← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

عن (١) بذل الجهد في تلقِّي الأحكام من مشكاة النُّصوص. وقد علمتَ (٢) بهذا أهلَ البصائر من العلماء من غيرهم. فصل المرتبة الثّالثة: البصيرة في الوعد والوعيد. فهو أن تشهدَ قيامَ الله على كلِّ نفسٍ بما كسبَتْ في الخير والشّرِّ، عاجلًا وآجلًا، في دار العمل ودار الجزاء؛ وأنَّ ذلك هو موجَبُ إلهيّته وربوبيّته وعدله وحكمته، وأنَّ الشَّكَّ في ذلك شكٌّ في إلهيّته وربوبيّته، بل شكٌّ في وجوده؛ فإنَّه يستحيل عليه خلافُ ذلك. ولا يليق أن ينسب إليه تعطيلُ الخليقة وإرسالُها هَملًا وتركُها سدًى، تعالى الله عن هذا الحسبان علوًّا كبيرًا. فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانيّة. ولهذا كان الصّحيح أنَّ المعادَ معلومٌ بالعقل، وإنّما اهتُدي إلى تفاصيله بالوحي. ولهذا يجعل الله إنكارَ المعاد كفرًا به سبحانه، لأنّه إنكارٌ لقدرته أو لإلهيّته، وكلاهما (٣) مستلزمٌ للكفر به. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥]. وفي الآية قولان (٤): أحدهما: إن تعجَبْ من قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا

стр. 317

أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، فعجَبٌ قولهم! كيف ينكرون هذا، وقد خُلقوا من ترابٍ، ولم يكونوا شيئًا. والثّاني: إن تعجَبْ من شركهم مع الله غيرَه، وعدمِ انقيادهم للتوحيد (١) وعبادته وحده لا شريك له، فإنكارُهم للبعث وقولُهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ فعَجبٌ (٢)! وعلى التّقديرين: فإنكارُ المعاد عجَبٌ من الإنسان، وهو محض إنكار الرّبِّ والكفر به والجحد لإلهيّته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه. ولصاحب "المنازل" في البصيرة طريقةٌ أخرى، قال (٣): (البصيرة: ما يخلِّصك من الحيرة. وهي على ثلاث درجاتٍ. الأولى: أن تعلم أنّ الخبر القائم بتمهيد الشّريعة يصدر عن عينٍ لا تخاف عواقبها، فترى من حقِّه أن تؤدِّيه (٤) يقينًا، وتغضب له غيرةً). ومعنى كلامه: أنّ ما أخبر به الرّسول صادرٌ عن حقيقةٍ صادقةٍ، لا يخاف متّبعها فيما بعد مكروهًا، بل يكون آمنًا من عاقبة اتِّباعها، إذ هي حقٌّ، ومُتَّبعُ الحقِّ لا خوفَ عليه. ومن حقِّ ذلك الخبر عليك أن تؤدِّي ما أُمِرتَ به منه من غير شكٍّ ولا سلوكِ الأحوَط، بل لا تبرأ ذمّتك وتنال الأجرَ (٥) إلَّا بامتثالٍ

стр. 318

صادرٍ عن تصديقٍ محقَّقٍ لا يصحبه شكٌّ؛ وتغضبَ (١) على من خالف ذلك غيرةً عليه أن يضيع حقُّه، ويُهمَل جانبُه (٢). وإنّما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام (٣) من تمام البصيرة لأنّه على قدر المعرفة بالحقِّ ومستحقِّه ومحبّته وإجلاله تكون الغيرةُ عليه أن يضيع، والغضب على من أضاعه؛ فإنّ ذلك دليلٌ على محبّة صاحب الحقِّ (٤) وإجلاله وتعظيمه، وذلك عين البصيرة. فكما أنَّ الشَّكَّ القادحَ في كمال الامتثال مُعْمٍ لعين البصيرة، فكذلك عدمُ الغضب والغيرة على حقوق الله إذا أُضِيعَتْ ومحارمِه إذا انتُهِكَتْ مُعْمٍ لعين البصيرة. قال: (الدّرجة الثّانية أن تشهد في هداية الحقِّ وإضلاله إصابةَ العَدْل، وفي تلوين أقسامه رعايةَ البرِّ، وتُعايِنَ في جذبه حبلَ الوَصْل) (٥). يريد بشهود العدل في هدايته مَن هداه وإضلالِه مَن أضلَّه أمرين: أحدهما: تفرُّده بالخلق والهدى والضّلال. والثّاني: وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل، لا بالاتِّفاق، ولا بمحض المشيئة المجرَّدة عن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها، بل بحكمةٍ اقتضت هدى مَن عَلِمَ أنّه يزكو على الهدى، ويقبله، ويشكره عليه،

стр. 319

ويُثمر عنده؛ وإضلالَ مَن عَلِمَ أنه لا يزكو على الهدى، ولا يقبله، ولا يشكر عليه، ولا يثمر عنده؛ فـ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ (١)﴾ [الأنعام: ١٢٤] أصلًا وميراثًا. وقال (٢) تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. وهم الذين يعرفون قدر نعمته بالهدى، ويشكرونه عليها، ويحبُّونه، ويحمدونه على أن جعلهم من أهله. فهو سبحانه ما عدَلَ عن موجَب العدل والإحسان في هدايةِ مَن هَدى وإضلالِ مَن أضلَّ. ولم يطرُد عن بابه ولم يُبْعِد عن جنابه مَن يليق به التّقريب والهدى والإكرام، بل طرَدَ مَن لا يليق به إلّا الطّرد والإبعاد، وحكمتُه وحمدُه تأبى تقريبَه وتكريمَه وجَعْلَه من أهله وخاصّته وأوليائه. ولا يبقى إلّا أن يقال: فلِمَ خلَقَ مَن هو بهذه المثابة؟ فهذا سؤال جاهلٍ ظالمٍ مفرطٍ في الجهل والظُّلم. وخلقُ الأضداد (٣) والمتقابلات هو من كمال الرُّبوبيّة، كاللّيل والنّهار، والحرِّ والبرد، واللَّذّة والألم (٤)، والخير والشّرِّ، والنّعيم والجحيم (٥).

стр. 320

قوله: (وفي تلوين أقسامه رعايةَ البِرِّ). يريد بتلوين الأقسام: اختلافَها في الجنس والقدر والصِّفة، من أقسام الأموال (١) والقوى والعلوم والصّنائع وغيرها، قسَّمها على وجه البرِّ والمصلحة، فأعطى كلًّا منهم ما يصلحه وما هو الأنفع له برًّا به وإحسانًا. وقوله: (وتُعايِن في جذبه حبلَ الوصال). يريد: تعاين في توفيقِه لك للطّاعة وجذبِه إيّاك من نفسك أنّه يريد تقريبك منه. فاستعار للتّوفيق الخاصِّ الجذبَ، وللتّقريبِ الوصالَ، وأراد بالحبل السّببَ المُوصِلَ لك إليه (٢). فأشار بهذا إلى أنّك تستدلُّ بتوفيقِه لك وجذبِك من نفسك وجعلِك متمسِّكًا بحبله ــ الذي هو عهدُه ووصيَّتُه إلى عباده ــ على تقريبه لك. بل (٣) تشاهد ذلك ليكون أقوى في المحبّة والشُّكر وبذلِ النّصيحة في العبوديّة. وهذا كلُّه من تمام البصيرة، فمن لا بصيرة له بمعزلٍ عن هذا. قال (٤): (الدّرجة الثّالثة: بصيرةٌ تُفجِّر المعرفة، وتُثبِّت الإشارة، وتُنبت الفراسة). يريد البصيرةَ في الكشف والعيان. أي يتفجَّرُ بها ينابيعُ المعارف من القلب. ولم يقل: "تفجِّر العلمَ" لأنَّ المعرفةَ أخصُّ من العلم عند القوم،

стр. 321

ونسبتُها إلى العلم نسبة الرُّوح إلى البدن، فهي روحُ العلم ولبُّه (١). وصدَق ﵀، فإنّ بهذه البصيرة يتفجَّر من قلب صاحبها ينابيعُ من المعارف لا تُنال بكسبٍ ولا دراسةٍ، إن هو إلّا فهمٌ يؤتيه الله عبدًا في كتابه ودينه، على قدر بصيرته (٢). وقوله: (وتثبِّت الإشارة). يريد بالإشارة: ما يشير إليه القوم من الأحوال والمنازلات (٣) والأذواق التي ينكرها الأجنبيُّ من السُّلوك ويثبِّتها أهل البصائر. وكثيرٌ (٤) من هذه الأمور ترد على السّالك، فإن كان له بصيرةٌ ثبَّتَتْ بصيرتُه ذلك له وحقَّقَته عنده، وعرَّفَته تفاصيله. وإن لم يكن له بصيرةٌ بل كان جاهلًا لم يعرف تفصيلَ ما يرد عليه، ولم يهتد لتثبيته. قوله: (وتُنبت الفراسةَ). يعني أنَّ البصيرةَ تُنبِت في أرضِ القلب الفراسةَ الصّادقَة. وهي نورٌ يقذفه الله في القلب، يفرِّق به بين الحقِّ والباطل والصّادق والكاذب. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. قال

стр. 322

مجاهدٌ: للمتفرِّسين (١). وفي "التِّرمذيِّ" (٢) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "اتَّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله ". ثمّ قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ". والتوسُّم: تفعُّلٌ من السِّيما (٣)، وهي العلامة، فسُمِّي المتفرِّسُ متوسِّمًا، لأنّه يستدلُّ بما يشهد على ما غاب، فيستدلُّ بالعيان على الإيمان. ولهذا خصَّ تعالى بالآيات والانتفاعِ بها هؤلاء، لأنّهم يستدلُّون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرُّسل من الأمر والنّهي والثّواب والعقاب. وقد ألهم الله تعالى ذلك لآدم ﵇، وعلَّمه إيّاه حين علَّمه أسماء كلِّ شيءٍ. وبنوه هم نسخته وخلفاؤه، فكلُّ قلبٍ فهو (٤) قابلٌ لذلك، وهو فيه بالقوّة، وبه تقوم الحجّة، وتحصل العبرة، وتصحُّ الدِّلالة. فبعث الله رسلَه مذكِّرين ومنبِّهين ومكمِّلين لهذا الاستعداد بنور الوحي والإيمان، فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والاستعداد، فيصير نورًا على نورٍ، فتقوى البصيرة، ويعظُم النُّور ويدوم لزيادة مادّته ودوامها، ولا يزال في تزايدٍ حتّى يرى على الوجه والجوارح والكلام والأعمال. ومن لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسًا دخل قلبه في الغلاف والكِنان،

стр. 323

فأظلَم، وعمي عن البصيرة، فحُجِبت عنه حقائقُ الإيمان، فيرى الحقَّ باطلًا، والباطلَ حقًّا، والرُّشدَ غيًّا، والغيَّ رشدًا. قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. والرَّين والرَّانُّ هو: الحجاب الكثيف المانع للقلب من رؤية الحقِّ والانقياد له (١). وعلى حسب قوّة البصيرة وضعفها تكون الفراسة، وهي نوعان: فراسةٌ علويّةٌ شريفةٌ مختصّةٌ بأهل الإيمان. وفراسةٌ سفليّةٌ دنيئةٌ مشتركةٌ بين المؤمن والكافر، وهي فراسة أهل الرِّياضة والجوع والسَّهر والخلوة وتجريدِ البواطن من أنواع الشّواغل. فهؤلاء لهم فراسةُ كشفِ الصُّور والإخبارِ ببعض المغيَّبات السُّفليّة التي لا يتضمَّن كشفُها والإخبارُ بها كمالًا للنّفس ولا زكاةً ولا إيمانًا ولا معرفةً. وهؤلاء لا تتعدَّى فراستُهم هذه السفليّاتِ، لأنّهم محجوبون عن الحقِّ ﵎، فلا تصعد فراستهم إلى التّمييز بين أوليائه وأعدائه، وطريق هؤلاء وطريق هؤلاء (٢). وهذه (٣) فراسة الصّادقين العارفين بالله وأمره، فإنَّ هممهم (٤) لمَّا

стр. 324

تعلَّقتْ بمحبّة الله تعالى ومعرفته وعبوديّته ودعوةِ الخلق إليه على بصيرةٍ، كانت فراستهم متّصلةً بالله، متعلِّقةً بنور الوحي مع نور الإيمان، فميَّزَتْ بين ما يحبُّه الله وما يبغضه من الأعيان والأقوال والأعمال، وميَّزَتْ بين الخبيث والطّيِّب، والمُحِقِّ والمُبطِل، والصّادق والكاذب؛ وعرفت مقادير استعداد السّالكين إلى الله، فحملت كلَّ إنسانٍ على قدر استعداده علمًا وإرادةً وعملًا. وفراسةُ (١) هؤلاء دائمًا حائمةٌ حول كشف طريق الرّسول وتعريفها (٢) وتخليصها من بين سائر الطُّرق، وبين (٣) كشف عيوب النّفس وآفات الأعمال العائقة عن سلوك طريقة المرسلين. فهذا أشرفُ أنواع البصيرة والفراسة، وأنفعُها للعبد في معاشه ومعاده. فصل فإذا انتبه وأبصر أخذ في القصد (٤) وصدق الإرادة، وأجمعَ القصدَ والنِّيّةَ على سفر الهجرة إلى الله، وعلِمَ وتيقَّنَ أنّه لا بدَّ له منه، فأخذ في أهبة السّفر وتعبئة الزّاد (٥)، والتّجرُّدِ عن عوائق السّفر، وقطعِ العلائق التي تمنعه من

стр. 325

الخروج. وقد قسّم صاحب "المنازل" القصد إلى ثلاث درجاتٍ، فقال (١): (الدّرجة الأولى: قصدٌ يبعث على الارتياض، ويخلِّص من التّردُّد، ويدعو إلى مجانبة الأغراض). فذكر له ثلاث فوائد: أنّه يبعث على السُّلوك بلا توقُّفٍ ولا تردُّدٍ، ولا علّةٍ غير العبوديّة من رياءٍ أو سمعةٍ أو طلب محمدةٍ أو جاهٍ ومنزلةٍ عند الخلق. قال: (الدّرجة الثّانية: قصدٌ لا يلقى سببًا إلّا قطَعَه، ولا حائلًا إلّا منَعَه, ولا تحاملًا إلّا سهَّله). يعني أنّه لا يلقى سببًا يعُوق عن المقصود إلّا قطعه، ولا حائلًا دونه إلّا منعه, ولا صعوبةً إلّا سهَّلها. قال: (الدّرجة الثّالثة: قصدُ الاستسلام لتهذيب العلم، وقصدُ إجابة دواعي الحكم (٢)، وقصدُ اقتحام بحر الفناء).

стр. 326

يريد أنّه ينقاد إلى العلم ليتهذَّب به ويصلُح به، ويقصد إجابة داعي الحكم الدِّينيِّ الأمريِّ كلَّما دعاه، فإنّ للحكم في كلِّ مسألةٍ من مسائل العلم مناديًا ينادي للإيمان بها علمًا وعملًا، فيقصد إجابة داعيها. ولكنَّ مراده بدواعي الحكم: الأسرار والحِكَم الدّاعية إلى شرع الحكم، فإجابتها قدرٌ زائدٌ على مجرّد الامتثال، فإنّها تدعو إلى المحبّة والإجلال والمعرفة والحمد. فالأمر (١) يدعو إلى الامتثال، وما تضمَّنه من الحِكَم والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبّة. وقوله: (وقصدُ اقتحامِ بحرِ الفناء)، هذا هو الغاية المطلوبة عند القوم. وهو عند بعضهم من لوازم الطّريق وليس بغايةٍ، وعند آخرين عارضٌ من عوارض الطّريق، ليس بغايةٍ، ولا هو لازمٌ لكلِّ سالكٍ. وأهلُ القوّة والعزم لا يعرض لهم، وحالُ البقاء أكمل منه، ولهذا كان البقاء حال نبيِّنا ليلةَ الإسراء، وقد رأى ما رأى؛ وحالُ موسى الفناء، ولهذا خرَّ صَعِقًا عند تجلِّي الله للجبل (٢). وامرأةُ العزيز كانت أكمل حبًّا ليوسف من النِّسوة، ولم يعرض لها ما عرض لهنّ عند رؤيته لفنائهنّ وبقائها (٣). وسيأتي إن شاء الله تحقيقُ الكلام فيه. فصل فإذا استحكم قصدُه صار عزمًا جازمًا، مستلزمًا (٤) للشُّروع في السّفر،

стр. 327

مقرونًا بالتّوكُّل على الله. قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والعزم هو: القصد الجازم المتّصل بالفعل، ولذلك قيل: إنّه أوّل الشُّروع في الحركة لطلب المقصود. والتّحقيق: أنّ الشُّروعَ في الحركة ناشئٌ (١) عن العزم، لا أنّه نفسُه، ولكن لمّا اتَّصَل به من غير فصلٍ ظُنَّ أنّه هو. وحقيقته: هو استجماع قوى الإرادة على الفعل. والعزم نوعان، أحدهما (٢): عزم المريد على الدُّخول في الطّريق، وهذا (٣) من البدايات. والثّاني: عزمٌ في حال السّير، وهو أخصُّ من هذا، وهو من المقامات، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وفي هذه المنزلة يحتاج إلى تمييز ما له ممّا عليه، ليستصحِبَ ما له، ويؤدِّيَ ما عليه. وهو المحاسبة، وهي قبل التَّوبة في الرتبة، فإنّه إذا عرَف ما له وما عليه أخَذَ في أداء ما عليه والخروج منه، وهو التّوبة. وصاحب "المنازل" قدَّم التَّوبةَ على المحاسبة. ووجهُ هذا أنّه رأى التَّوبةَ هي أوّلُ منازل السّائر بعد يقظته، ولا تتمُّ التّوبة إلّا بالمحاسبة، فالمحاسبة تكميل مقام التّوبة. فالمرادُ بالمحاسبة: الاستمرارُ على حفظ التّوبة حتّى لا يخرج عنها، وكأنّه وفاءٌ بعقد التَّوبة. واعلم أنَّ ترتيبَ هذه المقامات ليس باعتبار أنَّ السَّالكَ يقطع المقامَ ويفارقه وينتقل إلى الثّاني، كمنازل السَّير الحسِّيِّ. هذا محالٌ، ألا ترى أنَّ

стр. 328

اليقظةَ معه في كلِّ مقامٍ لا تفارقه. وكذلك البصيرة والإرادة والعزم. وكذلك التّوبة، فإنّها كما أنَّها من أوّل المقامات فهي آخرها أيضًا، بل هي في كلِّ مقامٍ مستصحَبةٌ. ولهذا جعلها الله آخر مقامات خاصَّته، فقال تعالى في غزوة تبوك آخرِ الغزوات التي قطعوا فيها الأودية والبدايات والأحوال والنِّهايات (١): ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) [التوبة: ١١٧]، فجعل التّوبةَ أوّلَ أمرهم وآخرَه. وقال في سورة أجَلِ رسول الله ﷺ التي هي آخرُ سورةٍ أُنزلت جميعًا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾. وفي "الصّحيحين" (٣) عن عاشئة ﵂ أنَّ رسولَ الله ﷺ ما صلّى صلاةً بعد إذ أُنزلت عليه هذه السُّورة إلّا قال في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي".

стр. 329

فالتّوبة هي نهايةُ كلِّ سالكٍ وكلِّ وليٍّ لله، وهي الغاية التي يجري إليها العارفون بالله وعبوديّته وما ينبغي له. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]، فجعل سبحانه التّوبةَ غايةَ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ. وكذلك الصَّبر فإنّه لا ينفكُّ عنه في مقامٍ من المقامات. وإنّما هذا التّرتيبُ ترتيبٌ للمشروط المتوقِّفِ على شرطه المصاحبِ له. مثال ذلك: أنّ الرِّضا مترتِّبٌ على الصّبر، لتوقُّفِ الرِّضا عليه واستحالةِ ثبوته بدونه. فإذا قيل: إنَّ مقامَ الرِّضا ــ أو حالَه على الخلاف بينهم هل هو مقامٌ أو حالٌ؟ (١) ــ بعد مقام الصّبر، لا يُعْنَى به أنّه يفارق الصّبرَ، وينتقل إلى الرِّضا. وإنّما يُعْنَى أنّه لا يحصل له مقام الرِّضا حتّى يتقدَّم له قبله مقامُ الصَّبر. فافهم هذا التّرتيب في مقامات العبوديّة. وإذا كان كذلك علمتَ أنَّ القصدَ والعزمَ متقدِّمٌ على سائر المنازل، فلا وجه لتأخيره. وعلمتَ بذلك أنَّ المحاسبةَ متقدِّمةٌ على التّوبة بالرُّتبة أيضًا، فإنّه إذا حاسب نفسَه خرج ممَّا عليه، وهي حقيقة التّوبة؛ وأنَّ منزلةَ التّوكُّل قبل منزلة الإنابة، لأنّه يتوكَّل في حصولها، فالتّوكُّل وسيلةٌ، والإنابة غايةٌ؛ وأنَّ مقامَ التَّوحيد أولى المقامات أن يبدأ به، كما هو أوَّلُ دعوة الرُّسل كلِّهم، وقال النّبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبلٍ: "فليكن أوّلَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله

стр. 330

إلّا الله" (١)، ولأنّه لا يصحُّ مقامٌ من المقامات ولا حالٌ من الأحوال إلّا به، فلا وجه لجعله آخر المقامات. وهو مفتاحُ دعوة الرُّسل، وأوّلُ فرضٍ فرضه الله على العباد. وما عدا هذا من الأقوال فخطأٌ، كقول من يقول: أوّلُ الفروض النّظرُ، أو القصدُ إلى النّظر، أو المعرفةُ، أو الشَّكُّ الذي يوجب النّظر (٢). وكلُّ هذه الأقوال خطأٌ، بل أوّلُ الواجبات مفتاحُ دعوة المرسلين كلِّهم، وهو أوّلُ ما دعا إليه فاتحُهم نوحٌ (٣): ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وأوّلُ ما دعا إليه خاتمهم محمّدٌ ﷺ (٤). ولأرباب السُّلوك اختلافٌ كثيرٌ في عدد المقامات وترتيبها، كلٌّ يصِفُ منازلَ سيره، وحالَ سلوكه. ولهم اختلافٌ في بعض منازل السَّير: هل هي من قسم المقامات أو من قسم الأحوال؟ والفرق بينهما: أنّ المقامات كسبيّةٌ، والأحوال موهبة (٥)، ومنهم من يقول: الأحوال هي نتائج المقامات، والمقامات نتائج الأعمال (٦).

стр. 331

فممّا اختلفوا فيه: الرِّضا، هل هو حالٌ أو مقامٌ؟ فيه خلافٌ بين الخراسانيِّين والعراقيِّين، وحكم بينهم بعض الشُّيوخ، وقال: إن حصل بكسبٍ فهو مقامٌ، وإلّا فهو حالٌ (١). والصّحيح (٢): أنّ الواردات والمنازلات لها أسماءٌ باعتبار أحوالها، فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أوّل ظهورها وبدوِّها، كما يلمع البارقُ ويلوح على بُعدٍ، فإذا نازلته وباشرها فهي أحوالٌ، فإذا تمكَّنت منه وثبتت له من غير انتقالٍ فهي مقاماتٌ. فهي لوامعُ ولوائحُ في أوّلها، وأحوالٌ في أوسطها، ومقاماتٌ في نهايتها. فالّذي كان بارقًا هو بعينه الحال، والّذي كان حالًا هو بعينه المقام. وهذه الأسماء له باعتبار تعلُّقه بالقلب، وظهوره له، وثباته فيه. وقد ينسلخ السّالك من مقامه كما ينسلخ من الثّوب، وينزل إلى ما دونه، ثمّ قد يعود إليه، وقد لا يعود. ومن المقامات ما يكون جامعًا لمقامين. ومنها ما يكون جامعًا لأكثر من ذلك. ومنها ما يندرج فيه جميع المقامات، فلا يستحقُّ صاحبُه اسمَه إلّا عند استجماع جميع المقامات فيه. فالتَّوبة جامعةٌ لمقام المحاسبة ومقام الخوف، لا يتصوَّر وجودها (٣) بدونهما.

стр. 332

والرِّضا جامعٌ لمقام الصبر ومقام المحبَّة، لا يتصور وجوده (١) بدونهما. والتّوكُّل جامعٌ لمقام التّفويض والاستعانة والرِّضا، لا يتصوَّر وجوده بدونها. والرَّجاء جامعٌ لمقام الخوف والإرادة. والخوف جامعٌ لمقام الرَّجاء والإرادة. والإنابة جامعةٌ لمقام المحبّة والخشية، لا يكون العبد (٢) منيبًا إلّا باجتماعهما. والإخبات جامعٌ لمقام المحبَّة والذُّلِّ والخضوع، لا يكون (٣) أحدها بدون الآخر إخباتًا. والزُّهد جامعٌ لمقام الرَّغبة والرَّهبة، لا يكون زاهدًا مَن لم يرغب فيما يرجو نفعه، ويرهب ممَّا يخاف ضَرَّه (٤). ومقامُ المحبَّة جامعٌ لمقام المعرفة والخوف والرّجاء والإرادة، فالمحبّة معنًى يلتئم من هذه الأربعة، وبها تحقُّقُها. ومقامُ الخشية جامعٌ لمقام المعرفة بالله، والمعرفةِ بحقِّ عبوديّته، فمتى عرَف الله وعرَف حقَّه اشتدَّت خشيتُه له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ

стр. 333

عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. فالعلماء به وبأمره هم أهلُ خشيته. قال النّبيُّ ﷺ : "أنا أعلمكم بالله وأشدُّكم له خشيةً" (١). ومقامُ الهيبة جامعٌ لمقام المحبّة والإجلال والتّعظيم. ومقامُ الشُّكر جامعٌ لجميع مقامات الإيمان، ولذلك كان أرفعها وأعلاها. وهو فوق الرِّضا. وهو يتضمَّن الصَّبرَ من غير عكسٍ، ويتضمَّن التّوكُّلَ والحبّ (٢) والإنابة والإخبات والخشوع والخوف والرّجاء. فجميع هذه (٣) المقامات مندرجةٌ فيه، لا يستحقُّ صاحبُه اسمَه على الإطلاق إلّا باستجماع المقامات له. ولهذا كان الإيمان نصفَين: نصف صبرٍ، ونصف شكرٍ، والصّبرُ داخلٌ في الشُّكر، فرجع الإيمانُ كلُّه إلى الشُّكر. والشّاكرون هم أقلُّ العباد، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. ومقامُ الحياء جامعٌ لمقام المعرفة والمراقبة. ومقامُ الأنس جامعٌ لمقام الحبِّ مع القرب. فلو كان المحبُّ بعيدًا من محبوبه لم يأنَسْ به، ولو كان قريبًا من رجلٍ ولم يحبَّه لم يأنَسْ به (٤)، حتّى يجتمع له حبُّه مع القرب منه. ومقامُ الصِّدق الجامعُ (٥) للإخلاص والعزم، فباجتماعهما يصحُّ له مقامُ

стр. 334

الصِّدق. ومقامُ المراقبة جامعٌ للمعرفة (١) مع الخشية، فبحسبهما يصحُّ مقام المراقبة. ومقامُ الطُّمأنينة جامعٌ للإنابة والتّوكُّل والتّفويض والرِّضا والتّسليم. فهو معنًى يلتئم من هذه الأمور، إذا اجتمعت صار صاحبُها صاحبَ طمأنينةٍ، وما نقَص منها نقَص من الطُّمأنينة. وكذلك الرّغبة والرّهبة، كلٌّ منهما يلتئمُ من الرّجاء والخوف. والرّجاءُ على الرّغبة أغلب، والخوفُ على الرّهبة أغلب. وكلُّ مقامٍ من هذه المقامات، فالسّالكون بالنِّسبة إليه نوعان: أبرارٌ، ومقرَّبون. فالأبرار في أذياله، والمقرَّبون في ذِرْوةِ سنامه. وهكذا مراتب الإيمان جميعها. وكلٌّ من النّوعين لا يحصي تفاوتَهم وتفاضلَ درجاتهم إلّا الله تعالى. وتقسيمُهم ثلاثةَ أقسامٍ عامٌّ، وخاصٌّ، وخاصُّ خاصٍّ إنّما نشأ من جعل الفناءِ غايةَ الطَّريق وعلَمَ القوم الذي (٢) شمّرَوا إليه. وسنذكر ما في ذلك إن شاء الله تعالى، وأقسامَ الفناء ومحمودَه ومذمومَه وفاضلَه ومفضولَه، فإنَّ إشارةَ القوم إليه ومدارَهم عليه. على أنّ التّرتيب الذي يشير إليه مرتِّبُ المنازل (٣) لا يخلو عن تحكُّمٍ

стр. 335

ودعوى من غير مطابقةٍ، فإنَّ العبدَ إذا التزم عَقْدَ الإسلام، ودخل فيه كلِّه، فقد التزم لوازمَه الظّاهرةَ والباطنةَ ومقاماتِه وأحوالَه. وله في كلِّ عَقْدٍ من عقوده وواجبٍ من واجباته أحوالٌ ومقاماتٌ، لا يكون موفِّيًا لذلك العقد والواجب إلّا بها. وكلَّما وفَّى واجبًا أشرَفَ على واجبٍ آخر بعده، وكلَّما قطَع منزلةً استقبل أخرى. وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أوّل بداية سيره، فيُفتَح عليه من حال المحبّة والرِّضا والأنس والطُّمأنينة ما لم يحصل بعدُ للسالك في نهايته. ويحتاج هذا السَّالكُ في نهايته إلى أمورٍ من البصيرة والتّوبة والمحاسبة أعظمَ من حاجة صاحب البداية إليها. فليس في ذلك ترتيبٌ كلِّيٌّ لازمٌ للسُّلوك (١). وقد ذكرنا أنَّ التَّوبةَ التي جعلوها من أوّل المقامات هي غايةُ العارفين ونهايةُ أولياء الله المقرَّبين، ولا ريب أنّ حاجتهم إلى المحاسبة في نهايتهم فوقَ حاجتهم إليها في بدايتهم. فالأَولى: الكلامُ في هذه المقامات على طريقة المتقدِّمين من أئمّة القوم كلامًا مطلقًا في كلِّ مقامٍ مقامٍ ببيان حقيقته، وموجَبه، وآفته المانعة من حصوله، والقاطع عنه، وذكر عامِّه وخاصِّه. فكلامُ أئمّة الطّريق هو على هذا المنهاج لمن تأمَّلَه، كسهل بن عبد الله التُّسْتَريِّ، وأبي طالبٍ المكِّيِّ،

стр. 336

والجنيد بن محمَّدٍ، وأبي عثمان النَّيسابوريِّ، ويحيى بن معاذٍ الرَّازيِّ؛ وأرفعَ من هؤلاء طبقةً مثل أبي سليمان الدَّارانيِّ، وعون بن عبد الله الذي كان يقال له "حكيمُ الأمّة" (١)، وأضرابهما؛ فإنّهم تكلَّموا (٢) على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلامًا مفصّلًا جامعًا مبيَّنًا مطلقًا، من غير ترتيبٍ، ولا حصرٍ للمقامات بعددٍ معلومٍ، فإنّهم كانوا أجلَّ من هذا، وهممُهم أعلى وأشرف. إنّما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة، وطهارة القلوب، وزكاة النُّفوس، وتصحيح المعاملة. ولهذا كلامُهم قليلٌ فيه البركة، وكلامُ المتأخِّرين كثيرٌ طويلٌ قليل البركة. ولكن لا بدّ من مخاطبة أهل الزّمان باصطلاحهم، إذ لا قوّة لهم للتَّشمير إلى تلقِّي السُّلوك عن السّلف الأول وكلماتهم وهديهم. ولو برز لهم هديُهم وحالُهم لأنكروه، ولعدُّوه سلوكًا عامِّيًّا، وللخاصّة سلوكٌ آخر، كما يقوله ضُلَّال المتكلِّمين وجَهَلتُهم: إنّ القوم كانوا أسلم، وإنَّ طريقنا أعلم (٣)؛ وكما يقوله من لم يقدِر قدرَهم من المنتسبين إلى الفقه: إنّهم لم يتفرَّغوا لاستنباطه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالًا منهم بغيره، والمتأخِّرون تفرَّغوا لذلك، فهم أفقه (٤).

стр. 337

فكلُّ هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السّلف وعمق علومهم، وقلّة تكلُّفهم، وكمال بصائرهم. وتالله ما امتاز عنهم المتأخِّرون إلّا بالتّكلُّف والاشتغال بالأطراف التي كانت همّةُ القوم مراعاةَ أصولها، وضبطَ قواعدها، وشدَّ معاقدها؛ وهممُهم مشمِّرةٌ إلى المطالب العالية في كلِّ شيءٍ. فالمتأخِّرون في شأنٍ، والقومُ في شأنٍ آخر (١)، و ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. فالأولى بنا: أن نذكر منازلَ العبوديّة الواردة في القرآن والسُّنّة، ونشيرَ إلى معرفة حدودها ومراتبها، إذ معرفةُ ذلك من تمام معرفة حدود ما أنزل الله تعالى على رسوله. وقد وصف تعالى مَن لم يعرفها بالجهل والنِّفاق، فقال: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٦]. فبمعرفةِ (٢) حدودها درايةً والقيامِ بها رعايةً، يستكمل العبدُ الإيمانَ، ويكونُ من أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ونذكر لها ترتيبًا غيرَ مستحَقٍّ، بل مستحسنٌ (٣) بحسب ترتيب السّير الحسِّيِّ، ليكون ذلك أقربَ إلى تنزيل المعقول منزلةَ المشهود بالحسِّ، فيكونَ التّصديقُ به (٤) أتمَّ، ومعرفتُه أكمل، وضبطُه أسهل. وهذه فائدة ضرب الأمثال، وهي خاصَّةُ العقل ولبُّه. ولهذا أكثر تعالى منها في القرآن، ونفى

стр. 338

عقلَها عن غير العلماء، فقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. فاعلم أنَّ العبدَ قبل وصول الدّاعي إليه في نوم الغفلة، قلبُه نائمٌ وطرفُه يقظان، فصاح به النّاصح، وأسمَعَه داعي النَّجاح، وأذَّن به مؤذِّنُ الرَّحمن: حَيَّ على الفلاح. فأوّل مراتب هذا النّائم: اليقظة والانتباه من النَّوم. وقد ذكرنا أنّها انزعاجُ القلب لروعة الانتباه (١). وصاحب "المنازل" يقول (٢): (هي القومة لله المذكورة في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ [سبأ: ٤٦]). قال: (القومةُ لله هي: اليقظةُ من سنة الغفلة، والنُّهوضُ عن ورطة الفترة. وهي أوّلُ ما يستنير (٣) قلبُ العبد بالحياة لرؤية نور التّنبيه. وهي ثلاثة أشياء: لحظُ القلب إلى النِّعمة على اليأسِ من عدِّها والوقوفِ على حدِّها، والتّفرُّغُ إلى معرفة المنّة بها، والعلمُ بالتّقصير في حقِّها). وهذا الذي ذكره هو موجَبُ اليقظة وأثرُها، فإنّه إذا نهض من ورطة الغفلة، واستنار قلبُه برؤية نور التّنبيه، أوجب له ذلك ملاحظةَ نعم الله الباطنة والظّاهرة. وكلّما حدَّقَ قلبَه وطرفَه فيها شاهد عِظَمَها (٤) وكثرتَها، فيئس من

стр. 339

عدِّها والوقوفِ على حدِّها، وفرَّغ قلبَه لمشاهدةِ منّةِ الله عليه بها من غير استحقاقٍ ولا استجلابٍ لها بثمنٍ، فتيقَّن (١) حينئذٍ تقصيرَه في واجبها، وهو القيامُ بشكرها. فأوجب له شهودُ تلك المنَّةِ والتَّقصيرِ نوعين جليلين من العبوديّة: محبّةُ المنعم واللَّهَجُ بذكره، وتذلُّلُه وخضوعُه له وإزراؤه (٢) على نفسه، حيث عَجَز عن شكر نعمه فصار متحقِّقًا بـ "أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي إنّه لا يغفر الذُّنوب إلّا أنت" (٣)، وعلِمَ حينئذٍ أنَّ هذا الاستغفار حقيقٌ بأن يكون سيِّد الاستغفار، وعلِمَ حينئذٍ أنَّ اللهَ لو عذَّب أهلَ سماواته وأهلَ أرضه لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رحِمَهم لكانت رحمتُه خيرًا لهم من أعمالهم، وعلِمَ أنَّ العبدَ دائمًا سائرٌ إلى الله بين مطالعة المنّة ومشاهدة التّقصير. قال (٤): (الثّاني: مطالعةُ الجناية، والوقوفُ على الخطر فيها، والتّشميرُ لتداركها، والتّخلُّصُ من رقِّها، وطلبُ النَّجاة بتمحيصها). فينظرُ إلى ما سلَف منه من الإساءة، ويعلمُ أنّه على خطرٍ عظيمٍ فيها، مشرفٌ على الهلاك بمؤاخذة صاحب الحقِّ بموجَبِ حقِّه. وقد ذمَّ اللهُ تعالى في كتابه مَن نسي ما قدَّمَت يداه، فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧].

стр. 340

فإذا طالَعَ جنايتَه شمَّر لاستدراك الفارط بالعلم والعمل، وتخلَّص من رقِّ الجناية بالاستغفار والنَّدَم، وطلَبَ التّمحيصَ، وهو تخليصُ إيمانه ومعرفته من خَبَث الجناية، كتمحيص الذّهب والفضّة، وهو تخليصُهما من خَبَثهما. ولا يمكن دخول الجنّة إلّا بعد هذا التّمحيص، فإنّها لا يدخلها إلّا طيِّبٌ. ولهذا تقول لهم الملائكة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢]. فليس في الجنّة ذرّة خَبَثٍ. وهذا التّمحيص يكون في دار الدُّنيا بأربعة أشياء: بالتّوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة. فإن محَّصَتْه هذه الأربعةُ وخلَّصَتْه كان من ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾، يبشِّرونهم بالجنّة، وكان من الذين تتنزَّل عليهم الملائكةُ عند الموت ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وإن لم تَفِ هذه الأربعةُ بتمحيصه وتخليصه، فلم تكن التّوبة نصوحًا ــ وهي العامَّة الشَّاملة الصَّادقة ــ ولم يكن الاستغفار كاملًا تامًّا ــ وهو المصحوب بمفارقة الذنب والنَّدم عليه، هذا هو الاستغفار النّافع، لا استغفارُ مَن في يده قدح المسكر (١)، وهو يقول: أستغفر الله، ثمّ يرفعه إلى

стр. 341

فيه ــ ولم تكن الحسناتُ في كمِّيّتها وكيفيّتها وافيةً بالتّكفير ولا المصائبُ، وهذا إمّا لعِظَم الجناية، وإمّا لضعف الممحِّص، وإمّا لهما= مُحِّص في البرزخ بثلاثة أشياء: أحدها: صلاة أهل الإيمان عليه، واستغفارهم له، وشفاعتهم له. الثّاني: تمحيصه بفتنة القبر وروعةِ الفتَّان والعَصْرة والانتهار، وتوابع ذلك. الثّالث: ما يُهدي إليه إخوانُه المسلمون من هدايا الأعمال، من الصّدقة عنه، والحجِّ عنه، والصِّيام عنه، وقراءة القرآن، والصّلاة؛ وجعل ثوابِ ذلك له. وقد أجمع النّاسُ على وصول الصّدقة والدُّعاء، قال الإمام أحمد رحمةُ الله عليه: لا يختلفون في ذلك. وما عداهما فيه اختلافٌ، والأكثرون يقولون بوصول الحجِّ. وأبو حنيفة ﵀ يقول: إنّما يصل (١) ثوابُ الإنفاق (٢). وأحمدُ ومَن وافقه مذهبُهم في ذلك أوسعُ المذاهب، يقولون: يصل إليه ثوابُ جميع القُرَب بدنيِّها وماليِّها والجامعِ للأمرين (٣). واحتجُّوا بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لمن سأله: يا رسول الله، هل بقي من برِّ أبويّ شيءٌ أبَرُّهما به بعد

стр. 342

موتهما (١)؟ قال: "نعم" (٢). فذكر الحديث. وقد قال ﷺ : "من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه" (٣). فإن لم تف هذه الثلاثة بالتّمحيص مُحِّصَ (٤) في الموقف بثلاثة أشياء (٥): أهوال القيامة وشدّة الموقف، وشفاعة الشُّفعاء، وعفو الله. فإن لم تف هذه الثّلاثة بتمحيصه, فلا بدّ له من دخول الكِير رحمةً في حقِّه, ليتخلّص ويتمحَّص ويتطهَّر في النّار، فتكون النّارُ طهرةً له وتمحيصًا لخَبثه، ويكون مَكْثُه فيها على حسب كثرة الخَبَث وقلّته، وشدّته وضعفه (٦)، فإذا خرج خَبَثُه (٧) أُخرِجَ من النّار، وأُدخِلَ الجنّة.

стр. 343

قال (١): (الثّالث) يعني من مراتب اليقظة: (الانتباهُ لمعرفة الزِّيادة والنُّقصان من الأيّام، والتّنصُّلُ عن تضييعها، والنّظرُ إلى الضَّنِّ (٢) بها لِتدارُكِ فائتها وتعميرِ باقيها). يعني أنّه يعرفُ ما معه من الزِّيادة والنُّقصان، فيتداركُ ما فاته في بقيّة عمره التي لا ثمن لها، ويبخل بساعاته ــ بل بأنفاسه ــ عن ذهابها ضَيَاعًا في غير ما يقرِّبه إلى الله تعالى، فهذا هو حقيقة الخسران المشترك بين النّاس، مع تفاوتهم في قدره قلّةً وكثرةً. فكلُّ نفَسٍ يخرج في غير ما يقرِّب إلى الله تعالى، هو حسرةٌ على العبد في معاده، ووقفةٌ له في طريق سيره، أو نكسةٌ إن استمرَّ، وحجابٌ إن انقطع به. قال (٣): (فأمّا معرفة النِّعمة، فإنّها تصفو بثلاثة أشياء: بنورِ العقل، وشَيْمِ برقِ المِنَّة، والاعتبارِ بأهل البلاء). يعني أنّ حقيقة مشاهدة النِّعمة تصفو بهذه الثّلاثة. وهي النُّور الذي أوجَبَ اليقظةَ، فاستنار القلب به لرؤية التنبيه. وعلى حسبه قوّةً وضعفًا تصفو له مشاهدة النِّعمة، فإنّ من لم ير نعمةَ الله عليه إلّا في مأكلِه وملبسِه وعافيةِ بدنه وقيامِ وجهه بين النّاس، فليس له نصيبٌ من هذا النُّور البتّة. فنعمةُ الله بالإسلامِ والإيمانِ وجذبِ عبده إلى الإقبال عليه، والتّنعُّمِ بذكره، والتّلذُّذِ بطاعته= هو أعظمُ النِّعم، وهذا إنّما يُدرَك بنورِ العقل وهدايةِ التّوفيق.

стр. 344

وكذلك شَيْمُه بروقَ مننِ الله عليه. وهو النّظرُ إليها ومطالعتُها من خلال سُحُبِ (١) الطّبع وظلماتِ النّفس. والنّظرُ إلى أهل البلاء، وهم أهلُ الغفلةِ عن الله والابتداعِ في دين الله، فهذان الصِّنفان هم أهل البلاء حقًّا، فإذا رآهم وعلِمَ ما هم عليه عظمَتْ نعمةُ الله عليه في قلبه، وصَفَتْ له، وعرَف قدرَها. فالضِّدُّ يُظْهِرُ حسنَه الضِّدُّ (٢). وبضِدِّها تتبيَّنُ الأشياءُ (٣) حتّى إنَّ من تمام نعيم أهل الجنّة رؤيةَ أهل النّار وما هم فيه من العذاب. قال (٤): (وأمّا مطالعةُ الجناية، فإنّها تصحُّ بثلاثة أشياء: بتعظيم الحقِّ، ومعرفةِ النَّفس، وتصديقِ الوعيد). يعني أنّ من كملَتْ عظمةُ الحقِّ في قلبه عظمَتْ عنده مخالفتُه، لأنَّ

стр. 345

مخالفةَ العظيم ليست كمخالفة مَن هو دونه. ومَن عرَف قدرَ نفسه وحقيقتَها وفقرَها الذَّاتيَّ إلى مولاها الحقِّ في كلِّ لحظةٍ ونفَسٍ، وشِدَّةَ حاجتها إليه، عظمت عنده جنايةُ المخالفة لمن هو شديدُ الضَّرورة إليه في كلِّ لحظةٍ ونفَسٍ. وأيضًا فإذا عرَفَ حقارتَها مع عِظَمِ قدرِ مَن خالفه عظُمت الجنايةُ عنده، فشمَّر في التّخلُّص منها. وكذلك بحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به، يكون تشميرُه في التّخلُّص من الجناية التي تلحقه به. ومدارُ السّعادة وقطبُ رحاها على التّصديق بالوعيد، فإذا تعطَّل من قلبه التّصديقُ بالوعيد خرِبَ خرابًا لا يرجى معه فلاحٌ البتّة. والله تعالى أخبر أنّه إنّما تنفع الآياتُ والإنذارُ لمن صدَّق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة، فهؤلاء هم المقصودون بالإنذار والمنتفعون بالآيات، دون مَن عداهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال: ﴿(٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ﴾ [النازعات: ٤٥]. وقال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. وأخبر تعالى أنّ أهل النّجاة في الدُّنيا والآخرة هم المصدِّقون بالوعيد الخائفون منه، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤] (١).

стр. 346

قال (١): (وأمّا معرفة الزِّيادة والنُّقصان من الأيّام فإنّها تستقيم بثلاثة أشياء: سماعِ (٢) العلم، وإجابةِ دواعي الحرمة، وصحبةِ الصّالحين. وملاكُ ذلك كلِّه خلعُ العادات). يعني: أنَّ السَّالك على حسب علمه بمراتب الأعمال ونفائس الكسب، تكون معرفتُه بالزِّيادة والنُّقصان في حاله وإيمانه. وكذلك تفقُّدُ إجابة داعي تعظيمِ حُرُماتِ الله من قلبه: هل هو سريع الإجابة لها، أم بطيءٌ عنها؟ فبحسَبِ إجابتِه الدّاعي سرعةً وإبطاءً تكون زيادتُه ونقصانُه. وكذلك صحبةُ أرباب العزائم المشمِّرين إلى اللَّحاقِ بالملأ الأعلى يعرف به ما معه من الزِّيادة والنُّقصان. والّذي يملك به ذلك كلَّه خروجُه عن العادات والمألوفات، وتوطينُ النّفس على مفارقتها، والغربةُ بين أهل الغفلة والإعراض. وما على العبد أضرُّ من ملكِ العادات له، وما عارضَ الكفّارُ الرُّسلَ إلّا بالعادات المستمرّة الموروثة لهم عن الأسلاف (٣). فمن لم يوطِّن نفسَه على مفارقتِها والخروجِ عنها والاستعدادِ للمطلوب منه، فهو مقطوعٌ، وعن فلاحه وفوزه ممنوعٌ. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].

стр. 347

فصل فإذا استحكمت يقظتُه أوجبت له الفكرةَ، وهي كما تقدَّم (١): تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماسًا له. وصاحب "المنازل" جعلها بعد "البصيرة"، وقال في حدِّها (٢): (هي تلمُّسُ البصيرة لاستدراك البغية). أي التماسُ العقل للمطلوب بالتّفتيش (٣) عليه. قال (٤): (وهي ثلاثة أنواعٍ: فكرةٌ في عين التّوحيد، وفكرةٌ في لطائف الصَّنعة، وفكرةٌ في معاني الأعمال والأحوال). قلت: الفكرة فكرتان: فكرةٌ تتعلَّق بالعلم والمعرفة، وفكرةٌ تتعلَّق بالطّلب والإرادة. فالّتي تتعلَّق بالعلم والمعرفة فكرةُ التَّمييز بين الحقِّ والباطل، والثّابت والمنفيِّ. والّتي تتعلَّق بالطّلب والإرادة فهي الفكرة التي تميِّز بين النَّافع والضَّارِّ. ثمّ يترتَّب عليها فكرةٌ أخرى في الطّريق إلى حصول ما ينفع فيسلكها، وطريقِ ما يضرُّ فيتركها. فهذه ستّة أقسامٍ لا سابع لها، هي محالُّ (٥) أفكار العقلاء. فالفكرةُ في التّوحيد استحضارُ أدلّته وشواهده الدَّالَّةِ على بطلان الشِّرك

стр. 348

واستحالته، وأنَّ الإلهيّةَ يستحيل ثبوتُها لاثنين كما يستحيل ثبوتُ الرُّبوبيّة لاثنين، فكذلك أبطَلُ الباطل (١) عبادةُ اثنين والتّوكُّلُ على اثنين، بل لا تصلُح العبادةُ إلّا للإله الحقِّ والرَّبِّ الحقِّ، وهو الله الواحد القهّار. وقد خبَط صاحبُ "المنازل" في هذا الموضع، وجاء بما يرغب عنه الكُمَّل من سادات السّالكين والواصلين إلى الله؛ فقال (٢): (الفكرةُ في عين التّوحيد اقتحامُ بحر الجحود). وهذا بناءً على أصله الذي أصَّله وانتهى إليه كتابُه في أمر الفَناء، فإنَّه لمَّا رأى أنَّ الفكرةَ في عين التّوحيد تُبعِد (٣) العبدَ من التّوحيد الصّحيح، لأنّ التّوحيد الصّحيح عنده لا يكون إلّا بعد فناء الفكر والمتفكِّر، والفكرةُ تدلُّ على بقاء الرَّسْم لاستلزامها مفكِّرًا وفعلًا قائمًا به، والتّوحيدُ التّامُّ عنده لا يكون مع بقاء رسمٍ أصلًا= كانت الفكرةُ عنده علامةَ الجحود واقتحامًا (٤) لبحره (٥). وقد صرَّح بهذا في أبياته في آخر الكتاب (٦): ما وحَّدَ الواحدَ من واحدٍ ... إذ كلُّ مَن وحَّده جاحدُ توحيدُ مَن ينطق عن نعته ... عاريّةٌ أبطَلَها الواحدُ

стр. 349

توحيدُه إيّاه توحيدُه ... ونعتُ مَن ينعته لاحدُ ومعنى أبياته: ما وحَّدَ اللهَ أحدٌ حقَّ توحيده الخاصِّ الذي تفنى فيه الرُّسوم، ويضمحلُّ فيه كلُّ أحدٍ (١)، ويتلاشى فيه كلُّ مكوَّنٍ؛ فإنّه لا يتصوَّر منه التّوحيد إلّا ببقاء الرّسم، وهو الموحِّدُ وتوحيدُه القائم به. فإذا وحَّده شهِد فعلَه الحادث ورسمَه الحادث، وذلك جحودٌ لحقيقة التّوحيد الذي تفنى فيه الرُّسوم، وتتلاشى فيه الأكوان. فلذلك قال: "إذ كلُّ من وحَّده جاحدٌ". هذا أحسنُ ما يُحمَل عليه كلامُه. وقد فسَّره أهلُ الوحدة بصريح مذهبهم (٢). قالوا: معنى "كلُّ من وحَّده جاحدُ" أي كلُّ من وحَّده فقد وصف الموحَّدَ بصفةٍ تتضمَّن جحدَ حقِّه الذي هو عدمُ انحصاره تحت الأوصاف. فمَن وصَفَه فقد جَحَد إطلاقَه عن قيود الصِّفات (٣). وقوله: (توحيدُ من ينطق عن نعته عاريةٌ) أي: توحيدُ المحدَثِ له النّاطقِ عن نعته عاريّةٌ مسترَدَّةٌ، فإنّه الموحَّد قبل توحيد هذا النّاطق وبعد فنائه، فتوحيدُه له عاريّةٌ أبطلها الواحدُ الحقُّ بإفنائه كلَّ ما سواه. والاتِّحاديُّ يقول: معناه أنَّ الموحَّد واحدٌ من جميع الوجوه، فأبطَلَ ببساطة ذاته تركيبَ نطق واصفه، وأبطَلَ بإطلاقه تقييدَ نعتِ موحِّدِه. قوله: (توحيدُه إيّاه توحيدُه)، يعني أنّ تَوحيدَه الحقيقيّ هو توحيدُه

стр. 350

لنفسه، حيث لا هناك رسمٌ ولا مكوَّنٌ، فما وحَّد اللهَ حقيقةً إلّا اللهُ. والاتِّحاديُّ يقول: ما ثمَّ غيرٌ يوحِّده، بل هو الموحِّد لنفسه بنفسه، إذ ليس ثمّ سوًى في الحقيقة. وقوله: (ونعتُ مَن ينعته لاحدُ)، أي نعتُ النّاعت له ميلٌ وخروجٌ عن التّوحيد الحقيقيِّ ــ والإلحادُ أصله: الميل ــ لأنّه بنعته له قائمٌ بالرُّسوم، وبقاءُ الرُّسوم ينافي توحيدَه الحقيقيَّ. والاتِّحاديُّ يقول: نعتُ النّاعت له شركٌ، لأنّه أسند إلى المطلَق ما لا يليق به إسنادُه من التّقييد، وذلك شركٌ وإلحادٌ (١). فرحمةُ الله على أبي إسماعيل، فتَح للزّنادقة بابَ الكفر والاتِّحاد (٢)، فدخلوا منه، وأقسموا بالله جَهْدَ أيمانهم: إنّه معهم ومنهم (٣). وغرَّه سرابُ الفناء، فظنّ أنّه لجّةُ بحر المعرفة وغايةُ العارفين، وبالغ في تحقيقه وإثباته، فقاده قَسْرًا إلى ما ترى. و"الفناء" الذي يشير إليه القوم ويعملون عليه: أن تذهبَ المحدَثاتُ في شهود العبد، وتغيبَ في أفق العدَم كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحقُّ تعالى كما لم يزل. ثمّ تغيبَ صورةُ المشاهِد ورسُمه أيضًا، فلا يبقى له صورةٌ ولا رسمٌ، ثمّ يغيب شهوده أيضًا، فلا يبقى له شهودٌ، ويصيرَ الحقُّ هو الذي يشاهِد نفسَه بنفسه، كما كان الأمر قبل إيجاد المكوَّنات. وحقيقته: أن يفنى

стр. 351

مَن لم يكن، ويبقى مَن لم يزل. قال صاحب "المنازل" (١): (هو اضمحلال ما دون الحقِّ علمًا، ثمّ جحدًا، ثمّ حقًّا. وهو على ثلاث درجاتٍ: الدّرجة الأولى: فناءُ المعرفة في المعروف، وهو الفناء علمًا. وفناءُ العِيان في المُعايَن وهو الفناء جحدًا. وفناءُ الطّلب في الوجود وهو الفناء حقًّا. الدّرجة الثّانية: فناءُ شهود الطّلب لإسقاطه، وفناءُ شهود المعرفة لإسقاطها، وفناءُ شهود العيان لإسقاطه. الدّرجة الثّالثة: الفناءُ عن شهود الفَناء ــ وهو الفَناء حقًّا ــ شائمًا برقَ العين، راكبًا بحرَ الجَمْع، سالكًا سبيلَ البقاء). فنذكر ما في هذا الكلام من حقٍّ وباطلٍ، ثمّ نُتْبِعُه ذكرَ أقسام الفناء، والفرق بين الفناءِ المحمودِ الذي هو فناء خاصَّة أولياء الله المقرَّبين (٢)، والفناءِ المذمومِ الذي هو فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود، وفناءِ المتوسِّطين الناقصين عن درجة الكمال، بعون الله وحوله وتأييده. فقوله: (الفناء اضمحلالُ ما دون الحقِّ جحدًا)، لا يريد به أنّه يعدَم من الوجود بالكلِّيّة. وإنّما يريد اضمحلالَه في العلم، فيعلَمُ أنَّ ما دونه باطلٌ، وأنَّ وجودَه بين عدمين، وأنّه ليس له من ذاته إلّا العدَم. فعدمُه بالذّات، ووجودُه بإيجاد الحقِّ له، فيفنى في علمه كما كان فانيًا في حال عدمه. فإذا فني في علمه ارتقى إلى درجةٍ أخرى فوق ذلك، وهي جحدُ السِّوى وإنكاره. وهذه أبلغ

стр. 352

من الأولى، لأنّها غيَّبته عن السِّوى، وقد يغيب عنه وهو غيرُ جاحدٍ له، وهذه الثّانيةُ جحدُه وإنكارُه. ومن هاهنا دخل الاتِّحاديُّ، وقال: المرادُ جحدُ السِّوى بالكلِّيّة، وأنّه ما ثَمَّ غيرٌ بوجهٍ ما. وحاشا شيخَ الإسلام من إلحاد أهل الاتِّحاد، وإن كانت عبارته موهمةً بل مفهِمةً (١). وإنّما أراد بالجحد في الشُّهود، لا في الوجود. أي يجحده أن يكون مشهودًا، فيجحد وجودَه الشُّهوديَّ العلميَّ، لا وجودَه العينيَّ الخارجيَّ. فهو أولًا يغيب عن وجوده الشُّهوديِّ العلميِّ، ثمّ ينكر ثانيًا وجودَه في علمه، وهو اضمحلالُه جحدًا، ثمّ يرتقي من هذه الدّرجة إلى أخرى أبلغَ منها، وهو (٢) اضمحلاله في الحقيقة، وأنّه لا وجود له البتّة، وإنّما وجودُه قائمٌ بوجود الحقِّ، فلولا وجودُ الحقِّ لم يكن هذا موجودًا، ففي الحقيقة: الموجود إنّما هو الحقُّ وحده، والكائناتُ من أثر وجوده. هذا معنى قولهم: إنّها لا وجود لها، وإنّها معدومةٌ وفانيةٌ ومضمحلّةٌ. والاتِّحاديُّ يقول: إنّ السّالك في أوّل سلوكه يرى أنّه لا فاعل في الحقيقة إلّا الله، فهذا توحيد العلم، ولا يقدر في طوره على أكثر من ذلك. ثمّ ينتقل من هذا إلى الدّرجة الثّانية، وهو شهودُ عَودِ الأفعال إلى الصِّفات، والصِّفاتِ إلى الذّات، فعاد الأمرُ كلُّه إلى الذّات، فيجحد وجود السِّوى بالكلِّيّة، فهذا هو الاضمحلال جحدًا. ثمّ يرتقي عن هذه الدّرجة إلى ركوب البحر الذي تغرق فيه الأفعال والأسماء والصِّفات، ولا يبقى إلّا أمرٌ مطلقٌ لا يتقيَّد باسمٍ ولا فعلٍ ولا صفةٍ، وقد اضمحلَّ فيه كلُّ معنًى وقيدٍ وصفةٍ ورسمٍ. وهذا

стр. 353

عندهم غاية السّفر الأوّل، فحينئذٍ يأخذ في السّفر الثّاني، وهو البقاء (١). قوله: (الدّرجة الأولى: فناء المعرفة في المعروف). يريد: اضمحلالَ معرفته وتلاشيَها في معروفه، وأن يغيبَ بمعروفه عن معرفته، كما يغيب بمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمحبوبه عن حبِّه، وبمَخُوفه عن خوفه. وهذا لا ريب في إمكانه ووقوعه، فإنَّ القلبَ إذا امتلأ بشيءٍ لم يبق فيه متَّسَعٌ لغيره. وأنت ترى الرّجلَ يشاهد محبوبَه الذي قد استغرق في حبِّه، بحيث تخلَّلَ حبُّه جميعَ أجزاء قلبه، أو شاهد المَخُوف الذي (٢) امتلأ بخوفه، فيعترضُه دهشٌ عن شعوره بحبِّه أو خوفه، لاستيلاءِ سلطانِ المحبوب والمخُوف على قلبه، وعدمِ اتِّساعِه لشهود غيرٍ (٣) البتّة. ولكن هذا لنقصه لا لكماله، والكمال وراء هذا. فلا أحدَ أعظمُ محبّةً لله من الخليلين، وكانت حالُهما أكملَ من هذه الحال. وشهودُ العبوديّة أكمَلُ وأتمُّ وأبلَغُ من الغَيبة عنها بشهود المعبود، فشهودُ العبوديَّةِ والمعبودِ درجةُ الكُمَّل، والغَيبةُ بأحدهما عن الآخر للنّاقصين. فكما أنّ الغَيبة بالعبادة عن المعبود نقصٌ، فكذلك الغَيبةُ بالمعبود عن عبادته؛ حتّى إنَّ من العارفين من لا يعتدُّ بهذه العبادة، ويرى إيجادها عدمًا (٤)، ويقول: هي بمنزلة عبوديّة

стр. 354

النّائم وزائل العقل، لا يُعتدُّ بها. ولم يُبعِد هذا القائل. فالحقُّ تعالى (١) مرادُه من عبده: استحضارُ عبوديّته، لا الغَيبةُ عنها. والعاملُ على الغَيبة عنها عاملٌ على مراده من الله وعلى حظِّه والتّنعُّمِ بالفناء في شهوده، لا على مراد الله منه. وبينهما ما بينهما! فكيف يكون قائمًا بحقيقة العبوديّة من يقول: "إيّاك نعبد"، ولا شعور له بعبوديّته البتّة، بل حقيقةِ "إيّاك نعبد" علمًا ومعرفةً وقصدًا وإرادةً وعملًا! وهذا مستحيلٌ في وادي الفناء، ومن له ذوقٌ يعرف هذا وهذا. قوله: (وفَناءُ العِيان في المعايَن، وهو الفَناء جحدًا). لمّا كان ما قبل هذا فناء العلم في المعلوم، والمعرفة في المعروف، والعيانُ فوق العلم والمعرفة، إذ نسبتُه إلى العلم كنسبة المرئيِّ إليه= كان الفناءُ في هذه المرتبة فناءَ عيانه في معاينه، ومحوَ أثره، واضمحلالَ رسمه. قوله: (وفَناءُ الطّلب في الموجود (٢)، وهو الفناء حقًّا). يريد: أنّه لا يبقى لصاحب هذا العيان طلبٌ، لأنّه قد ظفر بموجوده ومطلوبه، وطلبُ الموجود (٣) محالٌ، لأنّه إنّما يُطلَب المفقودُ عن العيان لا

стр. 355

الموجود، فإذا استغرَق في عيانه وشهوده فني الطّلبُ حقًّا. قوله: (الدّرجة الثّانية: فناءُ شهود الطَّلَب لإسقاطه، وفناءُ شهود المعرفة لإسقاطها، وفناءُ شهود العيان لإسقاطه). يريد: أنّ الطَّلَبَ يسقط، فيشهد العبدُ عدمَه. فهاهنا أمورٌ ثلاثةٌ مترتِّبةٌ. أحدها: فناءُ الطّلب وسقوطُه، ثمّ شهودُ سقوطه، ثمّ سقوطُ شهوده. فهذا هو فناء شهود الطّلب لإسقاطه. وأمّا فناء شهود المعرفة لإسقاطها، فيريد به: أنَّ المعرفةَ تسقُط في شهود العيان، إذ هو فوقها، وهي تفنى فيه؛ فيشهد سقوطَها في العيان، ثمّ يسقُط شهودُ سقوطها. وصاحب "المنازل" يرى أنّ المعرفة قد يصحبها شيءٌ من حجاب العلم، ولا يرتفع ذلك الحجاب إلّا بالعيان، فحينئذٍ تفنى في حقِّه المعارفُ، فيشهد فناءَها وسقوطَها؛ ولكن بعدُ عليه بقيّةٌ لا تزول عنه حتّى يسقط شهودُ فنائها وسقوطِها منه. فالعارفُ يخالطه بقيّةٌ من العلم لا تزول إلّا بالمعاينة، والمعايِنُ قد يخالطه بقيّةٌ من المعرفة لا تزول إلّا بشهود سقوطها، ثمّ سقوطِ شهودِ هذا السُّقوط (١). وأمّا فناء شهود العِيان لإسقاطه، يعني (٢) أنَّ العيانَ أيضًا يسقُط فيشهده العبدُ ساقطًا، فلا يبقى إلّا المعايَنُ وحدَه.
следующие страницы →