فصل
قال (١): (الدرجة الثالثة: الفناء عن شهود الفناء، وهو الفناء حقًّا، شائمًا برقَ العين، راكبًا بحر الجمع، سالكًا سبيل البقاء).
الفرق بين الفناء في هذه الدرجة والتي قبلها أنَّه في التي قبلها قد فني عن شهود طلبه وعلمه وعيانه، مع شعوره بفنائه عن ذلك، وفي هذه الدرجة قد فني عن ذلك كلِّه، وفني عن شهود فنائه، كما يقال: آخر من يموت ملَكُ الموت (٢).
وإنَّما كان هذا الفناءُ عنده هو الفناءَ حقًّا لأنَّه قد فني فيه كلُّ ما سوى الحقِّ سبحانه، لأنَّ صاحبه الذي (٣) يشهد الفناء قد فني، فلم يبق سوى الواحد القهَّار.
وقوله: (شائمًا برق العين)، الشائم: الناظر من بعدٍ، وبرق العين: نور الحقيقة، وقد تقدَّم التنبيه على استحالة تعلُّق هذا بالنُّور الخارجيِّ، وإنَّما هو أنوار القرب والمراقبة والحضور مع الله.
وقوله: (راكبًا بحر الجمع)، الجمع الذي يشيرون إليه عبارةٌ عن
стр. 2312
شخوص البصيرة إلى مجرَّد مصدر المتفرِّقات كلِّها، كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى، وركوبُ لُجَّة هذا الجمع هو فناؤه فيه.
قوله: (سالكًا سبيل البقاء)، يعني: أنَّ من فني فقد تأهَّل للبقاء بالحقِّ، وهذا البقاء هو بعد الفناء، فإنَّه إذا تحقَّق بالفناء رُفع له عَلَم الحقيقة، فشمَّر إليه سالكًا في طريق البقاء، وهي القيام بالأورادِ وحفظُ الواردات، فحينئذٍ يرجى له الوصول.
فصل
لم يرد في الكتاب، ولا في السنَّة، ولا في كلام الصحابة والتابعين مدحُ لفظ الفناء ولا ذمُّه، ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشارِ إليه البتَّة، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدِّمون، ولا جعلوه غايةً ولا مقامًا، وقد كان القوم أحقَّ بكلِّ كمالٍ، وأسبقَ إلى كلِّ غايةٍ محمودةٍ.
ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقًا (١)، ولا نقبله مطلقًا (٢)، بل لابدَّ فيه من التفصيل، وبيانِ صحيحه من معلوله، ووسيلته من غايته.
فنقول ــ وبالله التوفيق، وهو الفتَّاح ــ: حقيقة الفناء المشار إليه هو استهلاك الشَّيء في الوجود العلميِّ الذهنيِّ، وهاهنا تَقَسَّمَه أهلُ الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد، فزعم أهلُ الاتِّحاد ــ القائلين بوحدة الوجود ــ أنَّ الفناء الذي هو غاية هو الفناء عن وجود السِّوى، فلا يثبت للسِّوى وجودٌ
стр. 2313
البتَّة، لا في الشُّهود ولا في العِيان، بل يتحقَّق بشهودِ (١) وحدة الوجود، فيعلم حينئذٍ أنَّ وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحقِّ، فما ثمَّ وجودان، بل الموجود واحد. وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عمَّا لا حقيقة له بل هو وهمٌ وخيال، فيفنى عمَّا هو فانٍ في نفسه لا وجودَ له، فيشهد فناء وجود كلِّ ما سواه في وجوده، وهذا تعبيرٌ محضٌ، وإلَّا في الحقيقة ليس عند القوم «سوى» ولا «غير»، وإنَّما السِّوى والغير في الوهم والخيال. فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون.
وأمَّا أهلُ التوحيد والاستقامة، فيشيرون بالفناء إلى أمرين أحدُهما أرفع من الآخر:
الأمر الأوَّل: في (٢) شهود الرُّبوبية والقَيُّومية، فيشهد تفرُّد الربِّ تعالى بالقَيُّوميَّة والتدبير، والخلق والرِّزق، والعطاء والمنع، والضُّرِّ والنّفع، وأنَّ جميع الموجودات منفعلةٌ لا فاعلةٌ، وما له منها فعلٌ فهو منفعلٌ في فعله، محلٌّ محضٌ لجريان أحكام الربوبيَّة عليه، لا يملك شيءٌ (٣) منها لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا.
فإذا تحقَّق بهذا المشهد خمدت منه الخواطر والإرادات، نظرًا إلى القيُّوم الذي بيده تدبير الأمور، وشخوصًا منه إلى مشيئته وحكمه، فهو ناظرٌ منه به إليه، فانٍ بشهوده عن شهود ما سواه. ومع هذا فهو ساعٍ في طلب الوصول إليه، قائمًا بالواجبات والنوافل.
стр. 2314
الأمر الثاني: الفناء في مشهد الإلهيَّة، وحقيقته (١): الفناء عن إرادة ما سوى الله ومحبَّته، والإنابةِ إليه، والتوكُّلِ عليه، وخوفِه ورجائه؛ فيفنى بحبِّه عن حبِّ ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه. وحقيقة هذا الفناء: إفراد الربِّ سبحانه بالمحبَّة والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال. ونحن نشير إلى مبادئ ذلك وتوسُّطه وغايته:
اعلم أنَّ القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلُّق بما فيها من مالٍ أو رياسةٍ أو صورة، وتعلَّقَ بالآخرة، والاهتمامِ بها من تحصيل العدَّة، والتَّأهُّبِ للقدوم على الله سبحانه= فذلك أوَّلُ فتوحه وتباشيرُ فجره، فعند ذلك يتحرَّك قلبُه لمعرفة ما يرضى ربُّه منه فيفعله ويتقرَّب به إليه، وما يسخطه منه فيجتنبه. وهذا عنوان صدق إرادته، فإنَّ كلَّ من أيقن بلقاء اللهِ وأنَّه سائلُه عن كلمتين يُسأل عنهما الأوَّلون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ = لابدَّ أن يتنبَّه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه، فإذا تمكَّن في ذلك فُتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات، فلا شيءَ أشوقُ إليه من ذلك، فإنَّها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته، وتسدُّ عليه الأبواب التي تفرِّق همَّه وتشتِّتُ قلبه، فيأنس بها ويستوحش من الخلق.
ثمَّ يُفتح له حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها، ويجد فيها مِن اللذَّة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذَّة اللهو واللعب ونيل الشهوات، بحيث إذا دخل في الصلاة ودَّ أن لا يخرج منها (٢).
стр. 2315
ثمَّ يُفتح له حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه، وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبيُّ إذا أعطي ما هو شديد المحبَّة له. ثمَّ يُفتح له شهودُ عظمة المتكلِّم به وجلاله، وكمال نعوته وصفاته وحكمته، ومعاني خطابه، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتَّى يغيب فيه، ويحسُّ بقلبه قد دخل في عالمٍ آخر (١) غير (٢) ما الناس فيه.
ثمَّ يُفتح له باب الحياء من الله، وهو أوَّل شواهد المعرفة. وهو نورٌ يقع في القلب، يريه ذلك (٣) النُّور أنَّه واقفٌ بين يدي ربِّه ، فيستحيي منه في خلواته وجلواته، ويُرزق عند ذلك دوامَ المراقبة للرقيب، ودوامَ التطلُّع إلى حضرة العليِّ الأعلى، حتَّى كأنَّه يراه ويشاهده فوقَ سماواته، مستويًا على عرشه (٤)، ناظرًا إلى خلقه، سامعًا لأصواتهم، مشاهدًا لبواطنهم. فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطَّى عليه كثيرًا من الهموم بالدُّنيا وما فيها، فهو في وجودٍ والناس في وجودٍ آخر، هو في وجودٍ بين يدي ربِّه ووليِّه، ناظرًا إليه بقلبه، والناس في حجاب عالم الشهادة في الدُّنيا، فهو يراهم وهم لا يرونه، ولا يرون منه إلَّا ما يناسب عالمهم ووجودهم.
стр. 2316
ثمّ يفتح له الشُّعور (١) بمشهد القيُّوميَّة، فيرى سائر التقلُّبات الكونيَّة وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده، فيَشهده مالكَ الضرِّ والنفع، والخلق والرِّزق، والإحياء والإماتة، فيتَّخذه وحده وكيلًا، ويرضى به ربًّا ومدبِّرًا وكافيًا. وعند ذلك إذا (٢) وقع نظرُه على شيءٍ من المخلوقات دلَّه على خالقه وبارئه، وصفاتِ كماله ونعوت جلاله، فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه، بل يناديه كلٌّ من المخلوقات بلسان حاله: اسمع شهادتي لمن أحسن كلَّ شيءٍ خَلَقه، فأنا صنع الله الذي أتقن كلَّ شيءٍ.
فإذا استمرَّ له ذلك فُتح عليه باب القبض والبسط، فيقبض عليه حتَّى (٣) يجد ألم القبض لقوَّة وارده، ثمَّ يفيض (٤) وعاؤه (٥) بأنوار الوجود، فيفنى عن وجوده، وينمحي كما يمحو نورُ الشمس نورَ الكواكب، ويطوي الكون عن قلبه بحيث لا يبقى فيه إلَّا الله الواحد القهَّار، وتفيض أنوار المعرفة والمعاملة والصِّدق والإخلاص والمحبَّة من قلبه، كما يفيض نور الشمس عن جرمها، فيغرق حينئذٍ في الأنوار كما يغرق راكب البحر في البحر. وذلك إنَّما يكون بعد (٦) الرِّياضة والمجاهدة، وزوالِ أحكام الطبيعة، وطولِ الوقوف في الباب.
стр. 2317
وهذا هو من علم اليقين، لا من عين اليقين، ولا من حقِّ اليقين، إذ لا سبيل إليهما في هذه الدار، فإنَّ عين اليقين مشاهدة، وحقَّ اليقين مباشرة. نعم، قد يكون حقُّ اليقين وعين اليقين في هذه الدُّنيا بالنِّسبة إلى الوجود الذِّهنيِّ وما يقوم بالقلوب فقط، ليس إلَّا، كما تقدَّم تقريره مرارًا. ونحن (١) لا تأخذنا في ذلك لومةُ لائمٍ، وهم لا تأخذهم في كون ذلك في العيان لومةُ لائمٍ، وهم عندنا صادقون ملبوسٌ عليهم، ونحن عندهم محجوبون عن ذلك غير واصلين إليه.
فإن استمرَّ على حاله واقفًا بباب مولاه، لا يلتفت عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا يجيب غير من يدعوه إليه، ويعلم أنَّ الأمر وراء ذلك، وأنَّه لم يصل بعد، ومتى توهَّم أنَّه قد وصل انقطع وانقطع عنه المزيد= رُجي أن يفتح له فتحٌ آخر، هو فوق ما كان فيه، فيستغرق قلبُه في أنوار مشاهد الجلال بعد ظهور أنوار الوجود الحقِّ، ومحوِ وجوده هو. ولا تتوهَّم أنَّ وجود ذاته وصفاته يبطل، بل الذي يبطل: وجوده النفسانيُّ الطَّبْعيُّ، ويبقى له وجودٌ قلبيٌّ روحانيٌّ ملكيٌّ، فيبقى قلبُه سابحًا في بحرٍ من أنوار آثار الجلال، فتنبع الأنوار من باطنه كنبع الماء من العين، حتَّى يجد الملكوت الأعلى كأنَّه في باطنه وقلبه، ويجدَ قلبه عاليًا على ذلك كلِّه، صاعدًا إلى مَن ليس فوقه شيء.
ثمَّ يرقِّيه الله سبحانه، فيُشهده أنوارَ الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال، فيستغرق في نورٍ مِن أشعَّة الجمال. وفي هذا المشهد يذوق المحبَّة الخاصَّة الملهبة للأرواح والقلوب، فيبقى القلب مأسورًا في يد حبيبه ووليِّه، ممتحنًا بحبِّه.
стр. 2318
وإن شئت أن تفهم ذلك تقريبًا، فانظر إليك ــ أو إلى غيرك ــ وقد امتُحنتَ بصورةٍ بديعة الجمال ظاهرًا وباطنًا، فملكَتْ عليك قلبك وفكرك، وليلك ونهارك؛ فيحصل له (١) نارٌ من المحبَّة تتضرَّم (٢) في أحشائه يقلُّ (٣) معها الاصطبار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فيا له مِن (٤) قلبٍ ممتحنٍ مغمورٍ مستغرقٍ بما ظهر له من أشعَّة أنوار الجمال الأحديِّ! والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصُّور والرِّياسة، معذَّبون بذلك قبل حصوله وحالَ حصوله وبعدَ حصوله، وأعلاهم مرتبةً من يكون مفتونًا بالحور العين، أو عاملًا على تمتُّعه في الجنَّة بالأكل والشُّرب واللِّباس والنِّكاح.
وهذا المحبُّ قد ترقَّى في درجات المحبَّة على أهل المقامات، ينظرون إليه في الجنَّة كما يُنظر إلى الكوكب الدُّرِّيِّ الغابر في الأفق لعلوِّ درجته وقربِ منزلته من حبيبه ومعيَّته معه، فإنَّ المرء مع من أحبَّ، ولكلِّ عملٍ جزاءٌ وجزاءُ المحبَّة: المحبَّةُ والوصولُ والاصطناع والقرب، فهذا هو الذي يصلح، وكفى بذلك شرفًا وفخرًا في عاجل الدُّنيا، فما ظنُّك بمقاماتهم العالية عند مليكٍ مقتدرٍ؟ كيف إذا رأيتهم في موقف القيامة، وقد أسمعهم المنادي: لينطلق كلُّ قومٍ مع ما كانوا يعبدون، فيبقَون في مكانهم ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحبُّ شيءٍ
стр. 2319
إليهم، حتَّى يأتيهم فينظرون إليه، ويتجلَّى لهم ضاحكًا (١).
والمقصود: أنَّ هذا العبد لا يزال اللهُ يرقِّيه طبقًا بعد طبقٍ، ومنزلًا بعد منزلٍ، إلى أن يوصله إليه ويمكِّن له بين يديه، أو يموتَ في الطريق فيقع أجرُه على الله. فالسعيد كلُّ السعيد، الموفَّقُ (٢) كلَّ التوفيق (٣) مَن لم يلتفت عن ربِّه ﵎ يمينًا ولا شمالًا، ولا اتَّخذ سواه ربًّا ولا وكيلًا، ولا حبيبًا ولا مدبِّرًا، ولا حكمًا ولا ناصرًا ولا رازقًا.
وجميع ما تقدَّم من مراتب الوصول إنَّما هو شواهدُ وأمثلة، إذا تجلَّت له الحقائق في الغيب ــ بحسب استعداده ولطفه ورقَّته ــ من حيث لا يراها= ظهر له من تجلِّيها شاهدٌ في قلبه، وذلك الشّاهد دالٌّ عليها ليس هو عينَها، فإنَّ نور الجلال في القلب ليس هو نور ذي الجلال في الخارج، فإنَّ ذلك لا تقوم له السماوات والأرض، ولو ظهر للوجود لتَدَكْدَك، لكنَّه شاهدٌ دالٌّ على ذلك، كما أنَّ المثل الأعلى شاهدٌ دالٌّ على الذات، والحقُّ وراء ذلك كلِّه، منزَّهٌ عن حلولٍ واتِّحادٍ وممازجةٍ لخلقه. وإنَّما تلك رقائق وشواهد تقوم بقلب العارف، تدلُّ على قرب الألطاف منه في عالم الغيب حيث لا يراها. وإذا فني فإنَّما يفنى بحال نفسه لا بالله ولا فيه، وإذا بقي فإنَّما يبقى بحاله هو ووصفه، لا ببقاء ربِّه وصفاته، ولا يبقى بالله إلَّا الله.
ومع ذلك فالوصول حقٌّ، يجد الواصل آثار تجلِّي الصِّفات في قلبه، وآثار تجلِّي الحقِّ في قلبه، ويُوقَف القلب فوق الأكوان كلِّها بين يدي الربِّ تعالى،
стр. 2320
وهو على عرشه (١)، ومن هناك يكاشَف بآثار الجلال والإكرام، فيجد العرش والكرسيَّ تحت مشهدِ قلبه حُكمًا، وليس الذي يجده تحت قلبه حقيقةً العرشَ والكرسيَّ، بل شاهدٌ ومثالٌ علميٌّ يدلُّ على قرب قلبه من ربِّه، وقرب ربِّه من قلبه؛ وبين الذَّوقين تفاوتٌ، فإذا قَرُب الربُّ تعالى من قلب عبده بقيت الأكوان كلُّها تحت مشهد قلبه، وحينئذٍ فتَطْلُع في أفقه شمسُ التوحيد، فينقطع بها ضبابُ وجوده ويضمحلُّ ويتلاشى، وذاتُه وحقيقته موجودةٌ بائنةٌ عن ربِّه، وربُّه بائنٌ عنه، فحينئذٍ يغيب العبد عن نفسه ويفنى، وفي الحقيقة هو باقٍ غيرُ فانٍ، ولكنَّه ليس في سرِّه غير الله، قد فني فيه كلُّ ما سواه.
نعم، قد يتَّفق له في هذه الحالة أن لا يجد شيئًا غير الله، فذلك لاستغراق قلبه في مشهوده وموجوده، ولو كان ذلك في نفس الأمر لكان العبد في هذه الحال خالقًا بارئًا مصوِّرًا أزليًّا أبديًّا.
فعليك بهذا الفرقان، واحذر فريقين هما أعدى عدوٍّ لهذا الشأن:
فريق الجهميَّة المعطِّلة التي ليس عندها فوق العرش إلَّا العدم المحض، فشمُّ رائحة هذا المقام من أبعد الأمكنة حرامٌ عليها.
وفريق أهل الاتِّحاد (٢) القائلين بوحدة الوجود، وأنَّ العبد ينتهي في هذا السفر إلى أن يشهد وجوده هو عينَ وجودِ الحقِّ ﷻ . وعيشُك بجهلك خيرٌ من معرفة هاتين الطائفتين، وانقطاعُك مع أهل الشهوات خيرٌ من سيرك معهما، والله المستعان وعليه التُّكلان.
стр. 2321
فصل
قال الشّيخ (١): (باب البقاء. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣]).
البقاء الذي يشير إليه القوم: هو صفة العبد ومقامه، والبقاء في الآية: هو بقاء الرّبِّ تعالى ودوام وجوده، وإنّما ذكره مؤمنو السَّحَرة في هذا المكان لأنّ عدوّ الله فرعون توعَّدهم على الإيمان بإتلاف حياتهم وإفناء ذواتهم، فقالوا له: وإن فعلتَ ذلك، فالّذي آمنّا به وانتقلنا من عبوديّتك إلى عبوديّته، ومن طلبِ رضاك والمنزلةِ (٢) عندك إلى طلب رضاه والمنزلة عنده= خيرٌ منك وأدومُ، وعذابك ونعيمك ينقطع ويفرغ، وعذابه هو ونعيمه وكرامته لا ينقطع ولا يبيد، فكيف نُؤثِر المنقطع الفاني الأدنى على الباقي المستمرِّ الأعلى؟
ولكن وجه الإشارة بالآية أنّ الوسائل والتّعلُّقات والمحبّة والإرادة تابعةٌ لغاياتها ومحبوبها ومرادها، فمن كانت غاية محبّته وإرادته منقطعةً انقطع تعلُّقه عند انقطاعها، وذهب عمله وسعيه واضمحلّ. ومن كان مطلوبه وغايته باقيًا دائمًا لا زوالَ له ولا فناء، ولا يضمحلُّ ولا يتلاشى (٣) = دام تعلُّقه ونعيمه به بدوامه. فالوسائل تابعةٌ للغايات، والتّعلُّقات تابعةٌ لمتعلَّقاتها، والمحبّة تابعةٌ للمحبوب، فليس المحبوب الذي يتلاشى ويضمحلُّ ويفنى كالمحبوب الذي كلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه، فالمحبُّ باقٍ
стр. 2322
ببقاء محبوبه، يَشْرُف بشرفه، ويعظُم خطَرُه بحسب محبوبه، ويستغني بغناه، ويقوى بقوّته، ويعزُّ بعزّته، ويعظُم شأنه في النُّفوس بخدمته وإرادته ومحبّته. تالله لولا حجاب الغفلة والعوائد والهوى والمخالفات لذاقَ القلب أعظمَ الألم بتعلُّقه بغير الحبيب الأوّل، وذاقَ أعظم اللّذّة والسُّرور بتعلُّقه به، فالله المستعان.
فصل
قال الشّيخ (١): (البقاء: اسمٌ لما بقي قائمًا بعد فناء الشواهد وسقوطها).
في هذه العبارة تسامحٌ، وأرباب هذا الشأن هِمَمُهم المعاني، فهم يُسامحون في العبارات ما لا يسامح فيه غيرهم.
فالبقاء: هو الدّوام واستمرار الوجود، وهو نوعان: مقيّدٌ ومطلقٌ، فالمقيّد: البقاء إلى مدّةٍ، والمطلق: الدائم المستمرُّ لا إلى غايةٍ.
والبقاء أوضحُ من هذا الحدِّ الذي ذكره، ولكن لمَّا كان مراده البقاء الذي هو صفة العبد ومقامه، قال: (هو اسمٌ لما بقي بعد فناء الشواهد)، وهذا عامٌّ في سائر أنواع ما بقي العبد متَّصفًا به بعد فناء الأدلَّة والآثار التي دلَّتْه على الحقيقة.
و «الشّواهد» عنده هي الرُّسوم كلُّها، وربّما يراد بها معالم الشُّهود (٢)، وهو الذي عناه فيما تقدّم، فإذا جعلت الشّواهد هاهنا معالم الشُّهود كان المعنى: أنّ المعالم تُوصِل إلى الشُّهود، ويبقى الشُّهود قائمًا بعد فناء معالمه.
стр. 2323
وحقيقة الأمر (١) أنّ الحقّ سبحانه يُفنيهم عمّا سواه ويُبقيهم به، وما سواه هو المعالم والرُّسوم.
قال (٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ: بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينًا (٣) لا علمًا، وبقاء المشهود بعد سقوط الشُّهود وجودًا لا نعتًا، وبقاء ما لم يزل حقًّا بإسقاط ما لم يكن مَحْوًا).
قلت: أمَّا بقاء المعلوم بعد سقوط العلم، فقد يظهر في بادئ الأمر امتناعه، إذ كونه معلومًا ــ مع سقوط العلم به ــ جمعٌ بين النقيضين، فكأنّه معلومٌ غير معلومٍ، فإنّ المعلوم لا يكون معلومًا إلّا بالعلم، فكيف يكون معلومًا مع سقوطه؟
وجواب هذا أنَّ هاهنا أمرين:
أحدهما: وجود صورة المعلوم في قلب العالم، وإدراكه لها، وشعوره بها.
والثاني: علمه بعلمه وشعوره، وهو أمرٌ وراء حضور تلك الصُّورة. وهذا في سائر المدارك، فقد يرى الرّائي الشيء ويسمعه ويَشَمُّه، ويغيب عن علمه وشعورِه بصفة نفسه التي هي إدراكه، فيغيب بمدركه عن إدراكه، وبمعلومه عن علمه به، وبمرئيِّه عن رؤيته.
فإن قلت: أوضِحْ لي هذا لينجلي فهمه.
стр. 2324
فاعلم أنّ هاهنا مُدْرَكًا معلومًا، وقوَّةً مُدرِكةً له إذا تعلَّقتْ به صار معلومًا مُدْرَكًا، فيتولَّد من بين الأمرين حالةٌ ثالثةٌ، تُسمّى الشُّعور والعلم والإدراك.
مثال ذلك: ما يدركه بحاسّة الذوق والشمِّ، فإنّه لابدَّ من وجود المُدْرَك المَذُوق المشموم، ولابدَّ من قوَّةٍ في الآلة والمحلِّ المخصوص تقابل المدرَك وتتعلَّق به، فيتولّد من بين الأمرين كيفيّة الشمِّ والذوق. وكذلك في الملموس والمسموع والمرئيِّ، فتمام الإدراك أن يحيط علمًا بهذه الأمور الثلاثة، فيشعُر بالمُدْرَك وبالقوَّة المدرِكة وبحالة الإدراك، فإذا استغرق القلب في شهود المعلوم غاب به عن شهود القوَّة التي بها يعلم وعن حالة العلم.
ومثَّل هذا برجلٍ أدرك بلمسه ما التذّ به أعظمَ لذّةٍ حصلت له، فاستغرقته تلك اللذَّة عمَّا سواها، فأسقطتْ شعورَه بها دون وجودها، ولهذا قال الشيخ: (بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينًا لا علمًا)، فعينًا حالٌ من البقاء لا من السُّقوط، أي بقاؤه وجودًا لا نعتًا، فإنّه في مرتبة العلم باقٍ نعتًا ووصفًا، وفي هذه المرتبة باقٍ وجودًا وعينًا لا علمًا مجرَّدًا.
وهذا وجهٌ ثانٍ في كلامه أنّه يبقى وجوده وعينه لا مجرّد العلم به، فالعلم به لم يُعدَم، ولكن انتقل العبد من وجود العلم إلى وجود المعلوم.
وكذلك قوله في الدرجة الثانية: (وبقاء المشهود بعد سقوط الشُّهود وجودًا لا نعتًا)، الشُّهود فوق العلم لأنّه علم عيانٍ، فينتقل من مجرّد الشُّهود إلى الوجود، فيبقى المشهود موجودًا له بعد أن كان مشهودًا، ومرتبة الوجود فوق مرتبة الشُّهود، فإنّ الوجود حصولٌ ذاتيٌّ، والشُّهود حصولٌ علميٌّ وإن كان فوق العلم.
стр. 2325
وقوله في الدرجة الثالثة: (وبقاء ما لم يزلْ حقًّا بإسقاط ما لم يكن مَحْوًا)، أي يغلب على القلب سلطانُ الحقيقة ونورُ الجمع، حتَّى ينطمس من قلبه أثرُ المخلوقات كما ينطمس نور الكواكب بطلوع الشمس، ويبقى فيه تعظيمُ من لم يزل وذكره وحبُّه، والاشتغال به لا بغيره.
فالدرجة الأولى: بقاءٌ في مرتبة العلم، والثانية: بقاءٌ في مرتبة الشُّهود، والثالثة: بقاءٌ في مرتبة الوجود، فهذا وجهٌ.
ويمكن شرح كلامه على وجهٍ آخر، وهو: أنّ المعلوم يسقط شهود العلم، فالعلم يسقط والمعلوم يثبت، فالعبد إذا بقي بعد الفناء سقط علمه في مشهد عيانه بحيث تبقى مرتبة العلم عيانًا، فيسقط العلم بالعيان بحيث يصير عينًا لا علمًا، فإذا نظرتَ إلى العلم باعتبار العين ــ وهي حضرة الجمع ــ سقط العلم، وإذا نظرتَ إليه باعتبار الفرق (١) لم يسقط، فسقوطه في حضرة الجمع، وثبوته في مقام الفرق.
وقوله: (وبقاء المشهود بعد سقوط الشُّهود وجودًا) يعني: بقاء الحقِّ الذي هو المشهود بعد سقوط الشُّهود الذي هو المخلوق، فإنَّ المشهود صفة المشاهِد (٢)، والمشاهِد (٣) وصفاته مخلوقٌ، ومشهوده سبحانه غير مخلوقٍ، كما أنّ علمه وذكره ومعرفته مخلوقةٌ، والمعلوم المذكور المعروف سبحانه غير مخلوقٍ، وإذا كان الموصوف قد فني فصفاته تابعةٌ له في الفناء، فيفنى شهوده ويبقى مشهوده.
стр. 2326
وقوله: (وجودًا لا نعتًا)، أي سقط وجود شهوده، لا نعتُه والإخبار عنه (١).
وقوله: (وبقاء ما لم يزل حقًّا بإسقاط ما لم يكن مَحْوًا) يوضِّح المراد من الدرجتين اللَّتين قبله، ومعناه: بقاء الحقِّ وفناء المخلوق، والحقُّ سبحانه لم يزلْ باقيًا، فلم يتجدّد له البقاء، والفناء المتعلِّق بالمخلوق هو فناؤهم في شهود المشاهد، ومحْوُ رسومهم من قلبه بالكلِّيّة، لا فناؤهم في الخارج.
وحاصل ذلك: أن تفنى من قلبك إرادةُ السِّوى وشهودُه والالتفاتُ إليه، وتَبقى فيه إرادةُ الحقِّ وحدَه وشهودُه، والالتفاتُ بالكلِّيّة إليه، والإقبالُ بجمعيَّتك عليه. فحولَ هذا يُدندِن العارفون، وإليه شَمَّر السّالكون، وإن وسَّعوا له العبارات، وصرَّفوا له القول، والله أعلم.
* * * *
стр. 2327
فصل
قال (١): (باب التحقيق. قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. التحقيق: تلخيص مصحوبك (٢) من الحقِّ، ثمّ بالحقِّ، ثمّ في الحقِّ، وهذه أسماء درجاته الثلاث).
وجه تعلُّقه بإشارة الآية: أنَّ إبراهيم ﷺ طلب الانتقال من الإيمان بالعلم بإحياء الله الموتى إلى رؤية تحقيقه عيانًا، فطلب ــ بعد حصول العلم الذِّهنيِّ ــ تحقيقَ الوجود الخارجيِّ، فإنَّ ذلك أبلغُ في طمأنينة القلب. ولمّا كان بين العلم والعيان منزلةٌ أخرى قال النبيُّ ﷺ : «نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]» (٣). وإبراهيم لم يشكَّ، ورسول الله ﷺ لم يشكَّ، ولكن أوقع اسم «الشّكِّ» على المرتبة العلميَّة باعتبار التفاوت الذي بينها وبين مرتبة العيان في الخارج.
وباعتبار هذه المرتبة يسمَّى العلم اليقينيُّ (٤) ــ قبل مشاهدة معلومه ــ ظنًّا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وهذا الظّنُّ علمٌ جازمٌ، كما قال تعالى: ﴿اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
стр. 2328
لكن بين الخبر والعيان فرقٌ. وفي «المسند» (١) مرفوعًا: «ليس المُخْبَر كالمعاين». ولهذا لمَّا أخبر الله موسى أنَّه قد فَتَن قومَه وأنَّ السامريَّ أضلَّهم، لم يحصل له من الغضب والكيفيّة وإلقاء الألواح ما حصل له عند مشاهدة ذلك.
إذا عُرِف (٢) هذا فقوله: (التحقيق: تلخيص مصحوبك من الحقِّ) , هاهنا أربعة ألفاظٍ بتفسيرها يُفهَم مراده إن شاء الله.
أحدها: لفظ «التحقيق»، وهو تفعيلٌ من حقَّق الشّيء يحقِّقه تحقيقًا، فهو مصدرٌ فعلُه حقَّق الشّيء، أي أثبته وخلَّصه من غيره.
الثّانية: لفظ «التلخيص»، ومعناها: تخليص الشّيء من غيره، فخلَّصه ولخَّصه يشتركان لفظًا ومعنًى، وإن كان «التّلخيص» أغلب على ما في الذِّهن, والتّخليص أغلب على ما في الخارج. فالتلخيص: تخليص الشّيء في الذِّهن بحيث لا يدخل فيه غيره، والتخليص: إفراده في الخارج عن غيره.
الثّالثة: «المصحوب»، وهو ما يصحب الإنسان في قصده ومعرفته من معلومٍ ومرادٍ.
الرّابعة: «الحقُّ»، وهو الله سبحانه، وما كان مُوصِلًا إليه مُدْنِيًا للعبد من رضاه.
стр. 2329
إذا عُرِف هذا، فالمصحوب للعبد من الحقِّ هو معرفته ومحبّته وإرادة وجهه، وما يستعين به على الوصول إليه، وما هو محتاجٌ إليه في سلوكه. فتحقيق ذلك هو تخليصه من المُفسِدات القاطعة عنه، الحائلة بين القلب وبين الوصول إليه، وتحصينه من المخالطات، وتجريده من المُشَوِّشات، فإنَّ تلك قواطعُ له عن مصحوبه الحقِّ، وهي نوعان لا ثالث لهما: عوارضُ محبوبةٌ، وعوارضُ مكروهةٌ.
فصاحبُ مقامِ التحقيق لا يقف مع العوارض المحبوبة، فإنّها تقطعه عن مصحوبه ومطلوبه، ولا مع العوارض المكروهة، فإنّها قواطعُ أيضًا، ويتغافل عنها ما أمكنه، فإنّها تمرُّ بالمكاسرة والتغافل مرًّا سريعًا، ولا يوسِّع دوائرها، فإنّه كلمّا وسَّعها اتَّسعَتْ، ووجدت مجالًا فسيحًا فصالَتْ فيه وجالَتْ، ولو ضيَّقَها بالإعراض والتّغافل لاضمحلَّتْ وتلاشَتْ. فصاحبُ مقام التّحقيق ينساها وَيطمِسُ آثارها، ويعلم أنّها جاءت بحكم المقادير في دار المِحَن والآفات.
قال لي شيخ الإسلام مرَّةً: العوارض والمِحَن هي كالحرِّ والبرد، فإذا علم العبد أنّه لابدَّ منهما لم يغضَبْ لورودهما، ولم يغتمَّ لذلك ولم يحزن (١) له.
فإذا صبر العبد على هذه العوارض ولم ينقطع بها رُجِيَ له أن يصل إلى مقام التحقيق، فيبقى مع مصحوبه الحقِّ وحده، فتتهذَّب نفسُه، وتطمئنُّ مع
стр. 2330
الله، وتنفطم عن عوائد السُّوء، حتّى تَغْمُر (١) محبّة الله قلبَه وروحَه، وتتعوَّد جوارحه متابعةَ الأوامر، فيحسُّ حينئذٍ قلبه بأثر معيّة الله معه وتولِّيه له، فيبقى في حركاته وسكناته بالله لا بنفسه، وترِدُ على قلبه التعريفات الإلهيّة، وذلك إنّما يكون في منزل (٢) البقاء بعد الفناء، والظّفر بالمحبّة الخاصّة، ومشهدِ الإلهيّة والقيُّوميّة والفردانيّة، فإنَّ على هذه المشاهد الثّلاث مدارَ المعرفة والوصول.
والمقصود: أنَّ صاحب مقام «التحقيق» يعرف الحقّ، ويُميِّز بينه وبين الباطل، فيتمسَّك بالحقِّ ويُلغِي الباطل، فهذه رتبةٌ. ثمّ يتبيَّن له أنَّ ذلك ليس به، بل بالله وحده؛ فيتبرأ حينئذٍ من حوله وقوّته، ويعلم أنّ ذلك بالحقِّ. ثمّ يتمكّن في ذلك المقام، ويرسخ فيه قلبه، فيصير تحقيقه بالله وفي الله.
ففي الأوّل: تخلَّص له مطلوبه من غيره، وتجرَّد له من سواه.
وفي الثّاني: تخلَّص له إضافتُه إلى غيره، وأن يكون بسواه سبحانه.
وفي الثّالث: تجرَّد له شهوده وقصودُه وإرادته، بحيث صارت في مطلوبه.
فالأوّل: سفرٌ إلى الله، والثاني: سفرٌ بالله، والثالث: سفرٌ في الله.
وإن أشكل عليك معنى السفر فيه والفرق بينه وبين السفر إليه= ففرِّقْ بين حال العابد الزاهد السائر إلى الله ولم يُفتَح له في الأسماء والصِّفات والمعرفة الخاصّة والمحبة الخاصّة، وبين حال العارف الذي قد كُشِف له
стр. 2331
من معرفة الأسماء والصِّفات والفقه فيها ما حُجِب عن غيره.
قوله (١): (أمّا الدّرجة الأولى ــ وهي تلخيص مصحوبك من الحقِّ ــ: فأن لا يخالج علمُك علمَه).
يعني: أنّك كنتَ تنسبُ العلمَ إلى نفسك قبل وصولك إلى مقام التّحقيق، ففي حالة التّحقيق تعود فتنسبُه إلى معلِّمه ومعطيه الحقِّ. ولعلّ هذا معنى قول الرُّسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ إذا جمعهم الرّبُّ تعالى وقال: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]. قيل: قالوه تأدبًا معه سبحانه، إذ ردُّوا العلم إليه. وقيل: معناه لا علم لنا بحقيقة الباطن، وإنّما أجابنا من أجابنا ظاهرًا، والباطن غيبٌ، وأنت علّام الغيوب.
والتّحقيق ــ إن شاء الله ــ: أنّ علومهم تلاشَتْ في علمه سبحانه واضمحلَّتْ، فكانت بالنِّسبة إليه كلا علمٍ، فردُّوا العلم كلَّه إلى وليِّه وأهله ومن هو أولى به، فعلومهم وعلوم الخلائق جميعهم في جنب علمه كنَقْرة عصفورٍ من بحار العالم.
و «المخالجة» المنازعة.
قوله (٢): (وأمّا الدّرجة الثّانية: فأن لا يُنازِع شهودُك شهودَه).
هذا قريبٌ من المعنى الأوّل، والمعنى: أنّ الشُّهود الذي كنت تنسبُه إلى نفسك قبل الفناء تصير بعدَه تنسبُه إليه تعالى، لا إليك.
стр. 2332
قوله (١): (الدّرجة الثّالثة: أن لا يُناسِمَ رسمُك سبْقَه) .
الرّسم هو الشخص عندهم، وهو محدثٌ مخلوقٌ، والرّبُّ تعالى هو القديم الخالق، فإذا تحقَّق العبد بالحقيقة شهد الحقَّ وحده منفردًا عن خلقه، فلم يُناسِم رسمُه سبْقَ الحقِّ وأوّليّته. والمناسمة كالمُشَامَّة، يقال: ناسَمَه، أي شَامَّه، فاستعار الشّيخ اللّفظة لأدنى المقاربة والملابسة، أي لا يداني رسمُك سبْقَه، ولو بأدنى مناسمةٍ، بل تشهد الحقَّ وحدَه منفردًا عن كلِّ ما سواه.
وهم يشيرون بذلك إلى أمرٍ، وهو أنّ الله سبحانه كان ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان.
فأمَّا اللّفظ الأوَّل وهو «كان الله ولا شيء معه» فهذا قد رُوي في «الصحيح» (٢) في بعض ألفاظ حديث عمران بن حصينٍ، وإن كان اللفظ الثابت: «كان الله ولم يكن شيءٌ قبله» (٣)، وهو المطابق لقوله في الحديث الآخر الصحيح: «أنت الأوّل فليس قبلك شيءٌ» (٤)، ولم يقل: فليس معك شيءٌ.
وأمّا قوله: «وهو الآن على ما عليه كان» فزيادةٌ في الحديث ليست منه، بل زادها بعض المتحذلقين، وهي باطلةٌ قطعًا (٥)، فإنّ الله مع خلقه بالعلم
стр. 2333
والتدبير والقدرة، ومع أوليائه بالحفظ والكلاءة والنُّصرة، وهم معه بالموافقة والمحبّة، وصارت هذه اللّفظة مِجَنًّا وتُرْسًا للملاحدة من الاتِّحاديّة، فقالوا: إنّه لا وجودَ سوى وجوده أزلًا وأبدًا وحالًا، فليس في الوجود إلّا الله وحده، وكلُّ ما تراه وتلمسه وتذوقه وتشمُّه وتباشره فهو حقيقةً الله.
وأمَّا أهل التوحيد فقد يُطلقون هذه اللفظة ويريدون بها معنًى صحيحًا، وهو أنّ الله سبحانه لم يزل منفردًا بنفسه عن خلقه، ليس مخالطًا لهم، ولا حالًّا فيهم، ولا مُمازِجًا لهم، بل هو بائنٌ عنهم بذاته وصفاته.
وأمَّا الشيخ وأرباب الفناء فقد يَعنُون معنًى أخصَّ من ذلك، وهو المشار إليه بقوله: (أن لا يُناسِمَ رسمُك سبْقَه)، أي لا ترى أنّك معه بل تراه وحده، ولهذا قال (١): (فتسقطُ الشّهادات، وتبطُلُ العبارات، وتَفنى الإشارات)، يعني: أنّك إذا لم تشهد معه غيره، وأسقطتَ الغير من الشُّهود لا من الوجود، بخلاف ما يقول الملحد الاتِّحاديُّ: إنّك تُسقِط الغيرَ شهودًا ووجودًا= سقطت الشهاداتُ والعبارات والإشارات؛ لأنّها صفات العبد المُحدَث المخلوق، والفناءُ يوجب إسقاطها.
والمعنى: أنَّ الواصل إلى هذا المقام لا يرى مع الحقِّ سواه، فيمحو السِّوى في شهوده. وعند الملحد يمحوه من الوجود. والله الموفِّق.
* * * *
стр. 2334
فصل
قال (١): (باب التلبيس. قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]).
ليته ﵀ لم يستشهد بهذه الآية في هذا الباب، فإنّ الاستشهاد بها على مقصوده أبعدُ شاهدٍ عليه، وأبطلُه شهادةً. وليتَه لم يُسمِّ هذا الباب بالتّلبيس، واختار له اسمًا أحسنَ منه موقعًا (٢).
فأمّا الآية: فإنّ معناها غير ما عقد له الباب من كلِّ وجهٍ، فإنّ المشركين قالوا تعنُّتًا في كفرهم: ﴿(٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ٨]، يَعْنُون: ملَكًا نشاهده ونراه، نشهد له ونصدِّقه، وإلّا فالملك كان ينزل عليه بالوحي من الله. فأجاب الله تعالى عن هذا، وبيَّن الحكمة في عدم إنزال الملك على الوجه الذي اقترحوه بأنّه لو أنزل ملَكًا كما اقترحوا، ولم يؤمنوا به ويصدِّقوه= لعُوجِلوا بالعذاب، كما استمرَّتْ به سنَّته تعالى مع الكفار في آيات الاقتراح إذا جاءتهم ولم يؤمنوا، فقال: ﴿مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ﴾ [الأنعام: ٨]. ثمّ بيّن سبحانه أنّه لو أنزل ملكًا كما اقترحوا لما حصل به مقصودُهم؛ لأنّه إن أنزله في صورته لم يَقدِروا على التلقِّي عنه، إذ البشر لا يقدر على مخاطبة الملك ومباشرته. وقد كان رسول الله ﷺ ــ وهو أقوى الخلق ــ إذا نزل عليه الملَكُ كرب لذلك، وأخذتْه البُرَحَاء، وتحدّر منه العَرَق في اليوم الشّاتي. وإن
стр. 2335
جعله في صورة رجلٍ حصل لهم لبسٌ؛ هل هو ملكٌ أم رجلٌ؟ فقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي في صورة رجلٍ ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾ في هذه الحال ﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] على أنفسهم حينئذٍ، فإنّهم يقولون إذا رأوا الملَكَ في صورة الإنسان: هذا إنسانٌ، وليس بملكٍ. فهذا معنى الآية، فأين تجده ممّا عُقِد له الباب؟
فصل
قال (١): (التلبيس: توريةٌ بشاهدٍ معارٍ عن موجودٍ قائمٍ).
لمَّا كانت التَّورية إظهار خلاف المراد، بأن يذكر شيئًا يُوهِم أنّه مراده، وليس هو بمراده، بل وَرَّى بالمذكور عن المراد= فسَّر التلبيس بها، وفي الحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد غزوةً وَرَّى بغيرها» (٢). مثاله: أن يريد غزو خيبر فيقول للنّاس: كيف بطريقِ (٣) نجدٍ وما بها من المياه؟ ونحو ذلك.
فهاهنا شيئان: أمر سَتَره المورِّي الملبِّس، وأمر ستر به ما ورّى عنه، فأشار المصنِّف إلى الأمرين بقوله: (تورية بشاهدٍ معارٍ عن موجودٍ قائمٍ). فأمّا التّورية فقد عرفتها، وأمّا الشاهد فهو الذي تُورِّي به عن مرادك وتستشهد به، والشاهد المعار هو الذي استُعِير لغيره ليشهد له، فهو شاهدٌ استعير لمشهودٍ قائمٍ. فالتورية: أن تذكر ما يحتمل معنيين، ومقصودك خلاف الذي
стр. 2336
يظهر منهما. والتلبيس: يُشبِه التَّعمية والتخليط، ومنه (١) قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢].
فصل
قال الشّيخ (٢): (وهو اسمٌ لثلاث معانٍ، أوّلها: تلبيس الحقِّ بالكون على أهل التّفرقة، وهو تعليقه الكوائنَ بالأسبابِ والأماكنِ والأحايينِ، وتعليقه المعارفَ بالوسائط، والقضايا بالحجج، والأحكام بالعلل، والانتقام بالجنايات، والمثوبة بالطاعات، وأخفى الرِّضا والسُّخط اللَّذَين يوجبان الفصل والوصل، ويُظهِران السعادة والشقاوة).
شيخ الإسلام ﵀ حبيبنا، والحقُّ أحبُّ إلينا منه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: عمله خيرٌ من علمه. وصدق ﵀، فسيرته في الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر وجهادِ أهل البدع لا يُشَقُّ له فيها غبارٌ، وله المقامات المشهورة في نَصْر الله ورسوله، وأبى الله أن يكسوَ ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. وأخطأ ﵀ في هذا الباب لفظًا ومعنًى.
أمّا اللفظة: فتسميتُه فعْلَ الله الذي هو حقٌّ وصوابٌ وحكمةٌ، وحكْمَه الذي هو عدلٌ وإحسانٌ، وأمْرَه الذي هو دينه وشرعه= «تلبيسًا». فمعاذَ الله ثمَّ معاذ الله من هذه التسمية! ومعاذَ الله من الرِّضا بها، والإقرار عليها، والذبِّ عنها، والانتصار لها. ونحن نشهد بالله أن هذا تلبيسٌ على شيخ الإسلام،
стр. 2337
فالتلبيس وقع عليه، ولا نقول: وقع منه، ولكنّه صادقٌ لُبِّس عليه، ولعلّ متعصِّبًا له يقول: أنتم لا تفهمون كلامه! فنحن نُبيِّن مراده على وجهه إن شاء الله، ثمّ نتبع ذلك بما له وعليه.
فقوله: (أوّلها: تلبيس الحقِّ بالكون على أهل التّفرقة)، الحقُّ هاهنا المراد به الربُّ تعالى، والكون اسمٌ لكلِّ ما سواه، وأهل التفرقة ضدُّ أهل الجمع، وسيأتي معنى الجمع عنده بعد هذا إن شاء الله، فأهل التفرقة الذين لم يصلوا إلى مقام الجمع. وأهل التفرقة عنده لُبِّس عليهم الحقُّ بالباطل، فإنّهم لُبِّس عليهم الحقُّ بالكون وهو باطل، وكلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلٌ، وأهل التفرقة عنده هم الذين غلب عليهم النظر إلى الأسباب حتّى غفلوا عن المسبِّب، ووقفوا معها دونه. و «التلبيس» فعلٌ من أفعال الربِّ تعالى، وهو سبحانه يُضِلُّ من يشاء ويهدي من يشاء، ولذلك استدلَّ على هذا المعنى بالآية، وهي قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] ليعرِّفك أنّ هذا الفعل لا يمتنع نسبته إلى الله كما لا يمتنع نسبة الإضلال إليه.
ووجه هذا التلبيس: أنّه سبحانه أضاف الأفعال الصادرة عن محض قدرته ومشيئته إلى أسبابٍ وأزمنةٍ وأمكنةٍ، فلبَّسَ الحقُّ سبحانه على أهل التفرقة حيث علَّق الكوائنَ ــ وهي الأفعال ــ بالأسباب، فنسَبَها أهل التفرقة إلى أسبابها، وعَمُوا عن رؤية الحقِّ سبحانه، ففي الحقيقة لا فعلَ إلَّا لله. وأهل التفرقة يجهلون ذلك، ويقولون: فعل فلانٌ، وفعل الماء، وفعل الهواء، وفعلت النار.
وكذلك تعليقه سبحانه المعارفَ بالوسائط، وهي الأدلَّة السمعيّة والعقليّة والفطريّة، وتعليقه المسموعات والمبصرات والملموسات بآلاتها
стр. 2338
وحواسِّها، من السمع والبصر والشمِّ والذوق واللّمس، فهو سبحانه الخالق لتلك الإدراكات مقارنةً لهذه الحواسِّ وعندها، لا بها ولا بقوًى مُودَعةٍ (١) فيها، وهو سبحانه قادرٌ على خلق هذه المعارف بغير هذه الوسائط، فحَجَب أهلَ التفرقة بهذه الوسائط عن الفعَّال سبحانه حقيقةً، الذي لا فعْلَ في الحقيقة إلّا له، فكأنّه لبَّس على أهل التفرقة، أي أضلَّهم بشهودهم الأسباب، وغيبتهم بها عنه.
وكذلك القضايا ــ وهي الوقائع بين العباد ــ علَّقها بالحجج الموجبة لها، فكلُّ قضاءٍ وحكمٍ لابدَّ له من حجّةٍ يستند إليها، فيحجُبُ صاحبَ التفرقة بتلك الحجّة عن المصدر الأوّل الذي منه ابتداء كلِّ شيءٍ، ويقف مع الحجّة، ولا ينظر إلى من حكمَ بها، وجعلها مظهرًا لنفوذ حكمه وقضائه.
وكذلك تعليقه الأحكامَ بالعلل، وهي المعاني والمناسبات والحِكَم والمصالح التي لأجلها ثبتت الأحكام، وهو سبحانه واضعُ تلك المعاني، ومضيفُ الأحكام إليها، وإنّما هي في الحقيقة مضافةٌ إليه (٢) سبحانه.
وكذلك ترتيبه الانتقامَ على الجنايات، وربطُه الثوابَ بالطاعات، كلُّ ذلك مضافٌ إليه وحدَه، لا إلى الجنايات ولا إلى الطاعات، فإضافة ذلك إليها تلبيسٌ على أهل التفرقة.
وموضع التّلبيس في ذلك كلِّه أنّ أهل التّفرقة يظنُّون أنّه لولا تلك الوسائط لما وُجِدتْ معرفةٌ، ولا وقعتْ قضيّةٌ، ولا حكمٌ ولا ثوابٌ، ولا
стр. 2339
عقابٌ ولا انتقامٌ. وهذا تلبيسٌ عليهم، فإنّ هذه الأمور إنّما أوجبها محضُ مشيئة الله، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فانطوى حكم تلك الوسائط والأسباب والعلل في بساط المشيئة الأزليّة، واضمحلَّتْ في عين الحكم الأزليِّ، وصارت من جملة الكائنات التي هي منفعلةٌ لا فاعلةٌ، ومطيعةٌ لا مطاعةٌ، ومأمورةٌ لا آمرةٌ، وخَلْقٌ من خلْقِه، لا واسطةَ بينه وبين خلقه، فهي به لا بهم. ولهذا عاذَ العارفون به منه، وهربوا منه إليه، والتجأوا منه إليه، وفرُّوا منه إليه، وتوكّلوا به عليه، وخافوا بما منه لا من غيره. فشهدوا أوّليَّتَه في كلِّ شيءٍ، وتفرُّدَه في الصُّنع (١)، وأنّه ما ثَمَّ ما يُوجِب شيئًا من الأشياء إلّا مشيئتُه وحده، فمشيئته هي السّبب في الحقيقة، وما يُشاهَد ويُعلَم من الأسباب فمحلٌّ ومجرًى (٢) لنفوذ المشيئة، لا أنّه مؤثِّرٌ وفاعلٌ، فالوسائط لابدَّ أن تنتهي إلى أوّلٍ، لامتناع التسلسل، ولهذا قال النّبيُّ ﷺ : «فمَن أَعدَى الأوّلَ؟» (٣).
والله سبحانه قدَّر المقادير، وكتبَ الآثار والأعمال، والشّقاوةَ والسّعادة، والثّواب والعقاب، حيث لا واسطةَ هناك ولا سببَ ولا علّة، فأهل التّفرقة وقفوا مع الوسائط، وأهل الجَمْع نفَذَ بصَرُهم من الوسائط والأسباب إلى مَن أقامها وربطَ بها أحكامها.
قوله: (وأخفى الرِّضا والسُّخط اللّذين يوجبانِ الوصل والفصل)، يعني: أنّه سبحانه أخفى عن عباده ما سبقَ لهم عنده من سخطه عمَّن سخِطَ عليه،
стр. 2340
ورِضاه عمّن رضي عنه، الموجبينِ لوصل من وصله، وقطْعِ من قطعه.
ومراده: أنّ هذا هو السبب الصحيح في نفس الأمر، وهو رضاه وسخطه، وإنّما لبّس سبحانه على أهل التّفرقة الأمرَ بما ذكره من الجنايات والطّاعات، والعلل والحجج، ولا سببَ في الحقيقة إلّا رضاه وسخطه، وذلك لا علّة له، فالرِّضا هو الذي أوجب المثوبة لا الطّاعة، والسُّخط هو الذي أوجب العقوبة لا المعصية، والمشيئة هي التي أوجبت الحكم لا الوسائط، فأخفى الرّبُّ سبحانه ذلك عن خلقه، وأظهر لهم أسبابًا أُخر علّقوا (١) بها الأحكام، وذلك تلبيسٌ من الحقِّ عليهم. فأهل التّفرقة وقفوا مع هذا التّلبيس، وأهل الجمع صعدوا عنه، وجاوزوه إلى مصدرِ الأشياء كلِّها ومُوجدِها بمشيئته فقط.
وبالغ الشيخ في ذلك حتّى جعل الرِّضا والسُّخط يُظهِران السعادة والشقاوة، ولم يجعل الرِّضا والسُّخط مؤثِّرينِ فيهما، وذلك لأنّ السّعادة والشّقاوة سبقت عنده سبقًا محضًا مستندًا إلى محض المشيئة لا علّةً لهما، والرِّضا والسُّخط أظهرا ما سبقَ به التقدير من السعادة والشقاوة. فهذا أحسنُ ما يقال في شرح كلامه وتقريره وحَمْلِه على أحسن الوجوه وأجملها.
فأمّا ما فيه من التوحيد وانتهاء الأمور إلى مشيئة الربِّ ﷻ ، وأنّه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن= فذلك عقد نظام الإيمان، ومع ذلك فلا يكفي وحده، إذ غايته تحقيق توحيد الرُّبوبيّة الذي لم يكن ينكره عُبَّاد الأصنام.
стр. 2341
وإنَّما (١) الشأن في أمرٍ آخر وراءه؛ هذا بابه، والمدخل إليه، والدليل عليه، ومنه يُوصَل إليه، وهو التوحيد الذي دعت إليه الرُّسل، ونزلت به الكتب، وعليه الثواب والعقاب، والشرائع كلُّها تفاصيله وحقوقه، وهو توحيد الإلهيّة والعبادة، وهو الذي لا سعادةَ للنُّفوس إلّا بالقيام به علمًا وعملًا وحالًا (٢)، وهو أن يكون الله وحده أحبَّ إلى العبد من كلِّ ما سواه، وأخوف عنده من كلِّ ما سواه، وأرجى له من كلِّ ما سواه، فيعبده بمعاني الحبِّ والخوف والرجاء بما يحبُّه هو ويرضاه، وهو ما شرعه على لسان رسوله ﷺ ، لا بما يريده العبد ويهواه، وتلخيص ذلك في كلمتين «إيَّاكَ أُريد بما تُرِيد»، فالأولى: توحيدٌ وإخلاصٌ، والثانية: اتِّباعٌ للسُّنة وتحكيمٌ للأمر.
والمقصود: أنَّ ما أشار إليه في هذا الباب غايته تقرير توحيد الأفعال، وهو توحيد الرُّبوبية.
وأمَّا جَعْلُه ما نصَبَه سبحانه من الأسباب في خلْقِه وأمرِه وأحكامِه وثوابِه وعقابِه تلبيسًا، فتلبيسٌ من النفس عليه ﵀، وليس ذلك ــ عند العارفين بالله ورسله وأسمائه وصفاته ــ من التلبيس في شيءٍ، وإنّما ذلك مظهر أسمائه وصفاته، وحكمته، ونعمته، وقدرته وعزَّته، إذ ظهور هذه الصِّفات والأسماء يستلزم محالًّا (٣) ومتعلَّقاتٍ تتعلّق بها، وتظهر فيها آثارها، هذا أمرٌ ضروريٌّ للصِّفات والأسماء، إذ العلم لابدَّ له من معلومٍ، وصفةُ الخالقيَّة والرازقيَّة تستلزم وجودَ مخلوقٍ ومرزوقٍ، وكذلك صفة الرحمة والإحسان والحلم
стр. 2342
والعفو والمغفرة والتجاوز تستلزم محالًّا تتعلّق بها، وتظهر فيها آثارها، فالأسباب والوسائط مظاهر الخلق والأمر، فكيف يكون تعليق الأحكام والثواب والعقاب بها تلبيسًا؟ وهل ذلك إلّا حكمةٌ بالغةٌ، وآياتٌ ظاهرةٌ، وشواهدُ ناطقةٌ بربوبيّة مُنْشئِها وكمالِه وثبوت أسمائه وصفاته؟ فإنَّ الكون كما هو محلُّ الخلق والأمر، ومظهر الأسماء والصِّفات، فهو بجميع (١) ما فيه شواهد وأدلّةٌ وآياتٌ، دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها، والاستدلال بها على وجود الخالق، والاعتبار بما تضمَّنَتْه من الحِكَم والمصالح والمنافع على علمه وحكمته ورحمته وإحسانه، وبما تضمَّنته من العقوبات على عدله، وأنّه يغضب ويسخط ويكره ويمقُت، وبما تضمّنته من المثوبات والإكرام على أنّه يُحِبُّ ويرضى ويفرح. فالكون بجملةِ ما فيه آياتٌ وشواهد وأدلّةٌ، لم يخلق منها شيئًا تلبيسًا، ولا وسَّطه عبثًا، ولا خلَقَه سُدًى.
فالأسباب والوسائط والعلل محلُّ أفكار المتفكِّرين، واعتبار الناظرين، ومعارف المستدلِّين، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. وكم في القرآن من الحثِّ على النظر فيها، والاعتبار بها، والتفكُّر فيها، وذمِّ من أعرض عنها، والإخبار بأنَّ النظر فيها والاستدلال يوجب العلم والمعرفة بصدق رسله؛ فهي آياتٌ كونيّةٌ مشاهدةٌ تصدِّق الآيات القرآنيّة.
فما علَّقَ بها آثارها سُدًى، ولا رتَّبَ عليها مقتضياتها (٢) وأحكامها باطلًا، ولا جعلَ توسيطَها تلبيسًا البتّةَ، بل ذلك موجب كماله وكمال نعوته
стр. 2343
وصفاته، وبها عُرِفت ربوبيّته وإلهيّته، وملكه وصفاته وأسماؤه.
هذا، ولم يخلقها سبحانه حاجةً منه إليها، ولا توقُّفًا لكماله المقدّس عليها، فلم يتكثّر بها من قلّةٍ، ولم يتعزّز بها من ذلّةٍ، بل اقتضى كماله أن يفعل ما يشاء بما يشاء، ويأمر ويتصرّف ويدبِّر كما يشاء، وأن يُحمَد ويُعرف، ويُذكر ويُعبد، ويَعرِف الخلقُ صفاتِ كماله ونعوتَ جلاله، ولذلك خلق خلقًا يعصونه ويخالفون أمره، ليعرف ملائكتُه وأنبياؤه ورسله وأولياؤه كمالَ مغفرته وعفوه، وحلمه وإمهاله، ثمّ أقبل بقلوب من شاء (١) منهم إليه، فظهر (٢) كرمه في قبول توبته، وبرُّه ولطفُه في العود عليه بعد الإعراض عنه، كما قال النّبيُّ ﷺ : «لو لم تُذنِبوا لذهبَ الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنِبون ثمّ يستغفرون فيغفر لهم» (٣). فلمن كانت تكون مغفرته لو لم يخلق الأسباب التي يغفر عنها ويغفر بها؟ والعبد الذي له يغفر؟ فخلْقُ العبد المغفور له، وتقديرُ الذّنب الذي يُغفَر، والتّوبة التي يُغفَر بها= هو نفس مقتضى العزّة والحكمة، وموجب الأسماء الحسنى والصِّفات العلا، ليس من التّلبيس في شيءٍ، فتعليق الكوائن بالأسباب كتعليق الثّواب والعقاب بالأسباب، ولهذا سوّى صاحب «المنازل» بين الأمرين، وهو محض الحكمة، وموجب الكمال الإلهيِّ، ومقتضى الحمد التّامِّ، ومظهر صفة العزّة والقدرة والملك. والشّرائع كلُّها ــ من أوّلها إلى آخرها ــ مبنيّةٌ على تعليق الأحكام بالعلل، والقضايا بالحجج، والثّواب بالطاعة، والعقوبات بالجرائم، فهل يقال: إنّ
стр. 2344
الشّرائع كلّها تلبيسٌ، بأيِّ معنًى فُسِّر التلبيس؟
ولعمر الله، لقد كان في غنيةٍ عن هذا الباب وعن هذه التّسمية، ولقد أفسد الكتاب بذلك.
هذا، ولا يُجهَل محلُّ الرجل من العلم والسُّنّة، وطريق السُّلوك وآفاته وعلله، ولكن قصْدَه تجريدَ توحيد الأفعال والرُّبوبيّة قاده إلى ذلك، وانضمَّ إليه اعتقادُه أنَّ الفناء في هذا التوحيد هو غاية السُّلوك ونهاية العارفين، وساعده اعتقادُ كثيرٍ من المنتسبين إلى السُّنَّة، الرادِّين على القدريَّة في الأسباب: أنها لا تأثير لها البتَّة، ولا فيها قوًى، ولا يفعل الله شيئًا بشيءٍ ولا شيئًا لشيءٍ، فينكرون أن يكون في أفعاله باءُ تسبيبٍ أو لام تعليلٍ، وما جاء من ذلك حملوا الباء فيه على المصاحبة، واللّام فيه على لام العاقبة، وقالوا: يفعل الله الإحراق والإغراق والإزهاق عند ملاقاة النار والماء والحديد، لا بها ولا بقوًى فيها، ولا فرق ــ في نفس الأمر ــ بينها وبين الهواء والتُّراب والخشب، وانضمَّ إلى ذلك أنَّ العبد ليس بفاعلٍ أصلًا، وإنّما هو منفعلٌ محضٌ، ومحلٌّ لجريانِ تصاريف الأحكام عليه، وأنّ الفاعل فيه سواه، والمحرِّك له غيره، وإذا قيل: إنّه فاعلٌ أو متحرِّكٌ فهو تلبيسٌ.
فهذه الأصول أوجبت هذا التّلبيسَ على نفاة الحكم والأسباب، وقابلهم آخرون، فمزّقوا لحومهم كلَّ ممزّقٍ، وفَرَوْا أديمَهم، وقالوا: عطّلتم (١) الشّرائع والثّواب والعقاب، وأبطلتم حقيقة الأمر والنّهي، فإنّ (٢)
стр. 2345
مبنى ذلك على أنّ العباد فاعلون حقيقةً، وأنّ أفعالهم منسوبةٌ إليهم على الحقيقة، وأنّ قُدَرهم وإراداتهم ودواعيهم مؤثِّرةٌ في أفعالهم، وأفعالهم واقعةٌ بحسب دواعيهم وإراداتهم، وعلى ذلك قامت الشّرائع والنُّبوّات، والثّواب والعقاب، والحدود والزّواجر، وفطرة الله التي فطر النّاس عليها والحيوان (١).
وسوّيتم بين ما فرّق الله بينه، فإنّ الله سبحانه ما سوّى بين حركة المختار وحركة من حُرِّك قسرًا بغير إرادةٍ منه أبدًا، ولا سوّى بين حركات الأشجار وحركات بني آدم، ولا جعل الله سبحانه أفعال عباده وطاعاتهم ومعاصيهم أفعالًا له، بل نسبها إليهم حقيقةً، وأخبر أنّه هو الذي جعلهم فاعلين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٤]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]. وقال سادات العارفين به: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقال إبراهيم خليله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]. فهو الذي جعل العبد كذلك، والعبد هو الذي صلّى وصام وأسلم، وهو الفاعل حقيقةً بجَعْلِ الله له فاعلًا، وهو السائر بتسيير الله له، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ [يونس: ٢٢]، فهذا فعلُه والسَّيرُ فعلهم، والإقامة فعلُه والقيام فعلهم، والإنطاق فعلُه والنُّطق فعلهم، فكيف تُجعل نسبة الأفعال إلى محالِّها القائمة بها وأسبابِها المظهرة لها تلبيسًا؟
ومعلومٌ أنّ طيَّ بساطِ الأسباب والعلل تعطيلٌ للأمر والنّهي والشرائع والحكم، وأمّا الوقوف مع الأسباب واعتقاد تأثيرها فلا يُعلَم من أتباع الرُّسل
стр. 2346
من قال: إنّها مستقلّةٌ بأنفسها، حتّى يُحتاج إلى نفي هذا المذهب، وإنّما قالت طائفةٌ من النّاس ــ وهم القدريّة ــ: إنّ أفعال الحيوان خاصّةً غير مخلوقةٍ لله، ولا واقعة بمشيئته، وهؤلاء هم الذين أطبق الصّحابة والتّابعون وأئمّة الإسلام على ذمِّهم وتبديعهم وتضليلهم، وبيَّنَ أئمّة السُّنّة أنّهم أشباه المجوس، وأنّهم مخالفون للعقول والفِطَر ونصوص الوحي، فالتلبيس في الحقيقة حصل لهؤلاء، ولمنكري الأسباب والقوى والطبائع والحكم، ولُبِّس على الفريقين الحقُّ بالباطل.
والحقُّ ــ الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وفطَرَ عليه عباده، وأودعَه في عقولهم ــ بين مذهب هؤلاء وهؤلاء، فالهدى بين الضلالتين، والاستقامة بين الانحرافين.
والمقصود: أنَّ القرآن بل وسائر كتب الله تضمَّنتْ تعليقَ الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين، وتعليقَ المعارف بالوسائط، والقضايا بالحجج والأحكام بالعلل، والانتقامَ بالجنايات، والمثوباتِ بالطاعات، فإن كان هذا تلبيسًا عاد الوحي والشرع والكتب الإلهيّة تلبيسًا.
نعم، التلبيس على من ظنَّ أنَّ ذلك التعليق على وجه الاستقلال، بقطع النظر عن مسبِّب الأسباب وناصِبِ الحكمِ والعلل، فإن كان مراده: أنّه لُبِّس الأمر على هؤلاء، ولم يهتدوا إلى الصواب= فأبعد الله من ينتصر لهم، ويَذُبُّ عنهم، فإنهم أضلُّ من الأنعام. وإن كان المراد: مَن أثبتَ الأسباب والحِكَم والعلل، وعلَّق بها ما علّقه الله بها من الحكم والشرع، وأنزلها بالمحلِّ الذي أنزلها الله به، ووضعها حيث وضعها= فقد لُبِّس عليه، فنحن نَدِين الله بذلك وإن سمِّي تلبيسًا، كما نَدِين الله بإثبات القدر وإن سمِّي جَبْرًا، ونَدِين بإثبات
стр. 2347
الصِّفات وحقائق الأسماء وإن سُمِّي تجسيمًا، ونَدِين بإثبات علوِّ الله على عرشه فوق سماواته وإن سُمِّي تحيُّزًا وجهةً، ونَدين بإثبات وجهه الأعلى ويديه المبسوطتين وإن سُمِّي تركيبًا، وندين بحبِّ أصحاب رسوله جميعهم وموالاتهم وإن سُمِّي نَصْبًا، وندين بأنّه مكلِّمٌ متكلِّمٌ حقيقةً كلامًا يسمعه من خاطبه، وأنّه يُرى بالأبصار عيانًا حقيقةً يوم لقائه، وإن سُمِّي ذلك تشبيهًا.
ويا لله العجب! أليست الكوائن كلُّها متعلِّقةً بالأسباب؟ أوليس الرّبُّ تعالى كلَّ وقتٍ يسوق المقادير إلى المواقيت التي وقَّتها لها، ويظهرها بأسبابها التي سبَّبها لها، ويخُصُّها بمحالِّها من الأعيان والأمكنة والأزمنة التي عيّنها لها؟
أو ليس قد قدَّر المقادير، وسبَّب الأسباب التي تظهر بها، ووقَّتَ المواقيت التي تنتهي إليها، ونصَبَ العلل التي توجد لأجلها، وجعل للأسباب أسبابًا أخر تُعارضها وتدافعها؟ فهذه تقتضي آثارها، وهذه تمنعها اقتضاءها، وتطلب ضِدَّ ما تطلبه تلك.
أوليس قد رتّب الخلْقَ والأمر على ذلك، وجعله محلَّ الامتحان والابتلاء والعبوديّة؟ أوليس عمارة الدّارين ــ أعني الجنّة والنّار ــ بالأسباب والعلل والحكم؟ ولا حاجة بنا أن نقول: وهو خلق الأسباب ونصب العلل، فإنّ ذكر هذا من باب بيان الواضحات التي لا يجهلها إلّا أجهلُ خلق الله، وأقلُّهم نصيبًا من الإيمان والمعرفة.
أوليس القرآن من أوّله إلى آخره قد عُلِّقت أخبارُه وقصصُه عن الأنبياء وأممهم، وأوامره ونواهيه وزواجره، وثوابه وعقابه: بالأسباب والحكم والعلل؟ وعُلِّقت فيه المعارف بالوسائط، والقضايا بالحجج، والعقوبات
стр. 2348
والمثوبات بالجنايات والطّاعات؟
أوليس ذلك مقتضى الرِّسالة، وموجب الملك الحقِّ، والحكمة البالغة؟
نعم، مرجع ذلك كلِّه إلى المشيئة الإلهيّة المقرونة بالحكمة والرّحمة والعدل، والمصلحة والإحسان، ووَضْع الأشياء في مواضعها، وتنزيلها منازلَها، وهو سبحانه الذي جعل لها تلك المواضع والمنازل والصِّفات والمقادير، فلا تلبيسَ هناك بوجهٍ، وإنما التلبيس في إخراج الأسباب (١) عن موضوعها وإلغائها، أو في إنزالها غير منزلها، والغَيْبة بها عن مُسبِّبها وواضعها، وبالله التوفيق.
فصل
قال (٢): (والتلبيس الثاني: تلبيس أهل الغَيرة على الأوقات بإخفائها، وعلى الكرامات بكتمانها (٣)).
إطلاق «التلبيس» على هذه الدرجة ليس كإطلاقه على الدرجة الأولى، فإنّ التلبيس في هذه الدّرجة راجعٌ إلى فعل العبد، وفي الأولى إلى فعل الرّبِّ، ولهذا لمّا كانت تسمية الدّرجة الأولى تلبيسًا شنيعٌ (٤) جدًّا، وطَّأَ له قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، أي لا تستوحش من إطلاق ذلك على الله، فإنّه قد أطلقه على نفسه؛ وقد عرفتَ ما فيه.
стр. 2349
والمقصود: أنّ العبد يقوى إخلاصه لله، وصدقه ومعاملته له، حتّى لا يحبّ أن يطّلع أحدٌ من الخلق على حاله مع الله ومقامه معه، فهو يُخفِي أحوالَه غيرةً عليها من أن تَشُوبَها شائبة الأغيار، وأنفاسَه خوفًا عليها من المداخلة. وكان بعضهم إذا غلبه البكاء وعجَزَ عن دفعه قال: لا إله إلّا الله، ما أمرَّ الزُّكام (١)! فالصّادق إذا غلب عليه الوجد والحال، وهاج من قلبه لواعج الشّوق= أخلد إلى السُّكون ما أمكنه، فإن غُلِب أظهر ألمًا ووجعًا يستُر به حالَه مع الله، كما أظهر إبراهيم الخليل ﷺ لقومه أنّه سقيمٌ، حين أراد أن يفارقهم، ويرجع بذلك الوارد وتلك الحال إلى الآلهة الباطلة، فيجعلها جُذاذًا.
فالصّادقون يعملون في كتمان المعاني واجتناب الدّعاوي، فظواهرهم ظواهر النّاس، وقلوبهم مع الحقِّ تعالى، لا تلتفت عنه يَمْنةً ولا يَسْرةً، فهم في وادٍ، والنّاس في وادٍ.
فقوله: (تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها) يعني: أنّهم يَغَارون على الأوقات التي عمرتْ لهم بالله وصَفَتْ لهم أن يُظهِروها للنّاس، وإن اطَّلع غيرُهم عليها من غير قصدهم (٢) لكشفها وإظهارها= لم يقدح ذلك في طريقهم، فلا يفزَعون إلى الجحد والإنكار وشكاية الحال، بل يَسَعُهم الإمساك عن الإظهار والجحد.
قوله: (وعلى الكرامات بكتمانها)، يعني: أنّهم يَغارون على كراماتهم أن
стр. 2350
يعلم بها الناس، فهم يُخفونها أبدًا غيرةً عليها، إلّا إذا كان في إظهارها مصلحةٌ راجحةٌ من حجّةٍ أو حاجةٍ، فلا يُظهِرونها إلّا لحجّةٍ على مبطلٍ، أو حاجةٍ تقتضي إظهارها.
قوله (١): (والتلبيس بالمكاسب والأسباب، وتعليق الظاهر بالشواهد والمكاسب= تلبيسٌ على العيون الكليلة والعقول العليلة)، يعني: أنّ التلبيس المذكور إنّما يكون على أهل العيون الكليلة، أي أهل الإحساس الضعيف، والعقول العليلة هي المنحرفة التي لا تدرك الحقَّ لمرضٍ بها.
قوله (٢): (مع تصحيح التحقيق عقدًا وسلوكًا ومعاينةً)، يعني: أنّ هذه الطّائفة يُلبِّسون على أهل العيون الكليلة أحوالَهم وكراماتِهم بستْرهم لها عنهم، مع كونهم قائمين بالتحقيق اعتقادًا وسلوكًا ومعاينةً، فهم معتقدون للحقِّ، سالكون الطريقَ المُوصِلة إلى المقصود، أهل مراقبةٍ وشهودٍ.
قوله (٣): (وهذه الطائفة رحمةٌ من الله على أهل التّفرقة والأسباب في ملابستهم).
إنّما كانوا رحمةً من الله عليهم من وجهين:
أحدهما: أنّهم ذاكرون لله بين الغافلين، وهم في وسطهم، فيرحمهم الله بهم، فإنّهم القوم لا يَشْقَى بهم جليسُهم.
الثّاني: أنّهم لا يتركونهم في غَفَلاتهم، بل يقومون فيهم بالنصيحة لهم،