بالله تردُّ عليه ما انتهبَتْه (١) منه أيدي الشهوات والمخالفات، ويقول: العارف لا تضرُّه الذُّنوب كما تضرُّ الجاهل، وربَّما تسوِّل له أنَّ ذنوبه خيرٌ من طاعات الجهَّال! وهذا من أعظم المكر، والأمرُ بضدِّ ذلك، فيُحتَمَل من الجاهل ما لا يُحتَمَل من العارف، وإذا عوقب الجاهل ضِعفًا عوقب العارف ضعفين. وقد دلَّ على هذا شرع الله وقدره، ولهذا كانت عقوبة الحرِّ في الحدود مثلَي عقوبة العبد، وقال تعالى في نساء النبيِّ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. فإذا كَمُلت النِّعمةُ على العبد فقابلها بالإساءة والعصيان، كانت عقوبته أعظمَ؛ فدرجتُه أعلى وعقوبته أشدُّ.
وقال أيضًا (٢): ليس بعارفٍ من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة، فكيف عند أبناء الدُّنيا؟ يريد: أنَّه ليس من المعرفة وصفُ المعرفة لغير أهلها، سواءٌ كانوا عبَّادًا أو من أبناء الدُّنيا.
وقال أبو سعيدٍ (٣): المعرفة تأتي من عين الوجد (٤)، وبذل المجهود.
стр. 2263
وهذا كلامٌ حسنٌ، يشير إلى أنَّ المعرفة ثمرة بذل المجهود في الأعمال وتحقيقِ الوجد في الأحوال، فهي ثمرة عمل الجوارح، وحالُ القلب لا ينال بمجرَّد العلم والبحث، فمن ليس له عملٌ ولا حالٌ فلا معرفة له.
وسئل ذو النُّون عن العارف؟ فقال: كان هاهنا فذهب. فسئل الجنيد عمَّا أراد بكلامه هذا؟ فقال: لا يحصره حالٌ عن حالٍ، ولا يحجبه منزلٌ عن التنقُّل في المنازل، فهو مع أهل كلِّ منزلٍ على الذي هم فيه، يجد مثل الذي يجدون، وينطق بمعالمها لينتفعوا (١).
وقال محمَّد بن الفضل: المعرفة حياة القلب مع الله (٢).
وسئل أبو سعيدٍ: هل يصل العارف إلى حالٍ يجفو عليه البكاء؟ فقال: نعم، إنَّما البكاء في أوقات سيرهم إلى الله؛ فإذا نزلوا بحقائق القرب، وذاقوا طعم الوصول مِن برِّه= زال عنهم ذلك (٣).
وقال بعض السلف: نوم العارف يقظة، وأنفاسه تسبيح، ونوم العارف أفضل من صلاة الغافل. وإنَّما كان نوم العارف يقظةً لأنَّ قلبه حيٌّ، فعيناه تنامان وروحُه ساجدةٌ تحت العرش بين يدي ربِّها وفاطرها، جسده في الفرش وقلبه حول العرش. وإنَّما كان نومه أفضل من صلاة الغافل لأنَّ بدن الغافل واقفٌ في الصلاة، وقلبه يَسيح (٤) في حشوش الدُّنيا والأمانيِّ،
стр. 2264
ولذلك (١) كانت يقظته نومًا، لأنَّ قلبه موات.
وقيل: مجالسة العارف تدعوك من ستٍّ إلى ستٍّ: من الشكِّ إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الغفلة إلى الذِّكر، ومن الرَّغبة في الدُّنيا إلى الرَّغبة في الآخرة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الطويَّة إلى النصيحة (٢).
فصل
قال صاحب «المنازل» (٣): (المعرفة على ثلاث درجاتٍ، والخلق فيها ثلاثُ فرقٍ. الدرجة الأولى: معرفة الصِّفات والنُّعوت ، وقد وردت أساميها بالرِّسالة، وظهرت شواهدُها في الصَّنعة بتبصير النُّور القائم في السرِّ، وطيبِ حياة العقل لزرع الفكر، وحياةِ القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار. وهي معرفة العامَّة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلَّا بها. وهي على ثلاثة أركانٍ: إثباتُ الصِّفات باسمها من غير تشبيهٍ، ونفيُ التشبيه عنها من غير تعطيلٍ، والإياسُ من إدراك كنهها وابتغاءِ تأويلها).
قلت: الفرق بين الصِّفة والنّعت من وجوهٍ ثلاثةٍ:
стр. 2265
أحدها: أنَّ النعت يكون بالأفعال التي تتجدَّد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا (١) ... وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠]، ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف: ١١]، ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢]، ونظائر ذلك.
والصِّفة هي الأمور الثابتة اللازمة للذات، كقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]، ونظائر ذلك.
الفرق الثاني: أنَّ الصِّفاتِ الذاتيَّةَ لا يُطلَق عليها اسم النُّعوت، كالوجه واليدين والقدم والأصبع، وتسمَّى صفاتٍ، وقد أطلق عليها السلف هذا الاسم، وكذلك متكلِّمو أهل الإثبات، سمَّوها صفاتًا (٢).
وأنكر بعضهم هذه التسمية، كأبي الوفاء بن عقيلٍ وغيره، وقال: لا ينبغي أن يقال: نصوص الصِّفات، بل آيات الإضافات، لأنَّ الحيَّ لا يوصف بيده ولا بوجهه، فإنَّ ذلك هو الموصوف، فكيف يُسمَّى صفةً؟ وأيضًا: فالصِّفة معنًى يعمُّ الموصوف، فلا يكون الوجه واليد صفةً.
стр. 2266
والتحقيق: أنَّ هذا نزاعٌ لفظيٌّ في تسميةٍ، فالمقصود: إطلاق هذه المضافات (١) عليه سبحانه، ونسبتُها إليه، والإخبارُ عنه بها، منزَّهةً عن التمثيل والتعطيل، سواءٌ سمِّيت صفاتٍ أو لم تسمَّ (٢).
الفرق الثالث: أنَّ النُّعوت ما يظهر من الصِّفات ويشتهر ويعرفه الخاصُّ والعامُّ، والصِّفات أعمُّ، فالفرق بين النعت والصِّفة فرقُ ما بين الخاصِّ والعامِّ. منه (٣) قولهم في تحلية الشيء: نعته كذا وكذا، لِما يظهر من صفاته.
وقيل: هما لغتان، لا فرق بينهما. ولهذا يقول نحاة البصرة: باب الصِّفة، ويقول نحاة الكوفة: باب النعت، والمراد واحد.
والأمر قريبٌ، ونحن في غير هذا، فلنرجع إلى المقصود، وهو أنَّه لا يستقرُّ للعبد قدمٌ في المعرفة ــ بل ولا في الإيمان ــ حتَّى يؤمن بصفات الربِّ ﷻ ، ويعرفَها معرفةً تخرجه عن حدِّ الجهل بربِّه، فالإيمان بالصِّفات ومعرفتُها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان. فمن جحد الصِّفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان والإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان.
وقد جعل الله سبحانه منكر صفاته مسيءَ الظنِّ به، وتوعَّده بما لم يتوعَّد
стр. 2267
به غيره من أهل الشِّرك والكبائر، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٢ - ٢٣]، فأخبر سبحانه: أنَّ إنكارهم هذه الصِّفة من صفاته من سوء ظنِّهم به، وأنَّه هو الذي أهلكهم. وقد قال في الظانِّين به (١) ظنَّ السَّوء: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]. ولم يجئ مثل هذا الوعيد في غير من ظنَّ السَّوء به سبحانه، وجحدُ صفاته وإنكارُ حقائق أسمائه من أعظم ظنِّ السَّوء به.
ولمَّا كان أحبُّ الأشياء إليه حمدَه ومدحَه والثناءَ عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله= كان إنكارُها وجحدُها أعظمَ الإلحاد والكفر به. وهو شرٌّ من الشِّرك، فالمعطِّل شرٌّ من المشرك، فإنَّه لا يستوي إنكارُ (٢) صفات المَلِك وحقيقةِ مُلكه والطعنُ في أوصافه هو، والتشريك بينه وبين غيره في الملك، فالمعطِّلون أعداءُ الرُّسل بالذات.
بل كلُّ شركٍ في العالم فأصله التعطيل ، فإنَّه لولا تعطيلُ كماله أو بعضِه وظنُّ السَّوء به لما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء وأهلِ التوحيد لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦ - ٨٧]، أي فما ظنُّكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتَّى (٣)
стр. 2268
جعلتم له (١) شركاء؟ أظننتم أنّه محتاجٌ إلى الشُّركاء والأعوان؟ أم ظننتم: أنه تخفى عليه أحوالُ عباده حتَّى يحتاج إلى شركاء تعرِّفه بها كالملوك؟ أم لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاسٍ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليلٌ فيحتاج إلى وليٍّ يتكثَّر به من القلَّة ويتعزَّز به من الذلَّة؟ أم محتاج (٢) إلى الولد فيتَّخذ صاحبةً يكون الولد منه ومنها؟ تعالى الله عن ذلك كلِّه علوًّا كبيرًا.
والمقصود: أنَّ التعطيل مبدأ الشِّرك وأساسُه، فلا تجد معطِّلًا إلّا وشركُه على حسب تعطيله، فمستقلٌّ ومستكثر.
فصل
والرُّسل من أوَّلهم إلى خاتمهم (٣) ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ أُرسلوا بالدعوة إلى الله، وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان حال المدعوِّين بعد وصولهم إليه. فهذه القواعد الثلاث ضروريَّةٌ في كلِّ ملَّةٍ على لسان كلِّ رسولٍ، فعرَّفوا الربَّ المدعوَّ إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفًا مفصَّلًا، حتّى كأنَّ العباد يشاهدونه سبحانه، وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه (٤)، يكلِّم ملائكته، ويدبِّر أمر مملكته، ويسمع أصوات خلقه، ويرى أفعالهم وحركاتِهم، ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم، يأمر وينهى،
стр. 2269
ويرضى ويغضب، ويحبُّ ويسخط، ويضحك من قنوطهم وقُرب غِيَره، ويجيب دعوة مضطرِّهم، ويغيث ملهوفهم، ويعين محتاجهم، ويجبر كسيرهم، ويغني فقيرهم، ويميت ويحيي، ويعطي ويمنع، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممَّن يشاء، ويعزُّ من يشاء ويذلُّ من يشاء، بيده الخير وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، كلَّ يومٍ هو في شأنٍ: يغفر ذنبًا، ويفرِّج كربًا، ويفكُّ عانيًا، وينصر مظلومًا، ويقصم ظالمًا، ويرحم مسكينًا، ويغيث ملهوفًا، ويسوق الأقدار إلى مواقيتها، ويجريها على نظامها، ويقدِّم ما يشاء تقديمه، ويؤخِّر ما يشاء تأخيره؛ فأزمَّة الأمور كلِّها بيديه، ومدار تدبير الممالك كلِّها عليه. وهذا مقصودُ الدعوة وزبدةُ الرِّسالة.
القاعدة الثانية: تعريفهم بالطريق الموصل إليه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه لرسله وأتباعهم، وهو امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإيمان بوعده ووعيده.
القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول ، وهو ما تضمَّنه اليوم الآخر من الجنَّة والنار، وما قبل ذلك من الحساب، والحوض والميزان والصِّراط.
فقعدت المعطِّلة والجهميَّة على رأس القاعدة الأولى، فحالوا بين القلوب وبين معرفة ربِّها، وسمَّوا إثبات صفاته، وعلوَّه فوق خلقه، واستواءَه على عرشه: تشبيهًا وتجسيمًا وحشوًا، فنفَّروا عنه صبيان العقول؛ وسمَّوا نزوله إلى سماء الدُّنيا، وتكلُّمَه (١) بمشيئته، ورضاه بعد غضبه، وغضبَه بعد رضاه، وسمعَه الحاضر لأصوات العباد، ورؤيتَه المقارنة لأفعالهم ونحوَ
стр. 2270
ذلك: حوادث؛ وسمَّوا وجهه الأعلى، ويديه المبسوطتين، وأصابعه التي يضع عليها الخلائق يوم القيامة: جوارح وأعضاءً؛ مكرًا منهم كُبَّارًا بالناس، كمن يريد التنفير عن العسل، فيمكر في العبارة ويقول: مائعٌ أصفر يشبه العذرة المائعة، أو ينفِّر عن شيءٍ مستحسنٍ فيسمِّيه بأقبح الأسماء فعلَ الماكرِ المخادع، فليس مع مخالف الرُّسل سوى المكر في القول والعمل.
فلمَّا تمَّ للمعطِّلة مكرُهم، وسلك في القلوب المظلمة الجاهلة بحقائق الإيمان وما جاء به الرسول= ترتَّب عليه الإعراض عن الله، وعن ذكره ومحبَّته، والثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فانصرفت قوى حبِّها وشوقِها وأنسِها إلى سواه.
وجاء أهلُ الآراء الفاسدة، والسِّياساتِ الباطلة، والأذواقِ المنحرفة، والعوائد المستمرَّةِ، فقعدوا على رأس هذا الصِّراط وحالوا بين القلوب وبين الوصول إلى نبيِّها وما كان عليه هو وأصحابه، وعابوا من خالفهم في قعودهم عن ذلك ورغب عمَّا اختاروه لأنفسهم، ورموه بما هم أولى به منه، كما قيل: رَمَتْني بدائها وانسلَّتْ (١).
وجاء أصحاب الشهوات المعتنون بها، الذين يعدُّون حصولها كيف كان هو الظَّفَرَ في هذه الحياة والبغية، فقعدوا على رأس طريق المعاد والاستعدادِ للجنَّة ولقاءِ الله، وقالوا: اليوم خمر وغدًا أمر! اليوم لك ولا تدري غدًا لك أو عليك؟ وقالوا: لا نبيع ذرَّةً منقودةً بدُرَّةٍ موعودة.
стр. 2271
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعتَ به (١)
وقالوا للناس: خلُّوا لنا الدُّنيا، ونحن قد خلَّينا لكم الآخرة، فإذا طلبتم منَّا ما بأيدينا أحلناكم على الآخرة.
أناسٌ يُقَضُّون عيشَ النعيم ... ونحن نُحال على الآخرَهْ
فإن لم تكن مثلما يزعمون ... فتلك إذًا كرَّةٌ خاسرَهْ (٢)
فالإيمان بالصِّفات ومعرفتُها، وإثباتُ حقائقها، وتعلُّقُ القلب بها، وشهودُه لها= هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته. وهو روح السالكين، وحاديهم إلى الوصول، ومحرِّكُ عزماتهم إذا فتروا، ومثيرُ هِمَمهم إذا قصروا؛ فإنَّ سيرهم إنّما هو على الشواهد، فمن لا شاهد له لا سيرَ له ولا طلب ولا سلوك، وأعظم الشواهد: شواهد صفات محبوبهم ونهايةِ مطلوبهم، وذلك هو العَلَم الذي رُفع لهم في السَّير فشمَّروا إليه، كما قالت عائشة ﵂: من رأى رسول الله ﷺ فقد رآه غاديًا رائحًا، لم يضع لبنةً على لبنةٍ، ولكن رُفع له عَلَمٌ فشمَّر إليه (٣).
ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل، حتَّى
стр. 2272
يرفع الله له ــ بفضله ومنِّه ــ عَلَمًا يشاهده بقلبه، فيشمِّر إليه، ويعمل عليه.
فإذا عُطِّلت شواهد الصِّفات، ووُضعت أعلامها من القلوب، وطمست آثارها فيها= ضُربت بسياط البعد، وأُسبل دونها حجابُ الطرد، وتخلَّفت مع المتخلِّفين، وأوحى إليها القدر: أن اقعُدي (١) مع القاعدين؛ فإنَّ أوصاف المدعوِّ إليه ونعوتَ كماله وحقائقَ أسمائه هي الجاذبةُ للقلوب إلى محبَّته وطلبِ الوصول إليه، لأنَّ القلوب إنَّما تحبُّ من تعرفه، وتخافه وترجوه وتشتاق إليه، وتلذُّ بقربه وتطمئنُّ إلى ذكره= بحسب معرفتها بصفاته، فإذا ضُرب دونها حجابُ معرفة الصِّفات والإقرارِ بها امتنع منها بعد ذلك ما هو مشروطٌ بالمعرفة وملزومٌ لها، إذ وجود الملزوم بدون لازمه والمشروط بدون شرطه ممتنع. فحقيقة المحبَّة والإنابةِ والتوكُّلِ ومقامِ الإحسان ممتنعٌ على المعطِّل امتناعَ حصول المُغَلِّ من معطِّل البذر، بل أعظمَ امتناعًا.
كيف تَصْمُد القلوبُ إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متَّصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا مباينًا له ولا محايِثًا له، بل حظُّ العرش منه كحظِّ الآبار والوِهاد والأماكن التي يرغب عن ذكرها؟!
وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها، ولا يرى مكانها، ولا يحِبُّ ولا يحَبُّ، ولا يقوم به فعلٌ البتَّة، ولا يتكلَّم ولا يُكلِّم، ولا يَقْرُب من شيء، ولا يَقْرُب منه شيء، ولا
стр. 2273
يقوم به رحمةٌ ولا رأفةٌ ولا حنان، ولا له حكمةٌ ولا غايةٌ يفعل ويأمر لأجلها؟!
فكيف يُتصوَّر التوكلُ على ذلك، ومحبَّتُه والإنابةُ إليه، والشوقُ إلى لقائه ورؤيةِ وجهه الكريم في جنَّات النعيم، وهو غير (١) مستوٍ على عرشه فوق جميع خلقه؟! أم كيف تأله القلوب من لا يحِبُّ ولا يحَبُّ، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يفرح ولا يضحك؟!
فسبحان من حال بين المعطِّلة وبين محبَّته ومعرفته، والسُّرورِ والفرحِ به، والشوقِ إلى لقائه، وانتظارِ لذَّة النظر إلى وجهه، والتمتُّعِ بخطابه في محلِّ كرامته ودار ثوابه! ولو رآها أهلًا لذلك لمنَّ عليها به، وأكرمها به، إذ ذاك أعظم كرامةٍ يكرم بها عبده، والله أعلم حيث يجعل كرامته ويضع نعمته، ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ (٢)﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
وليس جحودهم صفاتِه سبحانه وحقائقَ أسمائه ــ في الحقيقة ــ تنزيهًا، وإنَّما هو حجابٌ ضُرب عليهم، فظنُّوه تنزيهًا، كما ضرب حجاب الشِّرك والبدع المضلَّة والشَّهوات المُردية على قلوب أصحابها، وزيِّن لهم سوء
стр. 2274
أعمالهم فرأوها حسنةً.
عُدنا إلى شرح كلامه:
قوله: (قد وردت أساميها (١) بالرِّسالة ... ) إلى آخره.
ذكر أنَّ إثبات الصِّفات دلَّ عليه: الوحيُ الذي جاء من الله على لسان رسوله، والحسُّ الذي شاهد به البصير آثار الصَّنعة فاستدلَّ بها على صفات صانعها، والعقلُ الذي طابت حياته بزرع الفكر، والقلبُ الذي حيي بحسن النظر بين التعظيم والاعتبار.
فأمَّا الرسالة، فإنَّها جاءت بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجهٍ أزال الشُّبهة وكشف الغطاء، وحصَّل العلمَ اليقينَ (٢)، ورفعَ الشكَّ والرَّيب، فثلجت له الصُّدور، واطمأنَّت به القلوب، واستقرَّ به الإيمان في نصابه؛ ففصَّلت الرسالةُ الصفاتِ والنُّعوتَ والأفعالَ أعظمَ من تفصيل الأمر والنهي، وقرَّرت إثباتها أكملَ تقريرٍ في أبلغ لفظٍ، وأبعدِه عن الإجمال والاحتمال، وأمنعِه من قبول التّأويل. ولذلك كان تأويل آيات الصِّفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد وأخباره، بل أبعد منه وأفسد لوجوهٍ كثيرةٍ ذكرناها (٣) في كتاب «الصواعق المرسلة على الجهميَّة والمعطِّلة» (٤). بل تأويل آيات الصِّفات بما يُخرجها عن
стр. 2275
حقائقها كتأويل آيات الأمر والنهي، فالباب كلُّه بابٌ واحد، ومصدرُه واحد، ومقصودُه واحد (١)، وهو إثبات حقائقه والإيمان بها.
ولذلك سطا على تأويل آيات المعاد قومٌ، وقالوا: فعلُنا فيها كفعل المتكلِّمين في آيات الصِّفات، بل نحن أعذر، فإنَّ اشتمال الكتب الإلهيَّة على الصفات والعلوِّ وقيامِ الأفعال أعظمُ من نصوص المعاد للأبدان بكثيرٍ، فإذا ساغ لكم تأويلُها، فكيف يَحْرُم علينا نحن تأويلُ آيات المعاد؟ وكذلك سطا قومٌ آخرون على تأويل آيات الأمر والنهي، وقالوا: فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصِّفات، مع كثرتها وتنوُّعها، وآيات الأحكام لا تبلغ زيادةً على خمسمائة آيةٍ.
قالوا: وما يُظنُّ أنَّه معارِضٌ من العقليَّات لنصوص الصِّفات، فعندنا معارِضٌ عقليٌّ لنصوص المعاد، من جنسه أو أقوى منه. قال متأوِّلو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها: الذي سوَّغ لنا هذا التأويلَ القواعدُ التي أصَّلتموها (٢) لنا، وجعلتموها أصولًا (٣) نرجع إليها، فلمَّا طردناها كان طردُها: أنَّ الله ما تكلَّم بشيءٍ (٤) قطُّ، ولا يتكلَّم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا له صفةٌ تقوم به، ولا يفعل شيئًا، وطردُ هذا الأصل: لزوم تأويل آيات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب.
стр. 2276
وقد ذكرنا في كتاب «الصَّواعق» (١) أنَّ تأويل آيات الصِّفات وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصلُ فساد الدُّنيا والدِّين. وزوالُ الممالك وتسليطُ أعداء الإسلام عليه إنَّما كان بسبب التأويل، ويعرف هذا من له اطِّلاعٌ وخبرةٌ بما جرى في العالم، ولهذا يحرِّم عقلاء الفلاسفة التأويلَ مع اعتقادهم لصحَّته، لأنَّه سببٌ لفساد العالَم وتعطيلِ الشرائع.
ومن تأمَّل كيفيَّة ورود آيات الصِّفات في القرآن والسُّنَّة عَلِم قطعًا بطلانَ تأويلها بما يخرجها عن حقائقها، فإنَّها وردت على وجهٍ لا يحتمل معه التأويل بوجهٍ. فانظر إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، هل يحتمل هذا التقسيمُ والتنويعُ تأويلَ إتيان الربِّ ــ ﷻ ــ بإتيان ملائكته أو آياته؟ وهل يبقى مع هذا السِّياق شبهةٌ أصلًا أنَّه إتيانه بنفسه؟
وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤]، ففرَّق بين الإيحاء العامِّ والتكليم الخاصِّ، وجعلهما نوعين، ثمَّ أكَّد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهُّم ما يقوله المحرِّفون. وكذلك قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، فنوَّع تكليمه إلى تكليمٍ بواسطةٍ، وتكليمٍ بغير واسطةٍ. وكذلك قوله لموسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ففرَّق بين الرِّسالة والكلام، والرِّسالةُ إنَّما هي بكلامه.
стр. 2277
وكذلك قول النبيِّ ﷺ : «إنكم ترون ربكم عيانًا، كما ترون القمر ليلة البدر في الصَّحو ليس دونه سحابٌ، وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوًا ليس دونها سحاب» (١)، ومعلومٌ أنَّ هذا البيان والكشف والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعًا، ولا يرتاب في هذا من له عقلٌ ودين.
وقوله: (وظهرت شواهدها في الصنعة)، هذا هو الطريق الثاني من طرق إثبات الصِّفات، وهو دلالة الصَّنعة عليها، فإنَّ المخلوق يدلُّ على وجود خالقه، وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته، فإنَّ الفعل الاختياريَّ يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًّا.
وما فيه من الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه يدلُّ على حكمة فاعله وعنايته.
وما فيه من الإحسان والنفع، ووصولِ المنافع العظيمة إلى المخلوق يدلُّ على رحمة خالقه، وإحسانه وجوده.
وما فيه من آثار الكمال يدلُّ على أنَّ خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحقُّ بالكمال، وخالق الأسماع والأبصار والنُّطق أحقُّ بأن يكون سميعًا بصيرًا متكلِّمًا، وخالق الحياة والعلوم والقُدَر والإرادات أحقُّ بأن يكون هو كذلك في نفسه. فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات من أدلِّ شيءٍ على إرادة الربِّ تعالى ومشيئته وحكمته التي اقتضت التّخصيص.
وحصولُ الإجابة عقيب سؤال المطلوب على الوجه المطلوب دليلٌ
стр. 2278
على علم الربِّ تعالى بالجزويَّات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم، وعلى رأفته ورحمته بهم.
والإحسان إلى المطيعين، والتقريبُ لهم (١) والإكرام، وإعلاءُ درجاتهم يدلُّ على محبَّته ورضاه. وعقوبتُه للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدلُّ على صفة الغضب والسُّخط، والإبعادُ والطردُ والإقصاءُ يدلُّ على المقت والبغض.
فهذه الدلالات من جنسٍ واحدٍ عند التأمُّل. ولهذا دعا سبحانه عبادَه في كتابه إلى الاستدلال بذلك على صفاته، فهو يثبت العلمَ بربوبيَّته ووحدانيَّته، وصفاتِ كماله بآثار صُنعه المشهودة، والقرآن مملوءٌ (٢) من ذلك.
فيظهر شاهد اسم «الخالق» من نفس المخلوق، وشاهد اسم «الرزَّاق» من وجود الرِّزق (٣)، وشاهد اسم «الرحيم» من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، واسم «المعطي» من وجود العطاء الذي هو مدرارٌ لا ينقطع لحظةً واحدةً، واسم «الحليم» من حلمه عن الجُناة والعُصاة وعدم معاجلتهم، واسم «الغفور» و «التوَّاب» من مغفرة الذُّنوب وقبول التوبة، ويظهر شاهد اسم «الحكيم» من العلم بما في خلقه وأمره من الحِكَم والمصالح ووجوه المنافع. وهكذا كلُّ اسمٍ من أسمائه الحسنى له شاهدٌ في خلقه وأمره، يعرفه من عرفه ويجهله من جهله، فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته.
стр. 2279
وكلُّ سليم العقل والفطرة يعرف قدرَ الصانع وحَذْقَه، وتبريزَه على غيره، وتفرُّدَه بكمالٍ لم يشاركه فيه (١) غيرُه= من مشاهدة صُنعه (٢)، فكيف لا تُعرَف صفات مَن هذا العالَمُ العلويُّ والسفليُّ وهذه المخلوقاتُ مِن بعض صنعه؟!
وإذا اعتبرتَ المخلوقات والمأمورات، وجدتها كلَّها دالَّةً على النُّعوت والصِّفات وحقائقِ الأسماء الحسنى، وعلمت أنَّ المعطِّل (٣) من أعظم الناس عمًى ومكابرةً. ويكفي ظهور شاهد الصُّنع فيك خاصَّةً كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، فالموجودات بأسرها شواهد صفات الربِّ ــ ﷻ ــ ونعوتِه وأسمائه، فهي كلُّها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتنادي عليها، وتدلُّ عليها، وتخبر بها بلسان النُّطق والحال، كما قيل (٤):
تأمَّل سطور الكائنات فإنَّها ... من الملك الأعلى إليك رسائلُ
وقد خُطَّ فيها لو تأمَّلتَ خطَّها ... «ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ»
تشير بإثبات الصِّفات لربِّها ... فصامتُها يهدي ومن هو قائلُ
стр. 2280
فلستَ ترى شيئًا أدلَّ على شيءٍ مِن دلالة المخلوقات على صفات خالقها، ونعوت كماله، وحقائقِ أسمائه، وقد تنوَّعت أدلَّتها بحسب تنوُّعها، فهي تدلُّ عقلًا وحسًّا وفطرةً ونظرًا واعتبارًا (١).
قوله: (بتبصير (٢) النُّور القائم في السِّرِّ)، يعني: أنَّ النور الإلهيَّ الذي يجعله الله لعبده، ويلقيه عليه، ويودعه في سرِّه، هو الذي يبصِّره بشواهد صفاته. فكلَّما قوي هذا النُّور في قلب العبد كان بصره بالصِّفات أتمَّ وأكمل، وكلَّما قلَّ نصيبه من هذا النُّور (٣) وطفئ مصباحُه في قلبه طفئ نورُ التصديق بالصِّفات وإثباتها في قلبه، فإنَّه إنَّما يشاهدها بذلك النُّور، فإذا فقده لم يشاهدها، وجاءت الشُّبه الباطلة مع تلك الظُّلمة، فلم يكن له نصيبٌ منها سوى الإنكار.
قوله: (وطيبِ حياة العقل لزرع الفكر)، أي: يدرك الصِّفات بذلك النُّور القائم في سرِّه، وطيبِ حياة عقله، التي طيَّبها زرعُ الفكر الصحيح المتعلِّق بما دعا الله سبحانه (٤) إلى الفكر فيه بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقولِه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨]. وقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]،