← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

من قال: إنّها مستقلّةٌ بأنفسها، حتّى يُحتاج إلى نفي هذا المذهب، وإنّما قالت طائفةٌ من النّاس ــ وهم القدريّة ــ: إنّ أفعال الحيوان خاصّةً غير مخلوقةٍ لله، ولا واقعة بمشيئته، وهؤلاء هم الذين أطبق الصّحابة والتّابعون وأئمّة الإسلام على ذمِّهم وتبديعهم وتضليلهم، وبيَّنَ أئمّة السُّنّة أنّهم أشباه المجوس، وأنّهم مخالفون للعقول والفِطَر ونصوص الوحي، فالتلبيس في الحقيقة حصل لهؤلاء، ولمنكري الأسباب والقوى والطبائع والحكم، ولُبِّس على الفريقين الحقُّ بالباطل. والحقُّ ــ الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وفطَرَ عليه عباده، وأودعَه في عقولهم ــ بين مذهب هؤلاء وهؤلاء، فالهدى بين الضلالتين، والاستقامة بين الانحرافين. والمقصود: أنَّ القرآن بل وسائر كتب الله تضمَّنتْ تعليقَ الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين، وتعليقَ المعارف بالوسائط، والقضايا بالحجج والأحكام بالعلل، والانتقامَ بالجنايات، والمثوباتِ بالطاعات، فإن كان هذا تلبيسًا عاد الوحي والشرع والكتب الإلهيّة تلبيسًا. نعم، التلبيس على من ظنَّ أنَّ ذلك التعليق على وجه الاستقلال، بقطع النظر عن مسبِّب الأسباب وناصِبِ الحكمِ والعلل، فإن كان مراده: أنّه لُبِّس الأمر على هؤلاء، ولم يهتدوا إلى الصواب= فأبعد الله من ينتصر لهم، ويَذُبُّ عنهم، فإنهم أضلُّ من الأنعام. وإن كان المراد: مَن أثبتَ الأسباب والحِكَم والعلل، وعلَّق بها ما علّقه الله بها من الحكم والشرع، وأنزلها بالمحلِّ الذي أنزلها الله به، ووضعها حيث وضعها= فقد لُبِّس عليه، فنحن نَدِين الله بذلك وإن سمِّي تلبيسًا، كما نَدِين الله بإثبات القدر وإن سمِّي جَبْرًا، ونَدِين بإثبات

стр. 2347

الصِّفات وحقائق الأسماء وإن سُمِّي تجسيمًا، ونَدِين بإثبات علوِّ الله على عرشه فوق سماواته وإن سُمِّي تحيُّزًا وجهةً، ونَدين بإثبات وجهه الأعلى ويديه المبسوطتين وإن سُمِّي تركيبًا، وندين بحبِّ أصحاب رسوله جميعهم وموالاتهم وإن سُمِّي نَصْبًا، وندين بأنّه مكلِّمٌ متكلِّمٌ حقيقةً كلامًا يسمعه من خاطبه، وأنّه يُرى بالأبصار عيانًا حقيقةً يوم لقائه، وإن سُمِّي ذلك تشبيهًا. ويا لله العجب! أليست الكوائن كلُّها متعلِّقةً بالأسباب؟ أوليس الرّبُّ تعالى كلَّ وقتٍ يسوق المقادير إلى المواقيت التي وقَّتها لها، ويظهرها بأسبابها التي سبَّبها لها، ويخُصُّها بمحالِّها من الأعيان والأمكنة والأزمنة التي عيّنها لها؟ أو ليس قد قدَّر المقادير، وسبَّب الأسباب التي تظهر بها، ووقَّتَ المواقيت التي تنتهي إليها، ونصَبَ العلل التي توجد لأجلها، وجعل للأسباب أسبابًا أخر تُعارضها وتدافعها؟ فهذه تقتضي آثارها، وهذه تمنعها اقتضاءها، وتطلب ضِدَّ ما تطلبه تلك. أوليس قد رتّب الخلْقَ والأمر على ذلك، وجعله محلَّ الامتحان والابتلاء والعبوديّة؟ أوليس عمارة الدّارين ــ أعني الجنّة والنّار ــ بالأسباب والعلل والحكم؟ ولا حاجة بنا أن نقول: وهو خلق الأسباب ونصب العلل، فإنّ ذكر هذا من باب بيان الواضحات التي لا يجهلها إلّا أجهلُ خلق الله، وأقلُّهم نصيبًا من الإيمان والمعرفة. أوليس القرآن من أوّله إلى آخره قد عُلِّقت أخبارُه وقصصُه عن الأنبياء وأممهم، وأوامره ونواهيه وزواجره، وثوابه وعقابه: بالأسباب والحكم والعلل؟ وعُلِّقت فيه المعارف بالوسائط، والقضايا بالحجج، والعقوبات

стр. 2348

والمثوبات بالجنايات والطّاعات؟ أوليس ذلك مقتضى الرِّسالة، وموجب الملك الحقِّ، والحكمة البالغة؟ نعم، مرجع ذلك كلِّه إلى المشيئة الإلهيّة المقرونة بالحكمة والرّحمة والعدل، والمصلحة والإحسان، ووَضْع الأشياء في مواضعها، وتنزيلها منازلَها، وهو سبحانه الذي جعل لها تلك المواضع والمنازل والصِّفات والمقادير، فلا تلبيسَ هناك بوجهٍ، وإنما التلبيس في إخراج الأسباب (١) عن موضوعها وإلغائها، أو في إنزالها غير منزلها، والغَيْبة بها عن مُسبِّبها وواضعها، وبالله التوفيق. فصل قال (٢): (والتلبيس الثاني: تلبيس أهل الغَيرة على الأوقات بإخفائها، وعلى الكرامات بكتمانها (٣)). إطلاق «التلبيس» على هذه الدرجة ليس كإطلاقه على الدرجة الأولى، فإنّ التلبيس في هذه الدّرجة راجعٌ إلى فعل العبد، وفي الأولى إلى فعل الرّبِّ، ولهذا لمّا كانت تسمية الدّرجة الأولى تلبيسًا شنيعٌ (٤) جدًّا، وطَّأَ له قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، أي لا تستوحش من إطلاق ذلك على الله، فإنّه قد أطلقه على نفسه؛ وقد عرفتَ ما فيه.

стр. 2349

والمقصود: أنّ العبد يقوى إخلاصه لله، وصدقه ومعاملته له، حتّى لا يحبّ أن يطّلع أحدٌ من الخلق على حاله مع الله ومقامه معه، فهو يُخفِي أحوالَه غيرةً عليها من أن تَشُوبَها شائبة الأغيار، وأنفاسَه خوفًا عليها من المداخلة. وكان بعضهم إذا غلبه البكاء وعجَزَ عن دفعه قال: لا إله إلّا الله، ما أمرَّ الزُّكام (١)! فالصّادق إذا غلب عليه الوجد والحال، وهاج من قلبه لواعج الشّوق= أخلد إلى السُّكون ما أمكنه، فإن غُلِب أظهر ألمًا ووجعًا يستُر به حالَه مع الله، كما أظهر إبراهيم الخليل ﷺ لقومه أنّه سقيمٌ، حين أراد أن يفارقهم، ويرجع بذلك الوارد وتلك الحال إلى الآلهة الباطلة، فيجعلها جُذاذًا. فالصّادقون يعملون في كتمان المعاني واجتناب الدّعاوي، فظواهرهم ظواهر النّاس، وقلوبهم مع الحقِّ تعالى، لا تلتفت عنه يَمْنةً ولا يَسْرةً، فهم في وادٍ، والنّاس في وادٍ. فقوله: (تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها) يعني: أنّهم يَغَارون على الأوقات التي عمرتْ لهم بالله وصَفَتْ لهم أن يُظهِروها للنّاس، وإن اطَّلع غيرُهم عليها من غير قصدهم (٢) لكشفها وإظهارها= لم يقدح ذلك في طريقهم، فلا يفزَعون إلى الجحد والإنكار وشكاية الحال، بل يَسَعُهم الإمساك عن الإظهار والجحد. قوله: (وعلى الكرامات بكتمانها)، يعني: أنّهم يَغارون على كراماتهم أن

стр. 2350

يعلم بها الناس، فهم يُخفونها أبدًا غيرةً عليها، إلّا إذا كان في إظهارها مصلحةٌ راجحةٌ من حجّةٍ أو حاجةٍ، فلا يُظهِرونها إلّا لحجّةٍ على مبطلٍ، أو حاجةٍ تقتضي إظهارها. قوله (١): (والتلبيس بالمكاسب والأسباب، وتعليق الظاهر بالشواهد والمكاسب= تلبيسٌ على العيون الكليلة والعقول العليلة)، يعني: أنّ التلبيس المذكور إنّما يكون على أهل العيون الكليلة، أي أهل الإحساس الضعيف، والعقول العليلة هي المنحرفة التي لا تدرك الحقَّ لمرضٍ بها. قوله (٢): (مع تصحيح التحقيق عقدًا وسلوكًا ومعاينةً)، يعني: أنّ هذه الطّائفة يُلبِّسون على أهل العيون الكليلة أحوالَهم وكراماتِهم بستْرهم لها عنهم، مع كونهم قائمين بالتحقيق اعتقادًا وسلوكًا ومعاينةً، فهم معتقدون للحقِّ، سالكون الطريقَ المُوصِلة إلى المقصود، أهل مراقبةٍ وشهودٍ. قوله (٣): (وهذه الطائفة رحمةٌ من الله على أهل التّفرقة والأسباب في ملابستهم). إنّما كانوا رحمةً من الله عليهم من وجهين: أحدهما: أنّهم ذاكرون لله بين الغافلين، وهم في وسطهم، فيرحمهم الله بهم، فإنّهم القوم لا يَشْقَى بهم جليسُهم. الثّاني: أنّهم لا يتركونهم في غَفَلاتهم، بل يقومون فيهم بالنصيحة لهم،

стр. 2351

والأمر لهم بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة لهم إلى الله، فيرحمون بهم، وينالون بهم سعادة الدُّنيا والآخرة، فهم يتصرَّفون مع الخلق بحكم العلم والشّرع، وأحوالُهم ومقاماتهم بينهم وبين الله خاصّةٌ. قوله (١): (التلبيس الثالث: تلبيس أهل التمكين (٢) على العالَم، ترحُّمًا عليهم بملابسة الأسباب، وتوسيعًا على العالَم لا على أنفسهم، وهذه درجة الأنبياء، ثمّ هي للأئمّة الربّانيِّين، الصادرين عن وادي الجَمْع، المشيرين عن عينه). هذا أيضًا من النّمط الأوّل، ممّا يُنكَر لفظُه وإطلاقه غايةَ الإنكار، ويجب على أهل الإيمان مَحْو (٣) هذا اللّفظ القبيح وإطلاقه في حقِّ الأنبياء، وكيف تَسَعُ مسامع المؤمن ليسمع أنّ الأنبياء لَبَّسوا على الناس بأيِّ اعتبارٍ كان؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ! بل الرُّسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ كشفوا عن النّاس التّلبيس الذي لبّسوه على أنفسهم، ولبّسه عليهم طواغيتُهم، جاؤوا بالبيان والبرهان. وكان النّاس في لَبْسٍ عظيمٍ ... فجاؤوا بالبيان فأظهروه وكان النّاس في جهلٍ شديدٍ ... فجاؤوا باليقين فأذهبوه وكان النّاس في كفرٍ عظيمٍ ... فجاؤوا بالرّشاد فأبطلوه (٤)

стр. 2352

والمصنِّف ﵀ من أثبت النّاس قدمًا في مقام الإيمان بالرُّسل وتعظيمهم وما جاؤوا به، ولكن لُبِّس عليه في ذلك ما لُبِّس على غيره، والله يغفر لنا وله، ويجمع بيننا وبينه في دار كرامته. وقد صرّح بأنّ أهل التّمكين هم الأنبياء والأئمّة بعدهم، وجعل هذه الدّرجة من التّلبيس لهم، ثمّ فسَّرها بأنّها تلبيس ترحُّمٍ وتوسيعٍ على العالم، ومقصوده: أنّهم يأمرونهم بتعاطي الأسباب رحمةً لهم وتوسيعًا عليهم، مع علمهم بأنّها لا أثرَ لها في خلقٍ ولا رزقٍ، ولا ضرٍّ ولا نفعٍ، ولا عطاءٍ ولا منعٍ، بل الله وحده هو الخالق الرّازق، الضّارُّ النّافع، المعطي المانع، لكن لمّا علموا عجز النّاس عن إدراك ذلك والتّحقُّق به لبَّسوا عليهم وأمروهم بالأسباب رحمةً بهم وتوسيعًا عليهم. فهذه الدرجة تتضمَّن الرُّجوع إلى الأسباب رحمةً وتوسيعًا، مع الانقطاع عن الالتفات إليها والوقوف معها تجريدًا وتوحيدًا. وقوله: (لا إلى أنفسهم) يعني: أنَّ أمرهم بالأسباب إحسانٌ إليهم، وتوسيعٌ عليهم، لا لحظِّ الآمر وجرِّ النفع إلى نفسه، بل لقصد الإحسان إلى الخلق وحصول النفع لهم. وهذا قريبٌ، مع أنّ فيه ما فيه لمن تأمَّله، فإنّ من أمر غيره بمصلحته وقصد نفعه: فبنفسه بدأ، ولها نفعَ أولًا، ومصلحتَها حصَّلَ قبل مصلحة المأمور، والإحسانَ إلى نفسه قصدَ بإحسانه (١) إلى غيره، فإنّه عبدٌ فقيرٌ محتاجٌ، والله وحده هو الغنيُّ بذاته، الذي يُحسِن إلى خلقه لا لأجل معاوضةٍ منهم، وأمَّا المخلوق فإنَّه يريد العوض، لكن

стр. 2353

الأعواض تتفاوت، ومن يطلب منه العوض يختلف. والمقصود: أنّ قوله: (لا لأنفسهم) ليس على إطلاقه، وفي أثرٍ إلهيٍّ (١): «ابنَ آدم، كلٌّ يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك» (٢). وقوله: (ثمَّ هي للأئمَّة الربَّانيِّين، الصادرين عن وادي الجمع)، يعني: الذين فَنُوا في الجمع، ثمّ حصلوا في البقاء بعد الفناء، فذلك صدورهم عن وادي الجمع. قوله: (المشيرين عن عينه)، يعني: الذين إذا أشاروا أشاروا عن عينٍ لا عن علمٍ، فإنّ الإشارة تختلف باختلاف مصدرها: فإشارةٌ عن علمٍ، وإشارةٌ عن كشفٍ، وإشارةٌ عن شهودٍ، وإشارةٌ عن عينٍ. فصل قد عرفتَ أنّ هذا الباب مبناه على محو الأسباب، وعدم الالتفات إليها والوقوف معها، ولهذا سمّى المصنِّف نَصْبَها «تلبيسًا». ونحن نقول: إنَّ الدِّين هو إثبات الأسباب، والوقوف معها، والنظر إليها، والالتفات إليها، وإنّه لا دينَ إلّا بذلك، كما لا حقيقة إلّا به، فالحقيقة والشريعة مبناهما على إثباتها، لا على محوها، ولا يُنكَر الوقوف معها، فإنَّ الوقوف معها فرضٌ على كلِّ مسلمٍ، لا يتمُّ إيمانُه إلّا بذلك. والله تعالى أمرنا بالوقوف معها، بمعنى أنَّا نُثبِت الحُكْم إذا وُجِدتْ، وننفيه إذا عُدِمَتْ، ونستدلُّ بها على حكمه الكونيِّ، فوقوفنا معها بهذا الاعتبار هو مقتضى

стр. 2354

الحقيقة والشريعة، وهل يُمكِن حيوانًا أن يعيش في هذه الدُّنيا إلّا بوقوفه (١) مع الأسباب؟ فينتجع مساقطَ غَيْثِها ومواقعَ قَطْرِها، ويَرعى في خصبها دون جدبها، ويُسالمها ولا يُحاربها. وكيف وتنفُّسه في الهواء بها، وتحرُّكه بها، وسمعه وبصره بها، وغذاؤه بها، ودواؤه بها، وهُداه بها، وسعادته بها، وفلاحه بها، وضلالُه وشقاؤه بالإعراض عنها وإلغائها. فأسعدُ النّاس في الدّارين: أقومُهم بالأسباب المُوصِلة إلى مصالحهما، وأشقاهم في الدارين: أشدُّهم تعطيلًا لأسبابهما. فالأسباب محلُّ الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والنجاح والخسران. وبالأسباب عُرِف الله، وبها عُبِد، وبها أُطِيع، وبها تقرَّب إليه المتقرِّبون، وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنّته، وبها نصر حزبُه دينَه، وأقاموا دعوته، وبها أرسل رسله وشرع شرائعه، وبها انقسم النّاس إلى سعيدٍ وشقيٍّ، ومهتدٍ وغويٍّ، فالوقوف معها والالتفات إليها والنّظر إليها هو الواجب شرعًا، كما هو الواقع قدرًا. ولا تكن ممّن غلُظ حجابه، وكثُفَ طبعه فيقول: لا نقف معها وقوفَ من يعتقد أنّها مستقلّةٌ بالإحداث والتّأثير، وأنّها أربابٌ من دون الله. فإن وجدتَ أحدًا يزعم ذلك، ويظنُّ أنّها أربابٌ وآلهةٌ مع الله مستقلّةٌ بالإيجاد وأنّها عونٌ لله يحتاج في فعله إليها، وأنّها شركاء له= فشأنك به، فمزِّقْ أديمَه، وتقرَّبْ إلى الله بعداوته ما استطعتَ. وإلَّا فما هذا النفي لِما أثبتَه الله؟ والإلغاء لما اعتبره؟ والإهدار لما حقَّقه؟ والحطُّ والوضع لما نصبه؟ والمحو لما كتبه؟ والعزل لما ولّاه؟ فإن زعمتَ أنّك تَعزِلها عن رتبة الإلهيَّة فسبحانَ الله! مَن

стр. 2355

ولّاها هذه الرُّتبة حتّى تجعل كدَّكَ في عزلها؟ ويالله! ما أجهلَ كثيرًا من أهل الكلام والتصوُّف، حيث لم يكن عندهم تحقيق التوحيد إلّا إلغاءَها ومحوها، وإهدارها بالكلِّيّة، وأنّه لم يجعل الله في المخلوقات قوًى ولا طبائعَ ولا غرائزَ لها تأثيرٌ بوجهٍ ما، ولا في النّار حرارةٌ ولا إحراقٌ، ولا في الدّواء قوّةٌ، ولا في الخبز قوّةٌ مشبعةٌ، ولا في الماء قوّةٌ مُروِيةٌ، ولا في العين قوّةٌ باصرةٌ، ولا في الأنف قوّةٌ شامّةٌ، ولا في السُّمِّ قوّةٌ قاتلةٌ، ولا في الحديد قوّةٌ قاطعةٌ؟ وأنّ الله لم يفعل شيئًا بشيءٍ، ولا فعلَ شيئًا لأجل شيءٍ. فهذا غاية توحيدهم الذي يَحُومون حوله، ويبالغون في تقريره. ولعَمْر الله لقد أضحكوا عليهم العقلاء، وأشمتوا بهم الأعداء، ونهجوا (١) لأعداء الرُّسل طريقَ إساءة الظّنِّ بهم، وجَنَوا على الإسلام والقرآن أعظمَ جنايةٍ، وقالوا: نحن أنصار الله ورسوله، الموكَّلُون بكسر أعداء الإسلام وأعداء الرُّسل. ولعمر الله لقد كسروا الدِّين وسلَّطوا عليه المبطلين. وقد قيل: إيّاك ومصاحبةَ الجاهل، فإنّه يريد أن ينفعك فيضرُّك. فقِفْ مع الأسباب حيث أُمِرْتَ بالوقوف، وفارِقْها حيث أُمِرْتَ بمفارقتها، كما فارقها الخليلُ وهو في تلك السفرة من المنجنيق، حيث عرض له [جبريل] (٢) أقوى الأسباب، فقال: ألك حاجةٌ؟ فقال: أمّا إليك فلا (٣).

стр. 2356

ودُرْ معها حيث دارت، ناظرًا إلى مَن أزِمَّتُها بيديه، والتفتْ إليها التفاتَ العبد المأمور إلى تنفيذِ ما أُمِر به والتّحديقِ نحوه، وارْعَها حقَّ رعايتها، ولا تَغِبْ عنها ولا تَفْنَ عنها، بل انظر إليها وهي في رتبتها التي أنزلها الله إيّاها. واعلم أنّ غيبتك بمسبِّبها عنها نقصٌ في عبوديّتك، بل الكمال أنّ تشهد المعبود، وتشهد قيامك بعبوديّته، وتشهد أنّ قيامك به لا بك، ومنه لا منك، وبحوله وقوّته لا بحولك وقوّتك. ومتى خرجتَ عن ذلك وقعتَ في انحرافين، لابدَّ لك من أحدهما: إمّا أن تغيب بها عن المقصود لذاته، لضعف نظرك وعقلك، وقصور علمك ومعرفتك، وإمّا أن تغيب بالمقصود عنها، بحيث لا تلتفت إليها. والكمالُ أن يُسلِّمك الله من الانحرافين، فتبقى عبدًا ملاحظًا للعبوديّة، ناظرًا إلى المعبود، والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله. * * * *

стр. 2357

فصل قال شيخ الإسلام (١): (باب الوجود. أطلق الله تعالى في القرآن اسم الوجود صريحًا في مواضع، فقال: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، ﴿اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]، ﴿شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ [النور: ٣٩]. الوجود: الظَّفَر بحقيقة الشّيء، وهو اسمٌ لثلاثة معانٍ، أوّلها: وجود علمٍ لدنِّيٍّ، يقطع علوم الشّواهد في صحّة مكاشفة الحقِّ إيّاك (٢)، والثّاني: وجودُ الحقِّ وجودَ عينٍ منقطعًا عن مَساغِ الإشارة، والثّالث: وجود مقام اضمحلال رسم الوجود فيه بالاستغراق في الأوّليّة) (٣). هذا الباب هو العلم الذي شمَّر إليه القوم، والغاية التي قصدوها، ولا ريبَ أنّهم قصدوا معنًى صحيحًا، وعبّروا عنه بالوجود، واستدلُّوا عليه بهذه الآيات ونظيرها، ولكن ليس مقصودهم ما تضمّنه الوجدان (٤) في هذه الآيات، فإنّه وجدان لمطلوب تعلّق باسمٍ أو صفةٍ، قال تعالى: ﴿أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]، فهذا وجودٌ مقيّدٌ بظَفَرهم بمغفرة الله ورحمته لهم. وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ

стр. 2358

يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، ومعناه: أنّه يجد ما ظنّه من مغفرة الله، فيجد مغفرة الله له حاصلةً. وكذلك: ﴿شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩]، فهذا وجدان الكافر لربِّه عند حسابه له على أعماله، وليس هذا هو الوجود الذي يشير إليه القوم، بل منه الأثر المعروف: «ابنَ آدم، اطلُبْني تجِدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلّ شيءٍ، وإن فتُّك فاتَك كلُّ شيءٍ، وأنا أَحبُّ إليك من كلِّ شيءٍ» (١)، ومنه الحديث: «أنا عند ظنِّ عبدي بي» (٢)، ومنه الأثر الإسرائيليُّ: أنّ موسى ﷺ قال: يا ربِّ أين أجدُك؟ قال: عند المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي (٣). ومنه الحديث الصّحيح: «إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: عبدي، استطعمتُك فلم تُطعِمْني، قال: يا ربِّ كيف أُطعِمك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: استطعمَك عبدي فلانٌ فلم تُطعِمه، أَمَا لو أطعمتَه لوجدتَ ذلك عندي. عبدي، استسقيتُك فلم تَسْقِني، قال: يا ربِّ كيف أَسْقِيك (٤) وأنت ربُّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلانٌ فلم تَسْقِه، أَمَا لو سقيتَه لوجدتَ ذلك عندي. عبدي، مرضتُ فلم تَعُدْني، قال: يا ربِّ، كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: مرض عبدي فلانٌ فلم تعده، أَمَا لو عُدْتَه لوجدتَني عنده» (٥). فتأمّلْ قولَه في الإطعام والإسقاء: «لوجدتَ ذلك عندي» أي: لوجدتَ

стр. 2359

جزاءه وثوابه عندي. وقوله في العيادة: «لوجدتَني عنده»، ولم يقل: لوجدت ذلك عندي، إيذانًا بقُربِه من المريض، وأنّه عنده، لذلِّه وخضوعه، وانكسار قلبه، وافتقاره إلى ربِّه، فأوجب ذلك له وجود الله عنده. هذا، وهو فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه، وهو عند عبده. فوجودُ العبد ربَّه ظَفَرهُ بالوصول إليه. والناس ثلاثةٌ: سالكٌ، وواصلٌ، وواجدٌ. فإن قلت: اضرِبْ لي مثلًا أفهم به معنى الوصول في هذا الباب والوجود. قلت: إذا بلغَك أنّ بمكان كذا وكذا كنزًا عظيمًا، من ظَفِرَ به أو بشيء منه (١) استغنى غِنَى الدهر، وترحّل عنه الفقر والعُدْم، فتحرّكتْ نفسُه للسير إليه، فأخذ في التأهُّب للمسير (٢)، فلمّا جدَّ به السيرُ انتهى إلى الكنز ووصل إليه، ولكن لم يظفَرْ بتحويله إلى داره وحصولِه عنده بعدُ، فهو واصلٌ غير واجدٍ، والذي في الطريق سالكٌ، والقاعد عن الطلب منقطعٌ، وآخذُ (٣) الكنزِ ــ بحيث حصل عنده، وصار في داره ــ واجدٌ. فهذا المعنى حولَه حام القوم، وعليه دارت إشارتُهم، فعندهم التواجد بدايةٌ، والوجد واسطةٌ، والوجود نهايةٌ. ومعنى ذلك: أنّه في الابتداء يتكلَّف التواجد، فيقوى عليه حتّى يصير

стр. 2360

واجدًا (١)، ثمّ يستغرق في وجده حتّى يصل إلى موجوده. ويستشكل قول أبي الحسن النُّوريِّ ﵀: أنا منذ عشرين سنةً بين الوجد والفقد، إذا وجدتُ ربِّي فقدت قلبي، وإذا وجدتُ قلبي فقدت ربِّي (٢). ومعنى هذا: أنّ الوجود الصّحيح يُغيِّب الواجدَ عنه، ويُجرِّده منه، فيفنى بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، فإذا وجد الحقيقة غاب عن قلبه وعن صفاته، وإذا غابت عنه الحقيقة بقي مع صفاته. وفي هذا قيل (٣): وجودي أن أغيبَ عن الوجودِ ... بما يبدُو عليَّ من الشُّهودِ وما في الوجدِ موجودٌ ولكن ... فخرتُ بوجْدِ موجودِ الوجود وقد مُثِّل التواجد والوجد والوجود بمشاهدة البحر وركوبه والغرق فيه، فقيل: التّواجد يوجب استيعابَ العبد، والوجد يوجب استغراقَ العبد، والوجود يوجب استهلاك العبد. وهذه عباراتٌ واستعاراتٌ للمراتب الثّلاثة، وهي البداية والتوسُّط والنِّهاية. والسُّلوك والوصول عندهم قصودٌ، ثمّ ورودٌ، ثمّ شهودٌ، ثمّ وجودٌ، ثمّ خمودٌ، فيَقْصِد أوّلًا، ثمّ يَرِد، ثمّ يشهد، ثمّ يجد، ثمّ تَخْمُد نفسُه وتذهبُ بالكلِّيّة. والوجد ما يرِد على الباطن من الله تعالى يُكسِبه فرحًا أو حزنًا، وهو

стр. 2361

فرحةٌ يجدها المغلوب عليه بصفاتٍ شريفةٍ ينظر إلى الله منها. والتواجد استجلاب الوجد بالتذكُّر والتفكُّر، كاتِّساع فرجة الوجد بالخروج إلى فضاء الوجدان، ولا وجْدَ عندهم مع الوجدان، كما لا خبر مع العيان، فالوجد عُرضةٌ للزّوال، والوجود (١) ثابتٌ ثبوت (٢) الجبال، وقد قيل (٣): قد كان يُطرِبني (٤) وَجْدي فأقعدَني ... عن رؤية الوجد مَن (٥) بالوجدِ موجود والوجد يُطرِب مَن في الوجد راحتُه ... والوجدُ عند حضور الحقِّ مفقودُ فالتّواجد: استدعاء الوجد بنوع اختيارٍ وتكلُّفٍ، وليس لصاحبه كمال الوجد، إذ لو كان له ذلك لكان وجدًا، وباب التّفاعل يُنبِئ عن ذلك، فإنّ مبناه على إظهار الصِّفة، وليست كذلك، كما قال (٦): إذَا تَخَازرتُ وما بي مِن خَزَرْ وقد اختلف الناس في التواجد: هل يُسلَّم لصاحبه؟ على قولين، فقالت

стр. 2362

طائفةٌ: لا يسلَّم لصاحبه، لما فيه من التكلُّف وإظهار ما ليس عنده، وقومٌ قالوا: يسلَّم للصادق الذي ترصَّد لوجدان المعاني الصحيحة، كما قال النبيُّ ﷺ : «ابكُوا، فإن لم تبكُوا فتباكَوْا» (١). والتحقيق: أنّ صاحب التواجد إن تكلَّفه لحظٍّ وشهوة نفسٍ لم يُسلَّم له، وإن تكلَّفه لاستجلاب حالٍ أو مقامٍ مع الله سُلِّم له، وهذا يُعرَف من حالِ المتواجد وشواهدِ صدقه وإخلاصه. فصل وقد تكلّم في «الوجود» الفلاسفة والمتكلِّمون والاتِّحاديّة بما هو أبعد شيءٍ عن الصواب: هل وجود الشّيء عين ماهيَّته أو غير ماهيَّته؟ أو وجود القديم نفسُ ماهيَّته ووجودُ الحادث زائدٌ على ماهيَّته؟ وكلُّ هذه الأقوال خطأٌ، وأصحابها كخابطِ عَشْواء. والتحقيق: أنّ الوجود والماهيّة إن أُخِذا ذهنيَّينِ فالوجود الذِّهنيُّ عين الماهيّة الذِّهنيّة، وكذلك إن أُخِذا خارجيّين اتَّحدا أيضًا، فليس في الخارج وجودٌ زائدٌ على الماهيّة الخارجة، بحيث يكون كالثوب المشتمل على البدن، هذا خيالٌ محضٌ. وكذلك حصول الماهيّة في الذِّهن هو عين وجودها، فليس في الذِّهن ماهيّةٌ ووجودٌ متغايرينِ (٢)، بل إن أُخِذ أحدهما ذهنيًّا والآخر خارجيًّا، فأحدهما غير الآخر.

стр. 2363

وليس المقصود بحث هذه المسألة، فإنّها بعيدةٌ عمّا نحن فيه، وهي من وظائف أرباب الجدل والكلام والفلسفة، لا من وظائف أرباب القلوب والمعاملات، فهؤلاء هِمَمُهم أن يجدوا مطلوبهم ويَظْفَروا به، وأولئك شاكُّون في وجوده: هل هو عين ماهيّته أو زائدٌ على ماهيّته؟ وهل هو وجود مجرَّد مطلقٌ لا يُضاف إليه وصفٌ ولا اسمٌ؟ أم وجودٌ خاصٌّ تُضاف إليه الصِّفات والأسماء؟ فهؤلاء في وادٍ وهؤلاء في وادٍ. وأعظم الخلق كفرًا وضلالًا: من زعم أنَّه (١) نفسُ وجودِ هذه الموجودات، وأن عين وجوده فاض عليها فاكتست من وجوده، فاتّخذ حجابًا من أعيانها، واكتست جلبابًا من وجوده. ولُبِّس عليهم ما لُبِّس على ضعفاء العقول والبصائر من عدم التفريق بين وجود الحقِّ سبحانه وإيجاده، وأنّ إيجاده هو الذي فاض عليها، وهو الذي اكتسته (٢)، وأمّا وجوده فمختصٌّ به لا يشاركه فيه غيره، كما هو مختصٌّ بماهيّته وصفاته، فهو بائنٌ عن خلقه، والخلق بائنون عنه، فوجودُ ما سواه مخلوقٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، حاصلٌ بإيجاده له، فهو الذي أعطى كلّ شيءٍ خَلْقه ووجودَه المختصَّ به، وبان بذاته وصفاته ووجوده عن خلقه. فصل قوله: (الوجود: اسمٌ للظّفر بحقيقة الشيء)، هذا الوجود الذي هو مصدر وجد الشيء يجده وجودًا، ووجد ضالّته وجدانًا. وفي «الصِّحاح» (٣):

стр. 2364

أوجدَه الله مطلوبَه أي أظفَرَه به، وأوجَدَه أي أغناه. قلتُ: أي جعله ذا جِدَةٍ، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. ويقال: وجدَ فلانٌ وُجْدًا ووَجْدًا ووِجْدًا ــ بضمِّ الواو وفتحها وكسرها ــ إذا صار ذا جِدَةٍ وثروةٍ، ووُجِد الشّيء فهو موجودٌ وأوجده الله. ويقال: وجدَ الله الشّيءَ كذا وكذا، على غير معنًى أوجده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. فالله سبحانه أوجدَه على علمه بأنه يكون على صفةٍ، ثمّ وجده بعد إيجاده على تلك الصِّفة التي علم أنه يكون عليها. وأمّا الواجد في أسمائه سبحانه فهو بمعنى ذو الوجد والغنى، وهو ضدُّ الفاقد، وهو كالمُوسِع ذي السّعة، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]، أي ذو سعةٍ وقدرةٍ وملكٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. ودخل في أسمائه سبحانه الواجد دون الموجد، فإنّ الموجد صفة فعلٍ، وهو مُعطِي الوجود، كالمحيي معطي الحياة، وهذا الفعل لم يجئ إطلاقه في أفعال الله في الكتاب ولا في السُّنّة، فلا يُعرف إطلاقُ: أوجد الله كذا وكذا، وإنّما الذي جاء: خلَقه وبَرَأَه وصَوَّره وأعطاه خَلْقه ونحو ذلك، فلمّا لم يُستعمل فعله لم يجئ اسم الفاعل منه في أسمائه الحسنى، فإنّ الفعل أوسعُ من الاسم. ولهذا أطلق على نفسه أفعالًا لم يَتَسمَّ منها بأسماء الفاعل، كأراد وشاء وأحدثَ ولم يُسَمِّ نفسَه بالمريد والشّائي والمُحدِث، كما لم يُسمِّ نفسَه بالصّانع والفاعل والمُتْقِن وغير ذلك من الأسماء التي أطلقَ أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسعُ من باب الأسماء.

стр. 2365

وقد أخطأ أقبحَ خطأٍ من اشتَقَّ له من كلِّ فعلٍ اسمًا، وبلغ بأسمائه زيادةً على الألف، فسمّاه الماكر والمُخادع والفاتن والكائد ونحو ذلك. وكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسعُ من تسميته به، فإنّه يُخبَر عنه بأنّه شيءٌ وموجودٌ ومذكورٌ ومعلومٌ ومرادٌ ولا يُسمّى بذلك. فأمَّا الواجد فلم تجئ تسميته به إلّا في حديث تعداد الأسماء الحسنى (١)، والصحيح: أنّه ليس من كلام النبيِّ ﷺ ، ومعناه صحيحٌ، فإنه ذو الوجد والغنى، فهو أولى بأن يُسمَّى به من الموجود ومن المُوجِد. أمّا الموجود (٢) فإنّه منقسمٌ إلى كاملٍ وناقصٍ، وخيرٍ وشرٍّ، وما كان مسمّاه منقسمًا لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى، كالشيء والمعلوم، ولذلك لم يُسَمَّ بالمريد ولا بالمتكلِّم، وإن كان له الإرادة والكلام، لانقسام مسمّى المريد والمتكلِّم. وأمّا المُوجِد فقد سمّى نفسه بأكمل أنواعه، وهو الخالق البارئ المصوِّر، فالمُوجِد كالمُحدِث والفاعل والصّانع. وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى، فتأمَّلْه، وبالله التّوفيق. فصل الظَّفَر بحقيقة الشّيء، إن كان في باب العلم والمعرفة فهو معرفةٌ تجري فوق حدود العلم، وإن كان للمعاين كان معاينةً، وهو فوق المعرفة، وإن كان للطّالب فهو جمعيَّتُه له بكلِّه على مطلوبه، وإن كان لصاحب الجَمْع كان

стр. 2366

جمعيّةً وجوديّةً تُفْنِيه عمّا سوى الحق. قوله: (هو اسمٌ لثلاث معانٍ، أوّلها: وجود علمٍ لَدُنِّيٍّ، يقطع علوم الشواهد)، العلم اللَّدُنِّيُّ عندهم هو المعرفة، وسُمِّي لدنِّيًّا لأنّه تعريفٌ من تعريفات الحقِّ، واردٌ على قلب العبد، يقطع الوساوس، ويُزِيل الشُّكوك، ويحلُّ محلَّ العيان، فيصير لصاحبه كالوجدانيّات التي لا يمكن دفعها عن النّفس، ولذلك قال: (يقطع علوم الشواهد)، فعلوم الشواهد عنده من علوم الاستدلال، وهي تنقطع بوجدان هذا العلم، أي يرتقي صاحبه عنها إلى ما هو أكمل منها، لا أنّها يَبطُل حكمُها، ويزول رسمها، ولكن صاحب الوجود قد ارتقى عن العلم الحاصل بالشواهد إلى العلم المُدْرَك بالذَّوق والحسِّ الباطن. قوله: «في صحّة مكاشفة الحقِّ إيّاك» متعلِّقٌ بقوله: «يقطع علوم الشواهد» , أي يقطعها في كون الحقِّ كشف لك كشفًا صحيحًا، قطع عنك الحاجة إلى الشواهد والأدلّة. قوله: «و الثاني: وجود الحقِّ وجود عينٍ» ، أي وجود معاينةٍ لا وجود خبرٍ، ومراده: معاينة القلب له بحقيقة اليقين. قوله: «منقطعًا عن مَسَاغِ الإشارة» , لمّا كانت الدرجة الأولى وجود علمٍ، وهذه وجود عيانٍ= قام العيان فيها مقام الإشارة، فأغنى عنها، فإنّ العلم قد يكون ضروريًّا، وقد يكون نظريًّا. والضّروريُّ أبعدُ عن الالتفات، وتطرُّقِ الآفات، وعدمِ الغفلات، فصاحبه يشاهد معلومه بنور البصيرة، كما يشاهد المُبْصَرات بنور البصر. ولمَّا كانت مرتبة المعرفة فوق مرتبة العلم عندهم، ومرتبة الشّهود فوق مرتبة المعرفة, ومرتبة الوجود فوق مرتبة

стр. 2367

الشُّهود= كانت العبارة في مرتبة العلم والمعرفة، والإشارة في مرتبة الشُّهود، فإذا وصل إلى مرتبة الوجود انقطعت الإشارات، واضمحلَّت العبارات، فإنّ صاحب الوجود في حضرة الوجود، فما له وما للإشارة؟ إذ الإشارة (١) في هذا الباب إنّما تكون إلى غائبٍ بوجهٍ ما. قوله: (و الثالث: وجود مقام اضمحلال رسمِ الوجود فيه بالاستغراق في الأوَّليَّة (٢)). هذا كلامٌ فيه قلقٌ وتعقيدٌ، وهو باللُّغز (٣) أشبه منه بالبيان. وحقيقة هذه الدّرجة: أنّها تَشْغَل صاحبَها بموجوده عن إدراك كونه واجدًا، فلم تبقَ فيه بقيّةٌ يتفطّن بها لكونه مُدرِكًا لموجوده، لاستيلائه على قلبه، فقد قهَرَه ومحَقَه عن شعوره بكونه واجدًا لموجوده، فهو حاضرٌ مع الحقِّ، غائبٌ عن كلِّ ما سواه. فالدرجة الأولى وجود علمٍ، والثانية وجود عيانٍ، والثالثة وجود مقامٍ اضمحلّ فيه ما سوى الموجود، وهذا معنى (اضمحلال رسم الوجود فيه)، ولهذا قال: (بالاستغراق في الأوَّليَّة (٤))، فإنّه إذا استغرق في شهود الأوَّليَّة اضمحلَّ في هذا الشُّهود كلُّ حادثٍ، والله أعلم. * * * *

стр. 2368

فصل قال (١): (باب التجريد. قال الله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]. التجريد: انخلاعٌ عن شهود الشّواهد، وهو على ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين، والدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم، والدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد). وجه الإشارة بالآية ــ وليس هو تفسيرها ولا المراد بها ــ أنه سبحانه أمره أن يخلع نعليه عند دخوله ذلك الوادي المقدَّس، إمَّا لينال أخمصُ قدميه بركةَ الوادي، وإمّا لأنّهما كانتا ممَّا لا يصلُح أن يباشر ذلك المكان بهما، كما قيل: كانتا من جلد حمارٍ غير ذكيٍّ (٢)، وعلى كلِّ حالٍ فهو أمرٌ بالتجرُّد من النعلين في ذلك المكان وتلك الحال. وموضع الإشارة: أنّه أُمر بالتجرُّد من نعليه عند دخول الوادي، فعلم أنّ التجرُّد شرطٌ للدخول فيما لا يصلح الدُّخول فيه إلّا بالتجرُّد. وعلى هذا، فيقال لمن أراد الوصول إلى الله سبحانه والدُّخول عليه: اخلَعْ من قلبك ما سواه، وادخُلْ عليه، وأوّلُ قدمٍ تدخل بها في الإسلام: أن تخلع الأنداد والأوثان التي تُعبد من دون الله، وتتجرَّد منها، فكأنّه قيل له: اطرَحْ عنك ما لا يكون صالحًا للوطء به على هذا البساط. أو لأنَّ ذلك الوادي لمَّا كان من أشرف الأودية وأطهرها, ولذلك اختاره سبحانه على غيره من الأودية لتكليم نبيِّه وكليمه, فأمره سبحانه أن يُعظِّم ذلك الوادي بالوطء فيه حافيًا، كما يُوطَأ

стр. 2369

بِساطُ الملك، وصار ذلك سنّةً في بني إسرائيل في مواضع صلواتهم وكنائسهم. وشريعتُنا جاءت بخلاف ذلك، فصلّى النبيُّ ﷺ في نعلَيه، وأمر الصحابة أن يصلُّوا في نعالهم، وقال: «إنّ اليهود والنّصارى لا يُصلُّون في نعالهم فخَالِفوهم» (١). فالسنّة في ديننا الصلاةُ في النِّعال، نصَّ عليه الإمام أحمد ﵀، وقيل له: أيصلِّي الرّجلُ في نعليه؟ فقال: إي والله (٢). فصل قوله: (التّجريد: الانخلاع عن شهود الشّواهد)، الشّواهد عنده: هي ما سوى الحقِّ. والانخلاع عن شهودها هو غَيْبة الشّاهد بمشهوده عن شهوده، وذلك يكون في مقام المعاينة، فإنّه لا ينخلع عن شهود الشّواهد إلّا إذا كان معاينًا للمشهود. قوله: (الدّرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين) ، أي تجريد حقيقة الكشف عن كسب اليقين، أي يعزل ما اكتسبه من اليقين العلميِّ بالكشف الحقيقيِّ، فيُجرِّد الكشفَ أي يُخلِّصه ويُعرِّيه عن الالتفات إلى اليقين، فيَعزِل ما اكتسبه من اليقين العلميِّ بالكشف الحقيقيِّ. فصل قال: (الدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم) . عين الجمع هو حقيقة الجمع، وتجريده هو أن لا يشهد للعلم فيها أثرًا،

стр. 2370

فإنّ العلم من آثار الرُّسوم، وحقيقة الجمع تمحو الرُّسوم، فصاحب هذه الدّرجة أبدًا في تجرُّدٍ وتجريدٍ. والدّرك هو الإدراك في هذا الموضع، ويحتمل أن يراد به أنّ درجة العلم أسفلُ من درجة عين الجمع، فيجرّد الجمع عن الدرجة التي هي أسفلُ منه، وقد اعترفوا بأنّ هذا حال المولَّهين في الاستغراق في الجمع. ولعمر الله إنّ ذلك ليس بكمالٍ، وهو أصلٌ من أصول الانحلال، فإنّه إذا تجرّد من العلم وما يوجبه فقد خرج عن النُّور الذي يَكشِف له الحقائق، ويُميِّز له بين الحقِّ والباطل والصحيح والفاسد، فالكشف وشهود الحقيقة إذا تجرّد عن العلم فقد ينسلخ صاحبه عن أصل الإيمان وهو لا يشعر. وأحسنُ من هذا أن يقال: هو تجريد الجمع عن الوقوف مع مجرّد العلم، فلا يرضى بالعلم عن مقام جمعيّة حاله وقلبه وهمِّه على الله تعالى، بل يرتقي من درجة العلم إلى درجة الجمع مصاحبًا للعلم، غيرَ مفارقٍ لأحكامه، ولا جاعلٍ له غايةً يقف عندها. قوله: (الدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد) . يعني: أن لا يشهد تجريده، لأنّ تجريدَه من صفاته وأفعاله، وصاحب هذه الدّرجة دائمًا قد فني عمّا سوى الحقِّ، فكيف يتّسع مع ذلك لشهود وصفه وفعله؟ بل أفناه تجريده عن شهود تجريده. * * * *

стр. 2371

فصل قال (١): (باب التفريد. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]. التفريد: اسمٌ لتخليص (٢) الإشارة إلى الحقِّ، ثمَّ بالحقِّ، ثمَّ عن الحقِّ). الشّيخ ﵀ جعل التفريد غير التجريد وجعله بعده، والفرق بينهما: أنّ التجريد انقطاعٌ عن الأغيار، والتفريد إفراد الحقِّ بالإيثار، فالتجريد متعلِّقٌ بالعبوديّة، والتفريد متعلِّق بالمعبود، وجعله ثلاث درجاتٍ: تخليص (٣) الإشارة إلى الحقِّ، ثمَّ به، ثمَّ عنه. فهاهنا أمران، أحدهما: تخليص الإشارة، والثّاني: متعلَّق الإشارة. فأمّا تخليصها: فهو تجريدها ممّا يزاحمها ويخالطها. وأمّا متعلَّقها فثلاثة أمورٍ: الإشارة إلى الحقِّ، وبه، وعنه. فالإشارة إليه غايةٌ، والإشارة به وجودٌ، والإشارة عنه إخبارٌ وتبليغٌ. فمن خلصت إشارته إلى الحقِّ كان من المخلصين، ومن كانت إشارته به فهو (٤) من الصّادقين، ومن كانت إشارته عنه فهو من المبلِّغين (٥)، ومن اجتمعت له الثّلاثة فهو من الأئمّة العارفين،

стр. 2372

فالكمال أن يشير إليه به عنه. فتخليص الإشارة إليه هو حقيقة الإخلاص، وتخليص الإشارة به هو حقيقة الصدق، وتخليص الإشارة عنه هو حقيقة المتابعة، وذلك هو محض الصِّدِّيقيّة، فمتى اجتمعت هذه الثّلاثة في العبد فقد خُلِعَت عليه الصِّدِّيقيّة، فما كلُّ من أشار إلى الله أشار به، ولا كلُّ من أشار به أشار عنه. والرُّسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ هم الذين كمَّلوا المراتب الثلاثة، فخلصت إشارتهم إلى الله وبه وعنه من كلِّ شائبةٍ، ثمّ الأمثل فالأمثل على منهاجهم. وما أكثرَ ما تشتبه الإشارة إلى الله وبه بالإشارة إلى النّفس والإشارة بها، فيشير بنفسه إلى نفسه ظانًّا أنّ إشارته بالله وإلى الله، ولا يميِّز بين هذا وهذا إلّا خواصُّ العارفين، الفقهاء في معرفة الطّريق والمقصود. وهاهنا انقطع من انقطع، واتَّصل من اتَّصل. ولا إله إلّا الله! كم مَن (١) تنوَّعَ في الإشارة، وبالغ ودقَّق وحقَّق، ولم تَعْدُ إشارتُه نفسَه وهو لا يعلم، أشار بنفسه وهو يظنُّ أنّه أشار بربِّه، وإنّ فَلَتاتِ لسانه ورائحة كلامه لتنادي عليه: أنا، وعنِّي. فإذا خلصت الإشارة ــ بالله، وإلى الله، وعن الله ــ من جميع الشوائب؛ كانت متّصلةً بالله، خالصةً له، مقبولةً لديه، راضيًا بها. وعلى هذا كان حرصُ السابقين الأوّلين، لا على كثرة العمل، ولا على تدقيق الإشارة، كما قال بعض الصّحابة: لو أعلم أنّ الله قبِلَ منِّي عملًا واحدًا لم يكن غائبٌ أحبّ إليّ من الموت (٢). وليس هذا على معنى أنّ أعماله كانت لغير الله تعالى، أو على

стр. 2373

غير سنّة رسوله ﷺ ، فشأن القوم كان أجلَّ من ذلك، ولكن على تخليص الأعمال من شوائب النُّفوس ومشاركاتِ الحظوظ، فكانوا يخافون ــ لكمال علمهم بالله وحقوقه عليهم ــ أنّ أعمالهم لم تخلص من شوائب حظوظهم ومشاركات نفوسهم، بحيث تكون متمحِّضةً لله وبالله، ومأخوذةً عن الله، فمن وصلَ له عملٌ واحدٌ على هذا الوجه وصل إلى الله، والله تعالى شكورٌ، إذا رضي من العبد عملًا من أعماله نجَّاه، وأسعده به، وثمَّره له، وبارك له فيه، وأوصله به إليه، وأدخله به عليه، ولم يقطعه به عنه. فما أكثرَ المنقطعين بالإشارة عن المشار إليه، وبالعبادة عن المعبود، وبالمعرفة عن المعروف! فتكون الإشارات والمعارف قبلةَ قلبه، وغايةَ قصده، فيتغذّى بها، ويجد من الأنس بها والذّوق والوجد ما يسكن قلبه إليه، ويطمئنُّ به، ويظنُّ أنّه الغاية المطلوبة، فيصير قلبه محبوسًا عن ربِّه وهو لا يشعر، وتصير نفسه راتعةً في رياض العلوم والمعارف واجدةً لها، وهو يظنُّ أنّه قد وصل واتَّصل، وعلى منزلة الوجود حصل، فهو دقيق الإشارة، لطيف العبارة، فقيهٌ في مسائل السُّلوك، وبينه وبين الله حجابٌ لم ينكشف عنه. وإنّما يرتفع هذا الحجاب بحال التجريد والتفريد، لا بمجرَّد علم ذلك؛ فبتفريدِ المعبود المطلوب المقصود عن غيره، وبتجريدِ القصد والطّلب، والإرادة والمحبّة، والخوف والرّجاء، والإنابة والتّوكُّل، واللّجأ له عن الحظوظ وإرادات النفس= ينكشف عن القلب حجابُه، ويزول عنه ظلامه، ويطلع فيه فجر التوحيد، وتَبزُغ فيه شمسُ اليقين، وتستبين له الطريقُ الغرَّاء، والمحجَّةُ البيضاء التي ليلها كنهارها.

стр. 2374

فصل قال (١): (فأمّا تفريد الإشارة إلى الحقِّ فعلى ثلاث درجاتٍ: تفريد القصد عطشًا، ثمّ تفريد المحبّة تلفًا، ثمّ تفريد الشُّهود اتِّصالًا). وذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمورٍ: تفريد القصد والمحبّة والشُّهود، فالقصد بدايةٌ، والشُّهود نهايةٌ، والمحبّة واسطةٌ، فيُفرد قصدَه وحبَّه وشهودَه، وذلك يتضمّن إفراد مطلوبه ومحبوبه ومشهوده، فيكون فردًا لفردٍ، فلا ينقسم طلبه ولا حبُّه ولا شهوده، ولا ينقسم مطلوبه ومحبوبه ومشهوده، فتفريد الطّلب والمحبّة والشُّهود صدقٌ، وتفريد المطلوب والمحبوب والمشهود إخلاصٌ. فالصِّدق والإخلاص: هو أن تبذل كلَّك لمحبوبك وحده، ثمّ تحتقر ما بذلتَ في جنْبِ ما يستحقُّه، ثمّ لا تنظر إلى بَذْلِك. وقيَّد تفريد القصد بالعطش، وتفريد المحبَّة بالتَّلَف، وتفريد الشُّهود بالاتِّصال. والعطش ــ كما قال ــ: هو غلبة ولوعٍ بمأمولٍ، والتَّلَف: هو المحبّة المهلكة، والاتِّصال: سقوط الأغيار عن درجة الاعتبار. فهذا حكم التفريد في الدرجة الأولى. قال (٢): (وأمّا تفريد الإشارة بالحقِّ فعلى ثلاث درجاتٍ: تفريد الإشارة بالافتخار بَوْحًا، وتفريد الإشارة بالسُّلوك مطالعةً، وتفريد الإشارة بالقبض غيرةً).

стр. 2375

ذكر أيضًا في هذه الدّرجة ثلاثة أمورٍ: الافتخار والسُّلوك والقبض، فالافتخار نوعان: مذمومٌ ومحمودٌ، فالمذموم: إظهار مرتبته على أبناء جنسه ترفُّعًا عليهم، وهذا غير مرادٍ، والمحمود: إظهار الأحوال السّنيّة والمقامات الشريفة بَوْحًا بها، أي تصريحًا وإعلانًا، لا على وجه الفخر، بل على وجه تعظيم النِّعمة، والفرح بها، وذكرها، ونشرها، والتحدُّث بها، والتّرغيب فيها، وغير ذلك من المقاصد في إظهارها، كما قال النبيُّ ﷺ : «أنا سيِّد ولد آدم ولا فخْرَ، وأنا أوّل من تنشقُّ عنه الأرض يومَ القيامة ولا فَخْرَ، وأنا أوّل شافعٍ ومشفَّعٍ ولا فَخْرَ» (١). وقال سعد بن أبي وقاصٍ: أنا أوّل من رمى بسهمٍ في سبيل الله (٢). وقال أبو ذرٍّ ﵁: لقد أتى عليَّ كذا وكذا وإنِّي لثُلُث الإسلام (٣). وقال عليٌّ ﵁: إنّه (٤) لعهد النبيِّ الأمِّيِّ إليّ: أنْ لا يُحِبّني إلّا مؤمنٌ، ولا يُبغِضني إلّا منافقٌ (٥). وقال عمر ﵁: وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ (٦). وقال عليٌّ

стр. 2376

ــ وأشار إلى صدره ــ: إنّ هاهنا علمًا جَمًّا، لو أصبتُ له حملةً (١). وقال عبد الله بن مسعودٍ: أخذتُ من فِي رسول الله ﷺ سبعين سورةً، وإنّ زيدًا ليلعب مع الغلمان (٢). وقال أيضًا: ما من كتاب الله آيةٌ إلّا وأنا أعلم أين نزلت؟ وماذا أريد بها؟ ولو أعلم أنّ أحدًا أعلم بكتاب الله منِّي تبلغه الإبل لرحلت إليه (٣). وقال بعض الصّحابة: لأَنْ تختلف فيَّ الأسنَّةُ أحبُّ إليَّ من أن أحدِّث نفسي في الصلاة بغير ما أنا فيه (٤). وهذا أكثر من أن يُذكر. والصادق تختلف عليه الأحوال، فتارةً يبوح بما أولاه ربُّه، ومنَّ عليه به، لا يطيق كتمان ذلك، وتارةً يُخفِيه ويكتمه، لا يطيق إظهاره، وتارةً يقبض، وتارةً يبسط وينشط، وتارةً يجد لسانًا قائلًا لا يسكت، وتارةً لا يقدر أن ينطق بكلمةٍ، وتارةً تجده ضاحكًا مسرورًا، وتارةً باكيًا حزينًا، وتارةً يجد جمعيّةً لا سبيلَ للتّفرقة عليها، وتارةً تفرقةً لا جمعيَّةَ معها، وتارةً يقول: واطرباه! وأخرى يقول: واحُزناه! بخلاف من هو على لونٍ واحدٍ لا يوجد على غيره، فهذا لونٌ والصّادق لونٌ.

стр. 2377

وقوله: (وتفريد الإشارة بالسُّلوك مطالعةً)، أي تجريد الإشارة إلى المطلوب بالسُّلوك اطِّلاعًا على حقائقه. وقوله: (وتفريد الإشارة بالقبض غيرةً)، أي تخليص الإشارة إلى المطلوب بالقبض غيرةً عليه. والمقصود: أنّه تارةً يُفرِد إشارتِه بما أولاه الحقُّ، لا يكتمه ولا يخفيه، وتارةً يُفرد إشارته بحقائق السُّلوك اطِّلاعًا عليها، وإطْلاعًا لغيره، وتارةً يشير بالقبض غيرةً وسترًا، فيشير بالافتخار تارةً، وبالاطِّلاع تارةً، وبالقبض تارةً. فافتخارُه بالمنعم ونعمته، لا بنفسه وصفته، وإطْلاعُه لغيره تعليمٌ وإرشادٌ وتبصيرٌ، وقبضُه غيرةٌ وسترٌ. وحقيقة الأمر ما ذكرناه: أنّ الصّادق بحسب دواعي صدقه وحاله مع الله، وحكم وقته وما أقيم فيه. فصل قوله (١): (وأمّا تفريد الإشارة عن الحقِّ فانبساطٌ ببسطٍ ظاهرٍ، يتضمّن قبضًا خالصًا، للهداية إلى الحقِّ والدّعوة إليه). يريد أنّ صاحب هذه الإشارة منبسطٌ بسطًا ظاهرًا، مع أنّ باطنه مجموعٌ على الله، وهو القبض الخالص الذي أشار إليه، فهو في باطنه مقبوضٌ لِما هو فيه من جمعيَّته على الله، وفي ظاهره مبسوطٌ مع الخلق بسطًا ظاهرًا لقوّته، قصدًا لهدايتهم إلى الحقِّ، ودعوتهم إليه. وحاصل الأمر: أنّه مبسوطٌ بظاهره لدعوة الخلق إلى الله، ومقبوضٌ

стр. 2378

بباطنه عمّا سوى الله، وظاهره منبسطٌ مع الخلق، وباطنه منقبضٌ عنهم لقوَّة تعلُّقه بالله واشتغاله به عنهم، فهو كائنٌ بائنٌ، داخلٌ خارجٌ، متّصلٌ منفصلٌ. قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٧ - ٨٨]، فأمره بتجريد الدعوة إليه، وتجريد عبوديّته وحده، وهذان هما أصلا الدِّين وعليهما مداره، وبالله التوفيق. * * * *

стр. 2379

فصل قال (١): (باب الجمع: قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]). قلت: اعتقد جماعةٌ أنّ المراد بالآية: سلبُ فعل الرّسول ﷺ عنه وإضافتُه إلى الرّبِّ تعالى، وجعلوا ذلك أصلًا في الجبر، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرّبِّ تعالى وحده. وهذا غلطٌ منهم في فهم القرآن، ولو صحّ ذلك لوجب طرده [في جميع الأعمال] (٢)، فيقال: ما صلّيتَ إذ صلّيتَ، ولا صمتَ إذ صمتَ، ولا ضحَّيتَ إذ ضحَّيتَ، ولا فعلتَ كلَّ فعلٍ إذ فعلتَه، ولكنّ الله فعل ذلك. فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد: طاعاتهم ومعاصيهم، إذ لا فرق. وإن خصُّوه بالرّسول ﷺ وحده وأفعاله جميعها أو رميه وحده تناقضوا. فهؤلاء لم يوفَّقوا (٣) لفهم ما أريد بالآية. وبعد، فهذه الآية نزلت في شأن رميه ﷺ المشركين يوم بدرٍ بقبضةٍ من الحصى (٤)، فلم تدَعْ وجهَ أحدٍ منهم إلّا أصابته (٥). ومعلومٌ أنّ تلك الرّمية

стр. 2380

من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه ﷺ مبدأُ الرّمي، وهو الحذف (١)، ومن الرَّبِّ تعالى نهايتُه، وهو الإيصال. فأضاف إليه رميَ الحذف الذي هو مبدؤه، ونفى عنه رميَ الإيصال الذي هو نهايته (٢). ونظير هذا: قوله في الآية نفسها: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، ثمّ قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فأخبر: أنّه وحده هو الذي تفرَّد بقتلهم، ولم يكن ذلك بكم (٣) أنتم، كما تفرّد بإيصال الحصى إلى أعينهم، ولم يكن ذلك برسوله (٤). ولكن وجه الإشارة بالآية: أنّه سبحانه أقام أسبابًا ظاهرةً لدفع المشركين، وتولَّى دفعَهم وإهلاكَهم بأسبابٍ باطنةٍ غير الأسباب التي تظهر للنّاس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنُّصرة مضافًا إليه وبه، وهو خير النَّاصرين. قال (٥): (الجمعُ: ما أسقطَ التفرقة، وقطَع الإشارة، وشخَص عن الماء والطِّين، بعد صحّة التمكين، والبراءة من التلوين، والخلاص من شهود

стр. 2381

الثنويّة، والتّنافي من إحساس الاعتلال، والتنافي (١) من شهود شهودها. وهو على ثلاث درجاتٍ: جمعُ علمٍ، ثمّ جمعُ وجودٍ، ثمّ جمعُ عينٍ). قوله: (الجمع: ما أسقط التّفرقة) هذا حدٌّ غير محصِّلٍ للفرق بين ما يُحمَد ويُذَمُّ من الجمع والتفرقة، فإنّ «الجمع» ينقسم إلى صحيح وباطل ، و «التفرقة» تنقسم إلى محمودٍ ومذمومٍ، وكلٌّ منهما لا يُحمَد مطلقًا ولا يذَمُّ مطلقًا. فيراد بالجمع: جمعُ الوجود، وهو جمعُ الملاحدة القائلين بوحدة الوجود. ويريدون بالتفرقة: الفرق بين الوجود القديم والمحدَث، وبين الخالق والمخلوق، وأصحابه يقولون: الجمع: ما أسقَطَ هذه التفرقة، ويقولون عن أنفسهم: إنّهم أصحاب جمع الوجود. ولهذا صرَّحَ بما ذكرناه محقِّقُ الملاحدة (٢)، فقال: التفرقةُ اعتبارُ الفرق بين وجودٍ ووجودٍ، فإذا زال الفرقُ في نظر المحقِّق حصَل له حقيقةُ الجمع. ويراد بالجمع: الجمع في الإرادة والطلب على المراد المطلوب وحده، وبالتفرقة: تفرقة الهمّة والإرادة. وهذا هو الجمع الصحيح، والتفرقة المذمومة؛ فحدُّ الجمع الصحيح: ما أزال هذه التفرقة. وأمّا جمعٌ يزيل التفرقةَ بين الرَّبِّ والعبدِ، والخالق والمخلوق، والقديم والمحدَث= فأبطَلُ

стр. 2382

الباطل. وتلك التفرقةُ هي الحقُّ، وأهلُ هذه التفرقة هم أهل الإسلام والإيمان والإحسان، كما أنَّ أهلَ ذلك الجمع هم أهلُ الإلحاد والكفر. ويراد بالجمع: جمع الشُّهود، وبالتفرقة: ما ينافي ذلك. فإذا زال الفرقُ في نظر المشاهِد، وهو مُثْبِتٌ للفرق؛ كان ذلك جمعًا في شهوده (١) خاصَّةً، مع تحقُّقه بالفرق. وإذا عُرف (٢) هذا، فالجمعُ الصَّحيحُ: ما أسقط التفرقة الطبيعيّة (٣) النفسيّة، وهي التفرقة المذمومة. وأمّا التَّفرقةُ الأمريَّةُ الشَّرعيَّةُ بين المأمور والمحظور، والمحبوب والمكروه؛ فلا يُحمَد جمعٌ أسقَطَها، بل يُذَمُّ كلَّ الذّمِّ. وبمثل هذه المجملات دخل على أصحاب السُّلوك (٤) والإرادة ما دخل. قوله: (وقطَعَ الإشارةَ) هو من جنس قوله: (ما أسقط التفرقة). قال أهل الإلحاد: لمّا كانت الإشارة نسبةً بين شيئين: مشيرٍ، ومشارٍ إليه, كانت مستلزمةً للثنويّة، فإذا جاءت الوحدةُ الجمعيَّةُ وذهبت الثنويَّةُ انقطعت الإشارة (٥). وقال أهل التّوحيد: إنّما تنقطع الإشارة عند كمال الجمعيّة على الله، فلا

стр. 2383

يبقى في صاحب هذه الجمعيّة موضعٌ للإشارة؛ لأنّ جمعيّته على المطلوب المراد أغنَتْه عن الإشارة إليه. وأيضًا فإنّ جمعيّته أفنته عن نفسه وإشارته، ففي مقام الفناء تنقطع الإشارة لأنّها من أحكام البشريّة. قوله: (وشخَصَ عن الماء والطِّين). هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريد بالماء والطِّين بني آدم، ونفسُه من جملتهم. أي شخَصَ عن النظر إلى الناس والالتفاتِ إليهم وتعلُّقِ القلب بهم بالكلِّيّة. وخصَّهم بالذِّكر لأنَّ أكثرَ العلائق وأصعبَها وأشدَّها قطعًا لصاحبها هي علائقهم، فإذا شخَصَ قلبُه عنهم بالكلِّيّة، فعن غيرهم ممَّن هو أبعد إليه منهم أولى وأحرى. وفي ذكر الماء والطِّين تقريرٌ لهذا الشُّخوص عنهم، وتنبيهٌ على تعيُّنه ووجوبه، فإنَّ المخلوقَ من الماء والطِّين بشرٌ ضعيف، لا يملك لنفسه - ولا لمن تعلَّق به ــ جلبَ منفعةٍ ولا دفعَ مضرّةٍ، فإنَّ الماءَ والطِّينَ منفعلٌ لا فعَّالٌ، وعاجزٌ مهينٌ لا قويٌّ متينٌ، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، وأخبر أنّه خلَقَنا ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]. فحقيقٌ بابن الماء والطِّين أن يشخصَ عنه القلبُ، لا إليه؛ وأن يعوِّل على خالقه وحده، لا عليه؛ وأن يجعل رغبته كلَّها فيه وفيما لديه. المعنى الثاني الذي يحتمله كلامه: أن يشخَص عن أحكام الطبيعة السُّفليّة الناشئة من الماء والطِّين وعن متعلِّقاتها إلى أحكام الأرواح العلويّة. والله سبحانه ــ بحكمته وعجيب صنعه ــ جعل الإنسانَ مركّبًا من جوهرين: جوهرٍ طبيعيٍّ كثيفٍ وهو الجسم، وجوهرٍ روحانيٍّ لطيفٍ وهو

стр. 2384

الرُّوح، ومن شأن كلِّ شكلٍ أن يميل إلى شكله، ومن طبع كلِّ مِثْلٍ أن ينجذب إلى مِثله= صار (١) الإنسان ينجذب إلى العالم الطّبيعيِّ بما فيه من الكثافة، وإلى العالم الرُّوحانيِّ بما فيه من اللّطافة؛ فصارت في الإنسان قوّتان متضادّتان إحداهما: تجذبه سفلًا، والثّانية: تجذبه علوًا. فمن شخص عن طبيعة الماء والطِّين إلى محلِّ الأرواح العلويّة التي ليست من هذا العالم السُّفليِّ كان من أهل هذا الجمع المحمود الذي جمعه عن متفرِّقات النّفس والطّبع. قوله: (بعد صحّة التمكين، والبراءة من التلوين، والخلاص من شهود الثنويّة). معناه: أنّ العبد لا يمكنه أن يشخص عن الماء والطِّين إلّا بعد صحّة تمكُّنه في المعرفة، وبراءته من التلوين. فشرَطَ الشيخُ حصولَ التّمكين له، وانتفاءَ التلوين عنه، وخلاصَه من شهود الثنويّة. فالتلوين: تلوُّنه (٢) لإجابة دواعي الطّبع (٣) والنّفس. وشهودُ الثنويّة: عبارةٌ مجملةٌ محتملةٌ، وقد حملها الملحد (٤) على أنّه يشهد (٥) عبدًا وربًّا، وقديمًا وحادثًا، وخالقًا ومخلوقًا. والتّوحيد المحض: أن يتخلّص من ذلك بشهود وحدة الوجود، ومتى شهد تعدُّدَ الوجود كان ثنويًّا عند الملاحدة.

стр. 2385

وأمّا الموحِّدون، فالثّنويّة التي يجب التّخلُّص منها (١): أن يتّخذ إلهين اثنين، فيشهدَ مع الله إلهًا آخر. وأمّا كونُه شهد مع الله موجودًا غيرَه هو موجدُه وخالقُه وفاطرُه، فليس بثنويّةٍ، بل توحيدٌ خالصٌ. ولا يتمُّ له التَّوحيدُ إلّا بهذا الشُّهود ليصحَّ له نفيُ الإلهيّة عنه، وإلّا فكيف ينفي الإلهيّةَ عمّا لا يشهده ويشهد نفيها عنه؟ (٢). والمقصود: أنَّ صاحبَ الجمع إذا شهد ربًّا وعبدًا، وخالقًا ومخلوقًا، وآمرًا وفاعلًا منفِّذًا، ومحرِّكًا ومتحرِّكًا، ووليًّا وعدوًّا= كان ذلك موجَبَ عقد التّوحيد. وصحّةُ التّمكين: هي حفظ الأصل الذي هو بقاء شهود الرُّسوم في مرتبتها. وكأنّه ﵀ نبّه بذلك على الاحتراز من القوم الذين تخطفهم (٣) لوائحُ شهود الجمع وتمكُّنُهم ضعيفٌ، فينكرون صورَ الخلق، حتّى يقول أحدهم: أنا نورٌ من نور ربِّي، لما يغلب على أحدهم من شهود الجمع، وعدم تمكُّنه في البقاء (٤). وهذا قد يعرض للصّادق أحيانًا، فيعلم أنّه غالطٌ، فيرجع إلى الأصل، ويحكِّم العلمَ على الحال. فإذا صحا علِم أنّه كان غالطًا مخطئًا. وفي مثل هذه
следующие страницы →