← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

صفة محمَّدٍ ﷺ : محمَّدٌ رسول الله، عبدي ورسولي، سمَّيته المتوكِّل، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا صخّابٍ بالأسواق، ولا يجزي بالسّيِّئة السّيِّئة، ولكن يعفو ويغفر. وجعل سبحانه البشارة المطلقة لعباده، فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١) (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧]. وجعل الأمن المطلق لهم، فقال تعالى: ﴿يَا عِبَادي (٢) لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩]. وعزَل الشّيطانَ عن سلطانه عليهم خاصّةً، وجعل سلطانه على من تولّاه وأشرك به، فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]. وجعل النّبيُّ ﷺ إحسانَ العبوديّة أعلى مراتب الدِّين، وهو الإحسان، فقال في حديث جبريل ﵇ وقد سأله عن (٣) الإحسان: "أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك" (٤).

стр. 282

فصل في لزوم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لكلِّ عبد إلى الموت قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. وقال أهل النّار: ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٦ - ٤٧]. واليقين هاهنا: الموت، بإجماع أهل التّفسير. وفي "الصحيح" (١) في قصّة عثمان بن مظعونٍ ﵁ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "أمّا عثمان فقد جاءه اليقين من ربِّه" أي الموتُ وما فيه. فلا ينفكُّ العبد من العبوديّة ما دام في دار التّكليف. بل عليه في البرزخ عبوديّةٌ أخرى لمَّا يسأله (٢) المَلَكانِ: من كان يعبد؟ وما يقول في رسول الله ﷺ ؟ ويلتمسان منه الجواب (٣). وعليه عبوديّةٌ أخرى يوم القيامة، يوم يدعو الله الخلقَ كلَّهم إلى السُّجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفّار والمنافقون لا يستطيعون السُّجود. فإذا دخلوا دارَ الثّواب والعقاب انقطع التّكليفُ هناك،

стр. 283

وصارت عبوديّةُ أهل الثَّواب تسبيحًا مقرونًا بأنفاسهم، لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا. ومن ظنَّ أنّه يصل إلى مقامٍ يُسقِط عنه التّعبُّدَ، فهو زنديقٌ كافرٌ بالله ورسوله، وإنّما وصل إلى مقام الكفر بالله تعالى والانسلاخ من دينه. وكلَّما تمكَّن العبدُ في منازل العبوديّة كانت عبوديّتُه أعظم، والواجبُ عليه منها أكثر من الواجب على من دونه. ولهذا كان الواجبُ على رسول الله ﷺ بل على الرُّسل أعظمَ من الواجب على أممهم، والواجبُ على أولي العلم أعظمَ من الواجب على من دونهم، وكلُّ أحدٍ بحسب مرتبته. فصل في انقسام العبوديّة إلى عامّةٍ وخاصّةٍ العبوديّة نوعان: عامٌّ، وخاصٌّ. فالعبوديّة العامّة: عبوديّة أهل السّماوات والأرض كلِّهم لله: برِّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم. فهذه عبوديّة القهر والملك، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَنْفَطِرْنَ (١) مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]. فهذا يدخل فيه (٢) مؤمنهم وكافرهم.

стр. 284

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ (١) وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ [الفرقان: ١٧]. فسمَّاهم عبادَه مع ضلالهم، لكن تسميةً مقيّدةً بالإشارة. وأمّا المطلقة فلم تجئ إلّا لأهل الثّاني (٢)، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٨] فهذا يتناول العبوديّةَ العامَّةَ والخاصّة. وأمّا النّوع الثّاني، فعبوديّةُ الطَّاعةِ والمحبَّةِ واتِّباع الأوامر. قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِي (٣) لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]. وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٤) [الزمر: ١٧ - ١٨]. وقال: ﴿الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]. وقال تعالى عن إبليس: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠] فقال (٥): ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].

стр. 285

فالخلقُ كلُّهم عبيدُ ربوبيّته، وأهلُ طاعته وولايته عبيدُ إلهيّته. ولا يجيء في القرآن إضافةُ العباد إليه مطلقًا إلّا لهؤلاء. وأمَّا وصفُ عبيد ربوبيّته بالعبوديّة فلا يأتي إلّا على أحد خمسة أوجهٍ: إمّا منكَّرًا، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. والثّاني: معرّفًا باللّام، كقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٨]. الثّالث: مقيّدًا بإشارةٍ (١) أو نحوها، كقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ [الفرقان: ١٧]. الرّابع: أن يُذكَروا في عموم عباده، فيندرجوا مع أهل طاعته في الذِّكر، كقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. الخامس: أن يُذكَروا موصوفين بفعلهم، كقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقد يقال: إنّما سمَّاهم عباده إذا لم يقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه، واتَّبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربِّهم؛ فيكونون من عبيد الإلهيَّة والطَّاعة (٢). وإنّما انقسمت العبوديّة إلى خاصّةٍ وعامّةٍ، لأنّ أصل معنى اللّفظة: الذُّلُّ والخضوع. يقال: طريقٌ معبَّدٌ إذا كان مذلَّلًا بوطء الأقدام. وفلانٌ عبَّده

стр. 286

الحبُّ إذا ذلَّلَه، لكن أولياؤه خضعوا له وذلُّوا له طوعًا واختيارًا وانقيادًا لأمره ونهيه، وأعداؤه خضعوا له قهرًا ورغمًا. ونظيرُ انقسام العبوديّة إلى خاصّةٍ وعامّةٍ: انقسامُ القنوت إلى خاصٍّ وعامٍّ، والسجود كذلك. قال تعالى في القنوت الخاصِّ: ﴿(٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (١) [التحريم: ١٢]. وهو كثيرٌ في القرآن. وقال في القنوت العامِّ: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]، أي خاضعون أذلّاء. وقال في السُّجود الخاصِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]. وهو كثيرٌ (٢). وقال في السُّجود العامِّ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥]. ولهذا كان هذا السُّجود الكُرْهُ غيرَ السُّجود المذكور في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ

стр. 287

النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨]. فخصَّ هنا بالسُّجود كثيرًا من النّاس، وعمَّهم بالسُّجود في سورة النّحل (١). وهو سجود الذُّلِّ والقهر والخضوع، فكلُّ أحدٍ خاضعٌ لربوبيّته، ذليلٌ لعزّته، مقهورٌ تحت سلطانه. فصل في مراتب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ علمًا وعملًا للعبوديّة مراتب بحسب العلم والعمل. فأمّا مراتبها العلميّة، فمرتبتان: أحدُهما: العلم بالله، والثاني (٢): العلم بدينه. فأمّا العلم به سبحانه، فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهُه عمّا لا يليق به. والعلم بدينه مرتبتان. أحدهما: دينه الأمريُّ الشّرعيُّ، وهو صراطه المستقيم الموصل إليه. والثاني (٣): دينه الجزائيُّ المتضمِّن ثوابه وعقابه. وقد دخل في هذا العلمُ بملائكته وكتبه ورسله. وأمّا مراتبها العملية، فمرتبتان: مرتبةٌ لأصحاب اليمين، ومرتبةٌ

стр. 288

للسابقين المقرَّبين. فأمَّا (١) مرتبة أصحاب اليمين، فأداءُ (٢) الواجبات، وتركُ المحرّمات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبّات. وأمّا مرتبة المقرَّبين، فالقيامُ بالواجبات والمندوبات، وتركُ المحرَّمات والمكروهات؛ زاهدون فيما لا ينفعهم في معادهم، متورِّعون عمّا يخافون ضرره. وخاصَّتُهم قد انقلبت المباحاتُ في حقِّهم طاعاتٍ وقرباتٍ بالنِّيّة، فليس في حقِّهم مباحٌ متساوي الطّرفين، بل كلُّ أعمالهم راجحةٌ. ومَن دونهم يترك المباحاتِ مشتغلًا عنها بالعبادات، وهؤلاء يأتونها (٣) طاعاتٍ وقرباتٍ. ولأهل هاتين المرتبتين درجاتٌ لا يحصيها إلّا الله تعالى. فصل و رحى العبوديّة تدور على خمس عشرة قاعدةً ، من كمَّلَها كمَّلَ مراتبَ العبوديّة. وبيانها: أنّ العبوديّة منقسمةٌ على القلب، واللِّسان، والجوارح. وعلى كلٍّ منها عبوديّةٌ تخُصُّه. والأحكام التي للعبوديّة خمسةٌ: واجبٌ، ومستحبٌّ، وحرامٌ، ومكروهٌ، ومباحٌ. وهي لكلِّ واحدٍ من القلب، واللِّسان، والجوارح. فواجب القلب منه متّفَقٌ على وجوبه، ومختلَفٌ فيه. فالمتّفَقُ على وجوبه: كالإخلاص، والتّوكُّل، والمحبّة، والصَّبْر،

стр. 289

والإنابة، والخوف، والرّجاء، والتّصديق الجازم، والنِّيّة للعبادة، وهذه قدرٌ زائدٌ على الإخلاص، فإنّ الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره. ونيّة العبادة لها مرتبتان: إحداهما: تمييز العبادة عن العادة. والثّانية: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعضٍ. والأقسامُ الثّلاثةُ واجبةٌ. وكذلك الصِّدقُ. والفرقُ بينه وبين الإخلاص: أنّ للعبد مطلوبًا وطلبًا، فالإخلاصُ توحيد مطلوبه، والصِّدقُ توحيد طلبه. فالإخلاص: أن لا يكون المطلوبُ منقسمًا، والصِّدق: أن لا يكون الطَّلبُ منقسمًا. فالصِّدقُ بذل الجهد، والإخلاصُ إفراد المطلوب. واتّفقت الأمّة على وجوب هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة. وكذلك النُّصح في العبوديّة، ومدارُ الدِّين عليه. وهو بذل الجهد في إيقاع العبوديّة على الوجهِ المحبوبِ للرَّبِّ المرضيِّ له. وأصل هذا واجبٌ، وكمالُه مرتبةُ المقرَّبين. وكذلك كلُّ واحدٍ من هذه الواجبات القلبيّة، لها (١) طرفان: واجبٌ مستحَقٌّ وهو مرتبة أصحاب اليمين، وكمالٌ مستحبٌّ وهو مرتبة المقرَّبين. وكذلك الصّبرُ واجبٌ باتِّفاق الأمّة. قال الإمام أحمد ﵁: الصَّبرُ (٢) في تسعين موضعًا من القرآن، أو بضعًا وتسعين (٣). وله طرفان

стр. 290

أيضًا: واجبٌ مستحقٌّ، وكمالٌ مستحبٌّ. وأمّا المختلف فيه فكالرِّضا، فإنَّ في وجوبه قولان (١) للفقهاء والصُّوفيّة، والقولان لأصحاب أحمد (٢). فمن أوجبه قال: السُّخط حرامٌ، ولا خلاص عنه إلّا بالرِّضا، وما لا خلاص عن الحرام إلّا به فهو واجبٌ. واحتجُّوا بأثر: "من لم يصبر على بلائي، ولم يرضَ بقضائي، فليتّخذ ربًّا سوائي" (٣). ومن قال: هو مستحبٌّ، قال: لم يجئ الأمر به في القرآن ولا في السُّنّة،

стр. 291

بخلاف الصَّبْر فإنّ الله أمر به في مواضع كثيرةٍ من القرآن (١). وكذلك التّوكُّل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وأمر بالإنابة، فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤]. وأمر بالإخلاص كقوله: ﴿أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله: ﴿(١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ (٢) [غافر: ١٤]. وكذلك الخوف كقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ واخْشَوْنِ﴾ (٣) [آل عمران: ١٧٥]، وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَخَافُونِ﴾ (٤) [المائدة: ٤٤]، وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. وكذلك الصِّدق، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وكذلك المحبّة، وهي أفرَضُ الواجبات، إذ هي قلبُ العبادة المأمور بها، ومخُّها وروحُها. وأمّا الرِّضا فإنّما جاء في القرآن مدحُ أهله والثّناءُ عليهم، لا الأمرُ به. قالوا: وأمّا الأثر المذكور فإسرائيليٌّ، لا يحتجُّ به. قالوا: وفي الحديث المعروف عن النبيِّ ﷺ : "إن استطعتَ أن تعمل لله بالرِّضا مع اليقين فافعل. فإن لم تستطع فإنَّ في الصَّبر على ما تكره النّفس خيرًا كثيرًا (٥) "، وهو في بعض "السُّنن" (٦).

стр. 292

قالوا: وأمّا قولكم: "لا خلاص عن التسخُّط إلّا به"، فليس بلازمٍ، فإنّ مراتب النّاس في المقدور ثلاثةٌ: الرِّضا وهو أعلاها، والسُّخط وهو أسفلها، والصَّبر عليه بدون الرِّضا به وهو أوسطها. فالأولى للمقرَّبين السّابقين، والثّالثة للمقتصدين، والثّانية للظّالمين (١). وكثيرٌ من النّاس يصبر على المقدور فلا يتسخَّطه (٢)، وهو غير راضٍ به، فالرِّضا أمرٌ آخر. وقد أشكل على بعض النّاس اجتماعُ (٣) الرِّضا مع التّألُّم، وظنّ أنّهما متنافيان، وليس كما ظنَّه. فالمريضُ الشّاربُ للدّواء الكريه متألِّمٌ به راضٍ به. والصّائمُ في نهار رمضان (٤) في شدّة الحرِّ متألِّمٌ بصومه راضٍ به. والبخيلُ متألِّمٌ بإخراج زكاته راضٍ بها. فالتّألُّمُ كما (٥) لا ينافي الصّبر، لا ينافي الرِّضا به. وهذا الخلاف بينهم إنّما هو في الرِّضا بقضائه الكونيِّ. وأمّا الرِّضا به ربًّا

стр. 293

وإلهًا والرِّضا بأمره الدِّينيِّ، فمتّفَقٌ على فرضيّته. بل لا يصير العبد مسلمًا إلّا بهذا الرِّضا: أن يرضى بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّدٍ رسولًا (١). ومن هذا أيضًا: اختلافهم في الخشوع في الصّلاة، وفيه قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره. وعلى القولين اختلافُهم في وجوب الإعادة (٢) على من غلب عليه الوسوسة في صلاته. فأوجبها ابنُ حامدٍ من أصحاب أحمد (٣)، وأبو حامدٍ الغزاليُّ في "إحيائه" (٤). ولم يوجبها أكثر الفقهاء، واحتجُّوا بأنّ النبيّ ﷺ أمر من سها في صلاته بسجدتي السّهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله: "إنّ الشّيطان يأتيه في صلاته، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا حتّى يظلّ (٥) الرّجل إن يدري كم صلّى" (٦). ولكن لا نزاع أنّ هذه الصّلاة لا يثاب منها إلّا بقدر حضور قلبه وخشوعه، كما قال النّبيُّ ﷺ : "إنّ العبد لينصرف من الصّلاة ولم يُكتَبْ له إلّا نصفُها، ثلثُها، ربعُها" (٧) حتّى بلغ

стр. 294

عشرها. وقال ابن عبّاسٍ ﵄: ليس لك من صلاتك إلّا ما عقلتَ منها (١). فليست صحيحةً باعتبار ترتُّب كمال مقصودها عليها، وإن سمِّيت صحيحةً باعتبار أنّا لا نأمره بالإعادة. ولا ينبغي أن يُطلَق لفظُ الصِّحّة عليها، فيقال: صلاةٌ صحيحةٌ، مع أنّه لا يثاب (٢) فاعلُها (٣). والقصد أنَّ هذه الأعمالَ واجبَها ومستحبَّها هي عبوديّةُ القلب، فمن عطَّلَها فقد عطَّلَ عبوديّةَ المَلِك، وإن قام بعبوديّة رعيّته من الجوارح. والمقصود أن يكون مَلِكُ الأعضاء قائمًا بعبوديّته لله تعالى، هو ورعيّته. وأمّا المحرَّمات التي عليه، فكالكبر، والرِّياء، والعُجْب، والحسد،

стр. 295

والغفلة، والنِّفاق. وهي (١) نوعان: كفرٌ، ومعصيةٌ. فالكفر: كالشّكِّ، والنِّفاق، والشِّرك، وتوابعها. والمعصية نوعان: كبائر، وصغائر. فالكبائر: كالرِّياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة الله تعالى، واليأس من رَوح الله، والأمن من مكر الله، والفرح والسُّرور بأذى المسلمين، والشّماتة بمصيبتهم، ومحبَّته (٢) أن تشيع الفاحشة فيهم، وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، وتمنِّي زوال ذلك عنهم، وتوابع هذه الأمور التي هي أشدُّ تحريمًا من الزِّنى، وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظّاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلّا باجتنابها والتّوبة منها، وإلّا فهو قلبٌ فاسدٌ، وإذا فسد القلب فسد البدن. وهذه الآفات إنّما تنشأ من الجهل بعبوديّة القلب، وترك القيام بها. فوظيفة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على القلب قبل الجوارح، فإذا جَهِلَها وترَكَ القيامَ بها امتلأ بأضدادها ولا بدّ. وبحسب قيامه بها يتخلَّص من أضدادها. وهذه الأمور ونحوها (٣) قد تكون صغائر في حقِّه، وقد تكون كبائر، بحسب قوّتها وغلظها، وخفّتها ورقّتها (٤). ومن الصّغائر أيضًا: شهوة المحرّمات وتمنِّيها. وتفاوتُ درجات الشّهوة في الكبر والصِّغر بحسبِ تفاوتِ درجات المشتهى. فشهوة الكفر

стр. 296

والشِّرك كفرٌ، وشهوة البدعة فسقٌ، وشهوة الكبائر معصيةٌ. فإن ترَكَها لله مع قدرته عليها أُثيبَ، وإن ترَكَها عجزًا مع بذله مقدورَه في تحصيلها استحقَّ عقوبة الفاعل، لتنزُّله منزلتَه في أحكام الثّواب والعقاب، وإن لم ينزل (١) منزلته في أحكام الشّرع. ولهذا قال النّبيُّ ﷺ : "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: هذا القاتل يا رسول الله، فما بال المقتول؟ قال: "إنّه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٢). فنزَّلَه منزلة القاتل، لحرصه (٣)، في الإثم دون الحكم. وله نظائر كثيرةٌ في الثّواب والعقاب. وقد عُلِمَ بهذا مستحَبُّ القلب ومباحُه. فصل وأمّا عبوديّات اللِّسان الخمس (٤)، فواجبها (٥): النُّطق بالشّهادتين، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن، وهو ما تتوقَّفُ صحّةُ صلاته عليه؛ وتلفُّظه بالأذكار الواجبة في الصّلاة التي أمَر الله بها ورسولُه، كما أمَر بالتّسبيح في الرُّكوع والسُّجود، وأمَر بقول "ربّنا ولك الحمد" بعد الاعتدال، وأمَر بالتّشهُّد، وأمَر بالتّكبير. ومن واجبه: ردُّ السّلام. وفي ابتدائه قولان.

стр. 297

ومن واجبه: الأمرُ بالمعروف والنّهي عن المنكر، وتعليمُ الجاهل، وإرشادُ الضّالِّ، وأداءُ الشّهادة المتعيِّنة، وصدقُ الحديث. وأمّا مستحَبُّه، فتلاوة القرآن، ودوام ذكر الله، والمذاكرة في العلم النّافع، وتوابع ذلك. وأمّا محرَّمه، فهو النُّطقُ بكلِّ ما يبغضه الله ورسوله، كالنُّطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسولَه، والدُّعاءِ إليها، وتحسينِها وتقويتِها؛ وكالقذفِ، وسبِّ المسلم وأذاه بكلِّ قولٍ، والكذب، وشهادة الزُّور، والقول على الله بلا علمٍ وهو أشدُّها تحريمًا. ومكروهه: التّكلُّمُ بما تركُه خيرٌ من الكلام به، مع عدم العقوبة عليه. وقد اختلف السّلف هل في حقِّه كلامٌ مباحٌ متساوي الطّرفين؟ على قولين ذكرهما ابن المنذر وغيره (١). أحدهما: أنّه لا يخلو كلُّ متكلَّمٍ (٢) به إمّا أن يكون له أو عليه، وليس في حقِّه شيءٌ لا له ولا عليه. واحتجُّوا بالحديث المشهور (٣)، وهو: "كلُّ كلام ابن آدم عليه لا له، إلّا ما كان من ذكر الله وما

стр. 298

والاه". واحتجُّوا (١) بأنّه يُكتَب عليه كلامُه كلُّه، ولا يُكتَب إلّا الخيرُ والشّرُّ. وقالت طائفةٌ: بل في الكلام (٢) مباحٌ، لا له ولا عليه، كما في حركات الجوارح. قالوا: لأنّ كثيرًا من الكلام لا يتعلَّق به أمرٌ ولا نهيٌ، وهذا شأن المباح. والتّحقيق: أنّ حركة اللِّسان بالكلام لا تكون متساوية الطّرفين، بل إمّا راجحةً أو مرجوحةً، لأنّ للِّسان شأنٌ (٣) ليس لسائر الجوارح. فـ"إذا (٤) أصبح ابنُ آدم فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تكفِّر اللِّسانَ (٥)، تقول: اتَّقِ الله، فإنّما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإنّ اعوججتَ اعوججنا" (٦). وأكثَرُ ما يكُبُّ

стр. 299

النّاسَ على مناخرهم في النّار حصائدُ ألسنتهم (١). وكلُّ ما يتلفّظ به اللِّسان فإمّا أن يكون ممّا يرضي الله ورسوله أم لا (٢)، فإن كان كذلك فهو الرّاجح، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح. وهذا بخلاف حركات سائر الجوارح (٣)، فإنّ صاحبها قد ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطّرفين، لما له في ذلك من الرّاحة والمنفعة، فأبيح له استعمالُها فيما فيه منفعةٌ له، ولا مضرّةَ عليه فيه في الآخرة. وأمّا حركة اللِّسان بما لا ينتفع به فلا تكون إلّا مضرّةً، فتأمّله.

стр. 300

فإن قيل: فقد يتحرّك بما فيه منفعةٌ ديناويَّةٌ مباحةٌ مستويةُ الطّرفين، فيكون حكمُ حركته حكمَ ذلك الفعل. قيل: حركتُه بها عند الحاجة إليها راجحةٌ، وعند عدم الحاجة إليها مرجوحةٌ لا تفيده، فتكون عليه لا له. فإن قيل: إذا (١) كان الفعلُ متساويَ الطّرفين كانت حركةُ اللِّسان الوسيلةُ إليه كذلك، إذ الوسيلةُ تابعةٌ للمقصود في الحكم. قيل: لا يلزم ذلك. فقد يكون الشّيءُ مباحًا بل واجبًا، ووسيلتُه مكروهةٌ كالوفاء بالطّاعة المنذورة، هو (٢) واجبٌ مع أنَّ وسيلته ــ وهو النّذر ــ مكروهٌ منهيٌّ عنه. وكذلك الحلف المكروه مرجوحٌ، مع وجوب الوفاء أو الكفّارة. وكذلك سؤالُ الخلق عند الحاجة مكروهٌ، ويباح له الانتفاعُ بما أخرجته له المسألة (٣). وهذا كثيرٌ جدًّا، فقد تكون الوسيلةُ متضمِّنةً مفسدةً تُكرَه أو تحرَّم لأجلها، وما جُعِلت وسيلةً إليه ليس بحرامٍ ولا مكروهٍ. فصل وأمّا العبوديّات الخمس على الجوارح، فعلى خمسة (٤) وعشرين مرتبةً أيضًا، إذ الحواسُّ خمسةٌ (٥)، وعلى كلِّ حاسّةٍ خمس عبودياتٍ.

стр. 301

فعلى السَّمع وجوبُ الإنصات والاستماع لما أوجبه الله تعالى ورسوله ﷺ عليه، من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما. وكذلك استماع القراءة في الصَّلاة إذا جهر بها الإمام، واستماع الخطبة للجمعة في أصحِّ قولي العلماء. ويحرم عليه استماعُ الكفر والبدع، إلّا حيث يكون في استماعه مصلحةٌ راجحةٌ، من ردِّه، أو الشّهادة على قائله، أو زيادة قوّة الإيمان والسُّنّة بمعرفة ضدِّهما من الكفر والبدعة، ونحو ذلك؛ وكاستماع سِرار من يهرب عنك بسرِّه، ولا يحبُّ أن يطلعك عليه، ما لم يكن متضمِّنًا لحقٍّ لله يجب (١) القيام به، أو لأذى مسلمٍ يتعيَّن نصحُه وتحذيرُه منه. وكذلك استماع أصوات النِّساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهنّ، إذا لم تدعُ إليه حاجةٌ من شهادةٍ، أو معاملةٍ، أو استفتاءٍ، أو محاكمةٍ، أو مداواةٍ (٢)، ونحوها. وكذلك استماعُ المعازف وآلات الطَّرب واللَّهو (٣)، كالعود والطُّنبور واليرَاع ونحوها. ولا يجب عليه سدُّ أذنه إذا سمع الصّوت، وهو لا يريد استماعه، إلّا إذا خاف السُّكونَ إليه والإنصاتَ، فحينئذٍ يجب تجنُّبُ سَمْعِه وجوبَ سدِّ الذّرائع. ونظير هذا: المُحْرِمُ لا يجوز له تعمُّدُ شمِّ الطّيب، وإذا حملت الرِّيحُ

стр. 302

رائحته وألقتها في مشامِّه لم يجب عليه سدُّ أنفه. ونظير هذا: نظرةُ الفجاءة لا تحرُم على النّاظر، وتحرُم عليه النّظرة الثّانية إذا تعمَّدَها. وأمّا السَّمعُ المستحَبُّ فكاستماع المستحَبِّ من العلم، وقراءة القرآن، وذكر الله، واستماع كلِّ ما يحبُّه الله وليس بفرضٍ. والمكروه عكسه، وهو استماعُ كلِّ ما يكرهه ولا يعاقب عليه. والمباح ظاهرٌ. وأمّا النّظر الواجب، فالنَّظرُ في المصحف وكتب العلم عند تعيُّنِ تعلُّمِ (١) الواجب منها، والنّظرُ إذا تعيَّن لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي يأكلها وينفقها ويستمتع بها، والأمانات التي يؤدِّيها إلى أربابها ليميِّز بينها، ونحو ذلك. والنّظر الحرام: النّظر إلى الأجنبيّات بشهوةٍ مطلقًا، وبغيرها إلّا لحاجةٍ، كنظر الخاطب، والمُسْتام، والمُعامِل، والشّاهد، والحاكم، والطَّبيب، وذي المحرم. والمستحبُّ: النّظرُ في كتب العلم والدِّين، الذي يزداد به الرّجلُ إيمانًا وعلمًا، والنّظرُ في المصحف ووجوه العلماء والصّالحين والوالدين، والنّظرُ في آيات الله المشهودة ليستدلَّ بها على توحيده ومعرفته وحكمته. والمكروه: فضولُ النَّظر التي لا مصلحة فيها (٢)، فإنَّ له فضولًا كما للِّسان فضولًا (٣). وكم قادت فضولُهما إلى فضولٍ عزَّ التّخلُّص منها، وأعيا دواؤها. وقال بعض السّلف: كانوا يكرهون فضول النّظر، كما يكرهون

стр. 303

فضول الكلام (١). والمباح: النّظر الذي لا مضرّة فيه في العاجل ولا الآجل، ولا منفعة. ومن النّظر الحرام: النّظرُ إلى العورات، وهي قسمان: عورةٌ وراء الثِّياب، وعورةٌ وراء الأبواب. ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب، فرماه صاحبُ العورة، ففقأ عينه= لم يكن عليه شيءٌ، وذهبت هدرًا بنصِّ رسول الله ﷺ المتَّفَقِ على صحّته (٢)، وإن ضمَّنَه بعضُ الفقهاء لكونه لم يبلغه النّصُّ أو تأوَّلَه (٣). هذا إذا لم يكن للنّاظر سببٌ يباح النّظر لأجله، كعورةٍ له هناك ينظرها، أو ريبةٍ هو مأمورٌ أو مأذونٌ له في اطِّلاعها. وأمّا الذَّوق الواجب، فتناولُ الطَّعام والشَّراب عند الاضطرار إليه وخوف الموت، فإن تركه حتّى مات، مات عاصيًا قاتلًا لنفسه. قال الإمام أحمد (٤) وطاوس (٥) ﵄: من اضطُرَّ إلى أكل الميتة، فلم يأكل حتّى

стр. 304

مات، دخل النّار. ومن هذا: تناولُ الدّواء إذا تيقَّن النّجاةَ به من الهلاك، على أصحِّ القولين. وإن ظَنَّ الشِّفاء به، فهل هو مستحبٌّ أو مباحٌ والأفضل تركه؟ فيه نزاعٌ معروفٌ بين السّلف والخلف (١). والذّوق الحرام: كذوق الحرام (٢)، والسُّموم القاتلة، والذّوق الممنوع منه للصِّيام الواجب. وأمّا المكروه: فكذوق المشتبهات، والأكل فوق الحاجة، وذوق طعام الفُجاءة، وهو الطَّعام الذي تفجَأ آكلَه، ولم يُرِد أن يدعوك إليه؛ وكأكلِ أطعمةِ المُتَبارين (٣) في الولائم والدّعوات ونحوها ــ وفي "السُّنن" (٤) أنّ رسول الله

стр. 305

- ﷺ نهى عن طعام المتبارين ــ وذوقِ طعام من يُطعِمك حياءً منك لا بطيب نفس. والذّوقُ المستحبُّ: أكلُ ما يعينك على طاعة الله ممّا أذِن الله فيه، والأكلُ مع الضّيف ليطيبَ له الأكلُ فينالَ منه غرضه، والأكلُ من طعام صاحب الدّعوة الواجبِ إجابتُها أو المستحَبِّ. وقد أوجب بعضُ الفقهاء الأكلَ من الوليمةِ الواجبِ إجابتُها (١)، للأمر به من الشّارع (٢). والذّوق المباح: ما لم يكن فيه إثمٌ ولا رجحانٌ. وأمّا تعلُّق العبوديّات الخمس (٣) بحاسّة الشَّمِّ، فالشَّمُّ الواجبُ: كلُّ شمٍّ تعيَّنَ طريقًا للتّمييز بين الحلال والحرام، كالشَّمِّ الذي يعلم به هذا العين هل هو خبيث أو طيِّب؟ وهل هو سمٌّ قاتلٌ أو لا مضرّة فيه؟ أو يميِّز به بين ما

стр. 306

يملك الانتفاعَ به، ولا يملكه؟ ومن هذا شمُّ المقوِّم وربِّ الخبرة عند الحكم في التقويم والعيب ونحو ذلك. وأمّا الشَّمُّ الحرامُ، فالتّعمُّدُ لشمِّ الطِّيب في الإحرام، وشمِّ الطِّيب المغصوب والمسروق، وتعمُّدُ شمِّ الطِّيب من النِّساء الأجنبيّات خشيةَ الافتتان بما وراءه. وأمّا الشَّمُّ المستحبُّ، فشمُّ ما يعينك على طاعة الله، ويقوِّي الحواسِّ، ويبسط (١) النّفسَ للعلم والعمل. ومن هذا هديّة الطِّيب والرّيحان إذا أُهديت لك، ففي (٢) "صحيح مسلمٍ ﵁ " (٣) عن النّبيِّ ﷺ : "من عُرِض عليه ريحانٌ فلا يردُّه، فإنّه طيِّبُ الرِّيح، خفيفُ المحمل". والمكروه: كشمِّ طيب الظَّلمَة وأصحاب الشُّبهات، ونحو ذلك. والمباح: ما لا منع فيه من الله ولا تبعة، ولا فيه (٤) مصلحةٌ دينيّةٌ. وأمّا تعلُّق هذه الخمس (٥) بحاسَّة اللَّمس، فاللَّمسُ الواجبُ كلمس الزّوجةِ حين يجب جماعها، والأمةِ الواجبِ إعفافُها. والحرام: لمسُ (٦) ما لا يحلُّ من الأجنبيّات.

стр. 307

والمستحبُّ: إذا كان فيه غضُّ بصره، وكفُّ نفسه عن الحرام، وإعفافُ أهله. والمكروه: لمسُ الزّوجة في الإحرام للذّةٍ، وكذلك في الاعتكاف، وفي الصِّيام إذا لم يأمن نفسَه (١). ومن هذا: لمسُ بدن الميِّت لغير غاسله، لأنّ بدنه قد صار بمنزلة عورة الحيِّ تكريمًا له. ولهذا يستحبُّ سترُه عن العيون، وتغسيلُه في قميص في أحد القولين (٢)؛ ولمسُ فخذ الرّجل إذا قلنا: هو (٣) عورةٌ. والمباح ما لم يكن فيه مفسدةٌ ولا مصلحةٌ دينيّةٌ. وهذه المراتب أيضًا مرتَّبَة (٤) على البطش باليد، والمشي بالرِّجل، وأمثلتُها لا تخفى. فالتّكسُّبُ المقدورُ للنّفقة على نفسه وأهله وعياله واجبٌ. وفي وجوبه لقضاء دينه خلافٌ، والصّحيح: وجوبه لتمكُّنه من أداء دينه (٥). ولا يجب لإخراج الزّكاة. وفي وجوبه لأداء فريضة الحجِّ نظرٌ، والأقوى في الدّليل: وجوبه لدخوله في الاستطاعةِ وتمكُّنِه (٦) بذلك من أداء النُّسك، والمشهور

стр. 308

عدم وجوبه (١). ومن البطش الواجب: إعانة المضطرِّ، ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتّيمُّم. والحرام: كقتل النّفس التي حرَّم الله، ونهبِ المال المعصوم (٢)، وضربِ من لا يحلُّ ضربُه، ونحو ذلك. وكأنواع اللّعب المحرَّم بالنَّصِّ كالنَّرْد (٣)، أو ما هو أشدُّ تحريمًا منه عند أهل المدينة كالشِّطْرَنْج، أو مثلُه عند فقهاء الحديث كأحمد وغيره، أو دونه عند بعضهم (٤). ونحو كتابة البدع المخالفة للسُّنّة تصنيفًا ونسخًا (٥) إلّا مقرونًا بردِّها ونقضها، وكتابةِ الزُّور والظُّلم، والحكم الجائر، والقذف والتّشبيب بالنِّساء الأجانب، وكتابةِ ما فيه مضرّةٌ على المسلمين في دينهم أو دنياهم، ولاسيّما إن كسَبَ عليه مالًا ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. وكذلك كتابةُ المفتي على الفتوى ما يخالف حكمَ الله ورسوله إلّا أن يكون مجتهدًا مخطئًا، فالإثم موضوعٌ عنه. وأمّا المكروه فكالعبث واللَّعب الذي ليس بحرامٍ، وكتابة ما لا فائدة في كتابته ولا منفعة في الدُّنيا والآخرة.

стр. 309

والمستحبُّ كتابةُ كلِّ ما فيه منفعةٌ في الدِّين، أو مصلحةٌ لمسلمٍ. والإحسان بيده بأن يعينَ صانعًا، أو يصنعَ لأخرق، أو يُفْرغَ من دلوه في دلو المستقي، أو يحملَ له على دابّته، أو يمسكها حتّى يحمل عليها، أو يعاونه بيده فيما يحتاج إليه أو نحو ذلك. ومنه: لمسُ الرُّكن بيده في الطّواف. وفي تقبيلها بعد اللَّمس قولان (١). والمباح ما لا مضرَّة فيه ولا ثواب. وأمّا المشي الواجب، فالمشيُ إلى الجُمُعات والجماعات في أصحِّ القولين لبضعةٍ وعشرين دليلًا مذكورةٍ في غير هذا الموضع (٢). والمشيُ حول البيت للطّواف الواجب، والمشيُ بين الصَّفا والمروة بنفسه أو بمركوبه، والمشيُ إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه، والمشيُ إلى صلةِ رحمه وبرِّ والديه، والمشيُ إلى مجالس العلم الواجب طلبُه وتعلُّمه (٣)، والمشيُ إلى الحجِّ إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضررٌ. والحرام: المشيُ في (٤) معصية الله، وهو من رَجِلِ الشّيطان. قال تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ (٥)﴾ [الإسراء: ٦٤]. قال مقاتلٌ ﵁:

стр. 310

استعِنْ عليهم بركبان جندك ومُشاتهم (١). فكلُّ راكبٍ وماشٍ في معصية الله فهو من جند إبليس لعنه الله. وكذلك تتعلَّق هذه الأحكام الخمسة (٢) بالرُّكوب أيضًا. فواجبه: الرُّكوب للغزو والجهاد، والحجِّ الواجب. ومستحبُّه: الرُّكوب (٣) للمستحبِّ من ذلك، ولطلب العلم، وصلة الرّحم، وبرِّ الوالدين. وفي الوقوف بعرفة نزاعٌ: هل الرُّكوب فيه أفضل أم على الأرض؟ والتّحقيق أنّ الرُّكوب أفضل إذا تضمَّن مصلحةً من تعليمٍ للمناسك، واقتداءٍ به (٤)، وكان أعونَ له على الدُّعاء، ولم يكن فيه ضررٌ على الدّابّة (٥). وحرامه: الرُّكوب في معصية الله. ومكروهه: الرُّكوب للهو واللّعب وكلِّ ما تركُه خيرٌ من فعله. ومباحه: الرُّكوب لما لم يتضمَّن فوتَ أجرٍ، ولا تحصيلَ وزرٍ. فهذه خمسون مرتبةً على عشرة أشياء: القلب، والسّمع، والبصر، واللِّسان، والأنف، والفم، واليد، والرِّجل، والفرج، والاستواء على ظهر الدّابّة. * * * *

стр. 311

فصل في منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ التي يتنقَّل (١) فيها القلبُ منزلةً منزلةً في حال سيره إلى الله تعالى وقد أكثر النّاس في صفة المنازل وعددها، فمنهم من جعلها ألفًا، ومنهم من جعلها مائةً، ومنهم من زاد ونقص (٢)؛ وكلٌّ وصَفَها بحسب سيره وسلوكه. وسأذكر فيها أمرًا مختصرًا جامعًا نافعًا (٣)، إن شاء الله تعالى. فأوّل منازل العبوديّة: اليقظة. وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين. ولله ما أنفع هذه الرّوعة! وما أعظم قدرها وخطرها! وما أشدَّ إعانتها على السُّلوك! فمن أحسَّ بها فقد أحسَّ والله بالفلاح، وإلّا فهو في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمَّر لله بهمَّته إلى السَّفر إلى منازله الأولى، وأوطانه (٤) التي سُبِي منها. فحيَّ على جنّاتِ عَدْنٍ فإنّها ... منازلُك الأولى وفيها المخيَّمُ ولكنّنا سَبْيُ العدوِّ فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونُسلَّمُ (٥)

стр. 312

فأخذ في أُهبة السّفر، فانتقل إلى منزلة "العزم"، وهو العقدُ الجازمُ على المسير، ومفارقةُ كلِّ قاطعٍ ومعوِّقٍ، ومرافقةُ كلِّ معينٍ ومُوصلٍ. وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمُه، وبحسب قوّة عزمه يكون استعدادُه. فإذا استيقظ أوجبت له اليقظةُ "الفكرةَ"، وهي تحديقُ القلب نحو المطلوب الذي قد استعدَّ له (١) مجملًا، ولمَّا يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه. فإذا صحَّت فكرتُه أوجبت له "البصيرةَ"، وهي (٢) نورٌ في القلب (٣) يُبصر به الوعد والوعيد، والجنّة والنّار، وما أعدَّ الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه. فأبصر النّاسَ وهم قد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحقِّ، وقد نزلت ملائكةُ السّماوات فأحاطت بهم، وقد جاء الله، ونُصِبَ كرسيُّه لفصل القضاء، وقد أشرقت الأرضُ لنوره، ووُضِع الكتابُ، وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نُصِب الميزان، وتطايرت الصُّحفُ، واجتمعت الخصومُ، وتعلَّق كلُّ غريمٍ بغريمه، ولاح الحوضُ وأكوابُه عن كثَبٍ، وكثر العطاشُ وقلَّ المواردُ (٤)، ونُصِبَ الجسرُ للعبور، ولُزَّ النّاسُ إليه، وقسِّمت الأنوار

стр. 313

دون ظلمته للعبور عليه، والنّار يحطِمُ بعضُها بعضًا تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف النّاجين. فينفتح في قلبه عينٌ يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهدٌ من شواهد الآخرة يريه الآخرةَ ودوامَها، والدُّنيا وسرعةَ انقضائها. فالبصيرة: نورٌ يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرُّسل، كأنّه شاهدٌ (١) رأي عينٍ، فيتحقَّق مع ذلك انتفاعُه بما دعت إليه الرُّسل، وتضرُّره بمخالفتهم. وهذا معنى قول بعض العارفين (٢): البصيرةُ تحقُّقُ الانتفاعِ بالشّيء والتّضرُّرِ به. وقال بعضهم: البصيرة ما خلَّصَك من الحيرة (٣)، إمّا بإيمانٍ وإمّا بعيانٍ. والبصيرة على ثلاث درجاتٍ، من استكملها فقد استكمل البصيرة: بصيرةٌ في الأسماء والصِّفات، وبصيرةٌ في الأمر والنّهي، وبصيرةٌ في الوعد والوعيد. فالبصيرة في الأسماء والصِّفات: أن لا يتأثّر إيمانُك بشبهةٍ تعارضُ ما وصَف الله به نفسَه ووصفه به رسولُه، بل تكون الشُّبه المعارضة لذلك عنده (٤) بمنزلة الشُّبه والشُّكوك في وجود الله، فكلاهما سواءٌ في البطلان عند أهل البصائر.

стр. 314

وعقد هذا: أن يشهد قلبُك الرَّبَّ تعالى مستويًا على عرشه (١)، متكلِّمًا بأمره ونهيه، بصيرًا بحركات العالم علويِّه وسفليِّه وأشخاصه وذرَّاته (٢)، سميعًا لأصواتهم، رقيبًا على ضمائرهم وأسرارهم، وأمرُ الممالك تحت تدبيره، نازلٌ من عنده وصاعدٌ إليه، وأملاكُه بين يديه تنفِّذ أوامره في أقطار الممالك؛ موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال، منزَّهًا عن العيوب والنّقائص والمثال. هو كما وصف نفسَه في كتابه، وفوق ما يصفه به خلقُه. حيٌّ لا يموت، قيُّومٌ لا ينام، عليمٌ لا يخفى عليه مثقالُ ذرّةٍ في السّماوات ولا في الأرض، بصيرٌ يرى دبيب النّملة السّوداء على الصَّخرة الصَّمّاء في اللّيلة الظّلماء، سميعٌ يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللُّغات على تفنُّن الحاجات. تمَّت كلماتُه صدقًا وعدلًا، وجلَّت صفاته أن تقاس بصفاتِ خَلقِه شبهًا ومثلًا، وتعالت ذاته أن تُشْبِهَ شيئًا من الذّوات أصلًا، ووسعت الخليقةَ أفعالُه عدلًا وحكمةً ورحمةً وإحسانًا وفضلًا. له الخلق والأمر، وله النِّعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثّناء والمجد. أوّل ليس قبله شيءٌ، آخرٌ ليس بعده شيءٌ، ظاهرٌ ليس فوقه شيءٌ، باطنٌ ليس دونه شيءٌ. أسماؤه كلُّها أسماء مدحٍ وحمدٍ وثناءٍ وتمجيدٍ، ولذلك كانت حسنى. وصفاتُه كلُّها صفاتُ كمالٍ، ونعوتُه نعوتُ جلالٍ، وأفعالُه كلُّها حكمةٌ ورحمةٌ ومصلحةٌ وعدلٌ. كلُّ شيءٍ من مخلوقاته دالٌّ عليه، ومرشدٌ لمن رآه بعين البصيرة إليه.

стр. 315

لم يخلُق السّماواتِ والأرضَ وما بينهما باطلًا، ولا ترَكَ الإنسانَ سُدًى عاطلًا، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمَه ليتوسَّلوا بشكرها إلى زيادته وكرامته (١). تعرَّفَ إلى عباده بأنواع التّعرُّفات، وصرَّف لهم الآيات، ونوَّع لهم الدِّلالات؛ ودعاهم إلى محبّته من جميع الأبواب، ومدَّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب؛ فأتمَّ عليهم نعمه السّابغة، وأقام عليهم حجّته البالغة. أفاض عليهم النِّعمة، وكتب على نفسه الرَّحمة، وضمَّن الكتاب الذي كتَبَه: أنّ رحمتَه تغلِبُ غضَبَه. وتفاوتُ النّاس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفةِ النُّصوص النّبويّة وفهمِها، والعلمِ بفساد الشُّبَه المخالفة لحقائقها. وتجد أضعفَ النّاس بصيرةً أهلَ الكلام الباطل المذموم الذي ذمَّه السّلفُ، لجهلهم بالنُّصوص ومعانيها، وتمكُّنِ الشُّبه الباطلة من قلوبهم. وإذا تأمّلتَ حالَ (٢) العامَّة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتَهم أتمَّ بصيرةً منهم، وأقوى إيمانًا، وأعظم تسليمًا للوحي وانقيادًا للحقِّ (٣). فصل المرتبة الثّانية من البصيرة: البصيرة في الأمر والنّهي. وهي تجريده عن المعارضة بتأويلٍ أو تقليدٍ أو هوًى. فلا يقوم بقلبه شبهةٌ تعارض العلمَ بأمر الله ونهيه، ولا شهوةٌ تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به، ولا تقليدٌ يزيحه

стр. 316

عن (١) بذل الجهد في تلقِّي الأحكام من مشكاة النُّصوص. وقد علمتَ (٢) بهذا أهلَ البصائر من العلماء من غيرهم. فصل المرتبة الثّالثة: البصيرة في الوعد والوعيد. فهو أن تشهدَ قيامَ الله على كلِّ نفسٍ بما كسبَتْ في الخير والشّرِّ، عاجلًا وآجلًا، في دار العمل ودار الجزاء؛ وأنَّ ذلك هو موجَبُ إلهيّته وربوبيّته وعدله وحكمته، وأنَّ الشَّكَّ في ذلك شكٌّ في إلهيّته وربوبيّته، بل شكٌّ في وجوده؛ فإنَّه يستحيل عليه خلافُ ذلك. ولا يليق أن ينسب إليه تعطيلُ الخليقة وإرسالُها هَملًا وتركُها سدًى، تعالى الله عن هذا الحسبان علوًّا كبيرًا. فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانيّة. ولهذا كان الصّحيح أنَّ المعادَ معلومٌ بالعقل، وإنّما اهتُدي إلى تفاصيله بالوحي. ولهذا يجعل الله إنكارَ المعاد كفرًا به سبحانه، لأنّه إنكارٌ لقدرته أو لإلهيّته، وكلاهما (٣) مستلزمٌ للكفر به. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥]. وفي الآية قولان (٤): أحدهما: إن تعجَبْ من قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا

стр. 317

أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، فعجَبٌ قولهم! كيف ينكرون هذا، وقد خُلقوا من ترابٍ، ولم يكونوا شيئًا. والثّاني: إن تعجَبْ من شركهم مع الله غيرَه، وعدمِ انقيادهم للتوحيد (١) وعبادته وحده لا شريك له، فإنكارُهم للبعث وقولُهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ فعَجبٌ (٢)! وعلى التّقديرين: فإنكارُ المعاد عجَبٌ من الإنسان، وهو محض إنكار الرّبِّ والكفر به والجحد لإلهيّته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه. ولصاحب "المنازل" في البصيرة طريقةٌ أخرى، قال (٣): (البصيرة: ما يخلِّصك من الحيرة. وهي على ثلاث درجاتٍ. الأولى: أن تعلم أنّ الخبر القائم بتمهيد الشّريعة يصدر عن عينٍ لا تخاف عواقبها، فترى من حقِّه أن تؤدِّيه (٤) يقينًا، وتغضب له غيرةً). ومعنى كلامه: أنّ ما أخبر به الرّسول صادرٌ عن حقيقةٍ صادقةٍ، لا يخاف متّبعها فيما بعد مكروهًا، بل يكون آمنًا من عاقبة اتِّباعها، إذ هي حقٌّ، ومُتَّبعُ الحقِّ لا خوفَ عليه. ومن حقِّ ذلك الخبر عليك أن تؤدِّي ما أُمِرتَ به منه من غير شكٍّ ولا سلوكِ الأحوَط، بل لا تبرأ ذمّتك وتنال الأجرَ (٥) إلَّا بامتثالٍ

стр. 318

صادرٍ عن تصديقٍ محقَّقٍ لا يصحبه شكٌّ؛ وتغضبَ (١) على من خالف ذلك غيرةً عليه أن يضيع حقُّه، ويُهمَل جانبُه (٢). وإنّما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام (٣) من تمام البصيرة لأنّه على قدر المعرفة بالحقِّ ومستحقِّه ومحبّته وإجلاله تكون الغيرةُ عليه أن يضيع، والغضب على من أضاعه؛ فإنّ ذلك دليلٌ على محبّة صاحب الحقِّ (٤) وإجلاله وتعظيمه، وذلك عين البصيرة. فكما أنَّ الشَّكَّ القادحَ في كمال الامتثال مُعْمٍ لعين البصيرة، فكذلك عدمُ الغضب والغيرة على حقوق الله إذا أُضِيعَتْ ومحارمِه إذا انتُهِكَتْ مُعْمٍ لعين البصيرة. قال: (الدّرجة الثّانية أن تشهد في هداية الحقِّ وإضلاله إصابةَ العَدْل، وفي تلوين أقسامه رعايةَ البرِّ، وتُعايِنَ في جذبه حبلَ الوَصْل) (٥). يريد بشهود العدل في هدايته مَن هداه وإضلالِه مَن أضلَّه أمرين: أحدهما: تفرُّده بالخلق والهدى والضّلال. والثّاني: وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل، لا بالاتِّفاق، ولا بمحض المشيئة المجرَّدة عن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها، بل بحكمةٍ اقتضت هدى مَن عَلِمَ أنّه يزكو على الهدى، ويقبله، ويشكره عليه،

стр. 319

ويُثمر عنده؛ وإضلالَ مَن عَلِمَ أنه لا يزكو على الهدى، ولا يقبله، ولا يشكر عليه، ولا يثمر عنده؛ فـ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ (١)﴾ [الأنعام: ١٢٤] أصلًا وميراثًا. وقال (٢) تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. وهم الذين يعرفون قدر نعمته بالهدى، ويشكرونه عليها، ويحبُّونه، ويحمدونه على أن جعلهم من أهله. فهو سبحانه ما عدَلَ عن موجَب العدل والإحسان في هدايةِ مَن هَدى وإضلالِ مَن أضلَّ. ولم يطرُد عن بابه ولم يُبْعِد عن جنابه مَن يليق به التّقريب والهدى والإكرام، بل طرَدَ مَن لا يليق به إلّا الطّرد والإبعاد، وحكمتُه وحمدُه تأبى تقريبَه وتكريمَه وجَعْلَه من أهله وخاصّته وأوليائه. ولا يبقى إلّا أن يقال: فلِمَ خلَقَ مَن هو بهذه المثابة؟ فهذا سؤال جاهلٍ ظالمٍ مفرطٍ في الجهل والظُّلم. وخلقُ الأضداد (٣) والمتقابلات هو من كمال الرُّبوبيّة، كاللّيل والنّهار، والحرِّ والبرد، واللَّذّة والألم (٤)، والخير والشّرِّ، والنّعيم والجحيم (٥).

стр. 320

قوله: (وفي تلوين أقسامه رعايةَ البِرِّ). يريد بتلوين الأقسام: اختلافَها في الجنس والقدر والصِّفة، من أقسام الأموال (١) والقوى والعلوم والصّنائع وغيرها، قسَّمها على وجه البرِّ والمصلحة، فأعطى كلًّا منهم ما يصلحه وما هو الأنفع له برًّا به وإحسانًا. وقوله: (وتُعايِن في جذبه حبلَ الوصال). يريد: تعاين في توفيقِه لك للطّاعة وجذبِه إيّاك من نفسك أنّه يريد تقريبك منه. فاستعار للتّوفيق الخاصِّ الجذبَ، وللتّقريبِ الوصالَ، وأراد بالحبل السّببَ المُوصِلَ لك إليه (٢). فأشار بهذا إلى أنّك تستدلُّ بتوفيقِه لك وجذبِك من نفسك وجعلِك متمسِّكًا بحبله ــ الذي هو عهدُه ووصيَّتُه إلى عباده ــ على تقريبه لك. بل (٣) تشاهد ذلك ليكون أقوى في المحبّة والشُّكر وبذلِ النّصيحة في العبوديّة. وهذا كلُّه من تمام البصيرة، فمن لا بصيرة له بمعزلٍ عن هذا. قال (٤): (الدّرجة الثّالثة: بصيرةٌ تُفجِّر المعرفة، وتُثبِّت الإشارة، وتُنبت الفراسة). يريد البصيرةَ في الكشف والعيان. أي يتفجَّرُ بها ينابيعُ المعارف من القلب. ولم يقل: "تفجِّر العلمَ" لأنَّ المعرفةَ أخصُّ من العلم عند القوم،
следующие страницы →