← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وقد ذكرنا في كتاب «الصَّواعق» (١) أنَّ تأويل آيات الصِّفات وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصلُ فساد الدُّنيا والدِّين. وزوالُ الممالك وتسليطُ أعداء الإسلام عليه إنَّما كان بسبب التأويل، ويعرف هذا من له اطِّلاعٌ وخبرةٌ بما جرى في العالم، ولهذا يحرِّم عقلاء الفلاسفة التأويلَ مع اعتقادهم لصحَّته، لأنَّه سببٌ لفساد العالَم وتعطيلِ الشرائع. ومن تأمَّل كيفيَّة ورود آيات الصِّفات في القرآن والسُّنَّة عَلِم قطعًا بطلانَ تأويلها بما يخرجها عن حقائقها، فإنَّها وردت على وجهٍ لا يحتمل معه التأويل بوجهٍ. فانظر إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، هل يحتمل هذا التقسيمُ والتنويعُ تأويلَ إتيان الربِّ ــ ﷻ ــ بإتيان ملائكته أو آياته؟ وهل يبقى مع هذا السِّياق شبهةٌ أصلًا أنَّه إتيانه بنفسه؟ وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤]، ففرَّق بين الإيحاء العامِّ والتكليم الخاصِّ، وجعلهما نوعين، ثمَّ أكَّد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهُّم ما يقوله المحرِّفون. وكذلك قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، فنوَّع تكليمه إلى تكليمٍ بواسطةٍ، وتكليمٍ بغير واسطةٍ. وكذلك قوله لموسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ففرَّق بين الرِّسالة والكلام، والرِّسالةُ إنَّما هي بكلامه.

стр. 2277

وكذلك قول النبيِّ ﷺ : «إنكم ترون ربكم عيانًا، كما ترون القمر ليلة البدر في الصَّحو ليس دونه سحابٌ، وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوًا ليس دونها سحاب» (١)، ومعلومٌ أنَّ هذا البيان والكشف والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعًا، ولا يرتاب في هذا من له عقلٌ ودين. وقوله: (وظهرت شواهدها في الصنعة)، هذا هو الطريق الثاني من طرق إثبات الصِّفات، وهو دلالة الصَّنعة عليها، فإنَّ المخلوق يدلُّ على وجود خالقه، وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه ومشيئته، فإنَّ الفعل الاختياريَّ يستلزم ذلك استلزامًا ضروريًّا. وما فيه من الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه يدلُّ على حكمة فاعله وعنايته. وما فيه من الإحسان والنفع، ووصولِ المنافع العظيمة إلى المخلوق يدلُّ على رحمة خالقه، وإحسانه وجوده. وما فيه من آثار الكمال يدلُّ على أنَّ خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحقُّ بالكمال، وخالق الأسماع والأبصار والنُّطق أحقُّ بأن يكون سميعًا بصيرًا متكلِّمًا، وخالق الحياة والعلوم والقُدَر والإرادات أحقُّ بأن يكون هو كذلك في نفسه. فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات من أدلِّ شيءٍ على إرادة الربِّ تعالى ومشيئته وحكمته التي اقتضت التّخصيص. وحصولُ الإجابة عقيب سؤال المطلوب على الوجه المطلوب دليلٌ

стр. 2278

على علم الربِّ تعالى بالجزويَّات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم، وعلى رأفته ورحمته بهم. والإحسان إلى المطيعين، والتقريبُ لهم (١) والإكرام، وإعلاءُ درجاتهم يدلُّ على محبَّته ورضاه. وعقوبتُه للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدلُّ على صفة الغضب والسُّخط، والإبعادُ والطردُ والإقصاءُ يدلُّ على المقت والبغض. فهذه الدلالات من جنسٍ واحدٍ عند التأمُّل. ولهذا دعا سبحانه عبادَه في كتابه إلى الاستدلال بذلك على صفاته، فهو يثبت العلمَ بربوبيَّته ووحدانيَّته، وصفاتِ كماله بآثار صُنعه المشهودة، والقرآن مملوءٌ (٢) من ذلك. فيظهر شاهد اسم «الخالق» من نفس المخلوق، وشاهد اسم «الرزَّاق» من وجود الرِّزق (٣)، وشاهد اسم «الرحيم» من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، واسم «المعطي» من وجود العطاء الذي هو مدرارٌ لا ينقطع لحظةً واحدةً، واسم «الحليم» من حلمه عن الجُناة والعُصاة وعدم معاجلتهم، واسم «الغفور» و «التوَّاب» من مغفرة الذُّنوب وقبول التوبة، ويظهر شاهد اسم «الحكيم» من العلم بما في خلقه وأمره من الحِكَم والمصالح ووجوه المنافع. وهكذا كلُّ اسمٍ من أسمائه الحسنى له شاهدٌ في خلقه وأمره، يعرفه من عرفه ويجهله من جهله، فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته.

стр. 2279

وكلُّ سليم العقل والفطرة يعرف قدرَ الصانع وحَذْقَه، وتبريزَه على غيره، وتفرُّدَه بكمالٍ لم يشاركه فيه (١) غيرُه= من مشاهدة صُنعه (٢)، فكيف لا تُعرَف صفات مَن هذا العالَمُ العلويُّ والسفليُّ وهذه المخلوقاتُ مِن بعض صنعه؟! وإذا اعتبرتَ المخلوقات والمأمورات، وجدتها كلَّها دالَّةً على النُّعوت والصِّفات وحقائقِ الأسماء الحسنى، وعلمت أنَّ المعطِّل (٣) من أعظم الناس عمًى ومكابرةً. ويكفي ظهور شاهد الصُّنع فيك خاصَّةً كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، فالموجودات بأسرها شواهد صفات الربِّ ــ ﷻ ــ ونعوتِه وأسمائه، فهي كلُّها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتنادي عليها، وتدلُّ عليها، وتخبر بها بلسان النُّطق والحال، كما قيل (٤): تأمَّل سطور الكائنات فإنَّها ... من الملك الأعلى إليك رسائلُ وقد خُطَّ فيها لو تأمَّلتَ خطَّها ... «ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ» تشير بإثبات الصِّفات لربِّها ... فصامتُها يهدي ومن هو قائلُ

стр. 2280

فلستَ ترى شيئًا أدلَّ على شيءٍ مِن دلالة المخلوقات على صفات خالقها، ونعوت كماله، وحقائقِ أسمائه، وقد تنوَّعت أدلَّتها بحسب تنوُّعها، فهي تدلُّ عقلًا وحسًّا وفطرةً ونظرًا واعتبارًا (١). قوله: (بتبصير (٢) النُّور القائم في السِّرِّ)، يعني: أنَّ النور الإلهيَّ الذي يجعله الله لعبده، ويلقيه عليه، ويودعه في سرِّه، هو الذي يبصِّره بشواهد صفاته. فكلَّما قوي هذا النُّور في قلب العبد كان بصره بالصِّفات أتمَّ وأكمل، وكلَّما قلَّ نصيبه من هذا النُّور (٣) وطفئ مصباحُه في قلبه طفئ نورُ التصديق بالصِّفات وإثباتها في قلبه، فإنَّه إنَّما يشاهدها بذلك النُّور، فإذا فقده لم يشاهدها، وجاءت الشُّبه الباطلة مع تلك الظُّلمة، فلم يكن له نصيبٌ منها سوى الإنكار. قوله: (وطيبِ حياة العقل لزرع الفكر)، أي: يدرك الصِّفات بذلك النُّور القائم في سرِّه، وطيبِ حياة عقله، التي طيَّبها زرعُ الفكر الصحيح المتعلِّق بما دعا الله سبحانه (٤) إلى الفكر فيه بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقولِه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨]. وقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]،

стр. 2281

فيتفكَّرون في (١) الآيات التي يُبيِّنها (٢) لهم، فيستدلُّون بها على توحيده، وصفاتِ كماله، وصدق رسله، والعلم بلقائه، ويتفكَّرون في الدُّنيا وانقضائها واضمحلالها ودناءتها (٣)، والآخرةِ ودوامها وبقائها وشرفها. وقولِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. فالفكر الصحيح المؤيَّد بحياة القلب ونور البصيرة يدلُّ على إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال. وأمَّا فكرٌ مصحوبٌ بموت القلب وعمى البصيرة، فإنَّما يُعطي صاحبه نفيَها وتعطيلَها. قوله: (وحياةِ القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار)، يعني: أنَّه ينضاف إلى نور البصيرة وطيب حياة العقل: حياةُ القلب بحسن النظر الدائرِ بين تعظيم الخالق ــ ﷻ ــ وحسنِ الاعتبار بمصنوعاته الدالَّة عليه، فلا بدَّ من الأمرين، فإنَّه إن غفل بالتعظيم عن حسن الاعتبار لم يحصل له الاستدلال على الصِّفات، وإن حصل له الاعتبار من غير تعظيمٍ للخالق سبحانه لم يستفد به إثباتَ الصِّفات، فإذا اجتمع له تعظيمُ الخالق وحسنُ النظر في صنعه أثمرا (٤) له إثباتَ صفات كماله ولا بدَّ. و (الاعتبار) هو أن يعبُر نظرُه من الأثر إلى المؤثِّر، ومن الصَّنعة إلى

стр. 2282

الصانع، ومن الدليل إلى المدلول، فينتقل إليه بسرعةٍ ولطفِ إدراكٍ، فينتقل ذهنه من الملزوم إلى لازمه، قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. و (الاعتبار) افتعالٌ من العبور، وهو عبور القلب من الملزوم إلى لازمه، ومن النظير إلى نظيره. وهذا الاعتبار يضعف ويقوى، حتَّى يستدلَّ صاحبُه بصفات الرب تعالى وكمالِه على ما يفعله، لحسن اعتباره وصحَّة نظره. وهذا اعتبار الخواصِّ واستدلالهم، فإنَّهم يستدلُّون بالله وأسمائه وصفاته على أفعاله، وأنَّه يفعل كذا ولا يفعل كذا (١)، فيفعل ما هو موجَب حكمته وعلمه وغِناه وحمده، ولا يفعل ما يناقض ذلك. وقد ذكر سبحانه هذين الطريقين في كتابه، فقال في الطريق الأولى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، ثمَّ قال في الطريق الثانية: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]، فمخلوقاته دالَّةٌ على ذاته وأسمائه وصفاته، وأسماؤه وصفاته دالَّةٌ على ما يفعله ويأمر به، وما لا يفعله ولا يأمر به. مثال ذلك: أنَّ اسمه «الحميد» ــ سبحانه ــ يدلُّ على أنَّه لا يأمر بالفحشاء والمنكر، واسمه «الحكيم» يدلُّ على أنَّه لا يخلق شيئًا عبثًا، واسمه «الغني» يدلُّ على أنَّه لم يتَّخذ صاحبةً ولا ولدًا، واسمه «المَلِك» يدلُّ على ما يستلزم حقيقة ملكه مِن: قدرته، وتدبيره، وعطائه ومنعه، وثوابه وعقابه، وبثِّ رسله في أقطار مملكته، وإعلامِ عبيده بمراسيمه وعهوده إليهم، واستوائه على

стр. 2283

سرير مملكته الذي هو عرشه المجيد. فمتى قام بالقلب (١) تعظيمُ الحقِّ ﷻ ، وحسنُ النظر في الشواهد، والتبصُّرُ والاعتبارُ بها= صارت الصِّفات والنُّعوت مشهودةً لقلبه قبلةً له. قوله: (وهي معرفة العامَّة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلَّا بها)، لا يريد بالعامَّة الجهَّال الذين هم عوامُّ الناس، وإنَّما يريد: أنَّ هذه هي المعرفة التي وقف عندها العموم ولم يتعدَّوها، وأمَّا معرفة أهل الذَّوق والمحبَّة الخاصَّة فأخصُّ من هذه كما سيأتي. قوله: (وهي على ثلاثة أركانٍ: إثبات الصِّفة باسمها من غير تشبيهٍ ... ) إلى آخره. تضمَّن هذا ثلاثة أشياء. أحدها: إثبات تلك الصِّفة؛ فلا يقابلها (٢) بالنفي والإنكار. الثاني: أنَّه لا يتعدَّى بها اسمَها الخاصَّ الذي سمَّاها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصِّفة، فلا يعطِّل الصِّفة، ولا يغيِّر اسمها ويُعيرها اسمًا آخر، كما تسمِّي الجهميَّة والمعطِّلة سمعه وبصره وقدرته وحياته وكلامه: أعراضًا، ويسمُّون وجهه ويديه وقدمه ــ سبحانه ــ: جوارح وأبعاضًا، ويسمُّون حكمته وغايةَ فعلِه المطلوبةَ به: عِلَلًا وأغراضًا، ويسمُّون أفعاله القائمة به: حوادث، ويسمُّون علوَّه على خلقه واستواءهَ على عرشه: تحيُّزًا، ويتوصلون بهذا المكر الكُبَّار إلى نفي ما دلَّ عليه الوحي والعقل والفطرة وآثارُ الصَّنعة من صفاته، فيسطون بهذه الأسماء التي سمَّوها هم وآباؤهم

стр. 2284

على نفي صفاته وحقائق أسمائه. الثالث: عدم تشبيهها بما للمخلوق ، فإنَّ الله سبحانه ليس كمثله شيء (١) في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ فالعارفون به، المصدِّقون لرسله، المقرُّون بكماله يثبتون له الأسماء والصِّفات، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنةٌ بين سيِّئتين، وهدًى بين ضلالتين، فصراطهم صراط المنعم عليهم، وصراط غيرهم صراط المغضوب عليهم والضّالِّين. قال الإمام أحمد: لا نزيل عن الله صفةً من صفاته، لأجل شناعة المشنِّعين. وقال: التشبيه: أن تقول يدٌ كيدي ووجه كوجهي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (٢). قوله: (والإياس من إدراك كنهها، وابتغاء تأويلها)، يعني: أن العقل قد يئس من معرفة كنه الصِّفة وكيفيَّتها، فإنَّه لا يعلم كيف الله إلَّا الله، وهذا معنى قول السلف: بلا كيفٍ (٣)، أي بلا كيفٍ يعقله البشر، فإنَّ من لا تُعلَم حقيقةُ

стр. 2285

ذاته وماهيَّتُه، كيف تُعرف كيفيَّةُ نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمانُ بها ومعرفةُ معانيها، فالكيفيَّة وراء ذلك، كما أنَّا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائقِ ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيَّته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزُنا عن معرفة كيفيَّة الخالق وصفاته أعظم وأعظم. وكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفيَّة مَن له الكمالُ كلُّه، والجمال كلُّه، والعلم كلُّه، والقدرة كلُّها، والعظمة كلُّها، والكبرياء كلُّها؟! مَن لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سُبُحاتُه السَّماواتِ والأرضَ وما فيهما وما بينهما، وما وراء ذلك (١)؛ الذي يقبض سماواته بيده، فتغيب كما تغيب الخردلة في كفِّ أحدنا (٢)؛ الذي نسبة علوم الخلائق كلِّهم إلى علمه أقلُّ من نسبة نَقْرةِ عصفورٍ من بحار العالم (٣)؛ الذي لو أنَّ البحر ــ يمدُّه من بعده سبعة أبحرٍ ــ مدادٌ، وأشجارُ الأرض من حين خُلقت إلى قيام السَّاعة أقلامٌ= فني المدادُ وفنيت الأقلامُ ولم تنفَدْ كلماتُه؛

стр. 2286

الذي لو أنَّ الخلق من أوَّل الدُّنيا إلى آخرها إنسَهم وجنَّهم وناطقَهم وأعجمَهم جُعلوا صفًّا واحدًا ما أحاطوا به سبحانه (١)؛ الذي يضع السَّماواتِ على إصبعٍ من أصابعه، والأرض على إصبعٍ، والجبال على إصبعٍ، والأشجار على إصبعٍ، ثمَّ يهزُّهنَّ ثمَّ يقول: أنا المَلِك (٢). فقاتل الله الجهميَّة والمعطِّلة! أين التشبيه هاهنا؟ وأين التمثيل؟ لقد اضمحلَّ هاهنا كلُّ موجودٍ سواه، فضلًا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال ويشابهه فيه، فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته، وولَّاها ما تولَّته مِن وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها والمعاني التي لا حقائق لها. ولمَّا فهمت هذه الطائفة من الصِّفات الإلهيَّة ما تفهمه من صفات المخلوقين فرَّت إلى إنكار حقائقها وابتغاءِ تحريفها، وسمَّته تأويلًا، فشبَّهت أوَّلًا، وعطَّلت ثانيًا، وأساءت الظنَّ بربِّها وبكتابه وبنبيِّه وبأتباعه (٣). أمَّا إساءة الظنِّ بالربِّ تعالى، فإنَّها عطَّلت صفاتِ كماله، ونسبَتْه إلى أنَّه أنزل كتابًا مشتملًا على ما ظاهرُه كفرٌ وباطلٌ، وأنَّ ظاهرَه وحقائقه غيرُ مرادةٍ.

стр. 2287

وأمَّا إساءة ظنِّها بالرسول ﷺ ، فلأنَّه تكلَّم بذلك وقرَّره وأكَّده، ولم يبيِّن للأمَّة أنَّ الحقَّ في خلافه وتأويله. وأمَّا إساءة ظنِّها بأتباعه، فنِسبتُهم لهم إلى التشبيه والتمثيل والجهل والحشو. وهم عند أتباعه أجهلُ من أن يكفِّروهم، إلّا من عاند الرسول ﷺ وقصَدَ نفي ما جاء به. والقومُ عندهم في خفارة جهلهم، قد حجبت عقولهم (١) عن معرفة الله، وإثبات حقائق أسمائه، وأوصاف كماله. فصل قال (٢): (الدرجة الثانية: معرفة الذات، مع إسقاط التفريق بين الصِّفات والذات ، وهي تثبت (٣) بعلم الجمع، وتصفو في ميدان الفناء، وتستكمل بعلم البقاء، وتشارف عينَ الجمع). نشرح كلامه ومراده أوَّلًا، ثمَّ نبيِّن ما له وعليه فيه. فكانت هذه الدرجة عنده أرفع ممَّا قبلها لأنَّ التي قبلها نظرٌ في الصِّفات، وهذه متعلِّقةٌ بالذات الجامعةِ للصِّفات، وإن كانت الذات لا تخلو عن الصِّفات، وهي (٤) قائمةٌ بها. ولا نقول: إنَّ صفاتِها عينُها ولا غيرها، لِما في لفظ الغير من الإجمال والاشتباه، فإنَّ الغيرين قد يراد بهما ما جاز افتراقهما ذاتًا أو زمانًا أو مكانًا،

стр. 2288

وعلى هذا فليست الصِّفات مغايرةً للذات. ويراد بالغيرين: ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر، فيفترقان في الوجود الذهنيِّ، لا في الوجود الخارجيِّ، فالصِّفات غير الذات بهذا الاعتبار، لأنَّه قد يقع الشُّعور بالذات حال ما يغفل عن صفاتها، فتتجرَّدُ عن صفاتها في شعور العبد، لا في نفس الأمر. وقوله: (مع إسقاط التفريق بين الصِّفات والذات)، التفريق بين الذات والصِّفات في الوجود مستحيل، وهو ممكنٌ في الشُّهود بأن يشهد الصِّفة ويذهل عن شهود الموصوف، أو يشهد الموصوف ويذهل عن شهود الصِّفة، فتجريد الذات أو الصِّفات إنَّما يمكن في الذِّهن. فالمعرفة في هذه الدرجة تعلَّقت بالذات والصِّفات جميعًا، فلم يفرِّق العلمُ والشهودُ بينهما، ولا ريب أنَّ ذلك أكمل من شهود مجرَّد الصِّفة أو مجرَّد الذات. ولا يريد الشيخ أنَّك تسقط التفريق بين الذات والصِّفات في الخارج والعلم بحيث تكون الذات هي نفس الصفات (١)، فهذا لا يقوله الشيخ. وإن كان كثيرٌ من أرباب الكلام يقولون: إنَّ الصِّفات هي الذَّات، فليس مرادهم أنَّ الذات نفسها صفةٌ، فهذا لا يقوله عاقلٌ، وإنّما مرادهم أنَّ صفاتها ليست شيئًا غيرها. فإن أراد هؤلاء أنَّ مفهوم الصِّفة هو (٢) مفهوم الذات، فهو مكابرةٌ. وإن أرادوا أنَّه ليس هاهنا أشياء غير الذات انضمَّت إليها وقامت بها، فهذا حقٌّ. والتحقيق: أنَّ صفاتِ الربِّ ــ ﷻ ــ داخلةٌ في مسمَّى اسمه، فليس

стр. 2289

اسمه «الله» و «الربُّ» و «الإله» أسماءً لذاتٍ مجرَّدةٍ لا صفةَ لها البتَّة، فإنَّ هذه الذات وجودُها يستحيل (١)، وإنَّما يفرضها الذِّهن فرضَ الممتنعات ثمَّ يحكم عليها. واسم «الله» سبحانه و «الربِّ»، و «الإله» اسمٌ لذاتٍ لها (٢) جميعُ صفات الكمال ونعوت الجلال، كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء والقِدَم، وسائرِ الكمال الذي يستحقُّه لذاته. فصفاته داخلةٌ في مسمَّى اسمه، فتجريد الصِّفات عن الذات، والذات عن الصِّفات فرضٌ وخيالٌ ذهنيٌّ لا حقيقة له، وهو أمرٌ اعتباريٌّ لا فائدة فيه، ولا يترتَّب عليه معرفةٌ ولا إيمان، ولا هو علمٌ في نفسه. وبهذا أجاب السَّلفُ الجهميَّةَ (٣) لمَّا استدلُّوا على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤) [الرعد: ١٦]، قالوا: والقرآن شيء؛ فأجابهم السَّلف بأنَّ القرآن كلامه، وكلامه صفته، وصفاته داخلةٌ في مسمَّى اسمه كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه ويديه (٥). فليس «الله» اسمًا لذاتٍ لا نعتَ لها، ولا صفة ولا فعل، ولا وجه ولا

стр. 2290

يدين؛ ذلك إلهٌ معدومٌ مفروضٌ في الأذهان، لا وجود له في الأعيان، كإله الجهميَّة الذي فرضوه غيرَ خارجٍ عن العالم ولا داخلٍ فيه، ولا متَّصلٍ به ولا منفصلٍ عنه، ولا محايثٍ له ولا مباين؛ وكإله الفلاسفة الذي فرضوه وجودًا مطلقًا لا يتخصَّص (١) بصفةٍ ولا نعتٍ، ولا له مشيئةٌ ولا قدرة، ولا إرادةٌ ولا كلام؛ وكإله الاتِّحاديَّة الذي فرضوه وجودًا ساريًا في الموجودات ظاهرًا فيها، هو عين وجودها؛ وكإله النصارى الذي فرضوه قد اتَّخذ صاحبةً وولدًا، وتدرَّع بناسوتِ ولدِه، واتَّخذ (٢) منه حجابًا؛ فكلُّ هذه الآلهة ممَّا عملتها أيدي أفكارهم (٣)، وإله العالمين الحقُّ هو الذي دعت إليه الرُّسل وعرَّفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله فوق سماواته على عرشه، بائنٌ من خلقه، موصوفٌ بكلِّ كمال، منزَّهٌ عن كلِّ نقصٍ، لا مثال له ولا شريك ولا ظهير، ولا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، غنيٌ بذاته عن كلِّ ما سواه، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه بذاته. قوله: (وهي تثبت بعلم الجمع، وتصفو في ميدان الفناء)، يعني: أنَّ هذه المعرفة الخاصَّة تثبت بعلم الجمع، ولم يقل: بحال الجمع، ولا بعينه، ولا بمقامه، فإنَّ علمه أوَّلًا هو سبب ثبوتها، فإنَّ هذه المعرفة لا تنال إلَّا بالعلم، فهو شرطٌ فيها. وسيأتي الكلام في «الجمع» عن قريبٍ إن شاء الله. فإذا علم العبد انفراد الربِّ سبحانه بالأزل والبقاء والفعل، وعَجْزَ من

стр. 2291

سواه عن القدرة على إيجاد ذرَّةٍ أو جزءٍ من ذرَّةٍ، وأنَّه لا وجود له من نفسه، فوجوده ليس له ولا به ولا منه، وتوالى هذا العلم على القلب= سقط ذكرُ غيره سبحانه عن البال والذِّكرِ، كما سقط غناه وربوبيَّته وملكه وقدرته، فصار الربُّ وحدَه هو المعبودَ والمشهودَ المذكور، كما كان وحده هو الخالقَ المالكَ الغنيَّ الموجودَ بنفسه أزلًا وأبدًا، وما (١) سواه فوجوده وتوابع وجوده عاريةٌ ليست له. وكلَّما فني العبد عن ذكر غيره وشهوده صفت هذه المعرفة في قلبه، فلهذا قال: (وتصفو في ميدان الفناء)، واستعار الشيخ للفناء ميدانًا وأضافه إليه لاتِّساع مجاله، لأنَّ صاحبه قد انقطع التفاتُه إلى ضيق الأغيار، وانجذبت روحُه وقلبه إلى الواحد القهَّار، فهي تجول في ميدانٍ أوسع من الأرض والسماوات (٢)، بعد أن كانت مسجونةً في سجون المخلوقات. فإذا استمرَّ له عكوف قلبه على الحقِّ سبحانه، ونظرُ قلبِه إليه كأنَّه يراه، ورؤيةُ تفرُّدِه بالخلق والأمر، والنفع والضرِّ، والعطاء والمنع= كملت في هذه الدرجة معرفتُه، واستكملت بهذا البقاءِ الذي أوصله إليه الفناء، وشارفت عينَ الجمع بعد علمه، فغاب العارف عن معرفته بمعروفه، وعن ذكره بمذكوره، وعن محبَّته وإرادته بمراده ومحبوبه، فلذلك قال (٣): (وتستكمل بعلم البقاء، وتشارف عين الجمع).

стр. 2292

ولهذه المعرفة (١) ثلاثة أركانٍ، أشار إليها الشَّيخ بقوله (٢): (إرسال الصِّفات على الشواهد، وإرسال الوسائط على المدارج، وإرسال العبارات على المعالم). شواهد الصِّفات هي التي تشهد بها وتدلُّ عليها من الكتاب والسُّنَّة، وشهادةِ العقل، والفطرة، وآثار الصَّنعة. فإذا تمكَّن العبد في التوحيد علم أنَّ الحقَّ سبحانه هو الذي عرَّفه (٣) صفاتِ نفسه بنفسه، لم يعرفها العبد من ذاته، ولا بغير تعريف الحقِّ له، بل بما أجراه ــ سبحانه ــ على قلبه من معرفة تلك الشواهد، والانتقالِ منها إلى المشهود والمدلول (٤) عليه، فهو سبحانه هو (٥) الذي شهد لنفسه في الحقيقة، إذ تلك الشواهد مصدرها منه، فشهد بنفسه لنفسه بما قاله وفعَلَه وجعَلَه شاهدًا لمعرفته، فهو الأوَّل والآخر، والعبد آلة محضة، ومنفعل، ومحلٌّ لجريان الشواهد وآثارها وأحكامها عليه، ليس له من الأمر شيءٌ. فهذا معنى (إرسال الصِّفات على الشواهد)، فإذا أرسلتها عليها تبيَّن لك (٦) أنَّ الحكم للصِّفات دون الشواهد، بل الشواهد (٧) هي آثار الصِّفات؛ فهذا وجه.

стр. 2293

ووجهٌ ثانٍ أيضًا، وهو: أنَّ الشواهد بوارقُ وتجلِّياتٌ تبدو للشاهد، فإذا أرسل الصِّفات على تلك الشواهد توارى حكم تلك البوارق والتجلِّيات في الصِّفات، وكان الحكم للصِّفات، فحينئذٍ يترقَّى العبد إلى شهود الذات شهودًا علميًا عرفانيًّا كما تقدَّم. وقوله: (وإرسال الوسائط على المدارج)، الوسائط هي الأسباب المتوسِّطة بين الربِّ والعبد التي بها تظهر المعرفة وتوابعها، والمدارج هي المنازل والمقامات التي يترقَّى العبد فيها إلى المقصود، وقد تكون المدارج الطُّرق التي يسلكها إليه ويدرج فيها. فإرسال الوسائط التي من الربِّ على المدارج التي هي منازل السفر (١) وطرقُه يوجب كونَ الحكم لها دون المدارج، فيغيب عن شهود المدارج بالوسائط؛ وقد (٢) غاب عن شهود الوسائط بالصِّفات، فترقَّى حينئذٍ إلى شهود الذات. وحقيقة الأمر: أن يعلم أنَّ الربَّ سبحانه ما أطلعه على معرفته إلَّا بشواهد منه ــ سبحانه ــ وبوسائط ليست من (٣) العبد، فهو قادرٌ على قبض تلك الشواهد والوسائط، وعلى إجرائها على غيره، فإنَّ الأمر كلَّه له، وتلك الوسائط لا توجب بنفسها شيئًا، قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٨٦ - ٨٧]، وقال للأمَّة على لسانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ

стр. 2294

وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦]، وقال: ﴿(١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٦]. ويعلمَ (١) العبدُ أنَّ ما أخبر به الربُّ على لسان رسوله ﷺ من شواهدِ معرفته والإيمان به هي معالمُ يَهتدي بها عبادُه (٢) إليه، ويعرفون بها كماله وجلالَه وعظمتَه؛ فإذا تيقَّنوا صدقه ولم يشكُّوا فيه، وتفطَّنوا لآثار أسمائه وصفاته في أنفسهم وفي سواهم= انضمَّ شاهد العقل والفطرة إلى شاهد الوحي والشرع، فانتقلوا حينئذٍ من الخبر إلى العِيان، فالعبارات معالمُ على الحقائق المطلوبة، والمعالمُ هي الأمارات التي يُعلَم بها المطلوب؛ فإذا أرسل (٣) العارفُ كلَّ معنًى ممَّا تقدَّم ذكرُه على مقصوده، وصرف همَّتَه إلى مُجرِيه وناصبه ومصدره= اجتمع همُّه عليه، وتمكَّن في معرفة الذات التي لها صفات الكمال ونعوت الجلال. ومقصوده: أن يبيِّن في هذه الأركان الثلاثة حالَ صاحب معرفة الذات، وكيف تَرتَّبُ (٤) الأشياءُ في نظره، ويترقَّى فيها إلى المقصود. مثال ذلك: أنَّ الشواهد أوصلته (٥) إلى الصِّفات بإرسالها عليها، فانتقل من مشاهدتها إلى مشاهدة الصِّفات. والوسائطُ التي كان يراها آيةً على المدارج انتقل منها إلى

стр. 2295

المدارج ولم يُلغِها (١)، وإنّما تعلَّق بما هي آيةٌ له. والعبارات التي كانت عنده ألفاظًا خارجةً عن المعبَّر عنه صارت أماراتٍ موصلةً (٢) إلى الحقيقة المعبَّر عنها. فبهذه الأركان الثلاثة يصير من أهل معرفة الذات عنده. قوله (٣): (وهذه معرفة الخاصَّة التي تؤنَس من أفق الحقيقة) أي تُدرَك وتحسُّ من ناحية الحقيقة. والإيناس: الإدراك والإحساس، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وقال موسى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠] (٤). والمقصود: أنَّ العارف إذا علَّق هِمَّته (٥) بأفق الحقيقة، وأعرض عن الأسباب والوسائط، لا إعراضَ جحودٍ وإنكار، بل إعراضَ اشتغالٍ ونظرٍ إلى عين المقصود= أوصله ذلك إلى معرفة الذات الجامعة لصفات الكمال. فصل قال (٦): (الدرجة الثالثة: معرفةٌ مستغرقةٌ في محض التعريف ، لا يوصل إليها الاستدلال، ولا يدلُّ عليها شاهد، ولا تستحقُّها وسيلة. وهي على (٧)

стр. 2296

ثلاثة أركانٍ: مشاهدة القرب، والصُّعود عن العلم، ومطالعة الجمع، وهي معرفة خاصَّة الخاصَّة). إنَّما كانت هذه المعرفة عنده أرفع ممَّا قبلها، لأنَّ ما قبلها معرفةٌ متعلِّقةٌ بالوسائط والشواهد الموصلةِ (١) إلى المطلوب، وهذه متعلِّقةٌ بعين المقصود فقط، طاويةٌ للوسائط والشواهد، والوسائط (٢) صاعدةٌ عنها إليه، وهي غالبةٌ على حال العارف وشهوده، قد استغرقت إدراكه لما هو فيه بحيث غاب عن معرفته بمعروفه، وعن ذكره بمذكوره، وعن وجوده بموجوده. فقوله: (مستغرقةٌ في محض التعريف)، المعرفة صفة العبد وفعله، والتعريف فعل الربِّ وتوفيقه، فاستغرقت صفة العبد في فعل الربِّ وتعريفه نفسَه لعبده. وقوله: (لا يوصل إليها بالاستدلال)، يريد أنَّ هذه المعرفة في الدرجة الثالثة لا يوصل إليها بسبب، فإنَّ الأسباب قد انطوت فيها، والوسائلَ قد انقطعت دونها، فلا يدلُّ عليها شاهدٌ غيرها، بل هي شاهدُ نفسِها (٣)، فشاهدها وجودها، ودليلها نفسها. ولا تعجَلْ بإنكار هذا، فالأمور الوجدانيَّة كذلك، دليلُها (٤) نفسُها، وشاهدها حقيقتها؛ فتصير هذه المعرفة للعارف كالأمور الوجدانيَّة (٥) كاللَّذَّة والفرح والحبِّ والخوف وغيرِها من الأمور

стр. 2297

التي لا يَطلب مَن قامت به شاهدًا عليها من سوى أنفسها. ولعمر اللهِ إنَّ هذه درجةٌ من المعرفة مُنيفة، ورتبةٌ شريفة، تنقطع دونها أعناق مطايا السَّائرين، فلذلك لا يوصل إليها بالاستدلال، ولا يدلُّ عليها شاهدٌ، ولا تستحقُّها وسيلة، والأعمالُ والأحوال والمقامات كلُّها وسائل، وهي لا تستحقُّ هذه الدرجة من المعرفة، وإنَّما هي فضلُ مَن الفضلُ كلُّه بيده، وهو ذو الفضل العظيم. وكون الوسائل المذكورة لا تستحقُّها لا يمنع من القيام بها على أتمِّ الوجوه، وبذلِ الجهد فيها، ومع ذلك فلا تستحقُّها الوسائل. قوله: (وهي على ثلاثة أركانٍ: مشاهدة القرب، والصُّعود عن العلم، ومطالعة الجمع)، إنَّما كانت هذه الثلاثة أركانًا لها لأنَّ صاحب هذه المعرفة قد وصل من القرب إلى مقامٍ يليق به بحسب معرفته، فكلَّما كانت معرفته أتمَّ كان قربه أتمَّ، فإنَّ شهود الوسائط والوسائل حجابٌ على (١) عين القرب، وإلغاؤها وجحودها حجابٌ على أصل الإيمان. وأمَّا (صعوده عن العلم)، فليس المراد به صعوده عن أحكامه، فإنَّ ذلك سقوطٌ ونزولٌ إلى الحضيض الأدنى، لا صعودٌ إلى المطلب الأعلى، وإنَّما المراد: أنَّه يصعد بأحكام العلم عن الوقوف معه وتوسيطِه بينه وبين المطلوب، فإنَّ الوسائط قد طُوي بساطها في هذا الشُّهود والعرفان، أعني: بساطَ الوقوف معها والنظر إليها، فيدرك مشهوده ومعروفه به سبحانه، لا بالعلم والخبر، بل بالمشاهدة والعيان، وإن كان لم يصل إلى ذلك إلَّا بالعلم

стр. 2298

والخبر، لكنَّه قد صعد من العلم والخبر إلى المعلوم المخبر عنه. وأمَّا (مطالعة الجمع)، فهي (١) الغاية عند هذه الطائفة، ونحن لا ننكر ذلك، لكن أيُّ جمعٍ هو (٢)؟ هل هو جمع الوجود، كما يقوله الاتِّحاديُّ؟ أم جمع الشُّهود، كما يقوله صاحب الفناء في توحيد الرُّبوبيَّة؟ أم جمع الإرادة كلِّها في مراد الربِّ تعالى الدينيِّ الأمريِّ؟ فالشأن في هذا الجمع الذي مطالعتُه من أعلى أنواع المعرفة. نعم، هاهنا جمعٌ آخر، مطالعته هي كلُّ المعرفة، وهو جمع الأفعال في الصِّفات، وجمع الصِّفات في الذات، وجمع الأسماء في الذات والصِّفات والأفعال، فمطالعة هذا الجمع هي غاية المعرفة وأعلى أنواعها، وهي لعمر اللهِ معرفةُ خاصَّة الخاصَّة. والله المستعان، وبه التوفيق، ولا حول ولا قوَّة إلَّا به. * * * *

стр. 2299

فصل قال صاحب «المنازل» (١): (باب الفناء. قال الله تعالى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]). الفناء المذكور في الآية ليس هو الفناءَ الذي تشير إليه الطائفة، فإنَّ الفناء في الآية: الهلاك والعدم، أخبر سبحانه أنَّ كلَّ من على الأرض يعدم ويموت، ويبقى وجهه سبحانه. وهذا مثل قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، ومثلِ قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، قال الكلبيُّ ومقاتل: لمَّا نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلمَّا قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيقنت الملائكة بالهلاك. قال الشعبيُّ: إذا قرأت ﴿(٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [الرحمن: ٢٦] فلا تسكت حتى تقرأ ﴿(٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] (٢). وهذا من فقهه في القرآن وكمال علمه، إذ المقصود الإخبار بفناء مَن عليها مع بقاء وجهه سبحانه، فإنَّ الآية سيقت لتمدُّحه بالبقاء وحده، ومجرَّدُ فناء الخليقة ليس فيه مدحٌ (٣)، إنَّما المدح في بقائه بعد فناء خلقه، فهي نظير قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].

стр. 2300

وأمَّا الفناء الذي يترجم عليه الطائفة، فأَمرٌ غير هذا، ولكن وجهُ الإشارة بالآية: أنَّ الفناء المشار إليه هو ذهاب القلب وخروجُه من هذا العالم، وتعلُّقه بالعليِّ الكبير الذي له البقاء فلا يدركه الفناء، ومَن فني في محبَّته وطاعته وإرادة وجهه أوصله هذا الفناءُ إلى منزل البقاء، فالآية تشير إلى أنَّ العبد حقيقٌ أن لا يتعلَّق بمن هو فانٍ ويذَرَ من له البقاء، وهو ذو الجلال والإكرام؛ فكأنَّه يقول (١): إذا تعلَّقتَ بمن هو فانٍ انقطع ذلك التعلُّق عند فنائه أحوج ما تكون إليه، وإذا تعلَّقتَ بمن هو باقٍ لا يفنى لم ينقطع تعلُّقك ودامَ بدوامه. والفناء الذي يترجم عليه هو غاية التعلُّق ونهايته، فإنّه انقطاعٌ عمَّا سوى الربِّ تعالى من كلِّ وجهٍ، ولذلك قال (٢): (الفناء في هذا الباب: اضمحلال ما دون الحقِّ علمًا، ثمَّ جحدًا، ثمَّ حقًّا). قلت: الفناء ضدُّ البقاء، والباقي إمَّا باقٍ بنفسه من غير حاجةٍ إلى من يبقيه، بل بقاؤه من لوازم نفسه، وهو الله تعالى وحده، وما سواه فبقاؤه بإبقاء الربِّ تعالى له، وليس له من نفسه بقاء، كما أنَّه ليس له من نفسه وجود، فإيجاده وإبقاؤه من ربِّه وخالقه، وإلَّا فهو ليس له من نفسه إلَّا العدمُ قبل إيجاده، والفناءُ بعد إيجاده. وليس المعنى: أنَّ نفسه وذاته اقتضت عدمه وفناءه، وإنَّما المعنى (٣) أنَّك إذا نظرت إلى ذاته بقطع النظر عن إيجاد موجده له كان معدومًا، وإذا نظرت إليه بعد وجوده مع قطع النظر عن إبقاء

стр. 2301

موجده له استحال بقاؤه، فإنَّه إنَّما يبقى بإبقائه، كما أنَّه إنَّما يوجد بإيجاده؛ فهذا معنى قولنا: إنَّه بنفسه معدومٌ وفانٍ، فافهمه. وقد اختلف الناس: هل إفناء الموجود وإعدامه بخلقِ عرضٍ فيه يسمَّى الفناءَ والإعدام، أم بإمساكِ خَلْق البقاء له، إذ هو في كلِّ وقتٍ محتاج إلى أن يُخلَق له بقاءٌ يُبقيه؟ وهي مسألة الإعدام المشهورة. والتحقيق فيها: أنَّ ذاته لا تقتضي الوجود، وهو معدومٌ بنفسه، فإذا قدَّر الربُّ تعالى لوجوده أجلًا ووقتًا انتهى وجوده عند حضور أجله، فرجع إلى أصله وهو العدم. نعم، قد يقدِّر له وقتًا ثمَّ يمحو ذلك ــ سبحانه ــ ويريد إعدامَه قبل وقته، كما يمحو ما يشاء ويريد استمرارَ وجودِه بعد الوقت المقدَّر إلى أمدٍ آخَرَ، فإنَّه يمحو ما يشاء ويثبت، قال تعالى حاكيًا عن نبيِّه نوح: ﴿(١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٢ - ٤]، فإذا أراد سبحانه إبقاء الشيء أبقاه إلى حين يشاء، وإذا أراد إفناءه أعدمه بمشيئته، كما يوجده بمشيئته. فإن قيل: متعلَّق المشيئة لابدَّ أن يكون أمرًا وجوديًّا، فكيف يكون العدم متعلَّق المشيئة؟ قيل: متعلَّق المشيئة أمران: إيجاد وإعدام، وكلاهما ممكن، فقول القائل لابدَّ أن يكون متعلَّق المشيئة أمرًا وجوديًّا دعوى باطلة. نعم، العدم المحض لا تتعلَّق به المشيئة، وأمَّا الإعدام فهو أخصُّ من العدم. ولولا أنَّا في أمرٍ غير هذا (١)

стр. 2302

لبسطنا الكلام في هذه المسألة، وذكرنا أوهام الناس وأغلاطَهم فيها. قوله: (الفناء اسمٌ لاضمحلال ما دون الحقِّ علمًا)، يعني: يضمحلُّ عن القلب والشُّهود علمًا وإن لم يفرض ذاتَه (١) فانيةً في الحال مضمحلَّةً، فتغيب صور الموجودات في شهود العبد، بحيث كأنَّها دخلت في العدم كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحقُّ تعالى ذو الجلال والإكرام وحدَه في قلب الشاهد كما كان وحده قبل إيجاد العوالم. وقوله: (علمًا، ثمَّ جحدًا، ثمَّ حقًّا)، هذه الثلاثة هي مراتب الاضمحلال إذا ورد على العبد على الترتيب، فإذا جاء وهلةً واحدةً لم يشهد شيئًا من ذلك، وإن كان قد يعرف ذلك إذا عاد إلى علمه وشهوده، فإنَّ الربَّ سبحانه إذا رقَّى عبده بالتدريج نوَّر باطنه وعقله بالعلم، فرأى أنَّه لا خالق سواه، ولا ربَّ غيرُه، ولا يملك الضرَّ والنفع والعطاء والمنع غيرُه، وأنَّه لا يستحقُّ أن يُعبَد بنهاية الخضوع والحبِّ سواه، وكلُّ معبودٍ سوى وجهه الكريم فباطل، فهذا توحيد العِلم. ثمَّ إذا رقَّاه الحقُّ سبحانه درجةً أخرى فوق هذه أشهَدَه (٢) عَودَ المفعولات إلى أفعاله سبحانه، وعودَ أفعاله إلى أسمائه وصفاته، وقيامَ صفاته بذاته؛ فيضمحلُّ شهود غيرِه من قلبه، وجحَدَ أن يكون لسواه من نفسه شيءٌ البتَّة، ولم يجحَدْ وجودَ السوى كما يجحده الملاحدة، فإنَّ هذا

стр. 2303

الجحود عين الإلحاد (١). ثمَّ إذا رقَّاه درجةً أخرى أشهده قيامَ العوالم كلِّها ــ جواهرِها وأعراضها، ذواتها وصفاتها ــ به وحدَه، أي بإقامته لها وإمساكه لها، فإنَّه سبحانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك البحارَ أن تغيض أو تفيض على العالَم، ويمسك السَّماءَ أن تقع على الأرض، ويمسك الطير في الهواء صافَّاتٍ ويقبضن، ويمسك القلوب الموقنة أن تزيغ عن الإيمان، ويمسك حياة الحيوان أن تفارقه إلى الأجل المحدود، ويمسك على الموجودات وجودها، ولولا ذلك لاضمحلَّت وتلاشت، والكلُّ قائمٌ بأفعاله وصفاته التي هي من لوازم ذاته، فليس الوجود الحقيقيُّ إلَّا له، أعني الوجودَ الذي هو مستغنٍ (٢) فيه عن سواه، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه بالذات، لا قيام له بنفسه طرفة عينٍ. ولمَّا كان للفناءِ مبدأ وتوسُّط وغاية، أشار إلى مراتبه الثلاثة، فالمرتبة الأولى: فناء أهل العلم المتحقِّقين به، والثاني (٣): فناء أهل السُّلوك والإرادة، والثالث: فناء أهل المعرفة، المستغرقين في شهود الحقِّ سبحانه. فأوَّل الأمر أن تفنى قوَّةُ علمه وشعوره بالمخلوقين في جنب علمه ومعرفته بالله وحقوقه. ثمَّ يقوى ذلك حتَّى يعُدَّهم كالأموات وكالعدم. ثمَّ يقوى ذلك حتَّى يغيب عنهم، بحيث يكلَّم ولا يَسمع، ويُمَرُّ به ولا يرى؛

стр. 2304

وذلك أبلغ من حال السُّكر، ولكن لا تدوم له هذه الحال، ولا يمكن أن يعيش عليها. فصل قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: فناءُ المعرفة في المعروفِ وهو الفناء علمًا، وفناءُ العِيان في المعايَن وهو الفناء جحدًا، وفناءُ الطلب في الوجود وهو الفناء حقًّا). هذا تفصيلُ ما أجمله أوَّلًا، وتبيينُ ما أراد بالعلم والجحد والحقِّ. فـ (فناء المعرفة في المعروف) هو غيبة العارف بمعروفه عن شعوره بمعرفته ومعانيها، فيفنى به سبحانه عن وصفه هو وما قام به، فإنَّ المعرفة فعله ووصفه، فإذا استغرق في شهود المعروف فني عن صفة نفسه وفِعلها. ولمَّا كانت المعرفةُ فوق العلم وأخصَّ منه كان فناءُ المعرفة في المعروف مستلزمًا لفناء العلم في المعرفة، فيفنى أوَّلًا في المعرفة ثمَّ تفنى المعرفةُ في المعروف. وأمَّا (فناء العِيان في المعاين)، فالعيان فوق المعرفة، فإنَّ المعرفة مرتبةٌ فوق العلم ودون العيان، فإذا انتقل من المعرفة إلى العيان فني عيانُه في مُعايَنه، كما فنيت معرفتُه في معروفه. وأمَّا (فناء الطلب في الوجود)، فهو أن لا يبقى لصاحب هذا الفناءِ طلبٌ، لأنَّه ظفر بالمطلوب المشاهَد، وصار واجدًا بعد أن كان طالبًا، فكان إدراكه

стр. 2305

أوَّلًا علمًا، ثمَّ قوي فصار معرفةً، ثمَّ قوي فصار عيانًا (١)، ثمَّ تمكَّن فصار وجودًا. ولعلَّك أن تستنكر أو تستبعد هذه الألفاظ ومعانيها (٢)، فاسمع ضربَ مثلٍ يسهِّل (٣) عليك ذلك (٤) ويقرِّبه منك: مثل ملكٍ عظيم السُّلطان، شديد السطوة، تامِّ الهيبة، قويِّ البأس، استدعى رجلًا من رعيَّته قد اشتدَّ جرمه وعصيانه له، فحضر بين يديه، وغلب على ظنِّه إتلافُه له، فأحواله في حال حضوره مختلفةٌ بالنِّسبة إلى ما يشاهده، فتارةً يتذكَّر جرمَه وسطوة السُّلطان وقدرتَه عليه فيفكِّر فيما يلقاه، وتارةً تقهره الحال التي هو فيها فلا يذكر ما كان منه ولا ما أُحضر له، لغلبة الخوف على قلبه ويأسه من الخلاص، ولكنَّ عقله وذهنه معه، وتارةً يغيب قلبُه وذهنه بالكلِّيَّة فلا يشعر أين هو، ولا مَن إلى جانبه، ولا بما يراد به، وربَّما جرى على لسانه في هذه الحال ما لا يريده، فهذا فناء الخوف. ومثالٌ ثانٍ في فناء الحبِّ: محبٌّ استغرقت محبَّتُه شخصًا في غاية الجمال والبهاء، وأكبر أمنيَّته الوصولُ إليه ومحادثتُه ورؤيتُه، فبينا هو على حاله ــ وقد (٥) ملأ الحبُّ قلبه، وقد استغرق فكره في محبوبه ــ وإذا به قد

стр. 2306

دخل عليه بغتةً على أحسن هيئةٍ، فقابله قريبًا منه، وليس دونه سواه، أفليس (١) هذا حقيقًا أن يفنى عن رؤية غيره بمشاهدته، وأن يفنى عن شهوده بمشهوده، بل وعن حبِّه بمحبوبه؟ فيملك عليه المحبوبُ سمعَه وبصره وإرادته وإحساسه، ويغيب به عن ذاته وصفاته؟ وانظر إلى النِّسوة كيف قطَّعن أيديهنَّ لمَّا طلع عليهنَّ يوسف وشاهدن ذلك الجمال، ولم يتقدَّم لهنَّ من عشقه ومحبَّته ما تقدَّم لامرأة العزيز، بل أفناهنَّ (٢) شهود جماله عن حالهنَّ حتَّى قطَّعن أيديهنَّ. وأمَّا امرأة العزيز، فإنَّها وإن كانت صاحبة المحبَّة، فإنَّها كانت قد ألفت رؤيتَه ومشاهدتَه، فلمَّا خرج لم يتغيَّر عليها حالُها كما تغيَّر على العواذل، فكان مقامها البقاء ومقامهنَّ الفناء، وحصل لهنَّ الفناء من وجهين: أحدهما: ذهولهنَّ عن الشُّعور بقطع ما في أيديهنَّ حتَّى تخطَّاه القطع إلى الأيدي. الثاني: فناؤهنَّ عن الإحساس بألم القطع. وهكذا الفناء بالمخوف والفرح بالمحبوب يُفني صاحبه عن شعوره وعن إحساسه بالكيفيَّات النفسانيَّة. هذا في مشاهدة مخلوقٍ محدثٍ له أشباهٌ وأمثال، وله من يقاربه ويدانيه في الجمال، وإنَّما فاق بني جنسه في الحسن والجمال ببعض الصِّفات، وامتاز ببعض المعاني المخلوقة المصنوعة. فما الظنُّ بمن له الجمالُ كلُّه، والكمال كلُّه، والإحسانُ والإجمال، ونسبةُ كلِّ جمالٍ في الوجود إلى جماله وجلاله

стр. 2307

أقلُّ من نسبة سراجٍ ضعيفٍ إلى عين الشمس؟ ولمَّا علم سبحانه أنَّ قوى الأبصار (١) لا تحتمل في هذه الدار رؤيتَه، احتجب عن عباده إلى يوم لقائه (٢)، فينشئهم نشأةً يتمكَّنون بها من مشاهدة جماله ورؤية وجهه؛ وأنت ترى بعض آياته ومخلوقاته ومبدعاته كيف يفنى فيها مشاهدها عن غيرها! ولكنَّ هذا كلَّه في المشاهدات العيانيَّة، والواردات الوجدانيَّة. وأمَّا المعارف الإلهيَّة، فإنَّ حالة البقاء فيها أكمل من حالة الفناء، وهي حالة نبيِّنا صلوات الله وسلامه عليه، وحال الكُمَّل من أتباعه، ولهذا رأى ما رأى ليلة الإسراء وهو ثابت القلب، رابط الجأش، حاضر الإدراك، تامُّ التمييز، ولو رأى غيرُه بعضَ بعضِ (٣) ذلك لما تمالك. فإن قلت: ربَّما أفهمُ معنى فناء المعرفة في المعروف وفناء العِيان في المعايَن، فما معنى (فناء الطلب في الوجود)، حتَّى يكون (هو الفناء حقًّا)؟ قلت: متى فهمت الأمرين اللَّذَين قبله فهمت معناه، فإنَّ الواجد لمَّا ظفر بموجوده فني طلبُه له واضمحلَّ. وهذا مشهودٌ في الشاهد، فإنَّك ترى طالب أمرٍ مهمٍّ إذا ظفرت يداه به وبرَدَ له (٤) كيف يفنى طلبُه في وجوده (٥). لكن هذا

стр. 2308

محالٌ في حقِّ العارف، فإنَّ طلبه لا يفارقه، بل إذا وجد اشتدَّ طلبه، فلا يزال طالبًا، فكلَّما كان أوجد كان أطلب. نعم، الذي يفنى: طلبُ حظِّه في طلب محبوبه وطلبِ مراضيه، وليس بعد هذا غاية، ولكنَّ الذي يشير إليه القوم: أنَّ العبد يصل في منزلة المحبَّة والمعرفة والاستغراق في المشاهدة إلى حالةٍ يستولي عليه أنوارُ القرب وآثارُ الصِّفات بحيث يذهل لبُّه عن شعوره وطلبه (١) وإرادته ومحبَّته. وإيضاح ذلك: أنَّ العبد إذا أقبل على ربِّه، وتفقَّد أحوالَه، وتمكَّن مِن شهود قيام ربِّه عليه، فإنَّه يكون في أوَّل أمره مكابدًا مصابرًا، فإذا صبر وصابر ورابط ــ صبر في نفسه، وصابر عدوَّه، ورابط على ثغر قلبه أن يدخل فيه خاطرٌ لا يحبُّه وليُّه الحقُّ ــ ظهر حينئذٍ في قلبه نورٌ من إقباله على ربِّه، فإذا قوي ذلك النُّور غيَّبه عن وجوده الذهنيِّ، وسرى به في مطاوي الغيب، وحينئذٍ يصفو له إقبالُه على ربِّه، فإذا صفا له ذلك غاب عن وجوده العينيِّ والذهنيِّ، فغاب بنور إقباله على ربِّه لوصول خالص الذِّكر وصافيه إلى قلبه، حيث خلا من كلِّ شاغلٍ من الوجود العينيِّ والذهنيِّ، وصار واحدًا لواحدٍ، فيستولي نور المراقبة على أجزاء باطنه، فيمتلئ قلبه من نور التوجُّه، بحيث يَغْمُر قلبَه ويستره عمَّا سواه، ثمَّ يسري ذلك النُّور من باطنه ويعمُّ أجزاء ظاهره، فيتشابه الظاهر والباطن فيه. وحينئذٍ فيفنى العبدُ عمَّا سواه، ويبقى بالمشهد الرُّوحيِّ الذاتيِّ الموجِب (٢) للمحبَّة الخاصَّة الملهبة للروح.

стр. 2309

فمنهم من يَضعُف لقوَّة الوارد، فلا يمكنه أن يتَّسع لغير ما باشر سرُّه وقلبُه من آثار الحبِّ الخاصِّ. ومنهم (١) من يقوى فيتَّسع (٢) نظره، فيجد آثار الجلال والجمال المقدَّس في قلبه وروحه، ويجد العبوديَّةَ والمحبَّة والدُّعاء والافتقارَ والتوكُّل والخوف والرجاء وسائرَ الأعمالِ القلبيَّةِ قائمةً بقلبه، لا يَشْغَله عن مشهد الرُّوح، ولا يستغرقه مشهدُ الرُّوح عنه. ويجد ملاحظتَه للأوامر والنواهي حاضرًا في جذر قلبه حيث نزلت الأمانة، فلا يَشْغَله مشهدُ الرُّوح المستغرق، ولا مشهد القلب عن ملاحظة مراضي الربِّ تعالى ومحابِّه وحقِّه على عبده. ويجد ترك التدبير والاختيار وصحَّة التفويض موجودًا في محلِّ نفسه، فيعامل الله سبحانه بذلك، بحيث لا تشغله مشاهدةُ الأولى عنه، ويقوم بملاحظة عقله لأسرار حكمة الله في خلقه وأمره. ولا يحجبه ذلك كلُّه عن ملاحظة عبوديَّته، فيبقى مغمورَ الرُّوح بملاحظة الفردانيَّة وجلالِها وجمالِها وكمالِها، قد استغرقَتْه محبَّتُه والشوق إليه، معمورَ القلب بعبادات القلوب، معمورَ العقل بملاحظة الحكمة ومعاني الخطاب، طاهرَ القلب عن سَفْساف الأخلاق مع الله تعالى ومع الخلق، قد صار عبدًا محضًا لربِّه بروحه وقلبه وعقله ونفسه وبدنه وجوارحه، قد قام كلٌّ بما عليه من العبوديَّة، بحيث لا تحجبه عبوديَّةُ بعضه عن عبوديَّة البعض الآخر (٣)، قد فني عن نفسه وبقي بربِّه. كما قال أبو بكرٍ الكتَّاني: جرت مسألةٌ في المحبَّة بمكَّة أيَّام الموسم، فتكلَّم الشيوخ فيها، وكان الجنيدُ أصغرَهم

стр. 2310

سنًّا، فقالوا له: هاتِ ما عندك يا عراقيُّ؛ فأطرق ساعةً، ودمعت عيناه، ثمَّ قال: عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه، متَّصلٌ بذكر ربِّه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إليه بقلبه، أحرق قلبَه أنوارُ هيبته، وصفا شربُه من كأس ودِّه، وانكشف له الجبَّار من أستار غيبه، فإن تكلَّم (١) فبالله، وإن نطق فمن الله، وإن تحرَّك (٢) فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله؛ فبكى الشُّيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جبرك الله يا تاجَ العارفين (٣). فصل قال الشيخ (٤): (الدرجة الثانية: فناء شهود الطلب لإسقاطه، وفناء شهود العلم لإسقاطه (٥)، وفناء شهود العيان لإسقاطه). إنَّما كانت هذه الدرجة من الفناء أعلى عنده ممَّا قبلها لأنَّها أبلغ في الفناء من جهة فناء أربابها عن فنائهم، قد سقط عن قلوبهم ذكرُ أحوالهم ومقاماتهم لِما هم فيه من الشُّغل بربِّهم. وقوله: (لإسقاطه) أي: لإسقاط الشُّهود، لا إسقاطِ المشهود، فالطلب والعلم والعيان قائمٌ، وقد سقط شُّهوده لاستغراق صاحبه في المطلوب المعايَن.

стр. 2311

فصل قال (١): (الدرجة الثالثة: الفناء عن شهود الفناء، وهو الفناء حقًّا، شائمًا برقَ العين، راكبًا بحر الجمع، سالكًا سبيل البقاء). الفرق بين الفناء في هذه الدرجة والتي قبلها أنَّه في التي قبلها قد فني عن شهود طلبه وعلمه وعيانه، مع شعوره بفنائه عن ذلك، وفي هذه الدرجة قد فني عن ذلك كلِّه، وفني عن شهود فنائه، كما يقال: آخر من يموت ملَكُ الموت (٢). وإنَّما كان هذا الفناءُ عنده هو الفناءَ حقًّا لأنَّه قد فني فيه كلُّ ما سوى الحقِّ سبحانه، لأنَّ صاحبه الذي (٣) يشهد الفناء قد فني، فلم يبق سوى الواحد القهَّار. وقوله: (شائمًا برق العين)، الشائم: الناظر من بعدٍ، وبرق العين: نور الحقيقة، وقد تقدَّم التنبيه على استحالة تعلُّق هذا بالنُّور الخارجيِّ، وإنَّما هو أنوار القرب والمراقبة والحضور مع الله. وقوله: (راكبًا بحر الجمع)، الجمع الذي يشيرون إليه عبارةٌ عن

стр. 2312

شخوص البصيرة إلى مجرَّد مصدر المتفرِّقات كلِّها، كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى، وركوبُ لُجَّة هذا الجمع هو فناؤه فيه. قوله: (سالكًا سبيل البقاء)، يعني: أنَّ من فني فقد تأهَّل للبقاء بالحقِّ، وهذا البقاء هو بعد الفناء، فإنَّه إذا تحقَّق بالفناء رُفع له عَلَم الحقيقة، فشمَّر إليه سالكًا في طريق البقاء، وهي القيام بالأورادِ وحفظُ الواردات، فحينئذٍ يرجى له الوصول. فصل لم يرد في الكتاب، ولا في السنَّة، ولا في كلام الصحابة والتابعين مدحُ لفظ الفناء ولا ذمُّه، ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشارِ إليه البتَّة، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدِّمون، ولا جعلوه غايةً ولا مقامًا، وقد كان القوم أحقَّ بكلِّ كمالٍ، وأسبقَ إلى كلِّ غايةٍ محمودةٍ. ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقًا (١)، ولا نقبله مطلقًا (٢)، بل لابدَّ فيه من التفصيل، وبيانِ صحيحه من معلوله، ووسيلته من غايته. فنقول ــ وبالله التوفيق، وهو الفتَّاح ــ: حقيقة الفناء المشار إليه هو استهلاك الشَّيء في الوجود العلميِّ الذهنيِّ، وهاهنا تَقَسَّمَه أهلُ الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد، فزعم أهلُ الاتِّحاد ــ القائلين بوحدة الوجود ــ أنَّ الفناء الذي هو غاية هو الفناء عن وجود السِّوى، فلا يثبت للسِّوى وجودٌ

стр. 2313

البتَّة، لا في الشُّهود ولا في العِيان، بل يتحقَّق بشهودِ (١) وحدة الوجود، فيعلم حينئذٍ أنَّ وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحقِّ، فما ثمَّ وجودان، بل الموجود واحد. وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عمَّا لا حقيقة له بل هو وهمٌ وخيال، فيفنى عمَّا هو فانٍ في نفسه لا وجودَ له، فيشهد فناء وجود كلِّ ما سواه في وجوده، وهذا تعبيرٌ محضٌ، وإلَّا في الحقيقة ليس عند القوم «سوى» ولا «غير»، وإنَّما السِّوى والغير في الوهم والخيال. فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون. وأمَّا أهلُ التوحيد والاستقامة، فيشيرون بالفناء إلى أمرين أحدُهما أرفع من الآخر: الأمر الأوَّل: في (٢) شهود الرُّبوبية والقَيُّومية، فيشهد تفرُّد الربِّ تعالى بالقَيُّوميَّة والتدبير، والخلق والرِّزق، والعطاء والمنع، والضُّرِّ والنّفع، وأنَّ جميع الموجودات منفعلةٌ لا فاعلةٌ، وما له منها فعلٌ فهو منفعلٌ في فعله، محلٌّ محضٌ لجريان أحكام الربوبيَّة عليه، لا يملك شيءٌ (٣) منها لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا. فإذا تحقَّق بهذا المشهد خمدت منه الخواطر والإرادات، نظرًا إلى القيُّوم الذي بيده تدبير الأمور، وشخوصًا منه إلى مشيئته وحكمه، فهو ناظرٌ منه به إليه، فانٍ بشهوده عن شهود ما سواه. ومع هذا فهو ساعٍ في طلب الوصول إليه، قائمًا بالواجبات والنوافل.

стр. 2314

الأمر الثاني: الفناء في مشهد الإلهيَّة، وحقيقته (١): الفناء عن إرادة ما سوى الله ومحبَّته، والإنابةِ إليه، والتوكُّلِ عليه، وخوفِه ورجائه؛ فيفنى بحبِّه عن حبِّ ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه. وحقيقة هذا الفناء: إفراد الربِّ سبحانه بالمحبَّة والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال. ونحن نشير إلى مبادئ ذلك وتوسُّطه وغايته: اعلم أنَّ القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلُّق بما فيها من مالٍ أو رياسةٍ أو صورة، وتعلَّقَ بالآخرة، والاهتمامِ بها من تحصيل العدَّة، والتَّأهُّبِ للقدوم على الله سبحانه= فذلك أوَّلُ فتوحه وتباشيرُ فجره، فعند ذلك يتحرَّك قلبُه لمعرفة ما يرضى ربُّه منه فيفعله ويتقرَّب به إليه، وما يسخطه منه فيجتنبه. وهذا عنوان صدق إرادته، فإنَّ كلَّ من أيقن بلقاء اللهِ وأنَّه سائلُه عن كلمتين يُسأل عنهما الأوَّلون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ = لابدَّ أن يتنبَّه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه، فإذا تمكَّن في ذلك فُتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات، فلا شيءَ أشوقُ إليه من ذلك، فإنَّها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته، وتسدُّ عليه الأبواب التي تفرِّق همَّه وتشتِّتُ قلبه، فيأنس بها ويستوحش من الخلق. ثمَّ يُفتح له حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها، ويجد فيها مِن اللذَّة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذَّة اللهو واللعب ونيل الشهوات، بحيث إذا دخل في الصلاة ودَّ أن لا يخرج منها (٢).

стр. 2315

ثمَّ يُفتح له حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه، وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبيُّ إذا أعطي ما هو شديد المحبَّة له. ثمَّ يُفتح له شهودُ عظمة المتكلِّم به وجلاله، وكمال نعوته وصفاته وحكمته، ومعاني خطابه، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتَّى يغيب فيه، ويحسُّ بقلبه قد دخل في عالمٍ آخر (١) غير (٢) ما الناس فيه. ثمَّ يُفتح له باب الحياء من الله، وهو أوَّل شواهد المعرفة. وهو نورٌ يقع في القلب، يريه ذلك (٣) النُّور أنَّه واقفٌ بين يدي ربِّه ، فيستحيي منه في خلواته وجلواته، ويُرزق عند ذلك دوامَ المراقبة للرقيب، ودوامَ التطلُّع إلى حضرة العليِّ الأعلى، حتَّى كأنَّه يراه ويشاهده فوقَ سماواته، مستويًا على عرشه (٤)، ناظرًا إلى خلقه، سامعًا لأصواتهم، مشاهدًا لبواطنهم. فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطَّى عليه كثيرًا من الهموم بالدُّنيا وما فيها، فهو في وجودٍ والناس في وجودٍ آخر، هو في وجودٍ بين يدي ربِّه ووليِّه، ناظرًا إليه بقلبه، والناس في حجاب عالم الشهادة في الدُّنيا، فهو يراهم وهم لا يرونه، ولا يرون منه إلَّا ما يناسب عالمهم ووجودهم.
следующие страницы →