← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الثنويّة، والتّنافي من إحساس الاعتلال، والتنافي (١) من شهود شهودها. وهو على ثلاث درجاتٍ: جمعُ علمٍ، ثمّ جمعُ وجودٍ، ثمّ جمعُ عينٍ). قوله: (الجمع: ما أسقط التّفرقة) هذا حدٌّ غير محصِّلٍ للفرق بين ما يُحمَد ويُذَمُّ من الجمع والتفرقة، فإنّ «الجمع» ينقسم إلى صحيح وباطل ، و «التفرقة» تنقسم إلى محمودٍ ومذمومٍ، وكلٌّ منهما لا يُحمَد مطلقًا ولا يذَمُّ مطلقًا. فيراد بالجمع: جمعُ الوجود، وهو جمعُ الملاحدة القائلين بوحدة الوجود. ويريدون بالتفرقة: الفرق بين الوجود القديم والمحدَث، وبين الخالق والمخلوق، وأصحابه يقولون: الجمع: ما أسقَطَ هذه التفرقة، ويقولون عن أنفسهم: إنّهم أصحاب جمع الوجود. ولهذا صرَّحَ بما ذكرناه محقِّقُ الملاحدة (٢)، فقال: التفرقةُ اعتبارُ الفرق بين وجودٍ ووجودٍ، فإذا زال الفرقُ في نظر المحقِّق حصَل له حقيقةُ الجمع. ويراد بالجمع: الجمع في الإرادة والطلب على المراد المطلوب وحده، وبالتفرقة: تفرقة الهمّة والإرادة. وهذا هو الجمع الصحيح، والتفرقة المذمومة؛ فحدُّ الجمع الصحيح: ما أزال هذه التفرقة. وأمّا جمعٌ يزيل التفرقةَ بين الرَّبِّ والعبدِ، والخالق والمخلوق، والقديم والمحدَث= فأبطَلُ

стр. 2382

الباطل. وتلك التفرقةُ هي الحقُّ، وأهلُ هذه التفرقة هم أهل الإسلام والإيمان والإحسان، كما أنَّ أهلَ ذلك الجمع هم أهلُ الإلحاد والكفر. ويراد بالجمع: جمع الشُّهود، وبالتفرقة: ما ينافي ذلك. فإذا زال الفرقُ في نظر المشاهِد، وهو مُثْبِتٌ للفرق؛ كان ذلك جمعًا في شهوده (١) خاصَّةً، مع تحقُّقه بالفرق. وإذا عُرف (٢) هذا، فالجمعُ الصَّحيحُ: ما أسقط التفرقة الطبيعيّة (٣) النفسيّة، وهي التفرقة المذمومة. وأمّا التَّفرقةُ الأمريَّةُ الشَّرعيَّةُ بين المأمور والمحظور، والمحبوب والمكروه؛ فلا يُحمَد جمعٌ أسقَطَها، بل يُذَمُّ كلَّ الذّمِّ. وبمثل هذه المجملات دخل على أصحاب السُّلوك (٤) والإرادة ما دخل. قوله: (وقطَعَ الإشارةَ) هو من جنس قوله: (ما أسقط التفرقة). قال أهل الإلحاد: لمّا كانت الإشارة نسبةً بين شيئين: مشيرٍ، ومشارٍ إليه, كانت مستلزمةً للثنويّة، فإذا جاءت الوحدةُ الجمعيَّةُ وذهبت الثنويَّةُ انقطعت الإشارة (٥). وقال أهل التّوحيد: إنّما تنقطع الإشارة عند كمال الجمعيّة على الله، فلا

стр. 2383

يبقى في صاحب هذه الجمعيّة موضعٌ للإشارة؛ لأنّ جمعيّته على المطلوب المراد أغنَتْه عن الإشارة إليه. وأيضًا فإنّ جمعيّته أفنته عن نفسه وإشارته، ففي مقام الفناء تنقطع الإشارة لأنّها من أحكام البشريّة. قوله: (وشخَصَ عن الماء والطِّين). هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريد بالماء والطِّين بني آدم، ونفسُه من جملتهم. أي شخَصَ عن النظر إلى الناس والالتفاتِ إليهم وتعلُّقِ القلب بهم بالكلِّيّة. وخصَّهم بالذِّكر لأنَّ أكثرَ العلائق وأصعبَها وأشدَّها قطعًا لصاحبها هي علائقهم، فإذا شخَصَ قلبُه عنهم بالكلِّيّة، فعن غيرهم ممَّن هو أبعد إليه منهم أولى وأحرى. وفي ذكر الماء والطِّين تقريرٌ لهذا الشُّخوص عنهم، وتنبيهٌ على تعيُّنه ووجوبه، فإنَّ المخلوقَ من الماء والطِّين بشرٌ ضعيف، لا يملك لنفسه - ولا لمن تعلَّق به ــ جلبَ منفعةٍ ولا دفعَ مضرّةٍ، فإنَّ الماءَ والطِّينَ منفعلٌ لا فعَّالٌ، وعاجزٌ مهينٌ لا قويٌّ متينٌ، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، وأخبر أنّه خلَقَنا ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]. فحقيقٌ بابن الماء والطِّين أن يشخصَ عنه القلبُ، لا إليه؛ وأن يعوِّل على خالقه وحده، لا عليه؛ وأن يجعل رغبته كلَّها فيه وفيما لديه. المعنى الثاني الذي يحتمله كلامه: أن يشخَص عن أحكام الطبيعة السُّفليّة الناشئة من الماء والطِّين وعن متعلِّقاتها إلى أحكام الأرواح العلويّة. والله سبحانه ــ بحكمته وعجيب صنعه ــ جعل الإنسانَ مركّبًا من جوهرين: جوهرٍ طبيعيٍّ كثيفٍ وهو الجسم، وجوهرٍ روحانيٍّ لطيفٍ وهو

стр. 2384

الرُّوح، ومن شأن كلِّ شكلٍ أن يميل إلى شكله، ومن طبع كلِّ مِثْلٍ أن ينجذب إلى مِثله= صار (١) الإنسان ينجذب إلى العالم الطّبيعيِّ بما فيه من الكثافة، وإلى العالم الرُّوحانيِّ بما فيه من اللّطافة؛ فصارت في الإنسان قوّتان متضادّتان إحداهما: تجذبه سفلًا، والثّانية: تجذبه علوًا. فمن شخص عن طبيعة الماء والطِّين إلى محلِّ الأرواح العلويّة التي ليست من هذا العالم السُّفليِّ كان من أهل هذا الجمع المحمود الذي جمعه عن متفرِّقات النّفس والطّبع. قوله: (بعد صحّة التمكين، والبراءة من التلوين، والخلاص من شهود الثنويّة). معناه: أنّ العبد لا يمكنه أن يشخص عن الماء والطِّين إلّا بعد صحّة تمكُّنه في المعرفة، وبراءته من التلوين. فشرَطَ الشيخُ حصولَ التّمكين له، وانتفاءَ التلوين عنه، وخلاصَه من شهود الثنويّة. فالتلوين: تلوُّنه (٢) لإجابة دواعي الطّبع (٣) والنّفس. وشهودُ الثنويّة: عبارةٌ مجملةٌ محتملةٌ، وقد حملها الملحد (٤) على أنّه يشهد (٥) عبدًا وربًّا، وقديمًا وحادثًا، وخالقًا ومخلوقًا. والتّوحيد المحض: أن يتخلّص من ذلك بشهود وحدة الوجود، ومتى شهد تعدُّدَ الوجود كان ثنويًّا عند الملاحدة.

стр. 2385

وأمّا الموحِّدون، فالثّنويّة التي يجب التّخلُّص منها (١): أن يتّخذ إلهين اثنين، فيشهدَ مع الله إلهًا آخر. وأمّا كونُه شهد مع الله موجودًا غيرَه هو موجدُه وخالقُه وفاطرُه، فليس بثنويّةٍ، بل توحيدٌ خالصٌ. ولا يتمُّ له التَّوحيدُ إلّا بهذا الشُّهود ليصحَّ له نفيُ الإلهيّة عنه، وإلّا فكيف ينفي الإلهيّةَ عمّا لا يشهده ويشهد نفيها عنه؟ (٢). والمقصود: أنَّ صاحبَ الجمع إذا شهد ربًّا وعبدًا، وخالقًا ومخلوقًا، وآمرًا وفاعلًا منفِّذًا، ومحرِّكًا ومتحرِّكًا، ووليًّا وعدوًّا= كان ذلك موجَبَ عقد التّوحيد. وصحّةُ التّمكين: هي حفظ الأصل الذي هو بقاء شهود الرُّسوم في مرتبتها. وكأنّه ﵀ نبّه بذلك على الاحتراز من القوم الذين تخطفهم (٣) لوائحُ شهود الجمع وتمكُّنُهم ضعيفٌ، فينكرون صورَ الخلق، حتّى يقول أحدهم: أنا نورٌ من نور ربِّي، لما يغلب على أحدهم من شهود الجمع، وعدم تمكُّنه في البقاء (٤). وهذا قد يعرض للصّادق أحيانًا، فيعلم أنّه غالطٌ، فيرجع إلى الأصل، ويحكِّم العلمَ على الحال. فإذا صحا علِم أنّه كان غالطًا مخطئًا. وفي مثل هذه

стр. 2386

الحال (١) قال أبو يزيد: «سبحاني»، و «ما في الجبّة إلّا الله»، ونحو ذلك. فأخذ قومٌ هذه الشطحات، فجعلوها غايةً يجرُون إليها، ويعملون عليها. فالشَّيخُ شرَطَ أنّه لا يثبت شهودُ الجمع إلّا لمن تمكّن في شهود طور البقاء. قوله: (والتنافي من الإحساس بالاعتلال). الاعتلال عندهم: هو التفرقةُ في الأسباب، والوقوفُ مع الرّبط الواقع بين المسبِّبات وأسبابها؛ وذلك عقدٌ لا يحلُّه إلّا شهودُ الجمع (٢). ولا يخفى ما في هذه العبارة من العجمة والتّعقيد. وكذلك قوله: (والتنافي من شهود شهودها). ومراده: أن ينتفي عنه شهودُ هذه الأشياء التي ذكرها كلِّها، وأن يفنى عن هذا الشُّهود. فإنّه إن لم يفْنَ عنها كلِّها وعن شهود فنائه وإلّا (٣) فهو معها، لأنّه يحسُّ بها، ولا يقع الإحساس إلّا بما هو موجودٌ عند صاحب الإحساس. فإذا غاب عن شهودها ثمّ عن شهود الشُّهود فقد استقرَّ قدمُه في حضرة الجمع (٤). وقد تقدّم غير مرّةٍ أنّ هذا ليس بكمالٍ ولا مقصودٍ في نفسه، ولا يعطي كمالًا، ولا فيه معرفةٌ، ولا عبوديّةٌ، ولا دعت إليه الرُّسلُ البتّة، ولا أشار إليه القرآنُ، ولا وصفه أئمةُ أهل الطّريق المتقدِّمون. وغايتُه أن يشبَّه صاحبه

стр. 2387

بالغائب عن عقله وحسِّه وإدراكه. وغايته أن يكون عارضًا من عوارض الطّريق ليس بلازمٍ، فضلًا عن أن يكون غايةً. ولمّا جعله مَن جعله غايةً مطلوبةً يشمِّر إليها السّالكون دخل بسبب ذلك من الفساد على من شمَّر إليه ما يعلمه الرّاسخون في العلم من أئمّة هذا الشّأن. والله المستعان. والعبوديّةُ المطلوبةُ من العبد بمعزلٍ عن ذلك. وبالله التّوفيق. قوله (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ: جمعُ علمٍ، ثمّ جمعُ وجودٍ، ثمّ جمعُ عينٍ فأمّا جمعُ العلم: فهو تلاشي علوم الشّواهد في العلم اللّدنِّيِّ صِرْفًا. وأمّا جمعُ الوجود: فهو تلاشي نهاية الاتِّصال في عين الوجود مَحْقًا. وأمّا جمعُ العين: فهو تلاشي كلِّ ما تُقِلُّه الإشارة في ذات الحقِّ حقًّا). علومُ الشّواهد: هي ما حصلت من الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، وبالمصنوع على الصّانع. فالمصنوعات شواهدُ وأدلّةٌ وآثارٌ، وعلوم الشّواهد هي المستندةُ إلى الشَّواهد الحاصلة عنها (٢). والعلمُ اللَّدُنِّيُّ: هو العلم الذي يقذفه الله في القلب إلهامًا بلا سببٍ من العبد ولا استدلالٍ، ولذلك سمِّي لَدُنِّيًّا. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. والله تعالى هو الذي علَّم العباد ما لم يعلموا، كما قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. ولكنّ هذا العلم أخصُّ من غيره، ولذلك أضافه إليه سبحانه، كبيته وناقته وبلده وعبده ونحو ذلك. فتضمحلُّ العلومُ المستندةُ إلى الأدلّة

стр. 2388

والشّواهد في العلم اللّدنِّيِّ الحاصل بلا سببٍ ولا استدلالٍ. هذا مضمون كلامه. ونحن نقول: إنّ العلم الحاصل بالشّواهد والأدلّة هو العلم الحقيقيُّ. وأمّا ما يُدَّعى حصولُه بغير شاهدٍ ولا دليلٍ، فلا وثوق به، وليس بعلمٍ. نعم، قد يقوى العلم الحاصل بالشّواهد ويتزايد، بحيث يصير المعلومُ كالمشهود، والغائبُ كالمعايَن، وعلمُ اليقين كعين اليقين. فيكون الأمر شعورًا أوّلًا، ثمّ تجويزًا، ثمّ ظنًّا، ثمّ علمًا، ثمّ معرفةً، ثمّ علمَ يقينٍ (١)،ثمّ عينَ يقينٍ؛ وتضمحلُّ كلُّ مرتبةٍ في التي فوقها بحيث يصير الحكمُ لها دونها. فهذا حقٌّ. وأمّا دعوى وقوع نوعٍ من العلم بغير سببٍ ولا استدلال، فليس بصحيحٍ، فإنّ الله سبحانه ربط التّعريفات بأسبابها، كما ربط الكائنات بأسبابها، ولا يحصل لبشرٍ علمٌ إلّا بدليلٍ يدلُّه عليه. وقد أيّد الله رسلَه بأنواع الأدلّة والبراهين التي دلَّتهم على أنّ ما جاءهم هو من عند الله، ودلَّت أممَهم على ذلك، وكان معهم أعظمُ الأدلّة والبراهين على أنّ ما جاءهم هو من عند الله، وكانت براهينُهم أدلّةً وشواهد لهم وللأمم. فالأدلَّةُ والشَّواهدُ التي كانت لهم ومعهم أعظَمُ الشّواهد والأدلّة، والله تعالى شهد بتصديقهم بما أقام عليه من الشّواهد. فكلُّ علمٍ (٢) لا يستند إلى دليلٍ فدعوى لا دليل عليها، وحكمٌ لا برهان عند قائله؛ وما كان كذلك لم يكن علمًا، فضلًا عن أن يكون لدُنِّيًّا.

стр. 2389

فالعلمُ اللَّدنِّيُّ: ما قام الدّليل الصّحيح عليه أنّه جاء من عند الله على لسان رسله. وما عداه فلدنِّيٌّ من لدن نفسِ الإنسان، منه بدأ وإليه يعود. وقد انبثق سدُّ العلم اللَّدنِّيِّ، ورخُصَ (١) سعرهُ، حتّى ادّعت كلُّ طائفةٍ أنّ علَمهم لدنِّيٌّ، وصار مَن تكلّم في حقائق الإيمان والسُّلوك وباب الأسماء والصِّفات بما يسنح له ويلقيه شيطانُه في قلبه يزعم أنَّ علمَه لدنِّيٌّ! فملاحدةُ الاتِّحاديّة وزنادقةُ المنتسبين إلى السُّلوك يقولون: إنَّ علمَهم لدنِّيٌّ. وقد صنّف في العلم اللّدنِّيِّ متهوِّكو المتكلِّمين وزنادقةُ المتصوِّفين وجهلةُ المتفلسفين، وكلُّهم يزعم أنَّ علمَه لدنِّيٌّ! وصدقوا وكذبوا! فإنَّ اللَّدنِّيَّ منسوبٌ إلى «لدن» بمعنى عند، فكأنّهم قالوا: العلم العنديُّ، ولكنَّ الشّأنَ فيمن هذا العلم من عنده ولدنه. وقد ذمَّ اللهُ تعالى بأبلغ الذّمِّ من ينسب إليه ما ليس من عنده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]. فكلُّ من قال: إنَّ هذا العلمَ من عند الله وهو كاذبٌ في هذه النِّسبة، فله نصيبٌ وافرٌ من هذا الذّمِّ. وهذا في القرآن كثيرٌ، يذُمُّ من أضاف إليه ما لا علم له به (٢)، ومن قال عليه ما لا يعلم (٣). ولهذا رتَّب سبحانه المحرَّماتِ أربعَ

стр. 2390

مراتب، وجعل أشدَّها: القولَ عليه بلا علمٍ، فجعله آخر مراتب المحرَّمات التي لا تباح بحالٍ، بل هي محرّمةٌ في كلِّ ملّةٍ على لسان كلِّ رسولٍ (١). فالقائلُ: إنّ هذا علمٌ لّدنِّيٌّ، لِما لا يعلم أنّه من عند الله ولا قام عليه برهانٌ من الله أنّه من عنده= كاذبٌ مفترٍ على الله، وهو من أظلم الظالمين وأكذب الكاذبين. وقوله: (وأمّا جمعُ الوجود، فهو تلاشي نهاية الاتِّصال في عين الوجود مَحْقًا). (تلاشي نهاية الاتِّصال): هو فناء العبد في الشُّهود. و (نهاية الاتِّصال): هو ما ذكره في الدّرجة الثّالثة من باب الاتِّصال (٢) أنّه (لا يدرك منه نعتٌ ولا مقدارٌ إلّا اسمٌ معارٌ، ولمحٌ إليه يشار (٣)). فحقيقة الجمع في هذه الدّرجة: تلاشي ذلك في عين الوجود، أي في حقيقته. ويريد بالوجود: ما أشار إليه في الدّرجة الثّانية من باب الوجود، وهو قوله: «وجود الحقِّ: وجودُ عينٍ، منقطعًا عن مساغ الإشارة». فتضمحلُّ نهاية الاتِّصال في هذا الوجود مَحْقًا، أي ذوبانًا وفناءً.

стр. 2391

قوله: (وأمَّا جمع العين: فهو تلاشي كلِّ ما تُقِلُّه الإشارةُ في ذات الحقِّ حقًّا). (تُقِلُّه الإشارة)، أي تحمله وتقوم به. والإشارة تارةً تكون باليد والرّأس فتكون إيماءً، وتارةً تكون بالعين فتكون رمزًا، وتارةً تكون باللفظ فتسمّى تعريضًا، وتارةً تكون بالذِّهن والعقل. فتضمحلُّ كلُّ هذه الأنواع وتبطلُ عند شهودِ العين في حضرة الجمع، وظهورِ جلال الذات المقدّسة. والذّاتُ هي الحاملة للصِّفات والأفعال. فعرفتَ من هذا: أنّه في الدرجة الأولى يغيبُ عن جميع العلوم المتعلِّقة بالأدلّة والشواهد بالعلم اللَّدُنِّيِّ. وفي الدرجة الثانية يغيب عن اتِّصاله وشهود اتِّصاله بالوجود، فإنّ الوجود فوق الاتِّصال كما تقدّم (١). وهذا كما يغيب الواجدُ الذي قد ظفر بموجوده عن شهود وصوله إليه واتِّصاله به، فغيَّبَتْه (٢) عينُ وجوده عن شهود نفسه وصفاتها. وفي الدرجة الثالثة يضمحلُّ كلُّ ما تحمله الإشارةُ إلى ذاتٍ أو إلى صفةٍ (٣) أو حالٍ أو مقامٍ في ذات الحقِّ سبحانه، فلا يبقى هناك ما يشار إليه سواه. قوله (٤): (والجمع: غاية مقامات (٥) السّالكين، وهو طرف بحر التوحيد). وجه ذلك: أنَّ السّالكَ ما دام في سلوكه فهو في تفرقةِ الاستدلال وطلبِ

стр. 2392

الشَّواهد، فإذا وصل إلى مقام المعرفة وصار همُّه همًّا واحدًا لله وفي الله وبالله نزَلَ في منزلة الجمع، وشمَّرَ لركوب بحر التَّوحيد الذي يتلاشى فيه كلُّ ما سوى الواحد القهّار. فالجمعُ عنده نهايةُ سفر السّالكين إلى الله. وهذا موضعٌ غير مسلَّمٍ له على إطلاقه، وإنّما غاية مقامات (١) السّالكين: التوبةُ التي هي بدايات منازلهم. ولعلَّ سمعَك ينفر من هذا غاية النُّفور، وتقول: هذا كلام من لم يعرف شيئًا من طريق القوم، ولا نزل في منازل الطريق! ولَعَمْرُ الله، إنّ كثيرًا من الناس ليوافقك على هذا، ويقول: أين كنّا؟ وأين صرنا؟ نحن قد قطعنا منزلة التّوبة وبيننا وبينها مائةُ مقامٍ، فنرجع من مائة مقامٍ إليها، ونجعلها غايةَ مقامات السالكين! فاسمَع الآن وعِهْ، ولا تعجَلْ بالإنكار، ولا تُبادِرْ بالردِّ، وافتَحْ ذهنك لمعرفة نفسك، وحقوق ربِّك، وما ينبغي له منك، وما له من الحقِّ عليك؛ ثمّ انسُبْ أعمالك وأحوالك وتلك المنازلَ التي نزلتها والمقاماتِ التي قمتَ فيها لله وبالله إلى عظيم (٢) جلاله وما يستحقُّه وما هو له أهلٌ. فإن رأيتها وافيةً بذلك مكافئةً له فلا حاجة بك حينئذٍ إلى التوبة، والرُّجوعُ إليها وقوعٌ (٣) عن المقامات العليّة، وانحطاطٌ من عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، ورجوعٌ من غايةٍ إلى بدايةٍ. وما أظنُّ ذلك بعيدًا من كثيرٍ من المنتسبين إلى هذا الشأن

стр. 2393

المغرورين بمعارفهم وأحوالهم وإشاراتهم! وإن رأيت أنّ أضعافَ أضعافِ ما قمتَ به من صدقٍ وإخلاصٍ وإنابةٍ وتوكُّلٍ وزهدٍ وعبادةٍ لا يفي بأيسَرِ حقٍّ له عليك، ولا يكافئ نعمةً من نِعَمه عندك، وأنّ ما يستحقُّه لجلاله أعظمُ وأجلُّ وأكثَرُ ممّا يقوم به الخلق= فاعلم الآن أنَّ التوبةَ نهايةُ كلِّ عارفٍ وغايةُ كلِّ سالكٍ، وكما أنّها بدايةٌ فهي نهايةٌ، والحاجةُ إليها في النِّهاية أشدُّ من الحاجة إليها في البداية، بل هي (١) في النِّهاية في محلِّ الضَّرورة. فاسمع الآن ما خاطب الله به رسولَه في آخر الأمر وعند النِّهاية، وكيف كان (٢) رسولُ الله ﷺ في آخر حياته أشدَّ ما كان استغفارًا وأكثرَه: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]. وهذا أنزله (٣) الله سبحانه بعد غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات التي غزاها رسول الله (٤) ﷺ بنفسه؛ فجعل الله سبحانه التَّوبةَ عليهم شُكرانًا لما تقدَّم من تلك الأعمال وذلك الجهاد. وقال تعالى في آخر ما أنزل على رسوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ

стр. 2394

وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وفي «الصحيح» (١) أنّه ﷺ ما صلّى صلاةً (٢) بعد إذ أُنزلت عليه هذه السُّورة إلَّا قال فيها: «سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفر لي». وذلك في نهاية أمره صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا فهم منها علماءُ الصَّحابة كعمر بن الخطّاب وعبد الله بن عبّاسٍ أنَّه أجلُ رسول الله ﷺ أعلَمَه الله إيّاه (٣). فأمره سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله وآخر أمره أعلى ما كان مقامًا وحالًا. وآخرُ ما سُمِع من كلامه عند قدومه على ربِّه: «اللهمّ اغفر لي، وألحقني بالرّفيق الأعلى» (٤). وكان ﷺ يختم (٥) كلَّ عملٍ صالحٍ بالاستغفار كالوضوء، والصّلاة، والحجِّ، والجهاد، فإنّه كان إذا فرغ منه وأشرف على المدينة قال: «آئبون، تائبون، لربِّنا حامدون» (٦). وشرع أن يختم المجلس بالاستغفار وإن كان مجلس خيرٍ وطاعةٍ (٧).

стр. 2395

وشرع أن يختم العبدُ عملَ يومه بالاستغفار، فيقول عند النوم: «أستغفر الله الذي لا إله إلّا هو الحيُّ القيُّوم وأتوب إليه» (١)، وأن ينام على سيِّد الاستغفار (٢). والعارفُ بالله وأسمائه وصفاته وحقوقه يعلم أنَّ العبدَ أحوجُ ما يكون إلى التّوبة في نهايته، وأنّه أحوجُ إلى التّوبة من الفناء، والاتِّصال، وجمع الشّواهد، وجمع الوجود، وجمع العين. وكيف يكون ذلك أعلى مقامات السّالكين وغايةَ مطالب المقرَّبين، ولم يأت له ذكرٌ في قرآنٍ ولا في سُنّةٍ، ولا يعرفه إلّا النادرُ من الناس، ولا يتصوَّره أكثرهم إلّا بصعوبةٍ ومشقّةٍ، ولو سمعه أكثرُ الخلق لما فهموه ولا عرفوا المرادَ منه إلّا بترجمةٍ؟ فأين في كتاب الله، أو سنّة رسوله ﷺ ، أو كلام (٣) الصحابة الذين نسبةُ معارفِ مَن بعدهم إلى معارفهم كنسبة فضلهم ودينهم وجهادهم إليهم (٤) = ما يدلُّ على ذلك (٥) أو

стр. 2396

يشير إليه؟ إذن فصار (١) المتأخِّرون أربابُ هذه الاصطلاحات الحادثة بالألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة أعرفَ بمقامات السالكين ومنازل السّائرين وغاياتها من أعلَمِ الخلق بالله بعد رسله! هذا من أعظم الباطل. وهؤلاء في باب الإرادة والطلب والسُّلوك نظيرُ أرباب الكلام من المعتزلة والجهميّة ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن الله وأسمائه وصفاته. فالطّائفتان ــ بل وكثيرٌ من المصنِّفين في الفقه ــ من المتكلِّفين أشدَّ التكلُّف. وقد قال الله لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. وقال عبد الله بن مسعودٍ ﵁: من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمّدٍ، أبرُّ هذه الأمّة قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا. قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكُوا بهديهم، فإنّهم كانوا على الهدي المستقيم (٢). فلا تجد هذا التكلُّف الشديد والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصَّحابة أصلًا، وإنّما يوجد عند من عدل عن (٣) طريقهم. وإذا تأمّله العارفُ وجَدَه «كلحمِ جملٍ غثٍّ، على رأس جبلٍ وَعْرٍ؛ لا سهلٌ فيرتقَى، ولا سمينٌ

стр. 2397

فينتقَل» (١)! فيطوِّل عليك الطّريقَ، ويوسِّع لك العبارةَ، ويأتي بكلِّ لفظٍ غريبٍ ومعنًى أغرب من اللفظ. فإذا وصلتَ لم تجد معك حاصلًا طائلًا، ولكن تسمَعُ جعجعةً ولا ترى طِحْنًا (٢). فالمتكلِّمون في جعاجع الجواهر والأعراض والأكوان والألوان، والجوهر الفرد، والأحوال والحركة والسُّكون، والوجود والماهيّة، والأحياز (٣) والجهات، والنِّسب والإضافات، والغيرين والخلافين (٤)، والضِّدّين والنّقيضين، والتّماثل (٥) والاختلاف. والعرض هل يبقى زمانين؟ وما هو الزّمان والمكان؟ ويموت أحدهم ولم يعرف الزّمان والمكان، ويعترف بأنّه لم يعرف الوجود: هل هو ماهيّة الشّيء أو زائدٌ عليها؟ ويعترف بأنه شاكٌّ في وجود الرّبِّ: هل هو وجودٌ محضٌ أو وجودٌ مقارنٌ لماهيّة؟ ويقول: الحقُّ عندي الوقف في هذه المسألة (٦).

стр. 2398

ويقول أفضلهم (١) ــ عند نفسه (٢) ــ عند الموت: أخرج من الدُّنيا وما عرفتُ شيئًا إلّا مسألةً واحدةً، وهي أنّ الممكن يفتقر إلى واجبٍ. ثمّ قال: الافتقار أمرٌ عدميٌّ، فأموت ولم أعرف شيئًا. وهذا أكثر من أن يذكر، كما قال بعض السّلف (٣): أكثَرُ النّاس شكًّا عند الموت أربابُ الكلام. وآخرون أعظَمُ تكلُّفًا من هؤلاء وأبعَدُ شيءٍ عن العلم النّافع: أرباب الهَيُولي والصُّورة، والأُستُقُصَّات (٤) والأركان، والعلل الأربعة، والجواهر العقليّة، والمفارقات والمجرَّدات، والمقولات العشر، والكلِّيّات الخمس، والمختلطات والموجّهات، والقضايا المسوَّرات، والقضايا المهملات (٥).

стр. 2399

فهم أعظم الطّوائف تكلُّفًا، وأقلُّهم تحصيلًا للعلم النّافع والعمل الصّالح. وكذلك المتكلِّفون من أصحاب الإرادة والسُّلوك وأرباب الحال والمقام والوقت والمكان، والبادي والباده والوارد والخاطر والواقع والقادح واللّامع، والغيبة والحضور، والمحو والمَحْق (١) والسَّحْق، والسُّكر والصَّحْو، واللّوائح والطَّوالع، والعطَش والدَّهش، والتّلبيس، والتّمكين والتّلوين، والاسم والرّسم، والجمع وجمع الجمع وجمع الشّواهد وجمع الوجود، والأثر والكون والبون (٢)، والاتِّصال والانفصال، والمسامرة والمشاهدة والمعاينة، والتّجلِّي والتحلِّي والتّخلِّي، وأنا بلا أنا، وأنت بلا أنت، ونحن بلا نحن، وهو بلا هو (٣). وكلُّ ذلك أدنى إشارةٍ إلى تكلُّف هؤلاء الطّوائف وتنطُّعهم. وكذلك كثيرٌ من المنتسبين إلى الفقه، لهم مثلُ هذا التّكلُّف أو أعظَمُ منه. فكلُّ هؤلاء محجوبون بما لديهم، موقوفون على ما عندهم. خاضوا بزعمهم بحارَ العلم، وما ابتلَّت أقدامُهم. وكدُّوا أفكارَهم وأذهانَهم وخواطرَهم، وما استنارت بالعلم الموروث عن الرُّسل قلوبُهم وأفهامُهم! فرحين بما عندهم من العلوم، راضين بما قُيِّدوا به من الرُّسوم. فهم في وادٍ ورسولُ الله ﷺ وأصحابُه ﵃ في وادٍ! والله يعلم أنّا لم نتجاوز فيهم

стр. 2400

القول، بل قصَّرنا فيما ينبغي لنا أن نقوله، فذكرنا غيضًا من فيضٍ، وقليلًا من كثيرٍ. وهؤلاء كلُّهم داخلون تحت الرَّأي الذي اتّفق السّلفُ على ذمِّه وذمِّ أهله، فهم أهل الرّأي حقًّا، الذين قال فيهم عمر بن الخطّاب ﵁: إيّاكم وأصحابَ الرّأي، فإنّهم أعداءُ السُّنن. أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرّأي، فضلُّوا وأضلُّوا (١). وقال أيضًا: أصبح أصحابُ الرّأي أعداءَ السُّنن، أعيتهم (٢) أن يعُوها، وتفلَّتت (٣) أن يرووها، فاشتقُّوها بالرّأي (٤). وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيق ﵁: أيُّ أرضٍ تقلُّني، وأيُّ سماءٍ تظلُّني، إن قلتُ في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم؟ (٥).

стр. 2401

وقال عمر ﵁: يا أيُّها النّاس، إنّ الرّأي إنَّما كان من رسول الله ﷺ مصيبًا لأنّ الله كان يُريه، وإنّما هو منَّا الظّنُّ والتّكلُّف (١). وقال ابن عبّاسٍ ﵄: من أحدَثَ رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمضِ به سنّةُ رسول الله ﷺ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله (٢). وقال عمر ﵁: يا أيُّها النّاس، اتّهموا رأيكم على الدِّين، فلقد رأيتُني وإنِّي لأردُّ أمرَ رسول الله ﷺ برأيي، أجتهد، والله ما آلو ذلك يوم أبي جندلٍ، والكاتبُ يكتُب، فقالوا: نكتُب: «باسمك اللهمَّ»، فرضي رسولُ الله ﷺ ، وأبيتُ، فقال: «يا عمر، تراني قد رضيتُ، وتأبى؟» (٣). وقال ﷺ في الحديث الذي رُوِّيناه (٤) من طريق مسدَّدٍ، حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جريجٍ، أخبرني سليمان بن عتيقٍ، عن طلق بن حبيبٍ، عن الأحنف بن قيسٍ، عن عبد الله بن مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ قال: «ألا هلك المتنطِّعون، ألا هلك المتنطِّعون، ألا هلك المتنطِّعون» وإن لم تكن هذه

стр. 2402

الألفاظ والمعاني التي نجدها (١) في كثيرٍ من كلام هؤلاء تنطُّعًا فليس للتّنطُّع حقيقةٌ. فصل فإن لم يسمح قلبك بكون التّوبة غايةَ مقامات (٢) السّالكين، ولم تصغ إلى شيءٍ ممّا ذكرنا، وأبيتَ إلّا أن يكون تلاشي نهاية الاتِّصال في عين الوجود مَحْقًا، وتلاشي علوم الشّواهد في العلم اللَّدنِّيِّ صِرْفًا، وجمعُ الوجود وجمع العين= هو غايةَ (٣) مقامات السّالكين إلى الله، بحيث يدخل في ذلك كلُّ سالكٍ؛ فاعلم أنّ هذا الجمع المذكور بمجرَّدِه لا يعطي عبوديّةً ولا إيمانًا، فضلًا عن (٤) أن يكون غايةَ كلِّ نبيٍّ ووليٍّ وعارفٍ؛ فإنّ هذا الجمعَ يحصل للصِّدِّيق والزِّنديق، ولملاحدة الاتِّحاديّة منه حظٌّ كبيرٌ، وحوله يدندنون، وهو عندهم نهاية التّحقيق! فأين تحقيقُ العبوديّة والقيامُ بأعبائها واحتمالُ فرائضها وسننها وآدابها، والجهادُ لأعداء الله، والدّعوةُ إلى الله، والأمرُ بالمعروف والنّهي عن المنكر، وتحمُّلُ الأذى في الله= في هذا الجمع؟ وأين معرفة الأسماء والصِّفات فيه مفصّلًا؟ وأين معرفةُ ما يحبُّه الرَّبُّ تعالى ويكرهه فيه مفصَّلًا؟ وأين معرفةُ خير الخيرين وشرِّ الشّرّين فيه؟ وأين العلمُ بمراتب العبوديّة ومنازلها فيه؟

стр. 2403

فالحقُّ أنّ نهايةَ مقامات السّالكين تكميلُ مرتبة العبوديّة صِرْفًا، وهذا ممّا لا سبيل إليه لبني الطّبيعة، وإنّما خُصَّ بذلك الخليلان من بين سائر الخلق. أمّا إبراهيم الخليل ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ فإنَّ الله سبحانه شهد له بأنّه وفَّى. وأمَّا سيِّدُ ولد آدم ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ فإنّه كمَّل مرتبةَ العبوديّة، فاستحقَّ التَّقديمَ على سائر الخلائق، وكان صاحب الوسيلة والشّفاعة التي يتأخَّر عنها جميعُ الرُّسل، ويقول هو: «أنا لها» (١). ولهذا ذكره الله سبحانه بالعبوديّة في أعلى مقاماته وأشرف أحواله (٢)، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] (٣)، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]. ولهذا يقول المسيح حين يُرغَب إليه في الشّفاعة: اذهبوا إلى محمّدٍ، عبدٍ غفر الله له (٤) ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر (٥). فاستحقَّ تلك الرُّتبة العليا بتكميل عبوديّته لله، وبكمال مغفرة الله له. فرجع الأمرُ إلى أنَّ غايةَ المقامات ونهايتَها: هو التَّوبةُ والعبوديَّةُ المحضةُ، لا جمعُ العين، ولا جمعُ الوجود، ولا تلاشي الاتِّصال.

стр. 2404

فإن قلتَ: فهذا الجمعُ إنَّما يحصل لمن قام بحقيقة التّوبة والعبوديّة. قيل: ليس كذلك، بل الجمعُ الذي يحصل لمن قام بذلك هو جمعُ الرُّسل وخلفائهم، وهو جمعُ الهمّة على الله سبحانه محبّةً وإنابةً وتوكُّلًا وخوفًا ورجاءً ومراقبةً، وجمعُ الهمّة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوةً وجهادًا. فهما جمعان: جمعٌ للقلب على المعبود وحده، وجمعٌ له على محض عبوديّته. فإن قلتَ: فأين شاهد هذين الجمعين؟ قلتُ: في القرآن كلِّه، فخذه من فاتحة الكتاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وتأمَّلْ ما في قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ من التّخصيص لذاته المقدَّسة بالعبادة والاستعانة، وما في قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ الذي هو للحال والاستقبال وللعبادة الظّاهرة والباطنة، من استيفاء أنواعِ العبادة حالًا واستقبالًا، قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا؛ و [ما في قوله: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ من] (١) الاستعانةِ على ذلك به لا بغيره. ولهذا كانت الطّريقُ كلُّها في هاتين الكلمتين، وهي معنى قولهم: «الطّريق في: إيّاك أريدُ بما تريدُ»، فجمَعَ (٢) المرادَ في واحدٍ، والإرادةَ في مراده الذي يحبُّه ويرضاه. فإلى هذا دعت الرُّسلُ من أوّلهم إلى آخرهم، وإليه شخَص العاملون وتوجَّه المتوجِّهون. وكلُّ الأحوال والمقامات ــ من أوّلها إلى آخرها ــ مندرجةٌ في ضمن ذلك، ومن ثمراته وموجَباته.

стр. 2405

والعبوديّةُ تجمَعُ كمالَ الحبِّ (١) في كمالِ الذُّلِّ وكمالِ الانقياد لمراضي المحبوب وأوامره، فهي الغاية التي ليس فوقها غايةٌ. وإذا لم يكن إلى القيام بحقيقتها ــ كما يجب ــ سبيلٌ، فالتَّوبةُ هي المعوَّل والآخيَّة. وقد عرفتَ بهذا وبغيره أنَّ الحاجةَ إليها في النِّهاية أشدُّ من الحاجة إليها في البداية، ولولا تنسُّمُ رَوْحِها لَحالَ اليأسُ بين ابن الماء والطِّين وبين الوصول إلى ربِّ العالمين. هذا لو قام بما ينبغي عليه أن يقوم به من حقوق ربِّه وسيِّده (٢)، فكيف والغفلةُ والتّقصيرُ والتّفريطُ والتّهاونُ وإيثارُ حظوظه في كثيرٍ من الأوقات على حقوق ربِّه، لا يكاد يتخلَّصُ منه، ولاسيَّما السّالكُ على درب الفناء والجمع، فإنَّ ربَّه يطالبه بالعبوديّة، ونفسُه تطالبه بالجمع والفناء؛ فلو حقَّقَ النّظرَ مع نفسه وحاسبها حسابًا صحيحًا لتبيَّن له أنَّ حظَّه يريد، ولذَّتَه يطلب! نعم، كلُّ أحدٍ يطلب ذلك، لكنَّ الشّأنَ في الفرق بين من صار حظُّه نفسَ (٣) مرضاةِ الله ومحابِّه، أحبَّت ذلك نفسُه أو كرهته، وبين من حظُّه ما يريده من ربِّه. فالأوّل حظُّه: مرادُ ربِّه الدِّينيُّ الشّرعيُّ منه، وهذا حظُّه: مرادُه من ربِّه. وبالله التّوفيق. فإن قيل (٤): هذا البابُ مسلَّمٌ لأهل الذّوق، وأنتم تتكلَّمون بلسان العلم لا بلسان الذّوق، والذّائقُ واجدٌ، والواجدُ لا يمكنه إنكارُ موجوده، فلا يرجع إلى صاحب العلم، بل يدعوه إلى ذوق ما ذاقه، ويقول:

стр. 2406

أقول للَّائمِ المُهْدِي ملامتَه ... ذُقِ الهوى وإن اسطعتَ الملامَ لُمِ (١) قيل: لم ينصف من أحال على الذّوق، فإنّها حوالةٌ على محكومٍ عليه لا على حاكمٍ، وعلى مشهودٍ عليه لا على شاهدٍ، وعلى موزونٍ لا على ميزانٍ! ويا سبحان الله! هل يدلُّ مجرَّدُ ذوق الشَّيء على حكمه وأنّه حقٌّ أو باطلٌ؟ وهل جعل الله ورسولُه الأذواقَ والمواجيدَ حججًا وأدلّةً يميَّز بها بين ما يحبُّه ويرضاه، وبين ما يكرهه ويسخطه (٢)؟ ولو كان ذلك (٣) لاحتجَّ كلُّ مُبطلٍ على باطله بالذّوق والوجد، كما تجده في كثيرٍ من أهل الباطل والإلحاد. فهؤلاء الاتِّحاديّةُ ــ وهم أكفَرُ الخلق ــ يحتجُّون بالذّوق والوجد على كفرهم وإلحادهم حتّى يقول قائلهم: يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرني ... والوجدُ أصدقُ نهّاءٍ وأمّارِ فإن أُطِعْكَ وأَعْصِ الوجدَ رُحتُ عمًى ... عن اليقين إلى أوهام أخبارِ وعينُ ما أنت تدعوني إليه إذا ... حقّقتَه تَرَهُ المنهيَّ يا جارِ (٤) ويقول هذا القائل: ثبت عندنا بالكشف والذّوق ما يناقض صريحَ

стр. 2407

العقل (١). وكلُّ معتقدٍ لأمرٍ جازمٍ به مستحسنٍ له يذوق طعمه. فالملحدُ يذوق طعمَ الإلحاد والانحلال من الدِّين، والرّافضيُّ يذوق طعمَ الرّفض ومعاداةِ خيار الخلق، والقدريُّ يذوق طعمَ إنكار القدر ويعجَب ممّن يثبته، والجبريُّ عكسه. والمشركُ يذوق طعم الشِّرك، حتّى إنّه ليستبشر إذا ذُكِر إلهُه ومعبودُه من دون الله، ويشمئزُّ قلبه إذا ذُكِرَ الله وحده. وهذا الاحتجاجُ بالذَّوق قد سلكه أربابُ السَّماع المحدَث الشّيطانيِّ الذي هو محضُ شهوة النّفس وهواها، واحتجُّوا على إباحة هذا السَّماع بما فيه من الذّوق والوجد واللّذّة (٢). وأنت تجد النّصرانيَّ له في تثليثه ذوقٌ ووجدٌ وحنينٌ، بحيث لو عُرِضَ عليه أشدُّ العذاب لاختاره، دون أن يفارق تثليثه، لما له فيه من الذَّوق! وحينئذٍ، فيقال: هَبْ أنَّ الأمرَ كما تقول، وأنَّ المتكلِّمَ المنكِرَ (٣) لم يتكلَّم بلسان الذَّوق، فهل يصحُّ أن يكون ذوقُ الذّائق لذلك حجّةً صحيحةً نافعةً له بينه وبين الله؟ وفرضنا أنّ هذا المنكِرَ قال: نعم، أنا محجوبٌ عن الوصول إلى ما أُنكِره (٤)، غيرُ ذائقٍ له، وأنت ذائقٌ واصلٌ، فما علامةُ صحَّة ما ذقتَه ووصلتَ إليه؟ وما الدَّليل عليه؟ وأنا لا أُنكِرُ ذوقَك له ووجدَك به،

стр. 2408

ولكنَّ الشّأنَ في المَذُوق لا في الذَّوق. وإذا ذاق المحبُّ العاشقُ طعمَ محبّته وعشقه لمحبوبٍ، ما كان غايةُ ذلك أن يدلَّ على وجود محبّته وعشقه، لا على كون ذلك نافعًا له، أو ضارًّا، أو مُوجِبًا لكماله أو نقصه. وبالله التّوفيق. * * * *

стр. 2409

فصل قال صاحب «المنازل» (١): (باب التوحيد: قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]. التوحيد: تنزيه الله عن الحدَث (٢). وإنّما نطق العلماءُ بما نطقوا به وأشار المحقِّقون بما أشاروا به في هذه الطّريق لقصد تصحيح التّوحيد. وما سواه من حالٍ أو مقامٍ، فكلُّه مصحوبٌ بالعلل). قلت: التّوحيدُ أوّل دعوة الرُّسل، وأوّلُ منازل الطّريق، وأوّلُ مقامٍ يقوم فيه السّالكُ إلى الله تعالى. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقال هودٌ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]. وقال صالحٌ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وقال شعيبٌ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. فالتّوحيدُ مفتاحُ دعوة الرُّسل. ولهذا قال النّبيُّ ﷺ لرسوله معاذ وقد بعثه إلى اليمن: «إنّك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فليكن أوّلَ ما تدعوهم إليه:

стр. 2410

عبادةُ الله وحده. فإذا شهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، فأخبِرْهم أنَّ الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم واللّيلة» (١)، وذكَر الحديث. وقال ﷺ : «أُمِرْتُ أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله» (٢). ولهذا كان الصحيح أنَّ أوّلَ واجبٍ يجب على المكلَّف: شهادة أن لا إله إلّا الله، لا النَّظرُ، ولا القصدُ إلى النظر، ولا الشَّكُّ، كما هي أقوالٌ لأرباب الكلام المذموم (٣). فالتَّوحيد: أوّلُ ما يدخل به في الإسلام وآخِرُ ما يخرج به من الدُّنيا، كما قال النّبيُّ ﷺ : «من كان آخر كلامه: لا إله إلّا الله؛ دخل الجنّة» (٤). فهو أوّل واجبٍ وآخر واجبٍ. فالتّوحيد: أوّل الأمر وآخره. قوله: (التوحيد: تنزيه الله عن الحدث). هذا الحدُّ لا يدلُّ على التّوحيد الذي بعث الله به رسلَه وأنزل به كتبَه، وينجو به العبدُ من النّار ويدخل به الجنّة ويخرج من الشِّرك، فإنّه مشتركٌ بين جميع الفِرَق. وكلُّ من أقرَّ بوجود الخالق سبحانه أقرَّ به، فعبَّادُ الأصنام والمجوسُ والنّصارى واليهودُ والمشركون ــ على اختلاف نِحَلِهم ــ كلُّهم ينزِّهون الله عن الحدَث، ويُثبتون

стр. 2411

قِدَمَه. حتّى أعظمُ الطّوائف على الإطلاق شركًا وكفرًا وإلحادًا ــ وهم طائفة الاتِّحاديّة ــ يقولون: هو الوجود المطلق، وهو قديمٌ لم يزل، وهو منزَّهٌ عن الحدَث، ولم تزل المحدَثاتُ تكتسي وجوده: تلبسه وتخلعه. والفلاسفةُ الذين هم أبعدُ الخلق عن الشّرائع وما جاءت به الأنبياء يُثبتون واجبَ الوجود قديمًا منزَّهًا عن الحدَث. والمشركون عبّادُ الأصنام يعبدون معه آلهةً أخرى ويُثبتونه قديمًا منزَّهًا عن الحدث. فتنزيهُ الله عن الحدَث حقٌّ، لكن لا يعطي إسلامًا ولا إيمانًا، ولا يُدْخِل في شرائع الأنبياء، ولا يُخْرِج من نِحَل أهل الكفر ومللهم البتّة. وهذا القدر لا يخفى على شيخ الإسلام، ومحلُّه من العلم والمعرفة محلُّه. ومع هذا فقد سئل سيِّدُ الطّائفة الجنيدُ عن التوحيد، فقال: هو إفراد القديم عن المحدث (١). والجنيدُ قدَّس الله روحَه أشار إلى أنّه لا تصحُّ دعوى التّوحيد ولا مقامه ولا حاله ولا يكون العبدُ موحِّدًا إلّا إذا أفرد القديمَ من المحدَث، فإنّ كثيرًا ممّن ادّعى التّوحيدَ لم يُفرده سبحانه من المحدثات. فإنَّ من نفى مباينتَه لخلقه فوق سماواته على عرشه، وجعَلَه في كلِّ مكانٍ بذاته، لم يُفرده عن المحدَث، بل جعله حالًّا في المحدَثات مخالطًا لها موجودًا فيها بذاته. وصوفيّةُ هؤلاء وعبّادُهم هم الحلوليّة الذين يقولون: إنّ

стр. 2412

الله يحلُّ بذاته في المخلوقات. وهم طائفتان: طائفةٌ تعُمُّ الموجوداتِ بحلوله فيها، وطائفةٌ تخصُّ به بعضَها دون بعضٍ. قال الأشعريُّ في كتاب «المقالات» (١): «هذه حكايةُ قول قومٍ من النُّسّاك: وفي الأمّة قومٌ ينتحلون النُّسكَ، يزعمون أنّه جائزٌ على الله تعالى الحلولُ في الأجسام. وإذا رأوا شيئًا يستحسنونه قالوا: لا ندري، لعلّه ربُّنا!». قلت: وهذه الفرقة طائفتان. إحداهما: تزعم أنّه سبحانه يحلُّ في الصُّورة الجميلة المستحسنة. والثّانية: تزعم أنّه سبحانه يحلُّ في الكمَّل من النّاس، وهم الذين تجرَّدت نفوسهم عن الشّهوات، واتَّصفوا بالفضائل، وتنزَّهوا عن الرّذائل. والنَّصارى تزعم أنّه حلَّ في بدن المسيح وتدرَّع به. والاتِّحاديّة تزعم أنّه وجودٌ مطلقٌ اكتسته الماهيَّاتُ، فهو عينُ وجودها. فكلُّ هؤلاء لم يُفردوا القديمَ عن المحدَث. فصل وهذا الإفراد الذي أشار إليه الجنيد نوعان: أحدهما: إفرادٌ في الاعتقاد والخبر. وذلك نوعان أيضًا. أحدهما: إثباتُ مباينة الرَّبِّ تعالى للمخلوقات، وعلوِّه فوق عرشه من فوق سبع سماواتٍ (٢)، كما نطقت به الكتب الإلهيّة من أوّلها إلى آخرها، وأخبر به (٣) جميعُ الرُّسل من أوّلهم إلى آخرهم. والثّاني: إفرادُه سبحانه بصفات كماله،

стр. 2413

وإثباتُها له على وجه التَّفصيل كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسلُه منزَّهةً عن التّعطيل والتّحريف والتّكييف والتّمثيل. بل تُثْبَتُ له حقائقُ الأسماء والصِّفات، وتُنفَى عنه فيها مماثلةُ المخلوقات: إثباتٌ بلا تمثيلٍ، وتنزيهٌ بلا تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الشورى: ١١]. وفي هذا النَّوع يكون إفرادُه سبحانه بعموم قضائه وقدره لجميع المخلوقات ــ أعيانها وصفاتها وأفعالها ــ وأنَّها كلَّها واقعةٌ بمشيئته وقدرته وعلمه وحكمته. فيباين صاحبُ هذا الإفراد سائرَ فِرَق أهل الباطل من الاتِّحاديّة، والحلوليّة، والجهميّة والفرعونيّة الذين يقولون: ليس فوق السّماوات ربٌّ يعبد، ولا على العرش إلهٌ يصلّى له ويُسْجَد (١)،والقدريّة الذين يقولون: إنّ الله لا يقدر على أفعال العباد من الملائكة والإنس والجنِّ، ولا على أفعال سائر الحيوانات، بل يقع في ملكه ما لا يريد، ويريد ما لا يكون. فيريد شيئًا فلا يكون، ويكون الشيءُ بغير إرادته ومشيئته. فصل والنّوع الثّاني من الإفراد: إفرادُ القديم عن المحدَثِ بالعبادة من التّألُّه، والحُبِّ، والخوف، والرَّجاء، والتّعظيم، والإنابة، والتّوكُّل، والاستعانة، وابتغاء الوسيلة إليه. فهذا الإفراد، وذلك الإفراد: بهما بُعثت الرُّسل، وأُنزلت الكتب، وشُرِعت الشَّرائع. ولأجل ذلك خُلِقت السّماوات والأرض والجنّة والنّار، وقام الثَّوابُ والعقابُ. فيُفرَدُ القديمُ سبحانه عن المحدَث في ذاته وصفاته

стр. 2414

وأفعاله، وفي إرادته وحده ومحبّته وخوفه ورجائه، والتّوكُّل عليه، والاستعانة به، والحلف به، والنّذر له، والتّوبة إليه، والسُّجود له، والتّعظيم والإجلال وتوابع ذلك. ولذلك (١) كانت عبارة الجنيد عن التَّوحيد عبارةً سادّةً مسدَّدةً. فشيخُ الإسلام إن أراد ما أراده أبو القاسم، فلا إشكال. وإن أراد ينزِّهُ الله سبحانه عن قيام الأفعال الاختياريّة به ــ التي يسمِّيها نفاة أفعاله: حلولَ الحوادث، ويجعلون تنزيهَ الرّبِّ تعالى عنها من كمال التّوحيد، بل هو أجلُّ التَّوحيد عندهم ــ فكأنّه قال: التَّوحيدُ تنزيه الرَّبِّ عن حلول الحوادث به. وحقيقة ذلك: أنّ التَّوحيدَ تعطيلُه عن أفعاله، ونفيُها بالكلِّيّة، وأنّه لا يفعل شيئًا البتّة! فإنَّ إثباتَ فاعلٍ من غير فعلٍ يقوم به البتّةَ محالٌ في العقول والفِطَر ولغات الأمم، ولا يثبُت كونُه سبحانه ربًّا للعالم مع نفي ذلك أبدًا، فإنَّ قيامَ الأفعال به هو معنى الرُّبوبيّة وحقيقتها، ونافي هذه المسألة نافٍ لأصل الرُّبوبيّة، جاحدٌ لها رأسًا. وإن أراد تنزيهَ الرَّبِّ عن سِمات المحدَثين وخصائص المخلوقين، فهو حقٌّ، ولكنَّه تقصيرٌ في التَّعبير عن التَّوحيد، فإنَّ إثباتَ صفات الكمال أصلُ التّوحيد، ومن تمام هذا الإثبات: تنزيهُه سبحانه عن سمات المحدَثين وخصائص المخلوقين. وقد استدرك عليه الاتِّحاديُّ في هذا الحدِّ (٢)، وقال (٣): «شهودُ التّوحيد يرفع الحدوثَ أصلًا ورأسًا»، فلا يكون هناك وجودان: قديمٌ ومحدثٌ؛ فالتَّوحيد: هو أن لا يرى مع الوجود المطلق سواه.

стр. 2415

فصل وقد تقسَّمت الطّوائفُ التّوحيدَ (١)، وسمّى كلُّ طائفةٍ باطلَهم توحيدًا. فأتباعُ إرَسْطو وابن سينا والطُّوسيِّ، عندهم التَّوحيدُ: إثباتُ وجودٍ مجرَّدٍ عن الماهيّة والصِّفة، بل هو وجودٌ مطلقٌ، لا يعرض لشيءٍ من الماهيَّات، ولا يقوم به وصفٌ، ولا يتخصَّص بنعتٍ، بل صفاتُه كلُّها سلوبٌ وإضافاتٌ! فتوحيدُ هؤلاء غايةُ الإلحاد والجحد والكفر. وفروعُ هذا التّوحيد: إنكارُ ذات الرّبِّ، والقولُ بقِدَم الأفلاك، وأنّ الله لا يبعث من في القبور، وأنَّ النُّبوّةَ مكتسَبةٌ، وأنّها حرفةٌ من الحرف كالولاية والسِّياسة، وأنّ الله لا يعلم عددَ الأفلاك ولا الكواكب، ولا يعلم شيئًا من الموجودات المعيَّنة البتّة، وأنّه لا يقدر على قلب شيءٍ من أعيان العالم ولا شقِّ الأفلاك ولا خَرْقها، وأنّه: لا حلال ولا حرام (٢)، ولا أمر ولا نهي، ولا جنّة ولا نار. فهذا توحيد هؤلاء! وأمّا الاتِّحاديّة، فالتَّوحيدُ عندهم: «أنَّ الحقَّ المنزَّه هو عينُ الخلق المشبَّه» (٣)، وأنّه سبحانه عينُ وجود كلِّ موجودٍ وحقيقتُه وماهيَّتُه، وأنّه

стр. 2416

إنِّيَّةُ (١) كلِّ شيءٍ. وفي كلِّ شيء له آيةٌ ... تدلُّ على أنه عينُه (٢) وهذا عند محقِّقيهم من خطأ التّعبير، بل هو نفسُ الآية، ونفسُ الدّليل (٣)، ونفسُ المستدِلِّ، ونفسُ المستدَلِّ عليه؛ فالتّعدُّدُ بوجوهٍ واعتباراتٍ وهميّةٍ، لا بالحقيقة والوجود. فهو عندهم عينُ النّاكح وعينُ المنكوح، وعينُ الذّابح وعينُ المذبوح (٤)، وعينُ الآكل وعين المأكول. وهذا عندهم هو السِّرُّ الذي رمزت إليه هَرامسُ الدُّهور الأوّليّة (٥)، ورامت

стр. 2417

إفادتَه الهدايةُ النَّبويّةُ، كما قاله محقِّقهم وعارفهم ابنُ سبعين (١). ومن فروع هذا التّوحيد: أنَّ فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة. ومن فروعه: أنَّ عُبَّاد الأصنام على الحقِّ والصَّواب، وأنّهم إنّما عبَدوا عينَ الله سبحانه لا غيره. ومن فروعه: أنَّه لا فرقَ في التَّحريم والتَّحليل بين الأمِّ والأخت والأجنبيَّة. ولا فرقَ بين الماء والخمر، والزِّنى والنِّكاح. الكلُّ من عينٍ واحدةٍ، لا، بل هو العين الواحدة؛ وإنّما المحجوبون عن هذا السِّرِّ قالوا: هذا حرامٌ وهذا حلالٌ. نعم (٢)، هو حرامٌ عليكم، لأنّكم في حجابٍ عن حقيقة هذا التَّوحيد. ومن فروعه: أنَّ الأنبياءَ ضيَّقوا الطَّريقَ على النّاس، وبعَّدوا عليهم المقصود، والأمرُ وراء ما جاؤوا به، ودعَوا إليه. وأمّا الجهميَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: إنكارُ علوِّ الله على خلقه بذاته واستوائه على عرشه، وإنكارُ سمعه وبصره وقوّته وحياته وكلامه وصفاته وأفعاله ومحبّته ومحبَّةِ العباد له. فالتّوحيدُ عندهم هو المبالغةُ في إنكار التَّوحيد الذي بعث الله به رسلَه وأنزل به كتبَه.

стр. 2418

وأمّا القدريَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: إنكارُ قدَرِ الله وعمومِ مشيئته للكائنات وقدرتِه عليها. ومتأخِّروهم ضمُّوا إلى ذلك توحيدَ الجهميَّة، فصار حقيقةُ التَّوحيد عندهم: إنكارَ القدر، وإنكارَ حقائق الأسماء الحسنى والصِّفات العلى. وربّما سمَّوا إنكارَ القدر والكفرَ بقضاء الرّبِّ وقدره: عدلًا، وقالوا: نحن أهل العدل والتّوحيد. وأمّا الجبريَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: هو تفرُّدُ الرَّبِّ تعالى بالخلق والفعل، وأنَّ العبادَ غير فاعلين على الحقيقة، ولا مُحْدِثين لأفعالهم، ولا قادرين عليها؛ وأنَّ الرَّبَّ تعالى لم يفعل لحكمةٍ ولا غايةٍ تُطْلَب بالفعل، وليس في المخلوقات قوًى وطبائع وغرائز وأسبابٌ؛ بل ما ثمَّ إلّا مشيئةٌ محضةٌ ترجِّح مِثلًا على مثلٍ بغير مرجِّحٍ ولا حكمةٍ ولا سببٍ البتَّة. وأمَّا صاحبُ «المنازل» ﵀ ومن سلك سبيله فالتَّوحيدُ عندهم: نوعان، أحدهما غير موجودٍ ولا ممكنٍ، وهو: توحيدُ العبدِ ربَّه، فعندهم: ما وحَّد الواحدَ من واحدٍ ... إذ كلُّ من وحَّده جاحدُ (١) والثاني: توحيدٌ صحيحٌ، وهو توحيدُ الرَّبِّ لنفسه (٢). وكلُّ من ينعته سواه فإنَّه (٣) ملحدٌ.

стр. 2419

فهذا توحيدُ الطَّوائف (١)، ومَن النّاس إلّا أولئك! فصل وأمَّا التوحيدُ الذي دعت إليه رسلُ الله ونزلت به كتُبه، فوراء ذلك كلِّه. وهو نوعان: توحيدٌ في المعرفة والإثبات، وتوحيدٌ في المطلب والقصد. فالأوّل: هو إثباتُ حقيقةِ ذات الرَّبِّ تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، وعلوِّه فوق سماواته على عرشه، وتكلُّمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده؛ وإثباتُ عموم قضائه وقدره وحكمته. وقد أفصح القرآن عن هذا النّوع جِدَّ الإفصاح (٢)، كما في أوّل الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأوّل تنزيل السّجدة، وأوّل آل عمران، وسورة الإخلاص بكمالها، وغير ذلك. النّوع الثّاني: مثل ما تضمّنته سورةُ (قل ياأيُّها الكافرون)، وقولُه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وأوّلُ سورة تنزيل الكتاب وآخرُها، وأوّلُ سورة يونس ووسطُها وآخرُها، وأوَّلُ سورة الأعراف وآخرُها، وجملةُ سورة الأنعام. وغالبُ سور القرآن، بل كلُّ سورةٍ سورةٍ في القرآن، فهي متضمِّنةٌ لنوعَي التَّوحيد. بل نقول قولًا كلِّيًّا: إنَّ كلَّ آيةٍ في القرآن فهي متضمِّنةٌ للتّوحيد، شاهدةٌ به، داعيةٌ إليه؛ فإنَّ القرآنَ إمّا خبرٌ عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله (٣)، فهو التَّوحيدُ العلميُّ الخبريُّ. وإمّا دعوةٌ إلى عبادته وحده لا

стр. 2420

شريك له، وخلعِ كلِّ ما يُعبَد من دونه، فهو التَّوحيدُ الإراديُّ الطّلبيُّ. وإمّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعته وأمره ونهيه، فهي حقوق التّوحيد ومكمِّلاته. وإمّا خبرٌ عن إكرامه لأهل توحيده وطاعته، وما فعَل بهم في الدُّنيا، وما (١) يُكرمهم به في الآخرة؛ فهو جزاء توحيده. وإمَّا خبرٌ عن أهل الشِّرك، وما فعَلَ بهم في الدُّنيا من النَّكال، وما يحُلُّ بهم في العقبى من العذاب؛ فهو جزاءُ مَن خرج عن حكم التّوحيد. فالقرآن كلُّه في التّوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشِّرك وأهله وجزائهم. فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ توحيدٌ، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيدٌ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيدٌ، ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيدٌ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيدٌ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيدٌ، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيدٌ متضمِّنٌ لسؤال الهداية إلى طريق أهل التّوحيد الذين أُنْعِمَ عليهم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذين فارقوا التّوحيد. ولذلك شهد الله لنفسه بهذا التّوحيد، وشهدت له به ملائكتُه وأنبياؤه ورسله. قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨ - ١٩]. فتضمّنت هذه الآية الكريمة إثباتَ حقيقة التّوحيد، والرَّدَّ على جميع هذه الطَّوائف، والشّهادةَ ببطلان أقوالهم ومذاهبهم. وهذا إنّما يتبيَّن بعد فهم الآية وبيان ما تضمَّنته من المعارف الإلهيّة والحقائق الإيمانيّة (٢).
следующие страницы →